الأخبار
2019/12/9
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

"أوبك" .. شابة تخطو نحو الـ60 بقلم:زهير الحربش

تاريخ النشر : 2019-09-17
"أوبك" .. شابة تخطو نحو الـ60  بقلم:زهير الحربش
"أوبك" .. شابة تخطو نحو الـ60
سليمان الجاسر الحربش

يصادف هذا الشهر مرور 59 عاما على قيام منظمة الأقطار المصدرة للبترول "أوبك"، وقد أمضيت 13 عاما من عملي في وزارة البترول والثروة المعدنية التي زادت على 40 عاما ممثلا لبلادي العزيزة في مجلس محافظي المنظمة، ونشأت جراء ذلك بيني وبينها علاقة عاطفية استمدت جذورها من أول يوم دخلت فيه الوزارة عام 1962 وكانت "أوبك" وليدة لم تكمل عامها الثاني، هذه العلاقة جعلتني أتحدث عنها أحيانا بشيء من الحماسة يفسرها عنوان هذه المقالة. لماذا؟
الجواب هو أن "أوبك" مشروع خرج من معطف الإرادة الحرة للمملكة العربية السعودية وبقية الدول الأعضاء، لم تقم بمشورة من البنك الدولي أو بتدخل ومباركة من المخابرات الفلانية ولم ترضخ لتوجيه أحد، وفوق هذا حملت في ميثاقها أسمى رسالة سلام للعالم وهي تأمين الإمدادات واستقرار السوق وضمان عائد مجز لرؤوس الأموال المستثمرة في صناعة البترول.
نعم هكذا "أوبك" صلبة عنيدة مهما عانت النواقص والنقائص فهي مشروع نشأ بإرادة سياسية حرة يعود الفضل الأول فيه لصاحب القرار السياسي الذي أعطى النور الأخضر لقيام المنظمة وهو الملك سعود، رحمه الله، وتوج ذلك بمرسومه الملكي رقم 51 في شهر رجب 1380هـ الذي صادق على القرارين 1 و 2 "المتخذين في مؤتمر مصدري البترول الذي انعقد في بغداد من يوم 10 إلى 14 أيلول (سبتمبر) 1960" الأول يسجل امتعاض واعتراض الدول المصدرة للبترول على قرارات شركات البترول في تحديد الأسعار بشكل منفرد، والآخر يصادق على إنشاء المنظمة.
الفضل يعود ثانيا لصاحب الحس الوطني المرحوم عبدالله الطريقي الذي وضع الخطوط العريضة والخطوات التنفيذية لإخراج الحلم إلى حيز الواقع. عبدالله الطريقي هو بلا جدال المخرج الذي وظف كل ما لديه من خبرة وعلم لتحقيق ذلك الهدف، ثم جاء بعده عديد من وزراء المنظمة ممن امتطوا صهوة السفينة كل بطريقته الخاصة، منهم من أبلى بلاء حسنا في وضع "أوبك" في واجهة الإعلام الغربي. ولا شك أن صدور الأمر الملكي بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرا للطاقة يعد علامة فارقة في علاقة المملكة بالمنظمة، فهو الذي شارك في مؤتمرات "أوبك" منذ انضمامه إلى وزارة البترول أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وهو الذي ترأس فريق العمل في المنظمة المعني بإعداد استراتيجية "أوبك" للأمد البعيد، وهو الذي أشرف على إعداد البيانات الختامية لقمتي "أوبك" الثانية والثالثة في كل من كاراكاس والرياض. والأمثلة على خبرته وقدرته التفاوضية وعلاقاته المهنية المتعددة في مجال الطاقة أكثر من أن تحصرها هذه العجالة.
كيف تلقى العالم قيام هذه المنظمة؟
خلال الأسبوع الأول من قيام المنظمة كتبت جريدة "نيويورك تايمز" المعروفة خبرا مقتضبا يقول "تم تأسيس تنظيم احتكاري "كارتيل" حتى لو انضم إليه الاتحاد السوفياتي فإنه سيبقى لمدة عام أو عامين في الغالب ثم يعود كل شيء إلى طبيعته"، وظهر هذا الخبر في الجريدة قبل أن يتم نشر النظام الأساسي لـ"أوبك".
هكذا تلقى العالم الغربي قيام المنظمة بالهجوم والوجوم، ومقالة "نيويورك تايمز" مثال على هذا الموقف مع أن شركات البترول قبل 30 عاما أبرمت اتفاقا سريا لاقتسام الأسواق وتحديد الأسعار عرف باتفاق أكنكاري 1928 وصفه مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1952 بالكارتيل، ولا يذكر أن جريدة "نيويورك تايمز" نددت به، لكن "أوبك" ظلت شامخة طيلة الأعوام الماضية، وازدادت شموخا ورسوخا بفضل الدعم الذي تلقاه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بكل ما لديه من حكمة وخبرة سياسية، وولي عهده وحكومته الرشيدة، يضاف إلى ذلك كما أسلفنا تعيين الأمير عبدالعزيز وزيرا للطاقة.
خلاصة القول: نحن الذين أنشأنا "أوبك" واستخدمناها إطارا للتفاوض مع الشركات ومع المنتجين الآخرين، ورفضنا أوائل التسعينيات من القرن الماضي نقل مقرها من فيينا، واستضفنا أهم قمة في تاريخها ومن تلك القمة أطلقنا مبادرة القضاء على فقر الطاقة وهي العمود الفقري لأهداف التنمية المستدامة التي صدرت فيما بعد من الأمم المتحدة.
وضمن هذه المعطيات فإن بقاء المنظمة مرهون بموقف المملكة منها وهي حقيقة لا تقبل الجدل. وبعد هذا كله فإن لـ"أوبك" سمة لا تضاهيها منظمات أخرى وهي أنها المنتدى الوحيد ذو الرسالة الواضحة والعضوية المشروطة المحصورة الذي تلتقي تحت سقفه الدول الأعضاء رغم اختلاف أجنداتها السياسية، وهي بهذه الصفة تمثل جسرا دبلوماسيا تستطيع الدول الأعضاء أن تعبره لتحقيق ما تصبوا إليه من أهداف.
عاما سعيدا وعمرا مديدا "أوبك". وللحديث بقية.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف