الأخبار
أبو كرش: مستحقات الموظفين عن الأشهر الماضية يجب أن تشمل تفريغات 2005قطر الخيرية توزع 100 ألف وجبة غذائية للاجئين والأسر الفقيرةمحافظ طولكرم يطلع وفداً من اليسار الدنماركي على انتهاكات الاحتلال وأوضاع المحافظةوفد من وزارة الصحة يزور الطائفة السامرية للتهنئة بعيد العرشجامعة بوليتكنك فلسطين تستقبل وفداً من البنك الدوليتنويه من شركة توزيع الكهرباء بشأن أعمال تطوير وتهيئة على خط جبالياقلقيلية: وزارة الثقافة تحتفي بيوم التراث"سنيورة".. الراعي البرونزي لمباراة فلسطين والسعوديةرأفت: إعلان الاحتلال عن وحدات استيطانية جديدة عمل اجراميأسرى فلسطين: حياة الأسير اسماعيل على في خطر شديدالهندي: سنبحث مع المصريين التطورات الفلسطينية وقرارات الجامعة العربية غير مستقلةرئيس بلدية بيت لحم يستقبل ممثلة النمسا في فلسطين ويبحثان عدة مواضيعغرفة تجارة وصناعة نابلس وممثلية هنغاريا تبحثان التعاون الثنائيبوتين يصل السعودية للقاء الملك سلمان وولي العهدوفد من مدينة (سنتر بلان) الفرنسية يزور بلدية أريحا
2019/10/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

نظرة في رواية "تايه" لصافي صافي بقلم:محمد موسى عويسات

تاريخ النشر : 2019-09-19
نظرة في رواية "تايه" لصافي صافي بقلم:محمد موسى عويسات
محمد موسى عويسات

نظرة في رواية (تايه)
الرّواية من تأليف الروائيّ صافي صافي، المولود في قرية بيت اللو غرب رام الله، والمنحدر من قرية بيت نبالا المهجّرة قضاء اللد. صدرت الرّاوية هذا العام 2019 عن دار النّشر (الأهليّة) في عمّان، تقع في مائة وست وخمسين صفحة من القطع المتوسط، مقسّمة إلى خمسة أجزاء، غير متساوية في عدد الصفحات، وغير معنونة، فالجزء الأول خمس صفحات، والثاني اثنتا عشرة صفحة، والثالث إحدى وثمانون صفحة، والرابع أربعون صفحة، والخامس أربع صفحات. المكان الرئيس للأحداث هو قريتيّ بيت اللو والتي تقع قرب دير عمّار، التي هاجر إليها أهالي بيت نبالا في أثناء النّكبة، وقرية الكاتب المهجّرة بيت نبالا. الزمان في بيت اللو هو من بعيد النكبة عام 1948 إلى بعيد حرب حزيران 1967، أمّا في بيت نبالا فهو من نهاية الحكم العثمانيّ إلى عام النكبة عام 1948.
ويبدو جليّا أنّ الكاتب قصد من هذه الرّواية التوثيق لقرية بيت نبالا في جميع المناحي، التاريخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة، فتناول اسم القرية، وتاريخ وجودها، وموقعها الجغرافيّ، والأسماء التفصيليّة للأمكنة فيها، عادات الناس وتقاليدهم وأعرافهم، وأفراحهم، وأتراحهم، ولباسهم، وعائلاتهم، وأنسابهم، وعلاقاتهم بالقرى المجاورة، والمقامات فيها والقبور، وأهمّيّتها الاستراتيجيّة، والحياة الاقتصاديّة فيها الزّراعة والكسّارات والعمل في المعسكر الإنجليزيّ، والصراع مع المهاجرين اليهود، والهجرة منها في أثناء الحرب، والمهجر الجديد في بيت اللو ودير عمار، حتى إنّ الكاتب لم ينس لغة أهل بيت نبالا من جانبيها الدلاليّ والصوتيّ وغير ذلك. وهذا يعدّ الجانب المهمّ في الرّواية والذي يعطيها فوق بعدها الفنّيّ الأدبيّ بعدا توثيقيّا جليلا. فقارئ الرّواية يتعرّف إلى هذه القرية بكلّ تفاصيلها، فكأنّه يعيش فيها أو عاش فيها. وإنّه لمن الإبداع أن توثّق هذه الجوانب في كلّ القرى والمدن المهجّرة.
أهم شخصيّات الرّواية (تايه) الشّخصيّة الرئيسة في القصّة، بل هي محور الرّواية، وأمّ تايه التي بقيت حاضرة حتى النّهاية والتي مثّلت شخصيّة المرأة الفلسطينيّة الصابرة العاملة التي تتحمّل المسؤولية عمن ترعاهم، صلاح الشخصيّة التي كادت أن تكون الشخصية المقابلة لشخصية تايه فهو شاب فيه مكر ومخادعة ولعوب وفيه روح السّخرية، ومجدي الرجل الثوريّ والذي مثّل الاتجاه الثوريّ أو الجماعات الفدائيّة التي نمت قبل وقوع النّكبة ثمّ استمرّ وجودها حتى حدوث النّكبة، الرّجل الذي وثق به النّاس، وعدّوه بطلا وأخذوا ينسجون حوله الحكايات التي تشبه الخرافة، وكانوا يسمعونه ويطيعونه، وهو شخصيّة ممتدّة، ويبرز الكاتب من خلاله الأثر الضعيف للثّوار في النكبة وبعدها حتى حرب عام 1967، حاول أن يقنع النّاس بألا يهاجروا من بيت نبالا، وكان عضوا في لجنة حراسة قرية بيت اللو المكوّنة من العاروري والسّنبك. والعاروريّ رجل من عارورة وهو في الرواية شخصيّة ثانويّة، وكذلك السّنبك الذي سمّي بهذا الاسم لطوله. أمّ محمود تمثّل المرأة المنكوبة بموت زوجها وبعد ابنها في الكويت، تشفق على تايه وتجالسه فلم تسلم من مقالة الناس. الشيح حسن الرّجل ذو الأصول الصّوفيّة، الذي أكثر من التنقّل في البلاد فتزوّج في أكثر من بلد، شخصيّة تميل إلى العزلة حتى إنّه لا يصلي جماعة ولا إماما، ونهايته أن يموت حرقا في أثناء محاولته طلاء سطح المسجد بالزّفتة المغليّة على النّار، ويمثّل ضعف الاتجاه الدينيّ وضعف أثره آنذاك في توجيه الناس. زوجته سعيدة كانت جميلة وجريئة وأحبّت مجدي وكانت تغار عليه. وجميل شقيق أمّ تايه، وأبو الجلّق، والأخرس أبو مجدي الذي قتله الإنجليز بعد أن قتل جنديّا منهم، وآخرون من شخصيات بيت نبالا وبيت اللو. وخلاصة القول في الشخصيات أنّ الشخصية المحوريّة فيها هو تايه، ثمّ تأتي من بعد أمّه، ومجدي، وصلاح. ورغم واقعيّة الشخصيّات، وأنّها غير متخيّلة، إلا أنّها تحمل دلالات رمزيّة، وتمثّل اتجاهات اجتماعيّة.
تدور الرّواية حول تايه الشّاب في العقد الثالث من عمره، المسكين الذي لا يدرك ما يدور حوله، وما زال عقله طفوليّ رغم سنّه، يقول الراوي: " تايه يعيش لحظته، لا نعرف إن كان يفكّر في الماضي وأيّ ماض يعرفه!... هو يرى ما يشاهد الآن ويضحك، يبتسم، يبكي، يحزن، يغضب، ولا يُدرى مدى إعمال عقله... تايه ينسى سريعا ما يقال له... هو يعيش لحظته، يعيش حاضره... لا يهتم تايه بنظافته أو طهارته .... الوقت ليس ذهبا أو مصنوعا منه كما يعتقد تايه، الوقت لا ينضب أبدًا... كما أنه لا يمكث في بيته المغارة، هو متجوّل فحسب، الشّتاء لا يمنعه من التّجول ولا الصّيف يفعل ذلك، حين يمرض يتعافى وهو يتجوّل. إنّه تايه، تايه لا يصنع الأحداث كما يدّعي أهالي القرية بل يندمج فيها ليصبح جزءا منها" (ص 66ــــــ 67)
سمّيت الرواية باسم تايه، فقد اختير هذا الاسم بعناية ليأخذ دلالات وأبعادا كثيرة، من هذه الأبعاد أنّ تايه اسم فاعل من تاه يتيه أو يتوهه فهو تائه سهّلت الهمزة في اللغة ياء، والتّيه هو الضّلال والحَيرة وعدم الاهتداء، وأكثر ما تطلق على التّيه في الأرض أو الصّحراء. فالبعد الأول أنّ هذه الشّخصية موجودة في كلّ بلد وحيّ، بهذه التوصيفات التي ذكرها الرّاوي، فتايه نموذج إنسانيّ لحالة مرضيّة يصاب بها بعض الأطفال فتنمو أجسادهم دون أن تنمو عقولهم، فيبقون مساكين بسطاء لا يدركون ما يدور حولهم. ويكونون موضع سخرية ولهو من بعض صغار السّنّ أو السّفهاء كصلاح. وموضع إشفاق وعطف من الكبار والعقلاء. قد يتقرّب بعض النّاس إلى الله بإطعامهم وكسوتهم والتلطّف بهم وتلبية حاجاتهم. وأرى أنّ الكاتب قد نجح في تناول مثل هذه الشّخصيّة وجعلها محورا ينطلق منه إلى الجوانب المقصودة من روايته. فكان هذا اعترافا بوجود مثل هذه الحالة في المجتمع وأنّها جديرة بالرصد والتوصيف وأن تكون حاضرة في الأدب. وهذه الشّخصيّة وإن لم تكن فاعلة أو صانعة للأحداث، إلا أنّ لها أثرا في العلاقات الاجتماعيّة، من مثل ما أشاعته النّساء وتداولنه حول علاقة تايه بأمّ محمود التي كان يتردّد عليها بحسن نيّة وبراءة طفوليّة.
البعد الثاني لشخصيّة تايه، هو أن تتّخذ جانبا رمزيّا، ربّما قصد به الكاتب قطاعا من الشّعب الفلسطينيّ، لم يكن يعي ما يدور حوله من أحداث سياسيّة وتطوّرات على القضيّة الفلسطينيّة، يشي بذلك مقولته التي كان يردّدها: عرب يهود تقاتلوا، وأحيانا يقدّم اليهود، فيقول: يهود عرب تقاتلوا. فكلّ الأحداث لا يراها أكثر من شجار (طوشة) بين فريقين. يسأله مجدي عن رأيه فيما يحدث، فيقول: لو أمسك واحدا منهم سأبطحه ولا أقوم عنه إلا بعد أن يتوب. فيقول مجدي: وماذا إن تاب يا تايه؟ فيقول: أقوم عنه وألعب معه..." (ص 20) .
البعد الثالث لهذه الشّخصيّة أنّها كانت شاهدا حيّا ومراقبا صامتا لكثير من الأحداث، فهو أشبه ما يكون بحنظلة صاحب ناجي العليّ، فمثلا: في حملة التّدريب التي قرّرتها الدّولة لتدريب أهل القرية (بيت اللو) على حمل السّلاح كان تايه حاضرا، وكأنّ الراوي أراد أن يسفّه هذا العمل ويظهر عدم جديّته وجدواه بوجود تايه: " أمّا تايه فلم يهدأ له بال يرافقهم طوال النّهار... إنّ وجوده مع المتدرّبين يقلّل من الجدّيّة... تايه يحدّق في الرجال المنتظمين في صفوفهم، يبدي جديّة هو الآخر، ويردّد وراء القائد ما يقوله..." (ص97) ومثلا عندما سقطت الدّبابة العربيّة، التي جاءت إلى القرية في الحرب وأطلقت بعض القذائف، في الحبلة عند أحد المنعطفات واستشهد بعض طاقمها، وجاء أهل القرية لينقذوها كان تايه يراقب المشهد، يقول: " وجد تايه في هذا الحدث مناسبة لقضاء الوقت حول الدّبابة وبين أهالي القرية، لم تُعرف مشاعره، ولكنّه كان العلامة البارزة الظّاهرة طيلة النّهار".
ومنها أنّ تايه يراقب المصلّين والصّائمين دون أن يشاركهم في صلاة أو صوم، يقول الراوي: "هو يلاحظهم وهم يتوضّؤون ويصلّون، لكنّهم لا يلومونه لأنّه لا يفعل مثلهم... لا يمكن أن تقنعه بأنّ الصيام مقدس، إنّه مثل الإنسان الأول". (ص106)
ومنها مراقبة تايه للاعبي الورق في المقهى: " تايه يجالس لاعبي الورق في المقهى، أبو صلاح يشارك في اللعب... يدقّق تايه في الورق الذي يحمله أبو صلاح ... يبتعد تايه قليلا وهو يراقبهم وكلّما حرّك أحدهم جسده يمينا أو شمالا صرخ تايه بأعلى صوته باصرة..." (ص52)
البعد الرابع لتايه، هو هذا الجوّ من التّيه والتخبّط والحيرة، الجوّ امتدّ مع الرّواية منذ بدايتها إلى منتهاها، من قبل الهجرة، أي منذ الاحتلال الإنجليزيّ لفلسطين إلى حرب حزيران. إقامة الكامب العسكريّ على أراضي بيت نبالا، واغتصاب الأرض، والعمل فيه، ووجود نزعة قيس ويمن في القرية، الهجرة في أثناء الحرب، انهزام الجيوش العربيّة وتخاذلها، الثّورة التي لم تحقّق شيئا للنّاس، التدريب العسكريّ، قضايا العادات والتقاليد المتخلّفة من مثل تكعيب المرأة الوالدة، الإمام الذي يحتجّ على الذات الإلهية بسبب الهزيمة ويطلق النار في السماء، وغيرها كثير...
وهكذا نرى أنّ اختيار هذه الشّخصيّة لم يأت عفو الخاطر، ولم يكن مجرد قصّ لسيرة رجل ما زال قاصر التفكير والإدراك.
أمّا لغة الرّواية فهي لغة واضحة تناسب الجوّ العامّ الذي سيطر عليها، وهو التأريخ لقرية بيت نبالا ووصف ناسها، وتوثيق مناحي حياة أهلها، طعّمت الرّواية بالكثير من الألفاظ والمصطلحات الشّعبيّة والحوارات باللغة العامّيّة، من مثل كلمة: رعوة غنم، يسحجون، وصل حدّ الهون، وألطى بعضهم خلف جذع الشّجرة، وغير ذلك. لم تخل الرواية من بعض الهفوات اللغويّة، من مثل: استخدام لفظ الكوربة التي أخذت من الإنجليزية، والأصل أن تسمّى المنعطف. فتح (أنّ) بعد الحرف( حتّى) : حتّى أنّها. والأصل كسرها لأنّ حتى في هذا الموضع حرف استئناف لا حرف جرّ كي تفتح همزة (أنّ) بعده فيؤول بمفرد. وقوله في ص57: ولا يصلّي جماعة ولا إمام. والأصل: إماما. ومنها قوله ص70: أمّا إذا شاهد راع أغنام... الأصل راعي أغنام. وقوله في الصفحة نفسها: بأذنينها.. والأصل بأذنيها. تحذف النون للإضافة. وقوله ص85: صار يلامس الحجارة البيضاء على وجهه. والأصل: يمسح بالحجارة على وجهه، أو يلامس الحجارة بوجهه. وقوله ص89: نهاية لأسماءهم. والأصل: لأسمائهم. وقوله ص91: استغرق العمل عدّة أيام. الأصل: أيّام عدّة. وقوله ص114: يصحجون. والأصل: يسحجون. وقوله ص132: يرسلون أبنائهم. الأصل: أبناءهم. والحقّ أنّها أخطاء قد تقع ولا تقلّل من القيمة الفنّيّة والأدبيّة للرّواية. ولكنّها تستغرب من صاحب الرّواية التاسعة.
وفي الختام نقول: إنّ هذه الرّواية على قدر كبير من الفنّيّة والأهمّيّة. وبخاصّة لكلّ من ينتمي لهذه البلاد المنكوبة. فهناك أكثر من خمسمائة قرية ومدينة هجّرت من فلسطين، لا بدّ من معرفتها بتفاصيلها الجغرافية والتاريخيّة والسكانيّة والاقتصاديّة ومعرفة مهاجر أهلها؛ كي لا ننسى. والشكر موصول للكاتب.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف