الأخبار
فنان مصري شهير يكشف تفاصيل إصابته بورم حميد(حشد) ترحب بموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة تمديد ولاية وتفويض "أونروا"تنقل 2175 مسافرًا عبر (معبر الكرامة) أمس الجمعةتخضع لجراحة مدتها 10 ساعات وهي مستيقظةلبنان: إستحداث مديرية جديدة في الجيش اللبنانيانطلاق أعمال لقاء الأمانة العامة الرابع عشر للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج بإسطنبولاليمن: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تدشن إمتحانات الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي 2019-2020"سعيد آل نهيان"ستقبل بمطار العين أولى رحلات طيران الجزيرة القادمة من الكويت"Santa Run" فعالية للفت الانظار لـ"بيت جالا" ضمن فعاليات الاعياد الميلادية المجيدة‫شركة هالو ماريتايم تفتتح مقرا لها في البحرينملتقى السمالية الربيعي ينطلق غداً في جزيرة السماليةاعتصام جماهيري غاضب بمخيم البداوي لمطالبة "أونروا" بخطة طوارئ عاجلةقاسم: غزة ستكون اليوم أمام حشد مهيب إحياء لذكرى انطلاقة حماسالمقاومة الشعبية: حماس بذكرى انطلاقتها 32 شكلت حاضنة وطنية لمشروع المقاومة
2019/12/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كل الكلاب أحسن من حمّور بقلم:جهاد الدين رمضان

تاريخ النشر : 2019-10-08
كل الكلاب أحسن من حمّور بقلم:جهاد الدين رمضان
كل الكلاب أحسن من حمّور 

   تعرفت على الشاب السوري "حميد" في الكورس الحالي (دورة تعلم اللغة الألمانية) منذ بضعة أيام ، شاب معتدل الجسم قوي البنية أسمر الوجه، عمره في حيطان الثلاثين أو أقل، لحق بي إلى الباحة في الباوزةdie Pause  (الفرصة بلغتنا) لتمتين التعارف بعد أن عرف بأنني حلبي من بلده السوري العظيم، سلم علي بحرارة و ضيفني سيكارة، و قال :

• اهلين و سهلين بأبن البلد، محسوبك حميد من فصط حلب.

ابتسمت له و قلت :

• مية السلامة بالعينتين ، و أهلين و مرحبتين، هي أول كورس إلك هون ولا إعادة متلي؟

حرك رأسه يمين و شمال، و نظر إلى الأرض بخجل، و قال :

• والله يا استاذ هي تالت مرة أعيد فيها الكورس، بعيد عنك صاير طشم في المرة، تدخل الكلمة بأدني اليمين تطلع من الشمال، و مخي تقول مسطّم بالمرة.

ضحكت من مفرداته التي لم اسمعها منذ زمن بعيد، حاولت مواساته بقولي أن هذه اللغة صعبة جداً، و هذا حال معظمنا ولا سيما التعلم على كبر.

وافقني مبتسماً و قال لي و قد زال الخجل :

• سمعت منك عندما عرفتَ عن نفسك في الصف بأنك محامي سابق ، و حالياً تكتب قصص و حكايات ، دخيلك بدي منك تكتب قصتي بلكي تعتبر منها الناس يا استاذ؟

رميت بعقب السيجارة في المنفضة الكبيرة، و عدت اسأله :

• خير، ايش فيها قصتك زيادة عن الناس حتى يعتبروا منها؟

حك رأسه قليلاً و أجاب :

• قصتي متل بقية الناس بس يمكن مختلفة شوي، أنا طلعت من حارتي "قاضي عسكر" يوم الضرب بالبراميل، خافوا علي أهلي و بعتوني على تركيا مع قرشين ملاح، قالوا لي بتشتغل فيهم بمصلحتك و تصمّد و تتجوز، و نحن إلنا الله ما بينسانا إذا نسيتنا أنت.

قاطعته قائلاً :

• الحمد لله على السلامة و بارك الله في والديك.

عرك حميد عينيه و قال بأسى واضح :

• الله يسلمك و يبارك فيك و يرحم والديك، أهلي اعطوك عمرهم بعد سنة و نصف من وداعهم، نفدوا من البراميل بس راحوا مع البناية بصاروخ روسي ملعون .

لم أعرف ماذا حلّ بي عندما تخيلت هذا الموت الشنيع ، قلت بحسرة و قهر :

• لا حول ولا قوة الا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل، و الرحمة و المغفرة على أرواحهم و كل شهداء الظلم.

رد محدثي بلطف :

• تعيش و تسلم استاذ ، هي حال الدنيا، شو بدنا نعمل مو طالع في ايدنا شي غير نقول الله ع الظالم.

بس مو هي حكايتي اللي بدي تكتبها، في الصرفة إذا ما عندك مانع نقعد في شي قهوة، و احكيها لك على رواق.

قلت له لا بأس، فاليوم طويل و الوقت بكير على الغداء بعد انتهاء الدرس. 

..........................................

و هكذا كان ، قعدنا في مقهى قريب، و أكمل حميد قصته مع شرب القهوة و التدخين، استأنف حديثه قائلاً :

• هادا يا استاذ لما جيت على تركيا تهريب، طلعت على "غازي عنتاب" لأنها قريبة من حلب و تشبه حلب و فيها حلبية كتير، قعدت كم يوم عند اصحابي لبين ما جسّيت السوق، و الله أنعم علي بأن لقيت قبو استأجرته و عملته ورشة صغيرة للحبكة و الخياطة ، و بنفس الوقت عملته سكني و منامتي و على الله توكلت، صرت آخد شغل من المعامل و الورشات الكبيرة و مشي حالي مليح، كنت أطالع قرشين نضاف، اتعيّش منهم و ابعت لأهلي و أصمّد شوي، بعد ما ماتوا أهلي لعبوا بعقلي رفقاتي، و قالوا لي ايش لك قعدة هون مع الشغل و التعب من بعد ما استشهدوا أهلك؟ روح طلاع على أوربا متل باقي الناس، أكل و مرعى و قلة صنعة، و يمكن الله يبعتلك صبية ألمانية أحن من ماما "ميركل" تتفشكل فيها و تحبك و تعطيك قلبها و بيتها و سيارتها و حساب في البنك، روح اطلع قبل ما تسكر الطريق و تندم على فوات الجنة و الكنز.

ضحكت قليلاً لدى سماعي هذه الذرائع و التبريرات الواهمة ، و قلت له :

• نعم هذا صحيح ، معظم الناس ظنوا أوروبا جنة الله على الأرض، و هي جزيرة الكنز بالتأكيد!

أشعل حميد سيكارة و ناولني الثانية و أكمل القول :

• صح لسانك يا استاذ، أنا هيك صدقت ، و قلت لحالي و الله كلام الشباب عين الصواب، قمت صفّيت الورشة و بعت الماكينات و سلمت القبو لصاحبه التركي مع جوك تشكر افندم و السلام.

طلعت بعدين على "ازمير" و منها ركبت "البلم" بسبعمية دولار، و بعون الله صرنا في اليونان بعد ساعتين تلاتة، طلعت بآخر الصيف في الألفين و خمسطعش ، و الحمد لله كان البحر هادي متل البلاطة، و الطريق فاضي من حرس السواحل و "الجندرما" التركي، قعدنا كم يوم في الجزيرة اليونانية الكبيرة لبين ما عطونا "الخارطية" و خرطنا حالنا متل النمل في العبارة الكبيرة على "أثينا".. ما شاء الله ما أكبرها، تقول عنها (العبارة) عقد حارتي في حلب أو أقل ، مدينة صغيرة عائمة يا سيدي.

المهم يا استاذ بلا طول سيرة اكملنا طريقنا إلى أوروبا كما تعرف ،شي مشي و شي بالقطار، لحتى ما مسكوني في فيينا هون في محطة القطار الرايح على ألمانيا، و اجبروني على التبصميم و حطوني في الكامب، و بعد سنة عطوني لجوء خمس سنوات، و قالوا لي بعدها يا الله على الدراسة و الشغل.

طلعت شغلة الجنة و الكنز كذبة كبيرة، لأني بعد الكامب سكنت مع أربعة "نفر" في غرفة واحدة، أربع رجال و خامسهم كلب (محسوبك يعني) كل واحد من بلد، شي سوري، شي عراقي، شي مغربي، و ايراني واحد للغيظ.

قلت له :

• هذا عادي في كل أوروبا، السكن الشبابي المشترك كثير المساوئ، و عليك التأقلم معه إلى حين.

دق حميد بقبضته على الطاولة تعبيراً عن الحنق، نظر في وجهي و قال بغضب :

• و الله يا استاذ عيشة الكلاب أحسن من عيشتي معهم، مرة يسكر أحدهم، و مرة يحشش الآخر، و مرة يطبخ الثالث في الفجر، و الرابع يصلي العصر مع اللطم و الضرب... اشتهيت – العفو منك استاذ – أكون كلب و لا أشوف هالذل ، و بشرفي و حق المصحف الكلاب هون أحسن و أغلى من اللاجئ يا خاي.

ضحكت رغم سواد الصورة و معرفتي بما يقول، قلت له :

• في هذه معك حق، لقد رأيت الكلب أعلى شأناً من الإنسان في هذه البلاد، يمنحوه اسم و بطاقة هوية و سجل في البلدية، و لقاحات و أغذية و حمامات و حدائق و اوتيلات و أطباء و جلساء و كل ما يخطر على بالك من فنون الدلال.

نفخ حمود آخر نفس من دخان سيكارته متأملاً في وجوه الناس عبر زجاج المقهى، و قال بحزن :

• يا حيف عليك يا ابن حلب، رضيت أصير كلب متل باقي الكلاب حتى تعلمت أعوي و أنط، لكن ما قبلوا فيني.

طبطبت على كتفه و قلت :

• نعم يا حيف، كل الكلاب أحسن منّا يا حمّود، و الحق على حمّور الكلب الكبير...
----------------------------------------------
جهاد الدين رمضان 
 في فيينا ١٨ تموز ٢٠١٩ 

*النص من وحي مذكراتي و أحداث اليوم و العنوان مثل شعبي معروف ، و الصورة تمثل موكب اللاجئين في البلم من أعمال الفنان السوري وليد سالم كموش متوفرة في محرك البحث غوغل.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف