الأخبار
بالربط والتعليق.. 4 طرق غير متوقعة لتخزين البصلالمنظمات الأهلية تطالب بمحاسبة الاحتلال وتحقيق المصالحة كرد على جرائم الاحتلالمصر: كلية التربية النوعية بجامعة أسيوط تحي ذكرى المولد النبوي الشريففصائل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا تندد بالعدوان على غزةأغربها تورم الكاحل.. علامة تحذيرية بأن قلبك لا يعمل بشكل صحيحثقافة طولكرم تنظم ندوة ثقافية وشعرية في مدرسة بنات محمود الهمشريحيلة لتطويل الشعر 5 سم في 7 أياماليمن: المدير العام لمديرية المكلا يسلم مواقع العمل بمشاريع إعادة منشاءات أندية رياضيةطريقة رائعة لتخزين الملوخيةوزارتا العمل "الفلسطينية والروسية" تبحثان سبل التعاون المشتركفتح اقليم سلفيت: نواجه صراعا ديمغرافيا في المحافظةالشيوخي يلتقي رئيس جهاز حماية المستهلك المصري لبحث التعاون المشتركإضافات مهمة لتحسين الكيكللسيدات فقط.. طريقة لإزالة شعر الوجه في دقائق دون ألمالرئيس يهنئ زعيم الحزب الاشتراكي الاسباني بفوزه بالانتخابات التشريعية
2019/11/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

من نقد السماء إلى نقد الأرض بقلم:عبد الرزاق دحنون

تاريخ النشر : 2019-10-21
من نقد السماء إلى نقد الأرض
عبد الرزاق دحنون

عنوان مقالة مهمة للباحث الفلسطيني سلامة كيلة. وكنت قد تعرفت إلى سلامة كيلة في بيتنا في مدينة إدلب حيث زارني برفقة صديقنا المشترك الشاعر السوري صقر عليشي وكنتُ شاباً حينها أكتب بعض المساهمات الصغيرة في الفكر والأدب وانشرها في مجلة "الهدف" التي أسسها غسان كنفاني. ومن يومها رحت أتابع ما يكتبه هذا المفكر الجسور وقد كان جسوراً قولاً وفعلاً.

عنوان المقالة "من نقد السماء إلى نقد الأرض" نشرها أول مرة في مجلة الجديد التي تصدر في لندن في 1/5/2015 ونشرت في جريدة العرب اللندنية يوم الأحد 17/5/2015 ونشرت أيضاً في الحوار المتمدن في 23/11/2015وحصلت المقالة على "صفر مكعب" في تصويت القراء في الحوار المتمدن. ما الذي يريد منا سلامة كيلة أن نفهمه عن العلاقة القائمة ما بين الأرض والسماء؟ وهل يمكن لهذه العلاقة أن تضعف وبالتالي تنقطع؟

في العصر الحديث عرَّفت الفلسفة الماركسية الدين بأنه انعكاس وهمي للعالم، ناشئ من العجز، في الأدوار المبكرة للوعي البشري. وقد أُعيدت صياغة الفكرة من جانب الشاعر العراقي المتفلسف جميل صدقي الزهاوي. قال يخاطب الإنسان في بيتين من أطرف وأعمق ما نظم:

لما جهلت من الطبيعة سرها
واقمت نفسك في مقام معلل
صورتَ ربَّاً تبتغي حلاًّ به
للمشكلات فكان أعظم مشكل

لماذا أقلقت هذه العلاقة بين الأرض والسماء سلامة كيلة وهو الماركسي العنيد؟ وهل ما أشار إليه في ذلك العنوان الذي وسم المقال هو فعلاً نتيجة الميل الجارف الذي يجتاح اليسار والليبراليين إزاء نقد الدين، باعتبار أن داعش والنصرة والقاعدة وحزب الله وحماس والنهضة وبوكو حرام وطالبان بكل التطرف والتعصّب الذي يحكمها هي نتاج الدين.

بالتالي عادت "موضة" التركيز على الدين، والميل إلى نقد الدين، لكن من منظور سلبي محدّد مسبقاً، ينطلق من ممارسات تلك التنظيمات الجهادية. لهذا بات المسار باتجاه معاكس لما أشار إليه ماركس، فقد عدنا ننقد السماء بدل نقد الأرض.

يريد سلامة كيلة منا أن نعود لنقد أفعالنا كبشر "نقد الأرض" قبل أن يصل نقدنا عنان السماء خصوصاً أن نقد الأرض لم يحظ باهتمام طيلة العقود السابقة، وتاه الفكر بين تبرير الدين ونقد الاستبداد. حيث ساد الميل الشديد إلى تأويل الدين، في سياق طرح مسألة الحريات والديمقراطية. لقد حكمنا الفكر الغرب المُترجم من خلال رؤية غربية فاضحة، ولم يجرِ لمس واقعنا بما هو تكوين بشري وليس دول وكيانات فقط. فهل فعلاً نقد الدين يفضي بنا إلى مزيد من التقدم والرقي أم أن الأمر برمته كان له مهاده الطويل العريض في الغرب تلك الأيام التي انفتح فيها الفكر الغربي على نقد المنظومة الدينة وليس نقد الدين بحد ذاته.

أليس من الأجدر بنا العودة إلى المفكر العراقي هادي العلوي البغدادي واستيضاح مشروعه البحثي المهم، لأن مشكلة المواطن العربي ليست مع الدين، فالدين يعيش معنا من آلاف السنين وكان حيَّاً في زمن الحضارة والازدهار والرخاء، وكان حيَّاً في زمن الانحطاط والتخلف والجهل. مشكلتنا الحقيقية مع الدولة ومنظومتها الدينية التي تعمل على حماية مصلحة رجال الدولة ورجال الدين وفي الوقت نفسه وحرمان الناس من العيش الكريم من خلال ضيق ذات اليد التي تحرم المواطن الشغيل من أكل الكباب الذي صار حلماً يتحقق من العيد إلى العيد.

لقد أفضت السياسات الاقتصادية القائمة التي اشتغلت عليه الحكومات العربية إلى دفع كتلة مجتمعية كبيرة نحو الفقر والبطالة والتهميش، ونشوء عشوائيات ومدن صفيح، ومناطق مهملة. لهذا نشأت حالة من الشعور بالعجز عن الحياة، حيث لا عمل، والأجور لا تكفي، والأفق مسدود ويزداد انسداداً. هذه الحالة أطلقت تمرّداً اتخذ شكلاً دينياً لأن قوي اليسار عجزت عن ضم هؤلاء إلى منظومتها الفكرية.

السؤال الذي ألحَّ عليه سلامة كيلة: هل التطرف الذي يتخذ من الدين أصلاً له هو نتاج لواقع ما، وبالتالي يمكن أن يتخذ أشكالاً أخرى مثل التعصب القبلي أو التعصب الليبرالي أو حتى التعصب الشيوعي؟ بمعنى هل أن الأصل في الواقع الذي ينتج فئات تميل إلى التطرف، أو في الأفكار التي تجعل المسالم متطرفاً؟ فمثلاً من يعود إلى ستينات القرن العشرين وسبعيناته سيجد أن الذين انتموا إلى العنف المسلح الثوري هم من البيئات ذاتها التي تخرج منها الآن العناصر التي تنضم إلى داعش أو النصرة. ويُتابع ويسأل: بمَ نفسّر ذلك؟ وهي الفئات التي يمكن أن تشكّل قاعدة للثورة الاجتماعية.

يؤكد في سياق المقال:

لا شك في أن هناك بيئات مهمشة، وواقعاً تعليمياً منهاراً، وتسرّباً كبيراً، وحالة فقدان الأمل في مستقبل يسمح بالعيش فقط، ومنها يخرج هؤلاء المتطرفون. هناك بيئات مكبوتة بكل معنى الكلمة، وأخرى لا تزال تعيش على هامش العصر الحالي في مجاهل القرون الوسطى. هذه بيئات مغذية للتطرف، وتسمح بقبول الأفكار التي تلامس الموروث، أو الوعي التقليدي، الذي يقوم على الدين بكل تبسيطه للموروث. ويصبح الأمر مفهوماً حين تدعو تلك الأفكار إلى التطرف، فالأزمة المجتمعية التي يعيشها هؤلاء تفرض الاستجابة لهذه الأفكار.

أليس هذا هو الواقع الذي يجب نقده؟ نقد التخلف وكشف أسبابه، ونقد الفقر والتهميش وكشف النهب الذي تمارسه الفئات المسيطرة، والتعبير عن طموح هؤلاء المفقرين ببديل يحقق إنسانيتهم. لماذا التخلف والفقر والتهميش وبقاء ذاك الوعي التقليدي؟ من يُجيب عن هذه الأسئلة يمكنه التأثير في الواقع المعاش تأثيراً إيجابياً.

إن نقد الدين في هذه الحالة لا يقدم شيئاً سوى زيادة التشوش، حيث يمكن أن يعالج أمر الدين في سياق آخر، يتعلق بالبحث التاريخي، أما حينما نلمس الواقع فيجب أن نتناول الواقع ذاته. ليس نقد الدين ما يفيد هنا بل نقد الواقع. هنا نلمس الفعل القصدي لاستغلال الفكر الأصولي، وغرزه بالقوة في المجتمع. وهي العملية التي دعمتها بقوة نظم التخلف والاستبداد في المنطقة.

لهذا مع بداية الألفية الجديدة ظهر “الإسلام السياسي” كبديل كامل عن حركات اليسار، وأصبح وجه جيفارا مغطى بوجه بن لادن. وإذا كانت حركات أصولية قد ظهرت كقوة لمواجهة النظم في أكثر من بلد، وباتت حماس هي حركة التحرير الفلسطينية، وحزب الله "سيد المقاومة" فقد بتنا الآن في إطار أشمل، حيث أن هذه الحركات، مع نشوء تنظيم القاعدة، قد باتت هي المقاتل ضدّ الإمبريالية.

لا تهربوا إلى نقد السماء فهي موجودة في الأرض، انقدوا كل ما يدفع إلى جعل الشعوب تريد العزاء الروحي، واشتغلوا على تغيير الواقع الذي ينتج ذلك، اشتغلوا على واقع يحمي إنسانية الإنسان، ويسمح له بحياة كريمة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف