الأخبار
أول تعليق من القائمة المشتركة على إعادة نتنياهو لتكليف تشكيل الحكومةالحكومة تُطالب النائب العام بالتراجع عن قرار حجب المواقع الإلكترونية وفق الإجراءات القانونيةشاهد: هونغ كونغ تعتذر رسمياً للمسلميننقيب الصحفيين: الحكومة ستُصدر بياناً توضح موقفها من حجب المواقع الصحفيةاختتام مهرجان "منظار/ منجم الفن" بالإعلان عن بداية حاضنة ثقافية وإبداعية بخريبكةرئيس إتحاد الجامعات البريطانية المستقلة يستضيف أبوكشك بالبرلمان البريطاني لبحث التعاونمنتدى الإعلاميين: القرار يعكس عجز السلطة عن مواجهة الكلمةخريشة: من فكر بقرار حظر المواقع الفلسطينية صاحب "عقلية مظلمة"الاجتماع الـ21 للأحزاب الشيوعية والعمالية ينهي أعماله في تركيافينتك أبوظبي 2019 ينطلق مع منتدى المستثمرينموانئ أبوظبي تطلق مشروع الواجهة البحرية "مرسى مينا" بإضافة نوعية لمعالم الإمارةمعبوث ترامب لـ (صفقة القرن) يُغادر البيت الأبيض نهاية الشهر الجاريأبو بكر: قضية الأسرى بحاجة إلى ضغط دولي حقيقي وتحرك عربي جاد‫معرض كانتون الـ 126 يشهد تطورا مبتكرا في منتجات المعدات المنزليةالمسرح الحركي" بخريبكة ينظم تظاهرة فنية متنوعة
2019/10/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مسارات الديمقراطية في الانتخابات التونسية بقلم: منذر بشير الشفرة

تاريخ النشر : 2019-09-17
مسارات الديمقراطية في الانتخابات التونسية بقلم: منذر بشير الشفرة
مسارات الديمقراطية في الانتخابات التونسية
بقلم منذر بشير الشفرة

يمكننا في مقدمة استعراض مختلف الحملات الانتخابية لرئاسة تونس في هذه الفترة بالذات وقد مرت سنوات على ثورة الأحرار التي عدلت وأثرت مباشرة على عديد الاقطار العربية بفضل تطور مهول وجواري داخل شبكات التواصل التى تبني اللحظة وتخاطب الوجدان من خلال مقاربات سيكولوجية جمعية وتفاعلية تحتفي بالصورة وتحاول تحريك بواطن النفس الكامنة مع تركيز على فئة عمرية شبابية تعيش فترة يقظة وتحولات جذرية من خلال التصعيد بالطابوهات الثلاثة المعروفة وهي الدين والسياسة والجنس. ان الحديث عن السياسة والاقتصاد أضحى الملهاة الأولى لدى الطبقات الشعبية التي تجد فيها ملاذا يتحقق من خلاله التحرر ولو وهما وحرية التعبير ولو سخرية وتعرية لما كان بعيدا عن كل اهتمام ونجد خلال كل ذالك تقليدا جديدا وهو مماهات ما كان غريبا وجريئا أو دعوة للتفرد. سوف نتعرض بدءا للانتخابات الرئاسية وبعض المتقدمين لها وضرورة التعرف على الخلفيات والمرجعيات الايديولوجية في تونس بعد الموجة البورقيبية والسمات اليوسفية ومآل الثورات او الانتفاضات المتعاقبة منذ عهد البايات.

لقد بات حريا بنا أن نراجع بعض الثوابت التي تحدثت عنها نخبة 2011 في تونس وجعلت من مباديء الثورة أن لا يعود النظام القديم المكنى بالسيستام الطاغي بشعارات مثل " ان عدتم عدنا" وتلك المضامين الإنسانية التي جعلت من هذا البلد الصغير المغاربي والذي تصدي بفكره لطروحات القادة بالشرق العربي من خلال استراتيجيا البراغماتية والواقعية والوحدة الوطنية الإقليمية والتنمية والمراهنة على التعليم وتفعيل تحرير المرأة وأثبت الزمن أن القيمة السياسية لا تتحقق بالشعارات بل برؤية واقعية تبنى على البناء ولا يمكن أن تبتدأ بالرفض والثورية المحضة فاللحظة الراهنة تنخرط ضمن مسار العولمة دون المساس بمقومات الهوية واحترام الخصوصية.

لقد تعلمت العائلات السياسية والمدارات الأيديولوجة التي أحاطت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي كيف تتأقلم مع الوضع الصعب وتركب موجة الثورة التي تشبه كثيرا انتفاضة الخبز في الثمانينات  واتخذت من الوطنية والوحدة القومية واللغة الشعبية وطاقة الانصات الى مشاغل الشباب والحقيقة فان المرشحين في اغلبهم تبنوا كل هذه المقولات الاساسية وحاولوا الدفاع عن هوية عميقة داخل أفق من الحرية والتضامن مع أساسيات جوهرية في السياسيات الخارجية وأصولها لعب دور محوري تفاوضي من الشقيقة ليبيا والتعامل اللامشروط من الجزائر ودعوة ملحة لمواصلة الجسر الخليجي وتذكر كل من الفضاء الافريقي والسوق الصينية...كلها أفكار مشتركة بين الرؤساء الطامحين اعتلاء كرسي قرطاج. ولا يمكن التغاضي في هذا النطاق على الظواهر الصوتية والخطابية لكل من الاستاذ الصافي سعيد والاستاذ قيس سعيد لما ما أبدياه من وطنية وقوة حجة وبيان ولكن الرئاسة لا تحتمل مثل هذه الأمزجب حسب اعتقادنا. ;

ويمكننا في هذا الصدد ذكر المثال المترشح والذي تصاعدت اسهمه تدريجيا عن طريق وسائل الاتصال  ولكن دون أن تصل الى نتيجة ذات بال حسب التقديرات وهو الدكتور لطفي المرايحي وهو ظاهرة غريبة لأن ليس له ماض وتقاليد سياسية ضاربة في القدم ولكن اتقاد ذكائه في استقطاب شرائح عديدة ومختلفة من الشعب خول له ان يكون مثالا لتجميع أصوات راحت تنأى عن المسارات التقليدية والتي تستجيب لضرورة مقاومة لوبيات اقتصادية وسياسية مهيمنة منذ سنوات والتي تخلق ديناميكية اقتصادية تبعا للنظام الراسمالي التي تنتهجه تونس. وقد وجه العديد من النقاد للمرشح المرايحي انه يفتقد للماكينة الانتخابية وأنه لا يمتلك توجها فكريا وايديولوجيا واضح المعالم مثل سائر الرؤساء الخارجين عن منظومة الاستبداد وقد بينت خطبه ان له مرجعية بورقيبية في مفهوم الوحدة الوطنية وسياسة المراحل ورؤى من اليسار الاسلامي بخصوص المجتمع والأقليات والمرأة وتوجه ليبيرالي في الاقتصاد مع بعض التعديل ويمثل امتلاك القائد على ابعاد فكرية ذاتية رهانا اساسيا يخول له الانخراط في منطق الراعي والقطيع التي تنسجم مع الوضع العربي المنخرط في الحداثة.

نصل الى موضوع التنافس الشرعي والجاد قبل الخوض في مآلات النتائج المحتملة وهي صراع ثلاثة دوائر: الأولى تحتوي على ميراث النظام القديم الذي يحاول الحفاظ على صلوحياته ويؤكد ذالك انسحاب كل من محسن مرزوق صاحب المشروع وسليم الرياحي معتمدين على منطق عدم تشتيت الأصوات وقد مثلت تصريحات الرئيس المحتمل عبد الكريم الزبيدي في حواره مع المنشط سامي الفهري صاحب الحوار رسائل واضحة موجهة للاتجاه الثاني الذي يمثله يوسف الشاهد وهو الذي انبثق من حاضرة تونس العاصمة اذا اعتبرنا البعد الجغرافي للسياسة في تونس. ويرتبط هذا العامل بالمصالح الاقتصادية لعائلات راسمالية تحاول ربط السلطة السياسية بالشان الاقتصادي حتى تحافظ على ديمومة الرهانات التجارية والتحكم في السوق.

يمكن في هذا الاطار ان نتحدث عن التوجهات الفكرية التي تعاقبت على تونس ولكنها لم تجد حاضنة كبرى لها ومرت دون تاثير عميق يمضي الى القاعدة المجتمعية فالتيار الماركسي الشيوعي وجد موطن قدم منذ دخول فرنسا بدواعي الحماية وبقي داخل فلك مثقفين وكتاب ولم يخترق الحاجز الاجتماعي الوجداني لكنه تطور وبقي مهتما بالامتداد العمالي ونجد ايضا بعدا قوميا ناصريا اربط أساسا بالجنوب التونسي وافرز عدة شخصيات وتاثر بالجوار الليبي وافكار معمر القذافي ولم يتوصل الى صفوف الشباب بعد الالفية نظر لهواجس أخرى مختلفة ونفس الشأن بالنسبة للفكر البعثي بجانبيه العراقي والسوري حيث تبنته مظومة فكرية جامعية وابداعية ويلي ذالك تيار اسلامي كان في البداية خارج السلطة وصنع له تاريخا من النضالات ثم تطور الامر الى فتح كوات على طبقات بورقيبية لتطوير ديناميكية التيار الاسلامي وجعله مختلفا عن النموذج الاخواني فديدن النهضة في هذه الحقبة هي التركيز على الهوية التونسية والتفتح على الافكار الغربية بمستوياتها المختلفة حتى يتم ضمان حد ادنى من الحداثة وقد تبين ذالك من خلال عدم التعرض بشدة لظواهر مثل المثلية الجنسية والمساواة في الميراث وغيرها من الطابوهات الاجتماعية .

ان تاثير التيار البورقيبي في الطبقات الاجتماعية وظهور طبقة من المثقفين المبدعين من امثال محمد مزالي والبشير بن سلامة ومحمود المسعدي وعز الدين المدني قد اثرى المشهد واضفى عليه سمات عميقة من المدنية والوطنية والتطلع للرقي مع كل النقد الموجه لبورقيبة بصفته ضامنا لمصلحة فرنسا وكونه مارس سلطة للأنا المضخمة التي لا تحتكم للشعب بل تقترح نماذج مسبقة وتفرضها دونما استشارة أو استفتاء وربما كان حريا بالانتقادات في هذا الشان ان تعتبر السياق السياسي الذي لا يستدعي الاسقاطات للراهن على السابق.

ان عدنا للانتخابات فنحن نرى جليا كيف توصل الدكتور عبد الكريم الزبيدي وهو مسنود بالمرجعية الجغرافية التاريخية للساحل البورقيبي مع تاييد للآلة الندائية اليمينية وتنازل كل من محسن مرزوق وسليم الرياحي لصالحه. ان المتامل لهذا المشهد بعمق لا يتاثر البتة بالتهجمات في مواقع التواصل لان اللعبة الانتخابية تنبني على التحالف والتنازل وتقترب من مفهوم سارتر للسياسة على اساس الايدي القذرة التي تصنع التاريخ ولا تحتكم للطوباويات والحلم وكذالك الشأن بالنسبة للثورة الفرنسية حيث اضطر روبسبيير المتحالف مع البورجوازية الصاعدة الى قتل رفيق دربه في الثورة دانتون لانه آثر المثالية الشعبية والتساوي والاشتراكية.

لقد كان للزيتونيين في البلاد التونسية الفضل الكبير في بلورة مفهوم السياسة وطرائق الحكم ويذهب المؤرخون الى أن بوريقبة سطى على كل الموروث الفكري وجعل منه شريعة للتواصل المباشر مع الطبقات الشعبية وفي هذا النطاق يمكن التامل في شخصية المرشح الىخر للماكينة الانتخابية وهو يوسف الشاهد الذي برز باخيار واقتراح من الرئيس المرحوم الباجي قايد السبسي لسد فراغات ومحاولة الاستجابة لمطلب رئيس حكومة شاب في الاربعين ونجد ان الشاهد صنع له بكل جراة وقوة مركزا سلطويا قويا كتواصل للنظام القديم الذي يتميز بالحزم وقد أمكن لىلته أن تصمد أما استنكار الجامعيين ونقد الندائيين وموقف النهضويين الضبابي تجاهه.تبين من خلال الشعار الذي اتخذه وهو مقاومة الفساد وبناء دولة قوية من استعراض كينونة متجددة تصمد امام تطلعات الزبيدي ولا ترد على التهجمات الكلاسيكية مثل النقد العلني لليساري حمة الهمامي بأنه لا يمكن للفاسد ان يتعرض للفساد. ولا احد يمكنه انكار التقدم الملحوظ في حكومة الشاهد في حربه على الارهاب ولاحظنا ايضا كيف توصل الى تسمية العناصر الفاعلة بعد القضاء عليها بالرغم من الظرف الصعب الذي يعيشه الشعب التونسي حتى ولو كان في رئاسة الحكم شخصية مثل المرزوقي الرئيس الاسبق فالنزاهة ليس المحرار الحقيقي للتطور والتنمية والخروج من المىزق الجيو ستراتيجية. الملفت في كل ذالك هو أهمية النفس الشباب وربما قاربنا ما بين تجربة ماكرون في فرنسا والشاهد في تونس فالتقدم في السن ليس مؤشرا على عمق التجربة والخبرة لان المخيلة التونسية تفترض شيخا وقورا داهية في مركز الرئيس.

في هذا الصدد لا يمكننا ان نشاطر المفكر في ما ذهب اليه من التدقيق في مفهوم الحداثة والديمقراطية بين المشرق والمغرب العربي حيث يعلن :" لقد دلل العالم العربي على عجزه عن الوقوف في وجه خصومه الداخليين والخارجيين، ومرت فترة زمنية مأساوية فشل خلالها الخصوم في تحقيق خططهم رغم بساطة أحول العرب وفقرهم، وهذه المرة دون استثناء بلدان المغرب العربي، سقط حساب الحداثة والديمقراطية معاً في الحياة العامة: لا الحداثة ولا الديمقراطية استطاعت أن تنجز شيئاً، وهذا ما ينعكس في تصريحات المتصارعين على سوريا وفي قلبها. فقد وصل الأمر بالرئيس الروسي إلى أن يفتخر بما حققته أسلحته هناك، والتي دللت على فاعليتها التدميرية الفائقة، كما الأمر بالنسبة للولايات المتحدة وغيرها. وفي هذا السياق قيل إن الحداثة ظهرت خصوصاً في انتصارات الأسلحة الروسية الحديثة، وفي «الديمقراطية» التي نشرت الطائفية كالوباء الأصفر على أيدي القوى الأجنبية، فيما ظلت الشعوب العربية تراقب ممارسات الآخرين في سوريا وغيرها من بلاد العرب"[1]. ونجد أن كلامه عن سورية مثلا يتطابق مع الواقع ولكن سحب مقولته على المغرب العربي دون تبيان خصوصية لشمال افريقا يجعلنا نعود الى مقاربة أنثروبولوجية حتى نؤكد على اهمية السبق لتونس في مفهومي الحداثة والديمقراطية داخل القطر التونسي مع احترازنا على قراءات قومية مشروعة تحيل الى الحدود التي صنعها الاحتلال وضرورة العودة الى منوال وحدوي صميم وفي هذا خلاف كبير. ونحن نشاطر الطيب التيزيني في استشراء الطائفية العرقية وخطرها على مستقبل الشعوب لانها تنبني على عنصرية مقيتة لا نجد صداها بالمغرب العربي. والملاحظ في هذا الشأن إن الشاهد يقترح نماذج اقتصادية عملية يمكن تحقيقها دون الانتماء لأيديولوجيا ضيقة تكتسح فكره وتمنعه من التقدم واقتراح الحلول البديلة.

ان المنتصر في النتخابات التشريعية هو الشعب التونسي بعد ما لاحظنا التقارب الغريب للرؤساء المقترحين حول قضايا أساسية للوطن وهي الهوية والتنمية والحرية وحقوق الانسان والاقتصاد الليبرالي المستنير بطرح اجتماعي وحرية التعبير واحترام الاقليات وقد مثل كل هذا نجاح لما احدثه التحول الرهيب للانتفاضة التونسية وتغيير المنوال التشاركي نحو آفاق جديدة للتحرر وطرح نموذج أكثر توردا للأنظمة العربية.

منذر بشير الشفرة باحث جامعي                     
جامعة المنستير
[1] انظر عدد العربية.. 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف