الأخبار
ذبح مصرية على يد والدها وشقيقهاشاهد: موقف محرج للفنان محمد رمضان في حفله الأول بالسعوديةبعد رونالدينيو.. محمد رمضان يشتري مرسيدس نادرة بمعرض الرياض للسياراتالسعودية.. معلم ابتدائي يتقدم ببلاغ غريب للشرطة بسبب مافعله الوكيلمصر.. الأزهر يؤكد فرض الحجاب برد قاطع من القرآن الكريم"الديمقراطية" ترحب بموقف الاعضاء الـ14 بمجلس الأمن وتدعو لتطويره نحو الاعتراف بفلسطينهيئة الأسرى: عريضة الكترونية عالمية تضامنا مع المعتقل الاداري أُبي العابوديعودة يحذّر من عدوان عسكري يقوده نتنياهو التفافا على قضايا الفسادجمعية صحفيي الجزائر العاصمة يتضامنون مع المصور الفلسطيني معاذ عمارنهمحافظة سلفيت تستضيف نائب رئيس حركة فتح وعضو اللجنة المركزية دلال سلامةالنائب جبارين: نتنياهو عنصري وفاسد وعليه اعتزال السياسةالسفير زملط يرحب بإدراج حزب العمال الإعتراف بدولة فلسطين ببرنامجه الانتخابيجمعية منتدى التواصل توقع اتفاقية لتوظيف 151 خريجًا بغزة"تآلف" يدين إغلاق الاحتلال المؤسسات الفلسطينية بالقدسالاحتلال يفرج عن محافظ القدس ومدير التربية ورئيس مجلس أولياء الأمور
2019/11/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التحولات الثقافية والسياسية في اليمن قراءة في رواية (ابنة سوسلوف)

تاريخ النشر : 2019-10-06
التحولات الثقافية والسياسية في اليمن
قراءة في رواية (ابنة سوسلوف) للأديب حبيب عبد الرب سروري
بقلم: نجيب نصر

***
*
تمهيد عام:
تعود قراءتي الأولى لهذه الرواية إلى فبراير 2015 عندما اقتنيتها من معرض الكتاب في الدار البيضاء، المغرب، وقد سحرتني بسلاستها اللغوية، وإيقاعها السريع الذي لا يجعل الفكر يقف عند كلماتها لتفحصها والغوص في معانيها، وهذا الشيء الذي أراه ميزة في الرواية قد يراه شخص آخر مأخذا عليها، باعتبار أن البعض يبحث عن التعقيد والغموض، لكن؛ حين نعود إلى الفكرة الرئيسية للرواية التي تعيد صياغة تاريخ اليمن المعاصر في قالب روائي، فإننا سوف نتبين أن الكاتب أراد إيصال رسائل صريحة ومباشرة عن طريق لغة واضحة ومفهومة، لا يجد القارئ صعوبة في فهمها.

ومن قراءتي الأولى للرواية خرجتُ بانطباع جيد عنها، ابتداء من عنوانها الجذاب الأنيق الذي يعتبر العتبة الأولى المشوقة للقراءة، يجعل القارئ يتساءل من تكون ابنة سوسلوف؟، وانتهاء بالمضمون التاريخي والثقافي الذي تعيد الرواية صياغته.

ولكن، بعد فترة طويلة من القراءة الأولى، أربع سنوات ونصف، ارتأيت أن أعود إليها بقراءة ثانية أكثر تفحصا من سابقتها، فأحضرت الكراسة القديمة التي دوّنتُ عليها ملاحظات القراءة الأولى وأضفت عليها ملاحظات جديد، وهي ما سأستعرضه في هذه الأسطر.

***

في البداية، أرى أن أقسم هذه القراءة إلى محاور رئيسية وفقرات فرعية، ليسهل الإلمام بالموضوع وإيصال الفكرة بترتيب سليم، لذلك، سأقسمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أما القسم الأول فسأجعله إطلالة عامة حول الرواية (تصورا عاما عنها، وعن شخصياتها، وزمانها ومكانها، وأحداثها)، وأما القسم الثاني فسأتطرق من خلاله إلى توضيح طبيعة الصراعات الثقافية والسياسية التي وردت في الرواية، مع تحليل لبعض جزئياتها وإبداء الرأي حولها، وأما القسم الثالث فسيكون للملاحظات العامة حول الرواية.

***

*
القسم الأول: إطلالة عامة على الرواية.
أولا: ملامح عامة.
تصور الرواية طبيعة الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في اليمن، سواء اليمن الموحد أو اليمن المقسم إلى شطرين جنوبي وشمالي، في لغة سلسة، تعتمد على الإيقاع السريع المرن، لكنها لا تهبط إلى عمق النفس البشرية وعمق المجتمع لتجوس تحولاته، وتتفحص تفاعلاته وحركته، فجاءت بلغة هوائية تنعش القارئ لكنها لا تروي عطشه، ولا تشبع فضوله.

فهي رواية يمكن تصنيفها ضمن الروايات الواقعية التاريخية؛ لأنها تصور حال اليمن في النصف الثاني من القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين مع تحديد التواريخ بدقة كبيرة بالاعتماد على الراوي (المتكلم) بطل الرواية، الذي ولد في عدن عام 1956، وسمي عمران، نسبة إلى اسم جزيرة بالقرب من مدينة عدن.

سيعرفنا عمران، بطل الرواية، على حياته منذ طفولته في حي الشيخ عثمان، ليعطينا صورة عامة عن حياة الناس وطبيعتهم، كما سيعرفنا على الثقافة العدنية السائدة في تلك الفترة وما بعدها من تحولات سياسية وثقافية حتى يصل إلى منتصف السبعينيات حين يحصل على منحة دراسية إلى فرنسا، وما يحدث بعدها في اليمن من صراعات دموية كثيرة وصولا إلى ثورة 11 فبراير 2011.

يعتمد الراوي في حكايته على تقنيتين رئيسيتين: الأولى أسلوب الحكي المباشر مع طرف آخر، وقد اختار ملك الموت (عزرائيل) ليحكي له قصته، حيث جعله صديقا عزيزا، يطلب منه إذا جاء ليقبض روحه أن يسمح له ببعض اللحظات ليحكي قصة حياته ونضاله.

وقد وصف عزرائيل بأوصاف كثيرة منها (هادم الملذات، ومفرق الجماعات) و(ناهب الأرواح) و(قابض الأرواح)، (سارق الأرواح) وغيرها من الأوصاف التي كان يستبقها في كثير من المرات بكلمة (عزيزي أو حبيبي)، وقد تكررت هذه الأوصاف في الرواية أكثر من أربعين مرة، في صيغة خطاب مباشر، ولعله اختار هذه التقنية ليبوح بكل ما في نفسه بوضوح تام.

أما التقنية الأخرى، فهي الاعتماد على منشورات الفيسبوك، فنجده يقول: من حائطي على الفيسبوك، أو من حائط الصديق، ويرمز له بحرفين من اسمه. وسنبين لاحقا هل كان موفقا في استخدام هاتين التقنيتين أم لا؟.

***

*
ثانيا: نبذة مختصرة عن الرواية.
أولا: شخصية البطل (عمران).
يُطل البطل علينا بصورة المثقف اليساري، الشاب المناضل المؤمن بالاشتراكية ومبادئها، يُخيَّر بين الدراسة في ألمانيا أو فرنسا، فيختار فرنسا ليراقب سقوط الرأسمالية وغروب شمسها عن قرب، كما يزعم، لكن الحياة تعارض طموحه وأفكاره، فيتعرض للهزائم الواحدة تلو الأخرى، ابتداء بانهيار الاشتراكية وسيطرة الرأسمالية على العالم.

ثم الهزيمة الثانية التي تمثلت بانهيار الحزب الاشتراكي في اليمن وهزيمته في حرب 94. ثم الهزيمة الثالثة التي أججت في صدره الحقد على السلفيين بشكل خاص، والمتدينين بشكل عام، والمتمثلة بفقدان زوجته نجاة في تفجيرات باريس في 25 يوليو عام 95م.

ربما هذه الهزائم المتلاحقة حولته إلى شخص حاقد متذمر، يرمي بالتهم على أعدائه باعتماده على السماع والأخبار المتداولة بشكل عام، فهو لم يعش الحدث ليحكم عليه بنفسه، ولم يصنع له عالما يطل من خلاله على الأحداث الدقيقة ويتكلم عنها عن قرب، بل يسرد تاريخا عاما يعرفه الجميع، ويعيد ترتيب أحداثه ويبدي آراءه حوله بكثير من التشنج والتعصب الذي يصل إلى احتقاره للآخرين وشتمهم.

لتظهر شخصية عمران (المناضل اليساري) في الأخير شخصية هشة ضعيفة لم تستطع فرض نفسها وثقافتها على غيرها فألقت باللوم على الآخرين.

ثانيا: مجمل الرواية.
تبدأ الرواية بتحديد الزمان والمكان، حيث حددت الزمان بـعام 1962 حين كان في السادسة من عمره، وحدد المكان بحي الشيخ عثمان في عدن، حين كان يمر (الحساني) أمام الصبيان فيرميه أحدهم بحجر، ليرد عليهم: (أيري بامه من جدلنا)، ليلتف حوله الأطفال يرددون: (صلى الله عليه وسلم)، التي استعاروها من الموالد الدينية.

ينطلق الراوي من هذا المدخل الساحر البديع، ليتذكر ما حدث بعد 8 سنوات من شعارات ثورية حماسية، منها:

عادت الأرض بالقوة وبالانتفاضات

عنف بالعنف لولا العنف الإقطاع ما مات

ولولا العنف ما العالم تفجر ثورات

ولولا العنف ما سقطت جميع الحثالات

ليربط بين هذه الشعارات، والشعارات التي ستظهر بعد أربعين سنة في ساحة التغيير في صنعاء في ثورة 11 فبراير 2011، حيث يدوي صوت مجذوب كما يصفه بـ: (كلما زدنا شهيد).

ليردد الفدائيون بقولهم: صرنا ثوار من حديد.

بهذا المسار يرسم الراوي خريطة حكايته، ليبدأها بدكان الأعمى (سيف العريقي)، حين كان يأتي إليه كل يوم ليجلس على جواني السكر يتعجب من قدرة الأعمى على التحرك في دكانه وإجابة طلبات الزبائن دون عناء، وتلتقي نظراته بنظرات (فاتن) أو (هاوية) كما يحب تسميتها التي تأتي إلى حيهم بين فترة وأخرى وتقف على باب الدكان، لتنشأ بينهما قصة حب صامته.

ليعرفنا بعدها على (فاتن) ابنة سالم الذي درس الماركسية اللينينية في موسكو وعاد إلى عدن ليُعين رئيسا للمدرسة العليا للعلوم الماركسية اللينينية، ليُطلق عليه لقب (سوسلوف الحزب) نسبة إلى ميخائيل سوسلوف مسؤول الدائرة الأيديولوجية في الحزب الشيوعي السوفيتي حينها.

تمر السنين، ويسافر عمران إلى باريس للدراسة ويلتقي بفتاة من أب يمني وأم فرنسية اسمها (نجاة) التي يتزوجها، ثم تموت في تفجيرات أنفاق باريس عام 1995، ليظل حاقدا على الإسلاميين، وخصوصا السلفيين الذين يصفهم بالظلاميين.

يعرفنا أيضا على التحولات السياسية في اليمن الديمقراطي، التي نتج عنها مجزرة 86 بين الرفاق في الحزب الاشتراكي اليمني، والتي بعدها هرب الحزب إلى الوحدة مع الشمال، بسبب الصراعات الأهلية الداخلية بالحزب.

في خضم هذه الأحداث، تركت فاتن عائلتها بسبب الصراعات الأهلية التي لا تنتهي بين أبيها وأمها، وهربت إلى الشمال أيضا ليلتقيها عمران في بيت أخته سمية في صنعاء عام 1996، وقد غيرت اسمها إلى أمة الرحمن، وتزوجت من ابن الإمام محمد الهمداني، ليكشف من خلالها تستر المتدينين بالدين.

كما يكشف خيانة السلفيات لأزوجهن من خلال ممارسة الجنس المحرم معه في شقته في صنعاء، لتستمر لقاءاتهم حسب مدة إجازته في اليمن أسبوعين أو كثر قليلا في كل عام، لمدة اثني عشر عاما، لتكون آخر زياراته إلى صنعاء في 11 مارس 2011، ليشارك في الثورة ثم يغادر صنعاء إلى عدن ومن عدن إلى فرنسا في 21 مارس 2011، ليبدأ حياة جديدة مع صديقته الصينية القديمة في مركز البحوث تدعى (يانليو)، ولم يعد يهتم بعدها بأمر فاتن (أمة الرحمن).

***

*

ثالثا: الزمان والمكان.
يمتد الزمان في الرواية من مطلع الستينيات من القرن العشرين حتى فترة اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011 وما بعدها بقليل.

أما المكان فيتعدد بين عدن وصنعاء بصورة أساسية، مع ذكر بعض اللقطات في باريس وجزيرة كورسيكا حيث احتفل بعيد ميلاد نجاة العشرين.

***
*
رابعا: أحداث هامة توثقها الرواية.
تسعى الرواية للكشف عن تحولات الثقافة والفكر في مدينة عدن منذ مطلع الستينيات حين كانت النقطة المضيئة في الشرق الأوسط في فترة نهاية الاستعمار البريطاني، وما تلاها من بداية الكفاح المسلح ضد الانجليز عام 1963، ثم انتكاسها ودخولها مرحلة العنف والفوضى منذ استقلال جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عام 1967، ثم الانقلاب الذي حمل اليسار إلى السلطة وأسس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1969 مرورا بالحرب الأهلية بين الأطراف السياسية المتنازعة في رأس قيادة اليمن الديمقراطي في يناير 1986 الذي خلف 13 ألف قتيل.

ثم بعدها بأربع سنوات في 22 مايو 1990 يتوحد اليمن شمالا وجنوبا. ليصور الوضع بعدها بقوله:

"وبعد ذلك بأربع سنوات فقط اجتاح الجنوب تحالف قوىً سلفية وقبلية وعسكرية وجهادية في رأس السلطة، بعد حرب طويلة انتهت في يوم مشؤوم 7 يوليو 1994"ص62.

من 2006 إلى 2009 تدخل اليمن في دوامة صراعات سياسية، الحراك الجنوبي يطالب بانفصال الجنوب، والحوثي في صعدة يشن الغارات على الدولة، بعدها تضرب اليمن ثورة 2011 التي تطيح برأس النظام، ليعود عمران في 21 مارس 2011 إلى فرنسا لمراقبة الأحداث من بعيد.

***

*

خامسا: الشخصيات.
الشخصية الرئيسة في الرواية هي شخصية عمران، البطل والراوي في الآن نفسه، لتأتي بعده شخصية (فاتن) التي ربطها الراوي معه منذ البداية، ويمكن تسميتها بـ(بطلة الحكاية)، حيث كانت هي الأساس لمحور الرواية كما يوضح العنوان. أما بقية الشخصيات فهي شخصيات مساعدة، تكمل الحدث والحبكة. ويمكن توضيح هذه الشخصيات فيما يلي:

- عمران، الراوي والبطل.

- فاتن أو (هاوية) كما يحب عمران أن يسميها، أو (أمة الرحمن) التي غيرت اسمها بعد انتقالها إلى الشمال، وانضمامها للسلفية. (ابنة سوسلوف).

- نجاة، من أب يمني وأم فرنسية، التي تعرف عليها في باريس، وتزوجها، توفيت في انفجارات باريس 25 يوليو 1995.

- سمية أخت عمران، سكنت صنعاء بعد الوحدة، وتخلت عن الفكر الماركسي واعتنقت السلفية، وصارت صديقة مقربة لأمة الرحمن.

- ابتهال زوجة صديق قديم مقيم في بريطانيا التقاها في باريس.

- الدكتورة دينا، التي كان يهرول إليها للحصول على المتعة في عدن.

- حامد صديق عمران، الذي عرفه على الدكتورة دينا.

- سالم وزوجته فيروز، والدا فاتن، وقد كان سالم ماركسيا لينينا أطلق عليه لقب (سوسلوف الحزب).

- الإمام محمد الهمداني، رئيس السلفيين، و(جامعة التقوى) في صنعاء، وابنه عمر الذي تزوج أمة الرحمن (فاتن).

- وشخصيات أخرى حقيقية، ذكرت في الرواية مثل (الزنداني، أسامة بن لادن، والرفيق سالمين...)

- وشخصيات ثانوية ذُكرت في الرواية مثل العم سيف العريقي (الأعمى) وابنه الكبير علوان، الحساني الصوفي صاحب شعار (أيري بامه من جدلنا).

فيما سبق استعرضنا الصورة العامة للرواية (أحداثها زمانها ومكانها وشخصياتها)، وفيما يلي سوف نستعرض الأفكار التي أرادت الرواية أن توصلها.

***

*

القسم الثاني: الصراعات الثقافية والسياسية وتحولاتها (تحليل ونقد).
يستعرض الراوي الثقافات السائدة في اليمن في النصف الثاني من القرن العشرين، وما تخللها من صراعات سياسية، وتحولات دراماتيكية عنيفة، يتضح ذلك بجلاء من خلال شخصيات الرواية، ويمكن توضيحها فيما يلي:

أولا: ثقافة الشخصيات.
رغم الأوصاف التي يغدقها الراوي على عدن بأنها مدينة الثقافة والانفتاح، إلا أن الأحداث في الرواية تدفع إلى القول بأن الثقافة في عدن وفي مدن الجنوب اليمني بشكل عام، لم تكن قوية ومتمكنة، بل كانت هشة وضعيفة، وهذا يتضح من خلال شخصيات الرواية، والتحولات الجذرية للمجتمع، وسنناقش هذا الموضوع فيما يلي:


1- شخصية عمران بطل الرواية.
ظهر عمران في الرواية بصورة سلبية جدا، فقد الإحساس بالزمان والمكان، وطبيعة المجتمعات ونموها، ووسائل تغييرها وتطويرها، فظل بعيدا عن واقعه لا يرى الحياة الحقيقية إلا من باب الشهوة والحرية المفتوحة والحياة البوهيمية، تجذبه البارات وصور النساء العاريات المتحررات، ليكون ذلك في نظره قمة الانتصار والتحرر.

أما خصومه فيواجههم بسلاحه الوحيد السخرية والاستهزاء والنقد وكثير من الشتائم والاتهامات المتشنجة. فرغم ثقافته النضالية في شبابه التي صقلتها الغربة إلا أنه لم يكن مؤثرا، بل ظل يبحث عن الفرائس السهلة التي تأتي إليه دون موعد، ليحاول الانتقام من الأسد بأكل بقايا طعامه معتبرا أن هذا الطعام من حقه هو وحده، لتصير تلك غاية نجاحاته وأقصى طموحاته.

ولو تتبعنا إسهاماته النضالية في شبابه سنجدها قليلة ومحصورة في أعماله الحزبية، ويمكن ترتيبها على الشكل التالي:

الأولى: الخدمة الوطنية، حيث عمل مدرسا في إعدادية الشيخ عثمان. وهذه الخدمة لا يمكن جعلها مبادرة تطوعية ذاتية، بل هي إلزامية فرضت عليه من الدولة.

الثانية: عمل سكرتيرا ثانيا للمنظمة القاعدية للحزب الاشتراكي اليمني.

الثالثة: مبادرة لمحو الأمية من كل عمال النظافة أو ما يسميهم المجتمع بالأخدام، الذين صنفتهم الثورة فيما بعد بـ(البروليتاريا الرثة).

الرابعة: استقطاب طلاب المدرسة الإعدادية في الشيخ عثمان لينضموا (للحزب الطليعي، حزب العمال والفلاحين).

تلك كانت إسهاماته في شبابه، لكنه بعد أن غادر عدن إلى فرنسا، اكتفى بالمراقبة من بعيد، مع كثير من السخرية، دون أن يقدم شيئا لوطنه أو حزبه الماركسي. محطم النفس، ضعيف الشخصية، يقول عن نفسه حين كان يلتقي بفاتن (أمة الرحمن) في صنعاء:

"أعيش تحت الأقبية، عشقا غامضا مغشوشا، أتقاسمه مع (طبين) غادر، أناطح تنينا، أنتظر موتي بهدوء"ص155

عجز وضعف واضحان، حتى أنه لم يجرؤ على لقاء أمة الرحمن في الهواء الطلق يوما واحدا، يقول:

"لم أواجهها يوما في الحقيقة خارج غرفة، منذ 12 سنة"ص172.

ويضيف: "لم نعرف، منذ أن التقينا في بيت أختي، غير حياة شقة نغلق نوافذها بإحكام. لم نخرج يوما إلى شرفة، إلى شارع. لم نتجول معا تحت الشمس... لم نمارس غير عشق الفئران في الأقبية المظلمة"ص172.

ضعف وخيانة وانتهازية.

ونراه يبحث عن مسوغات ركيكة لمداراة فشله وفشل غيره، بزعم أن ما حصل للبلاد بسبب شعوذة السلفيين وسحرهم والتنويم المغناطيسي وغسيل الدماغ وغيرها من الحجج المعلبة الجاهزة.

فقد جاء في الرواية عن تأثر أمة الرحمن: "نوّمها مغناطيسيا منذ أن رأته، إرهابي ظلامي مشعوذ"ص106.

حجج جاهزة مضحكة تصدر من متنورين يساريين مثل: عمران وابتهال.

وتضيف ابتهال صديقة فاتن في المدرسة، وهي تحكي لعمران: "عملت السلفية لهاوية غسيل دماغ جذريا ناجحا" ص138.

وتواصل السرد: "أسبوع من غسيل الدماغ (إكسترا) فعّال في بيت الإمام وفي قلب مجمّعه... في مقدمة البرنامج: الإصغاء الدائم إلى أشرطة محاضرات الإمام... خرجت فاتن بعد هذا الأسبوع (التنويري) فاتن أخرى، بدماغ بيولوجي لإنسان آخر تعيش في تنويم مغناطيسي مستديم"ص139.

هذا يدل أيضا على قوة التأثير في صنعاء وضعفها في عدن.

وحين وصل إلى ساحة التغيير في جمعة الغضب، لم يبق على مبادئه الماركسية بل قال: "لماذا لا أصلي مثل الجميع"ص165.

ثم يضيف: "لم أتردد... انخرطت مع جموع المصلين بحماسة ورغبة"ص166. وحين استمع للخطبة وجد الخطيب الشيخ عبد الرحمن صديق الإمام عمر بن محمد الهمداني اللذان يتشاركان شرب الخمر في خلواتهما، فحكم على الخطبة بأنها:

"عبارات عتيقة لتاريخ غير علمي لا أعترف به. تنويم مغناطيسي"ص166.

هل يمكن أن نقول إن كل السلفيين منومون تنويما مغناطيسيا؟ وأن كل الذي يعملونه بسبب هذا التنويم. وإن كان السلفيون يتقنون التنويم المغناطيسي فلماذا لا يطبقه الماركسيون؟.

الشخصية الثانية: سالم (سوسلوف الحزب).
سالم الملقب بـ(سوسلوف الحزب)، رجل مكافح، صعد من القاع إلى قمة المجد السياسي، حتى صار ارستقراطيا في بيئة تدعو إلى الاشتراكية والمساواة، ثم يتحول بشكل مفاجئ إلى النقيض حيث يعتنق السلفية، دون مسوغات مقنعة.

أوضحت الرواية بدايته، بما يلي:

"كان يسكن في البدء في ضواحينا العدنية نفسها، بعد وصوله من جبال العوالق فقيرا محروما، ليعيش مع عائلة من أقربائه البعيدين الذين يشتغلون في عدن. توفيت والدته في صباه، وكان والده يعتمد عليه في إرسال بعض المصاريف أحيانا. لزمه أن يخدم في بعض البيوت، ويدرس في الوقت نفسه. كان نشيطا لبقا ناجحا. ثم وفرت له الثورة ضد الاستعمار الإنجليزي ظروف الرقي السياسي سريعا، فصار شابا مناضلا مرموقا قبيل الاستقلال في 1967"ص53- 54.

ليسكن بعدها في فيلة مع زوجته فيروز وابنته فاتن: "في حيّ خور مكسر بعدن، التي يسكنونها منذ عودته... من دراسته للماركسية اللينينية في موسكو، وتعيينه رئيسا (للمدرسة العليا للعلوم الماركسية اللينينية) في عدن. أُطلق عليه حينها لقب (سوسلوف الحزب) نسبة إلى ميخائيل سوسلوف، مسؤول الدائرة الأيديولوجية في الحزب الشيوعي السوفيتي حينها"ص14.

وقد: "كان سالم قياديا من الطراز الرفيع، ودونجوان من الطراز الأرفع"ص14، وبسبب دنجوانيته، ومغامرته النسائية حدثت بينه وبين زوجته صراعات لا تنتهي، لتفارقهم فاتن وتهرب إلى الشمال.

ثم بعد وحدة الجنوب مع الشمال، ودون مسوغات تُذكر يلتقيه عمران وزوجته نجاة في مدينة عدن، فيرفض مصافحة زوجة عمران بحجة أنه متوضئ، يقول:

"عرَّفته بزوجتي التي مدّت يدها بشكل طبيعي لمصافحته، اعتذر عن مصافحتها قائلا إنه متوضئ"ص65.

هذا يدل على هشاشة الثقافة الماركسية التي يتمتع بها، وإلا فكيف لرجل ماركسي تشرّب مبادئ الماركسية اللينينية من منابعها في الاتحاد السوفيتي، وصار ماركسيا حتى النخاع، يرأس المدرسة الماركسية في عدن، وهو دنجوان لها مغامرات عاطفية كثيرة، وتجارب نسائية واسعة، يتحول بعد الوحدة مع الشمال ليصير أعظم من السلفيين في تزمته ومحافظته؟!.

إذا كان رئيس المدرسة الماركسية يرتد عن مبادئه، فماذا نقول عن طلابه، وعن المجتمع؟.

الشخصية الثالثة: سمية أخت عمران.
هذه المرأة الذكية الطبيبة صاحبة الشهادة العليا تسقط أمام داعيات سلفيات لتصير واحدة منهن، وهي التي درست مبادئ التنوير والحداثة على يد عمران في عدن. يقول:

"غادرت شقة أختي وأنا أعرف من هي الداعية الصنعانية التي جعلتها مهووسة بالأدعية والسنن القبلية والبعدية، هي التي كانت مهووسة بالمادية والدياكتيكية والمادية التاريخية عندما كنت أنا (الداعي) في الصغر. انتقلتْ هكذا من دين إلى دين.

كنت أظن أن الداعيات الدينيات لا ينجحن إلا في البيئات الأمية الفقيرة.

خطأ: ينجحن حتى وإن كنَّ من بنات أعالي الجبال الصنعانية القبلية المعزولة البعيدة، ومع أختي المدنيّة المدججة بأكبر الشهادات العلمية في الطب وفي الماركسية اللينينية أيضا.

طبقات مرارات: فشلت تربيتي المدنية لأختي الصغيرة. تهزمني داعية صنعانية ظلامية ممن يباركون ويديرون التفجيرات الإرهابية ... حقد دفين يتضاعف!" ص74.

وهنا، أيضا، تتضح ركاكة الثقافة الماركسية في المجتمع الجنوبي.

الشخصية الرابعة: فاتن (أمة الرحمن).
فاتن أو (أمة الرحمن)، صارت زوجة ابن زعيم السلفيين، ولديها القدرة على التأثير والحشد، وهي ابنة سالم، الماركسي الكبير.

فاتن لم تلتزم بثقافة والدها الماركسي، ولم تلتزم بثقافتها السلفية فيما بعد، ما يجعلها شخصية متناقضة، فهي تمد يدها لتصافح عمران حين كان في منزل أخته سمية في صنعاء، وهذه ليست من ثقافة السلفيين، كما أنها تمارس معه الجنس المحرم، فهي ليست سلفية وليست ماركسية، شخصية متناقضة.

والأكثر من ذلك، أنها حين تختلي بعمران لممارسة الجنس معه، تذكره بالله وتنصحه أن يقرأ القرآن.. إذا كانت هي لم تتمسك به فكيف تطلب غيرها أن يتمسك به؟. شخصية مضحكة.

**

ثالثا: الثقافة المجتمعية في عدن:
عدن مدينة الانفتاح والتحرر والمتع الصغيرة، المرأة متحررة، والتعليم مختلط، والبارات مفتوحة، وكل شيء متاح، ويمكن تتبع نماذج لهذه الثقافة فيما يلي:

- النموذج الأول،:

جاء في الرواية: "كانت الحياة العدنية يومها ... تميل إلى المدنية والحداثة: المرأة تلبس الملابس المدنية، تتعلم، تعمل، تساهم في أعلى القيادات... التعليم مختلط. الكتب، لاسيما (التقدمية والثورية) في كل مكان، يضبط الحياة الاجتماعية قانون مدني متقدم: (قانون الأسرة)، يعطي المرأة حقوقا هامة ملموسة" ص52.

- النموذج الثاني:

يمكن للعائلة أن تتابع فيلما إباحيا، بحضور الجميع الصغار والكبار، يصور الراوي ذلك بقوله:

"ثمة، في بعض الأحيان مثلا... عائلات محترمة جدا كانت تعتقد أن من الحداثة بمكان أن تشاهد، بعد وجبات دعوات الغداء أو العشاء، فيلما إباحيا معا، صغارا وكبارا، كما يفعل الناس في الدول المتطورة"ص53.

- حياة البوهيمية الحرة:

يصورها عمران بقوله: "كم كنت أحسد أصحاب داخلية مدرسة الثانوية على حياتهم البوهيمية الحرة، لا يلتزمون لأحد، فيما نخضع لنواميس عائلاتنا المحافظة، وقيودها الصماء"ص24.

- انتشار البارات في المدينة:

- يقول: "الأعين تنفتح على الحداثة. كل جديد في العالم يجذب الناس... كان هناك مثلا مصنع وطني للبيرة: مصنع صيرة، باسم القلعة الشهيرة في ميناء صيرة بحي كريتر. وكان من الحداثة بمكان، ومن السهل جدا احتساء الكحول في بارات المدينة بحرية"ص52.

ليظهر مفهوم الحداثة عند المجتمع المتحرر في الجنوب هو أن يشرب البيرة حتى يصل إلى درجة السكر. يصف الناس في البارات بعد شربهم بيرة صِيرة:

"كلما زاد عدد الضحايا من القنينات وبدت استعراضية للجميع، زاد الإيمان بانتماء السكران إلى الحداثة والفكر التقدمي"ص52.

هذه نماذج من ثقافة الانفتاح في عدن الماركسية التي انتهت بعد حرب 94، حيث يقول: "أُلغي التعليم المختلط مباشرة ووزع الطلاب إلى مدارس ذكور وإناث منفصلة، مُحيت كل آثار المدنية، عُمم الحجاب، وانتشر النقاب، وقُضي على هويّة عدن المدنية تماما"ص62- 63.

**

ثالثا: هشاشة الفكر الماركسي وقوة الفكر السلفي:

تتجلى في الرواية هشاشة الفكر الماركسي وقوة الفكر السلفي، وقد وضحنا ذلك سابقا من خلال الشخصيات، لنجد (سالم) الماركسي الكبير يتحول إلى النقيض، ونجد الطبيبة (سمية) تتأثر بالفكر السلفي، وكذلك (فاتن).

وربما سفر عمران إلى فرنسا حماه من التحول للسلفية، وربما لو عاش في اليمن لصار مقربا من زعيم الظلاميين كما يسميه، فإذا كان سوسلوف انقلب على عقبيه، وهو أستاذه فكيف بعمران الأكثر هشاشة من أستاذه.

فالرواية تبين هشاشة الثقافة والتأثير في عدن، ليقابلها قوة الثقافة والتأثير في صنعاء، لنحتكم إلى نص آخر في الرواية، حيث يقول عن أمة الرحمن:

"مقدرتها على تحريك القطاع النسائي بهذا النجاح المذهل. تفعيل مسيرة مليونية نسائية سلفية، استعراضية جدا تدل على أنها لا تضيع وقتها عبثا... باعتراف الجميع، هي أفضل داعية إسلامية عرفتها اليمن" ص83.

وبالنظر إلى الجملة الأخيرة (هي أفضل داعية إسلامية عرفتها اليمن)، نستنتج شيئا آخرا، فأمة الرحمن العدنية، ابنة الماركسي لم تصل إلى قمة مجدها في التأثير والحشد إلا حين انتقلت إلى صنعاء، بينما في عدن ظلت تشاهد صراعات والديها الدائمة. فالمرأة العدنية صارت مؤثرة حين انتقلت إلى الشمال.

وتأكد الرواية على قوة التأثير في الشمال وضعفه في الجنوب عند الحديث عن الإمام الهمداني، وقوته التأثيرية، وأوضحت لنا أنه وحده استطاع أن يغير ثقافة المجتمع، ويضع منهجا للمدارس، والمسوغ الذي أتى به الراوي هو أن الإمام الهمداني درس الطب في بيروت وفشل، فأصابته عقدة نقص عاد لينتقم من المجتمع، جاء في الرواية:

"لم يكتفِ الإمام برئاسة كلية الشريعة، ووضع المناهج التدريسية الظلامية لعموم طلاب الجمهورية العربية اليمنية بل ظل فشله المتكرر في كلية الطب ببيروت عقدة حياته"ص144.

قام بتأويل للموقف ثم حكم عليه، بمسوغ ركيك هو الفشل في الطب.

وهو بذلك يريد أن يقول لنا إن شخصا واحدا، فاشلا في الطب، استطاع أن يغير ثقافة المجتمع والمنهج الدراسي، بينما نظام حاكم في الجنوب وحزب ونظريات عجزت عن التأثير بالشاب الجنوبي. ليبين لنا أكثر هشاشة الفكر والثقافة في عدن وقوة تأثيرها في صنعاء.

وإذا طرحنا السؤال التالي:

لماذا لم يكن التأثير عكسيا؟..

لماذا لم يؤثر الجنوب الماركسي على الشمال القبلي ذي التوجهات الدينية؟،

يجيب على السؤال الراوي نفسه، حين يصطدم بأحداث عدن عام 86، بقوله:

"حرب أهلية انشطر فيها الجيش والحزب الحاكم على أساس مناطقي قبلي، كاشفا أن الأفكار الاشتراكية الأممية والبروليتارية كانت مجرد أقنعة يضعها ماركسيون أميّون ليسوا في العمق أكثر من قبائل همجية متخلفة"ص 56.

فالغطاء الحداثي لمدينة عدن لم يكن سوى مظاهر براقة، وثقافة هشة، ومبادئ عقيمة، ونظريات فارغة انكشفت عند أول تجربة، وظهر وجهها القبلي الهمجي، بل هي أشد همجية من قبائل الشمال.

*

كما تبرز هشاشة المجتمع سياسيا واجتماعيا وثقافيا في أحداث 86م، ويمكن تجزئتها على الشكل التالي:

الهشاشة الثقافية:

مجتمع يحمل ثقافة ماركسية يتحول بعد الوحدة إلى النقيض، دون أي مقاومة، أو تأثير عكسي، ولنا في التاريخ عبرة، فحين كانت (أثينا) الإغريقية تسقط في يد أعداها العسكريين كانت توثر فيهم عكسيا، فإن سيطر عليها أعداؤها عسكريا كانت تسيطر عليهم ثقافيا.

ومثال آخر، حين اقتحمت جماعات المغول دول الإسلام وانتصرت عسكريا، كانت الثقافة الإسلامية تؤثر بهم عكسيا، حتى إن أعظم قادة المغول بعد جنكيزخان وهولاكو وهو (تيمورلنك) كانت ديانته الإسلام بسبب التأثير العكسي الذي حصل لهم.

فلماذا، الجنوب اليمني لم يستطع التأثير عكسيا؟ بل لماذا لم يستطع المحافظة على ثقافته؟.

يبدو أن إحدى الإجابات البسيطة هي أن الثقافة الماركسية الجنوبية لم تكن مقبولة في المجتمع الجنوبي نفسه، حتى أن قادة الحزب المتبني للماركسية كانت ثقافتهم هشة، لذلك سقطوا في أول اختبار حقيقي مع فكر مناقض.

لنجد الراوي يلمح لهذه الظاهرة حين يورد نصا لسارتر يقول فيه: "تذكرت عبارة سارتر: (ليس بمستطاع أحد، حتى الآلهة، قهر إنسان تفجرت في روحه ينابيع الحرية"ص158.

ليجعنا نتساءل، لماذا لم تتفجر ينابيع الحرية في عدن؟ واستسلمت لسطو القبائل، ولماذا لم تحافظ على حريتها، وثقافتها المنفتحة، هل كان المجتمع مهيئا للاستسلام؟، وهل فترة الاستعمار الانجليزي الطويل أثر على اليمن الجنوبي، وصار مدجنا لا يستطيع المقاومة؟.

الهشاشة السياسية:

توضح الرواية طبيعة الحياة السياسية في الجنوب، ثم يحكم عليها بنقطتين مهمتين هما:

الأولى: ضعف التجربة وانعدام الخبرة.
يسلط الراوي الضوء على هذه المسألة بقوله:

"اليمن الديمقراطي يحكمه في بدء السبعينيات شباب دون تجربة، دون تأهيل أيضا، لكنهم على ثقة مطلقة أنهم أفضل نظام عربي" ص50.


فالتجربة السياسية في اليمن الديمقراطي كانت هشة، تفتقد إلى الخبرة والحنكة، حيث كان المتحكمون بالجنوب يميلون إلى الجدل النظري الاستشرافي، أو قراءة الفناجين، وربما تلك السطحية لفهم النظرة الماركسية، وضعف التجربة والخبرة قادت إلى كوارث متلاحقة التي كانت أعظمها كارثة 86، ثم الهرب إلى الوحدة مع الشطر الشمالي عام 90 ثم الهزيمة القاسية عام 94.



ثانيا: الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد.
كما توضح أن سبب الهشاشة السياسية هي الديكتاتورية التي كان ينتهجه الحزب الحاكم، ولا يقبل بأي صوت غير صوته، فيحمل شعار (لا صوت يعلو فوق صوت الحزب) ص51، 57، 59. حتى أنهم في مؤتمر اتحاد الشبيبة اليمني الديمقراطي توحدت الفصائل جميعا لتشكيل حزب واحد، يقول:

"تتوحد فيه فصائل العمل الوطني الثلاث التي ستشكِّل لاحقا الحزب الحاكم الواحد: الحزب الاشتراكي اليمني"ص57.

هاتان النقطتان هما السبب بهشاشة السياسة في الجنوب كما توضحها الرواية.

الهشاشة الاجتماعية:

تتمثل في سالم وزوجته فيروز، فقد كان الصراع محتدما بينهما، فبرغم جمالها لكنه استمر في علاقاته النسوية ومغامراته التي لا تنتهي.

يمكن القبول بهذا التغير لفاتن، وتحويل اسمها ومعتقداتها، وارتدادها على أعقابها بسبب الحرب الشرسة بين أبيها وأمها، لكن كيف يفسر لنا التحول الغريب لوالدها المنظر الكبير للحزب الذي صار أكثر تشددا من السلفيين؟.

تناقضات غريبة..

***

*

القسم الثالث: ملاحظات عامة.

أولا: الرمز في الرواية.
يمكن بسهولة مقابلة شخصيات الرواية مع الواقع السياسي الذي تصفه الرواية، وذلك كما يلي:

الرمز الأول: فاتن (أمة الرحمن).
هربت من الجنوب إلى الشمال بعد أحداث 86، وتزوجت ابن الإمام الهمداني، وهو رمز للتوحد بين الجنوب والشمال، حيث ترمز فاتن ابنة سالم رئيس المدرسة الماركسية اللينينية إلى عدن الماركسية المثقفة المتحررة، بينما يرمز ابن الإمام إلى صنعاء مدينة التخلف والجهل والتدين السطحي.

*

الرمز الثاني: الإمام الهمداني.
يرمز للقبيلة الشمالية المحبة للاستحواذ، والمعتاد على السلب والنهب، فهو مع أنه زوَّج (فاتن) لابنه عمر إلا أنه يمارس الجنس معها وهي راضية مستسلمة، وبذلك يرمز للقبيلة التي شاركت النظام الحاكم في الشمال (رمزه عمر ابن الهمداني) بالسيطرة على الجنوب، وقامت القبيلة بالتدخل بتلك الوحدة وسلبتها ونهبتها وكأنها ملك من أملاكها، يقول:

"وإن كان الأب نفسه، الطامة الكبرى، أكثر المتعلقين بها (على غير سنة الله ورسوله)"ص83.

ورغم أن (فاتن) التي تزوجت من (عمر) إلا أنها تبغضه وتصفه بأوصاف قبيحة، وتخونه مع الشاب العدني (عمران). و(فاتن/ عدن) كما تصورها الرواية، وإن كانت تزوجت من (عمر/ نظام الحكم في الشمال) إلا أنها لا تمنح خيرها إلا للشاب العدني (عمران) أو للإمام الهمداني (القبيلة) الذي لم تستطع الفكاك منه.

*

الرمز الثالث: عمران.
يرمز للمثقف اليساري الهش الضعيف، وللثقافة الماركسية الهشة، لنجده يقول:

"حالما أعود إلى باريس يتحول الشيخ محمد الهمداني كابوسي اليومي، هوسي الأكبر".ص146.

أي ضعف مسيطر عليه، وأي ثقافة هشة، يريد من الحياة أن تسير حسب هواه دون أن يناضل ويكافح، يرى الآخر كيف يعيش ويريد لبلاده أن تكون مثلهم دون أن يقدم شيئا إلا مزيدا من المغامرات العشقية التي يسميها بالفردوسية. شخصية ترمي بالتهم على غيره دون أن تتحرك. وهذا يزيد من اليقين على هشاشة الثقافة الماركسية، ولولا المنحة التي حصل عليها (عمران) إلى فرنسا فلربما صار ظلاميا أسوأ من الإمام الهمداني وابنه.

***

*
ثانيا: ملاحظات حول الرواية.
أولا: المباشرة الفجة.

الرواية أعادت ترتيب الأحداث السياسية بتواريخها الدقيقة وإبداء الآراء حولها، مع مباشرة فجة ضد الطرف الآخر، وإشباعه سخرية واحتقارا وشتائم، تبدي ضغائن اليساري ضد خصومه، فالمباشرة والاتهامات الصريحة كانت الملاحظة الأبرز في الرواية.

وبهذه المباشرة يحاول الراوي إيصال رسائل اجتماعية وثقافية واضحة، لا يترك للقارئ الفرصة للتحليل وقراءة ما بين السطور. ليكشف لنا الراوي عداوته الفجة لكل ما هو ديني تقليدي أو قبلي، وربما جعل من مأساة موت زوجته نجاة مسوغا لكل هذه الصدامية والأحقاد التي تغمره، ليأتي نقده فجا صريحا مليئا بالتجريح والسخرية والاستهزاء. لنجده يقول مخاطبا عزيزه ناهب الأرواح:

"في صدري، كما تعرف، ألم عطنٌ سحيق متخثر لن يتوقف نزيفه، وبركان تقزز وحقد بحجم محيط الظلمات"ص49.

في هذا النص، يوضح حجم ألمه وحقده، ولكن؛ لنتجاوزهما، لتوضيح شيء مهم آخر، استخدامه للأوصاف لم تكن موفقة (عطن، سحيق، متخثر، لن يتوقف نزيفه)، يقال عطن الشيء إذا فسد وأنتن، ولا ينتن الشيء إلا إذا كان رطبا. ثم يقول: متخثر، يقال تخثر الدم تجمد، فكيف يكون عطنا ومتخثرا في الآن نفسه. ثم يقول: لن يتوقف نزيفه، كيف يكون متخثرا وينزف؟.

*

ثانيا: استخدام تقنية الفيسبوك.
الفيسبوك عالم افتراضي للتواصل الاجتماعي، والأخبار التي تُنشر فيه تفتقد إلى الدقة والمصداقية في كثير من الأحيان، والراوي هنا يعتمد على المنشورات لنقل الأخبار باعتبارها تاريخا حقيقيا. وهذه تؤخذ على الراوي من ناحيتين:

الأولى: الرواية من بدايتها تسجيل تاريخي لليمن المعاصر، واستخدام المنشورات لأشخاص آخرين دون توثيق للحدث، تفقد المصداقية الروائية والتاريخية، لتظهر أحقاد الراوي الباحث عن مسوغات ركيكة لإظهار عيوب خصومه.

فهذه التقنية لا تخدم الرواية بقدر ما تشكك بمصداقية الحدث والتاريخ خصوصا وأن الراوي يستند عليها لتمرير حدث أو واقعة حدثت بين مجتمعين، فهذه نقطة حساسة جدا.

الثاني: من المعروف أن انتشار التواصل على الفيسبوك بدأ يستخدم من عام 2008 أو 2009، ولم ينتشر بشكل لافت إلا في فترة ثورات الربيع العربي، وبدأت الشخصيات المهمة تبرز على السطح، وبدأ الناس يتابعونها.

فكيف ينشئ الراوي حسابات وهمية وحوارات مع أمة الرحمن قبل أحداث 2011، ويجعل لها متابعين يتجاوزون 27 ألف لأحد حساباتها، والآخر 13 ألف، وأغلبهم من السلفيين الذين كانوا يُحرِّمون الانترنت بشكل عام؟.

*

ثالثا: الدقة والمصداقية في الرواية.
يلاحظ في الرواية التسرع وتغليب العاطفة التي تجعل الراوي يبتعد عن الدقة، والمصداقية، يتضح ذلك في الأمثلة التالية:

المثال الأول.
يورد جملة على أنها حقيقة تاريخية دون توثيق لها أو حدث يؤكدها مثل قوله:

"في ذلك الوقت نفسه كان هناك عسكري قبليٌّ شهير في شمال اليمن، مهرب كحول حينها عبر باب المندب، في طريقه لأن يصبح رئيس الجمهورية العربية اليمنية: شمال اليمن!"ص52.

يقصد هنا بفترة السبعينيات حين كانت عدن تملك مصنع وطني لبيرة (مصنع صيرة)، وقد أورد الجملة دون تدقيق أو تحقق من مصدر، أو ذكر أحد من المقربين من المهرب حدثه عن عمليات التهريب، رمى بالجملة وتركها وحدها، وكأنه يستند إلى شائعات عامة ليجعل منها تاريخا في روايته.


المثال الثاني.
يقول: "نُهب الجنوب عن بكرة أبيه، طُردت من أعمالها صفوة الكوادر السياسية والعسكرية والمدنية الجنوبية" ص62.

هذا مثال أيضا على التقريرية، والتي يرددها العامة، وكان الأجدر أن يربط الحدث بشيء نُهب منه، ثم يتكلم عن المنهوبات وكيف تم النهب، وكيف تعامل الناس مع هذا النهب؟ فهو هنا خرج من عالم الرواية إلى التقريرية والاتهامات المباشرة في عمل روائي تاريخي.


المثال الثالث:
يردد عمران قوله: "(هرب إلى الشمال) مصطلح بغيض غامض ظهر طوال السبعينات والثمانينات في تلك الأيام، حيث كانت الحدود مغلقة بين الشطرين، والرقابة الأمنية شديدة: شيفرة مفضوحة لترويج تمويه اختطاف الشخص الذي (هرب إلى الشمال) وقتله"ص64.

لا تهمني هنا، حقيقة الهروب إلى الشمال أو إلى الجنوب، ولكن تهمني الدقة والمصداقية عند الراوي، فهو يزعم أن الحدود كانت مغلقة، ولا يمكن لأحد المرور عبرها، وهذا مخالف للحقيقة التاريخية، فالتنقل بين الشطرين كان متاحا.

المثال الرابع:
قصة آخر جندي يطبق القانون في الجنوب، أوردها على شكل منشور في حائط أحد أصدقائه، والفيسبوك عالم افتراضي، لا يمكن التحقق من صحة المعلومات. لينهي منشوره بعبارة:

"بعد تلك الحادثة الشهيرة تعمّم العبث في الجنوب، ونهبت القبائل آخر ما تبقى منه"ص68.

قوله (تعمم العبث في الجنوب)، ألم يستطع الناس الدفاع عن ممتلكاتهم التي نُهبت، فهو لم يوضح طبيعة النهب.



المثال الخامس:
حكمه على جامعة التقوى بأنها وكر للإرهابيين دون أن يدخل إلى عالمها ليصف لنا ما يحدث فيها، ويحكم عليها من خلال المعايشة، فهو بذلك يجعل حقده عليهم يصفهم بتلك الأوصاف، يقول:

"(جامعة التقوى) التي يترأسها الإمام الهمداني، والتي تأوي المواقع السلفية والإرهابية المتنكرة"ص82.

فهو لم يدخل إليها ليحكي لنا عن طبيعة الدراسة فيها، والنظام المتبع، بل ألقى بالتهمة ومضى.

المثال السادس:
العاطفة المتجردة من العلمية. يقول: "جلسات عشق ما بعد انفجار الثورة تختلف عمّا قبلها. ليس فقط لأنها تجمع شخصين ينظران في نفس الاتجاه: إسقاط أتعس وأسفل نظام منحط فاسد عرفته اليمن بلا منازع"ص176.

حين يصف النظام بأنه أفسد نظام عرفته اليمن بلا منازع، فهو يفتقد إلى العلم اللازم لقراءة التاريخ ومعرفة تفاصيله والأنظمة المتعاقبة التي حكمت اليمن على مر التاريخ، لكن ربما العاطفة سيطرت عليه.

وأيضا أسلوب المبالغة كثير جدا في الرواية، الأوحد الأعظم الأشرس.. يفقد الرواية واقعيتها.

المثال السابع:

نجد في صفحة 140، خروجا عن الرواية إلى التقريرية أيضا، حيث يستخدم أسماء حقيقية ينسب إليها أحداثا دون توثيق، ودون الغوص في الحدث وتفاصيله. مثلا:

استخدم جامعة صنعاء وكلية الشريعة فيها، ووزارة الصحة ومسؤول الترخيصات في الوزارة، أسماء حقيقية لينسب إليها أحداثا وقعت ولم يكن الراوي المتكلم طرفا فيها، لنتساءل: هل يكفي السماع لبناء رواية واقعية؟! وهل يخدم العمل الروائي هذه الاتهامات المباشرة؟

فحكاية الإمام الهمداني في كلية الشريعة، يرويها دون مصدر واضح وصريح، وجعل الناقل للحكاية مجهولا، وكان الأحرى به أن يقول: حكى لي عميد الكلية حين التقيته، أو حكى من شهد الحادثة. أما أن يجعله حدثا دون مصدر واضح وهو يتحدث عن واقع تاريخي، والراوي في الرواية هو الراوي المتكلم وليس الراوي العليم، فإنه يثير العديد من التساؤلات حول غرض الراوي من إقحام هذه الحكاية، هل هو الحقد المسيطر عليه تجاه السلفيين بعد مقتل زوجته يجعله يبحث عن أي حكاية يتسلى بها ليشفي لهيب قلبه وغيظ صدره.

المثال الثامن:

يصف الحياة في صنعاء وصفا إنشائيا متخيلا يخلو من المصداقية والعمق الروائي حيث يقول:

"في عصر صنعاء الرائق، عندما يذهب الرجال إلى مجالس القات، يحدث في هذه المدينة في الخفاء كل ما يخطر ولا يخطر على بال: لقاءات قات ودية، اجتماعات قاتٍ مافياوية تمتزج فيها الضغائن القبلية بالدسائس السياسية، قصص عشق إنسانية رائعة خالدة، سيارات مهنية خاصة تنقل البعض إلى جلسات سُكر وعربدات جماعية مغلقة، دعارات فاحشة يستقيم عند رؤيتها شعر الجن والعفاريت، ونفاق ديني صارخ لا حد له تقهقه عند رؤيته الشياطين... ثمة مليون مدينة تختفي داخل صنعاء" ص71.

هذا كلام إنشائي، ووصف غير واقعي للمدينة، لأن الراوي بكل بساطة لم يدخل إلى هذا العالم ليحكي لنا من داخله ما يحدث فيه، كما صنع الراوي في رواية (ترمي بشرر) مثلا حين دخل إلى عوالم القصر ليحكي لنا من داخله، وليس غرضي هنا أن أدخل في مقارنات، وإنما للتوضيح فحسب.

الراوي هنا، يرمي بكلمات إنشائية عادية، لا تؤثر بل توحي بحقده على المدينة، وضعفه أمامها، فهو لا يجيد معها إلا الشتم ليشبع غيظه وحقده. ولو أنه رمى بإحدى الشخصيات في هذا المجتمع وجعلها تحكي لنا عما عاشته وشاهدته لكان للسرد عمق في الفكرة، وقوة في التأثير على المتلقي، ولكان له مصداقية أكثر.

وهو أيضا، في هذه الكلمات أراد أن يصور تناقض صنعاء للنيل منها واحتقارها، وهو بذلك يجعلها مدينة مثالية للغموض والمتعة، فكل شيء متوفر فيها، وكل شيء مباح.

ويؤكد هذا قوله:

"صنعاء مدينة يتعانق فيها السيل الشفاف الرقراق والمستنقع"ص71،

وهذا مدح لها من حيث أراد ذمها، فالمدن العظيمة هي التي يتلاقى فيها الخير والشر ويتعايشان، وهنا السيل يرمز للخير والحركة والحرية المتمثل بالثقافة والطموح، بينما المستنقع يرمز للجمود والجهل.

لنستنتج في النهاية ما يلي:

ظهر عمران في الرواية بوجه متعصب، شديد الغضب، لا يرى في الشمال إلا الرجعية والسلفية والقبيلة والسلب والنهب والظلامية، ولا يرى في الجنوب إلا المدنية والحداثة والتقدم، فحين استفسر عن عائلة سوسلوف حين عاد إلى اليمن بعد أحداث 86، صفعته عبارة: (هربت فاتن إلى الشمال) ليبدي تعجبه:

"ابنة مدير مدرسة الماركسية اللينينية تهرب من (اليمن التقدمي) إلى (اليمن الرجعي)"ص63.



المثال التاسع: علاقة عمر وأمة الرحمن:
يقول الراوي: "تسبُّ أمة الرحمن كثيرا، في بعض جلسات عشقنا، زوجها الإمام عمر"ص94.

في هذا النص، يوضح الراوي العلاقة السيئة بين أمة الرحمن وزوجها، لذلك تنتقم منه بالاختلاء بعمران، ويسوغ الراوي عملها إلى بغضها الشديد لإمام عمر؛ لأنه في أول لقاء معها، ذهب ليشرب الخمر، وعاملها بعنف، يقول:

"منذ أن لاحظتْ يوم ليلة عرسها أنه قبل الاختلاء بها ذهب أولا ليصلي ركعتين، لكنه عاد برائحة بغيضة لا تغادر خياشيمها حتى اليوم، مخمور جدا. عاد ليغتصبها في الحقيقة. (وحش مجنون هائج)، كما قالت. صراخها ساعة غزوته لجسدها، وتلذذه بنزيفه، يصمُّ أُذنيها إلى اليوم، لين يفارقها مدى الحياة.

لم تتوقف منذ تلك الليلة الليلاء الدامية عن كراهيته (بحقد وضراوة)، حسب تعبيرها الداكن الأثير"ص146.

نقف هنا أمام مفارقتين:

الأولى: شرب الخمر.
توضح الرواية أن أمة الرحمن (فاتن) ابنة سوسلوف، الماركسي الدنجوان تعيش حياتها في بيئة ماركسية منفتحة، فالخمر لن يفارق منزل والدها، وهي بذلك ستكون قد تعودت على رائحته، وعرفت أنواعه، فكيف تعافه في بيت زوجها؟ يجعلنا هذا الموقف نرى أن الراوي يريد أن يلصق تهمة شرب الخمر على السلفيين، بمسوغ ركيلك.

كما أن الراوي (عمران) ماركسي، يمتدح النبيذ والبيرة، وهو يمارس هذه الطقوس في غزواته النسوية أيضا، فكيف يصفها بأنها كريهة عند الآخرين، ولذيذة بالنسبة له؟.

الثاني: عقدة أمة الرحمن.
إذا كانت تعرضت للاغتصاب، كما يصورها النص، فالأصل أن ذلك سوف يسبب لها جرحا نفسيا، يجعلها تكره الرجال ومعاشرتهم أبد الدهر، كما حدث لـ(إلهام) بطلة رواية (طائر الخراب) للكاتب نفسه.

لكن؛ الغريب أن الراوي يصور أمة الرحمن بأنها تمارس العشق بكل سخاء وكرم، ليتغزل بها قائلا:

"لعل في كل سلفية ينام ذئب جائع للعشق، إخطبوط بسبعين ذراعا، كل ذراع منه حورية عين"ص101.

ويضيف: "من لم يمارس العشق السري مع سلفية، لم يمارس العشق إطلاقا"ص125،

ويقول أيضا: "الجنس عند السلفيات طقس مقدس، المجد للسلفيات"ص103.

هذه النصوص تجعل القارئ يقف أمامها ليتأملها كثيرا..

***

*

المثال العاشر: ثورة الربيع اليمني وموقف عمران منها.


الربع الأخير من الرواية، من صفحة 150 يعيد الراوي سرد أحداث الثورات العربية، تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، دون حدث روائي عميق.

هو يقول إنه شارك في الثورة اليمنية لكن لا نجد التفاصيل الدقيقة ليوميات الثورة، بقدر ما نجد حكايات عامة يعرفها الكثيرون، باستثناء لقاءه مع أمة الرحمن في غرفته.



عمران يمثل اليساريين في الثورة، وقد وصل إلى صنعاء في تاريخ 11 مارس 2011 ليشارك فيها، ومع ذلك لم يُظهر اندماجا فعليلا بالثورة، لا أصدقاء، لا قدرة على الخطابة، لا علاقات، لا تأثير، حتى أن وضعه في الثورة مشكوك فيه، كيف يدخل خيمة رجال القبائل وهو لم يعرف بنفسه ولا بأصدقائه فيها ولا بعددهم، ليقول لنا بأسلوب عام:

"أتحدث مع هذا وذاك"ص188. من هم ومن أي فصيل؟.

لكن الملاحظ أن مشاركته اقتصرت على النوم في شقته برفقة أمة الرحمن، وعلى التنظير والسخرية ونقد الثورة وقادتها.

أما السخرية من ساحة الثورة فنجده يقول:

"لا توجد بيرة هنا بالطبع، بالرغم أن مذاق بيرة (صيرة)... مازال لذيذا عبقا في الوجدان"ص162.

وقوله أيضا في وصف أمة الرحمن:

"خيمتها، مع بعض صديقاتها من الداعيات، كانت أول الخيمات التي انغرست في الساحة. ينمن فيها ليل نهار. تنطلق منها شعارات ثورية يرددها الصغار والكبار، بعد جان دارك اليمن أو (قبول المجنونة)... تهتف... بصوتها العذب السامق: (كلما زدنا شهيد) يردد بعدها شباب مجاذيب بشكل آلي... (صرنا ثوار من حديد)"ص164.

وأما التنظير فيظهر في قوله:

"أخافني هذا الحضور الكثيف للدين في هذه الثورة، أنا الذي أعرف المخاطر التي تكمن جرّاء خروج الدِّين من المسجد إلى الشارع"ص162.

هنا يتكلم عن فئة كبيرة من الشعب لا يمكن إقصاؤها، لكنه يريد إلغاءها بكل بساطة، ونسي أن القانون يحكم الجميع المتدين وغير المتدين في كل بقاع الدنيا.



وأما النقد فظاهر في قوله: "السؤال الرئيس الذي لا أعرف الإجابة عنه، هل هذا الشعب قادر أن يريد حقا"ص168. لديه قدرة على النقد، لكنه لم يكن مؤثرا لتغيير الأحداث.

تناقض في الموقف:

أحيانا يرى الثورة رجعية بكثرة المتدينين فيها لدرجة أنه يقول:

"يلعن أمها ثورة... ثورة إلى الأمام هذه، أم هرولة إلى قندهار"ص173.

ومرة أخرى يراها ثورة حقيقية فيقول: "أتجول حقا في أحضان ثورة. ازداد غلوّي وأنا أجزم لأحدهم أن كل ما عرفناه في اليمن قبل هذه الثورة لم يكن غير انقلابات عسكرية تقليدية، أسميتْ خطأ: ثورات!"ص188.

ومن هذه النماذج نخلص إلى أن الرواية تريد أن توضح لنا أن ثورات الربيع العربي قام بها المتدينون في الدرجة الأولى، بقدرتهم على الحشد والتثوير والخطابة، أما اليساريون فكانوا يكتفون بالتنظير والسخرية وانتظار الفرصة المواتية للانقضاض على الانتصار، وهذه قمة الانتهازية الثورية.

ولكنه في الأخير يعود إلى قضية التنويم المغناطيسي، فيقول:

"بين تلك الجمعة واليوم معزوفة تنويم مغناطيسي تقليدية لشعب نهبت ثورته"ص198. تكرار التنويم المغناطيسي في الرواية، يجعلنا نستنتج أنه يرى الشعب في نظره شعب مغفل ساذج، والسياسيون أدوات رخيصة تعمل حسب مصلحتها، والمثقفون انتهازيون جبناء لا يتقنون سوى التنظير.

**

*

المثال الحادي عشر: مؤتمر الحوار الوطني في نظره.

جاء في الرواية: "مؤتمر الحوار الوطني (مسرحية منافقة دامت 11 شهرا في فندق 5 نجوم، بين 600 متحاور يستلمون أجورهم اليومية بالدولار). وأخيرا: (لا صوت يعلو فوق صوت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني) على أنغام (لا صوت يعلو فوق صوت الحزب) في سبعينيات عدن"ص198.

مقارنة غريبة من شخصية مثقفة تدعو للتعددية والشراكة والحوار، كيف يجمع في مقارنته بين حزب واحد لا يقبل التعددية والمشاركة، وبين مؤتمر حوار جمعَ كل الطوائف وخرج بنقاط متوافق عليها.

في كل فقرة في الرواية تتضح شخصية عمران الساخرة التي لا تؤمن ببلدها، ولا تراها أهلا لتطبيق القوانين، وكأن تطبيق القوانين حكر على الدول المتقدم فقط، فبسبب عمران وأمثاله المثبطين الساخرين تحولت الثورة من حوار إلى حرب.

الخاتمة:
تبدو الرواية للقارئ العادي رواية جميلة، سلسة اللغة، وواضحة المعاني والأفكار، لكن القارئ المتفحص، يجد فيها الكثير من الثغرات التقنية والجمالية، ولعل القارئ لكتابات الأديب حبيب سروري سيجد الكثير من التشابه بين أعماله، وهذه الرواية كُتبت بالنفس نفسه التي كتبت بها رواياته الأخرى.

**
*
#نجيب_نصر
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف