الأخبار
قافلة طبية متعددة الإختصاصات بالمجان لفائدة ساكنة العوامة بطنجةاللجنة الشعبية للاجئين ونقابة المحامين تبحثان سبل تعزيز العلاقات والتعاون المشتركبدء استقبال طلبات السعوديين لجائزة خليفةمركز الميزان: تراجع أوضاع الصيادين الاقتصادية بشكل خطيرمصر: النائب الجمال ينهى مشكلة مرضى التأمين الصحيوفد فلسطيني ينهي الزيارة العلمية إلى كيبيكجامعة فلسطين الأهلية تعقد ورشة عمل بعنوان "المخدرات وعلاقتها بالانتحار"الجالية التونسية في غزة تحتفل بعيد الجلاءعقد محاضرة حول مشروع التعرفة المرورية في إمارة أبوظبيفلسطينيو 48: جريمة جديدة في الـ 48.. مجهولون يقتلون "إغبارية" في أم الفحمبن سلمان يجتمع مع رئيس وزراء جمهورية باكستانرئيس بلدية دورا يختتم زيارته الرسمية لجمهورية المانيا الاتحاديةاللواء كميل يؤكد على أهمية دور "العلاقات العامة والاعلام" بالمؤسسات الرسميةجمعية نساء من أجل الحياة تنظم لقاءات توعية بسرطان الثدي"ريل فروت" تعلن عن توفر وظائف جديدة
2019/10/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

إبن تيمية و ورق العنب بقلم: بكر أبوبكر

تاريخ النشر : 2019-08-27
إبن تيمية و ورق العنب بقلم: بكر أبوبكر
إبن تيمية و ورق العنب

قصة قصيرة للأديب بكر أبوبكر

في مقهى الأمل على قارعة الطريق الواصل بين الشارع الكبير وشارع المقبرة جلس الصديقان والأنسباء في ذات الوقت، وأمام كل منهما فنجان من الشاي

-         يا ابو عمر والله تغلّبت مع المرة (المرأة) يقصد زوجته

-         لماذا يا أبو أحمد ؟ ما شاء الله عليها

-         اكلّمها شمال، تكلّمني يمين!

-         كيف يعني؟

يعتدل أبو أحمد في جلسته ويضع رجلا تحت إليتِهِ ويحتسي رشفة من كوب الشاي الذي يعدّل المزاج كما يردد دوما، ثم يُلحقه بنفس "سيجارة" مترقبًا حالة الحُرقة والشوق والتي يصاب بها أبو عمر كلما حدّثه أبوأحمد وأبطأ عليه الرواية، مهما تكررت.

 وهو إذ يتعمد الإبطاء هذا فإن هذا يُشعره باللذة وهو ينظر لصديقه بنصف عين مترقبًا ثورته ... وهو ما يحصل، وحصل

أبو عمر – خلّصنا يا أبو أحمد ... إحكي

أبو أحمد – يعني لا تريدني أن أشرب الشاي؟

أبو عمر بعصبية– اشرب الزفت! وتكلم ... لا حول ولا قوة الا بالله

أبو أحمد باسماً– إذا زعلت بلاش  أحكي.

ينتصب أبو عمر ويصرخ غاضبًا في وجه رفيقه : يا رجل أترجّاك أن تتكلم، ولا تصيبني بأزمة قلبية من أسلوبك البشع هذا.

أبو أحمد منفرج الأسارير: خلاص، خلاص ... سأتكلم

اذ بعد أن يكتفي أبو أحمد من رفع درجة الحماسة لدى صديقه، وبعد أن يعدل مزاجه برشفات ثلاثة يبدأ بسرد مشكلته الأثيرة والمكرورة الناتجة عن فقدان الحوار واختلاف العقليات بينه وبين زوجته.

 فهو أسير محرّر من أولئك الذين قضوا أيام سجنهم في قراءة الكتب والدراسات والروايات المتنوعة فتشكلت لديه ثقافة جديدة، لربما فاقت ما كان من ثقافة أشباه المتعلمين من خريجي الجامعات، فكيف هي الحال مع زوجنه ابنة عمه التي انتظرته عشرين عاما... ولم تتغير؟

   قضت أم أحمد جُلّ زمانها مخطوبة لأبي أحمد (المعتقل) متنقلة بين بيت أهلها وبيت أهله وبين تحيّات الاذاعة وزيارات السجن، والأمل بالإفراج الذي ما أن تم وأقيمت الافراح والليالي الملاح حتى اكتشف العروسان الفجوة التي تفصل بينهما.

أبو أحمد: كنت أحادث أم أحمد، الله يستر عليها، عن الفرق بين فكر ابن تيمة وابن حزم بتبسيط شديد! وهي كانت تضع عدة لف ورق العنب أمامها، وتهز برأسها حيناً ثم تبتسم الى أن وصلت بالحديث للجماعات التكفيرية اليوم، وكيف تنتقي من كلام القدماء ما يعينهم على تطرفهم حتى أن منهم من طلب هجران أكل المحاشي وورق العنب بدعوى أن الرسول لم يأكل في عهده! حسب ما وصلهم مثل هذه الأطعمة، فرفعت ريما رأسها.

أبو عمر : مين ريما.

ابو أحمد مستغربا: ريما امراتي أم أحمد، أنت تمزح... !

أبو عمر : آه ، نعم ، اعتقدت إمراة أخرى... أكمل.

يسترسل أبوأحمد: رفعت ريما رأسها وقالت مصعوقة : ماذا؟ ورق العنب! وهل هناك أطعم وازكى من ورق العنب (الدوالي)؟ حتى انظر كيف ألفّها ولا الماكينة التي أحضرتها أم عبود لبيتها؟ هل تعتقد أنني لا أعرف كيف أطبخ الدوالي! .. وأنا مَن تستشيرني كل نساء الحارة لأقيّم لهن الطبخات؟

فرد عليها أبو أحمد: ومن الذي تحث عن قدرتك العجيبة في لف أو طبخ ورق العنب؟

ريما أم أحمد: أنتَ، وقلت أن الرسول لم يأكل ورق العنب.... بل أكلها، وقال زاكية؟

أبو أحمد: حرام عليكِ يا ام أحمد ، ليس هذا ما قلته، ثم كيف علمتِ أن الرسول أكلها؟

ريما أم أحمد: يعني أنا طرشاء لا اسمع، وحياة الله انك حكيت عن الرسول وورق العنب.

أبو أحمد: كنت أضرب مثلا افتراضيا فقط.

ريما: استغفر الله العظيم يا أبو أحمد .... الرسول!

أبو أحمد: لا تنفعلي يا أم أحمد كان حديثي عن التطرف مثل ذاك المنسوب للخليفة العبيدي (الفاطمي) الحاكم بأمر الله الذي ينسب اليه تحريم الباذنجان، فقست على هذا المثال فقط.

ريما : وكمان الباذنجان! ... يعني ما نطبخ؟

أبو أحمد : وهل أنا قلت ذلك؟ لم أتحدث بهذا الأمر!

ريما : كل حكيَك ورق عنب وباذنجان ... يعني قصدك انك ما بتحب أكلها! وإلا لماذا هذا الكلام وأنا ألف ورق العنب؟

أبو أحمد: لقد رأيتك يا أم أحمد تهزّين رأسك وتبتسمين فاعتقدت أنك مندمجة بحديثي عن فكر ابن تيمة والامام إبن حزم الظاهري؟

ريما: ومن هؤلاء؟ ... أنا كنت أهز راسي مبسوطة بورق العنب .. شوف زي الحرير.

كان أبوأحمد يتحدث وهو محروق القلب على لغة التواصل المقطوعة مع زوجته وبعد 20 عاما من خروجه من المعتقل والزواج.

كان يتمنى ان يجلس أمام انسان مثقف يشجّعه ويُحسن الاستماع له، ويقدّر علمه الذي اكتسبه على فترة 20 عاما طويلة بالسجن، واستمر بها خارجه، فإن لم يجد التقدير أو التشجيع وهو ما لم تألفه ريما ولم توصله له فإنه أمِل بعد ذلك أن تستمِع فقط وتُبدي الاهتمام، ولو الشكلي! ولكن لا فائدة.

في المقهى التفّ حول الطاولة كما العادة عدد من أصدقاء الرجلين من المعتقلين المحررين، وعدد من كوادر التنظيم، ولأنهم يعرفون ريما ويعرفون أبو أحمد كانوا يخفّفون عنه أحيانا ممازحين وضاحكين بتحميله المسؤولية، وأحيانا بالطرافة.

المهم أن أبو عمر كان يستمِع بإصغاء الراغب بأن يدلي بدلوه، ويقضي بين المتخاصمين، فيما كان أبو احمد يريد فقط مَن يستمِع له، أوهكذا كان يخيّل لأبي عمر، وما عساه يتخيل؟

فنجان الشاي الثالث وضحكات يومية من الحضور ... تجهّم أبو أحمد، وتجاوز الأمر، ثم عاد وانشرح واسترسل، فالكلام متعته رغم حَنَقه من زوجته ومن بعض ردود أفعال الأصدقاء ، فهو يجد المتنفس الذي يستطيع من خلال رواية مغامراته اليومية مع زوجته ويجد الفرصة أيضا ليستعرض عضلاته البلاغية والفكرية، و رغم كل المنغصات يعتقد أنه هو الكسبان.

أبو عمر: طيب يا أبو أحمد، هل أكلت ورق العنب الذي طبخته أم أحمد؟

أبو أحمد: أنت تفعل بي نفس الشي! أتكلم باتجاه، وأنت تحرف الحوار بالاتجاه الآخر، ومع ذلك أقول لك: أيوه يا سيدي أكلته.

أبو عمر: وطلع مثل الحرير؟

يضحك مجموع الأصدقاء المتحلّقين حولهم، فيستغلها أبوأحمد فرصة ليشرح لهم عن طريق الحرير وأهميته قديما وحديثا، ولماذا أسمي بهذا الاسم موضحاً أن صناعة الحرير ظلت مقصورة على الصين لمئات السنين باعتبارها سرا من أسرار الدولة.

كان أبو خالد قد سحب كرسيّا وتحلّق حول الطاولة مع أبو أحمد وأبوعمر، وبذلك فقد وضع نفسه في دائرة المسموح لهم بالتعليق، رغم أن أبوعمر لم يستطيع أن يأخذ حقه من الحديث لتزاحم الأسئلة الطريفة من الأصدقاء ما أطرب أبو أحمد.

قبل أن ينبس أبو خالد ببنت شفة، اقتنص أبوأحمد الفرصة وضرب على الطاولة.... حتى كادت كاسات الشاي تنسكب مما أدهش الجالسين والواقفين .. ماذا حصل ولماذا هذه العصبية؟

أبوعمر: مالك عصّبت يا أبوأحمد؟

أبوأحمد واقفًا ويضرب كفًا بكف: لا حول ولا قوة الا بالله... ينظر باتجاه أبوأحمد ويسأل عن الساعة فيكتشف أنه في هذا المكان من ساعتين تماما!

أبو عمر: هل نسيت شيئا؟

أبو أحمد: والله، نسيت ... الله يلعن الشيطان

أبو عمر: لعلّه خير ... تذكر

أبو أحمد: انا متذكر ما نسيته لساعتين ولكن هذا أدخلني في ورطة قد أطرد على أثرها من البيت

أبو عمر: يا ساتر ... ماذا نسيت؟

أبو أحمد : نسيت ريما؟

أبو عمر مبتسما ومشفقا: نسيت ريما أختي زوجتك ... يا ويلك و يا سواد ليلك أين نسيتها؟

أبو أحمد: في سوق الخضرة، ووعدتها ارجع بعد ربع ساعة! انت تعرفها عندما تتسوق... تشتري ما ثقل حمله وغلا ثمنه!

أبو عمر: وأنت نازل تحكي لنا محاضرات!

ضحِك كل الحضور من الأصدقاء، ليس لأن أبو أحمد نسي زوجته ولا لعنترته البادية وليس لمحاضراته الدائمة المكرورة يوميا، حيث صح المقال في المقام أو لم يصح.

ضحكوا لشيء آخر مختلف جدا، لم يخطر على بال ....

 لقد توفت زوجة أبو احمد من سنوات تسع، وهو نفسيا لا يريد أن يعترف بذلك! ولطالما كرر حكاياته ومغامراته معها مدبّجا ذلك بمجموعة من الأفكار الثمينة حقا.... ولكن بداية مرض النسيان الانتقائي أوالخرف قد أتت على السنوات التي لحقت موت زوجته، إذ يتذكر كل شيء قبل ذلك، وعنده وفاة زوجته وما تلاه فالشاشة بيضاء أو تملأها الغيوم الماطرة أحيانا وغير الماطرة في أحيان أخرى.

أبو عمر والحضور يعلمون الحقيقة ولكنهم يتركونه ينفّس عن قهره المكبوت منها وعن فقدانها بذات الوقت، ويطمئنوه عند كل حال تذكّر لنسيانه، لا تقلق: ريما، هاهي وصلت البيت واتصل أحمد يبلغنا ! ...
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف