الأخبار
أول رد من إيران على اتهامات مسؤوليتها عن هجمات (أرامكو)تربية جنوب الخليل تستنكر إخطار مدرسة التحدي 8جمعية المستهلك تنظم يوم فرح لفتيات جمعية انعاش الأسرةعشراوي: مسلسل الإعدامات الميدانية المتصاعد يتطلب وضع حد لجرائم الاحتلالاليمن: اللواء شلال شايع يتفقد مطار عدن ويشيد بجهود كتيبة الحمايةالقضاء التونسي يرفض الإفراج عن مرشح لمنصب الرئاسةوزير التربية يتفقد مدرسة صناعية بقباطية ويواصل لقاءاته مع مديري المدارسدايون تعلن عن تعيين جون ساندرز بمنصب رئيس شؤون الأسواق الناشئةفريق مبادرة سفينة الشباب يزور المجلس التشريعي الفلسطينيالأمم المتحدة توفد فريقا للسعودية للتحقيق في هجمات "أرامكو"المالكي: السلطة الفلسطينية مستعدة للتفاوض مع أي رئيس حكومة إسرائيلية جديدةترامب للإيرانيين: انتظروا الـ 48 ساعة المقبلة والهجوم عليكم "أمر سهل"جبهة النضال الشعبي تلتقي مدير عام داخلية طولكرموزيرة الصحة تبحث موضوع طب العائلة مع خبير من الكلية الملكية البريطانيةاللجنة الصحية الوطنية تجتمع برام الله لتلخيص توصياتها وتقديمها لمجلس الوزراء
2019/9/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

القرية اللبنانية في رواية طيور أيلول إملي نصر الله بقلم:رائد الحواري

تاريخ النشر : 2019-08-25
القرية اللبنانية في رواية طيور أيلول إملي نصر الله  بقلم:رائد الحواري
القرية اللبنانية في
رواية طيور أيلول
إملي نصر الله
جميل التقدم من ماضينا القريب، والأجمل أن يقدم من خلال عمل روائي بعيدا عن الجمود والمباشرة، فعندما يكتب الأديب/ة من خلال الريف وطبيعته الخلابة بالتأكيد سينعكس على اللغة الأدبية التي تُقدم العمل، وتجعل القارئ يستمع بما يقدم له، حتى لو كانت الأحداث مؤلمة وقاسية، وهذا ما يحسب للأعمال الخارجة من الريف.
المرأة في الريف
الحياة الاجتماعية الريفية في لبنان لا تختلف أن أي ريف في بلاد الشام، فالأفكار التي يحملها الريف واحدة، خاصة ما يتعلق بالحياة، ونجد الريف يتوحد حول نظرته للمرأة، فعندما فكرت "منى" في الذهاب إلى المدينة لتكملة دراستها نجد صد لهذه الرغبة: "ـ علموها بتخسروها!.
...ولكن ماذا سيقول الناس؟ تذهبين إلى المدينة، وتعيشين فيها وحدك مثل الشباب؟ إنك، ولا شك تمزحين يا منى" ص19، هذا الكلام جاء على لسان نساء، حنة ومرسال، وهذا ما يؤكد على سطوة المجتمع حتى على (الضحية) نفسها، فهي تستخدم ذات الأفكار التي تستخدمها الجهة القامعة.
وعندما تتمرد "نجلا" على المجتمع وتحب "كمال" تعلق "حنة" بقولها: "البنات ما بتنعطى حرية!" ص128، المجتمع، ذكور واناث لا يرحم من يتجاوزه ويتمرد عليه، وكأن جنس الضحية التي تتمرد على المجتمع ترى في هذا التمرد تبيان لعيوبها وعجزها عن الخروج وتجاوز ما هو السائد، لهذا تقف ضد (التمرد) بقوة وعنف أكبر.
وعندما يتم طلب يد "نجلا" من أمها " لسليم، نجد "أم هاني "سلمى" تخاطب أبو هاني بهذا المنطق: "أيمتين كان البنت لها رأي؟ كنا بنات وجوزونا أهلنا، ما خرب الكون غير لما صار للمرأة كلام" ص159، إذن الضحية تمارس جلد نفسها بنفسها، وهذا يؤكد على المجتمع (يطحن) افراده دون رحمة، فالفرد مهما كان واعيا لا يمكن إلا أن يكون منتمي لمجتمعه، ومن ثم يمارس وينقل ويحمل افكار المجتمع، هذا هو حال الأفراد في المجتمع.
أما نظر الذكور فنجدها في قول الأب: "البنت الشريفة لا تعاشر الشباب، لا تتطلع إلى وجوههم" ص27، وهذا يشير إلى أن المحرمات على المرأة في الريف أكثر منها في المدينة، فحتى النظرة ممنوعة، وتشوه صورة البنت/المرأة فكيف سيكون حال الفعل؟.
والمجتمع الريفي يتعامل مع شرف المرأة من هذه الزاوية: " وأمام غرفة نوم ضيقة، حيث كانت ليلى تقضي الليلة الأولى مع عريسها، وقفت أمها وقد رفعت بين يديها "قميص" الملوث بالدماء ورسمت فوق شفتيها ابتسامة الفخر: تعالي يا أم سمعان ... تعالي قبلي كنتك.." ص95، هذا حال كل الريف في المنطقة العربية، واعتقد ان تناول "منى" لهذا الحدث هو دعوة للعادة النظر بمثل هذا السلوك.
الحياة الاجتماعية
الحياة الريفية جامعة للسكان، فتجعلهم موحدين حتى في نظرتهم إلى سلوك وفعل الفرد، عندما يقرر "راجي" السفر إلى الخرج، نجد العديد أهل القرية اصطفوا لوداعه: "..وراجي يتنقل بين أكف المودعين، ينحني فوق يد راجفة على عكاز، ويرتمي بين سواعد الشغوفة، ويرضخ صاغرا لقبلات النساء، المسنات منهن بصورة خاصة، ويمد يده/ من حين إلى آخر، يمسح بقايا دمعة علقت بخده.. وجاء دور الصبايا، فمر بهن مسرعا، وبقيت العيون الفتية تلاحقه، متأوهة، وجلة" ص106، هذا السلوك الاجتماعي ينفرد به الريف، حيث يشعر السكان أنهم مهتمين بالشخص وبمستقبله.

رغم بساطة الريف إلا أنه كان يقسوا على نفسه، فكان يجتر (التفاهات) ويرددها دون أن يعي خطورتها عليه كمجتمع وعلى أفراده: "ومن حنة سمعت حكاية جديدة، تسلي سكان القرية في الأشهر التالية: "فؤاد بحب مريم" ص32، والقسوة لم تقتصر على اجترار التفاهات فحسب، بل يمكن أن تصل إلى القتل: "... فقد كانت نجلاء من مذهب يختلف عن مذهبه، وكان يعلم أن القتل ينتظره على أيدي الأشقاء وأبناء العم، إذا هو فتح فاه، أو عطس الموضوع في وجه أحد" ص115، إذن الطائفة/العشيرة/العائلة لهذا دورها في تحديد الزوجة أو الزوج، وهذه أحدى الأشكال الاجتماعية التي تعيق تقدم المجتمع، وتحد من انطلاقته نحو المدينة.
اللغة الريف
اللغة تتأثر بالمكان الذي يكتب به الأديب/ة، فعلى سبيل المثل الصحراء/المدينة تفرض على الكاتب أن يستخدم ألفاظ بعينها، من هنا أجمل الأعمال الأدبية تلك التي تكتب في الريف، حيث تكون الطبيعة حاضرة فيه، "وشعرت بغصة تعض بصدري، وتتغلغل في حنايا نفسي، إن هذا الشعور يعاودني كلما لمحت الأوراق الصفراء تترنح مغلوبة على أمرها، تدوسها الأقدام" ص18، يمكن أن يكون هناك رمزية في هذا المقطع، لكن اعتقد ان طبيعة الخريف وما فيه من موت للخضرة ورياح سريعة ومزعجة انعكست على السادرة فربطت نفسها بمشهد خريفي يتماثل مع حالتها تماما.
ونجد حضور المكان في موضع آخر: "كانت اعترافات مرسال تمتزج ببوح الأرض، وكنت أحس بما يشبه الانعتاق من أغلال الكيان البشري، وحلقت نفسي مع الأبخرة المتصاعدة من باطن الأرض، من التراب الرطب" ص63، إذن الساردة تربط نفسها بالمكان، حتى انهما يقومان بعين الفعل، ولذات الأسباب.
"شرعت الباب، وخرجت إلى العاصفة، أتلقي قبلات الثلوج وهي تتهالك بصمت على الأشجار والسطوح وفي الأزقة.
بدت الأرض في تلك اللحظة، صفحة من ضياء، تنعكس على الضباب المتمرد في قرص الفضاء"ص85، اجزم ان هذا المشهد هو طبيعي تماما، لم تقدم فيه السرادة أي خيال أو تفكير، فقد صورته لنا كما هو دون تدخل منها. وهذا ما يجل المكان يؤثر في اللغة الأدبية، التي ستنعكس على القارئ سلبا أم إيجابا.
"من قال إن غانيات المدينة أشد حرصا على الإغراء من الأرض، من بساتين اللوز والتفاح، وحقول القمح، وكروم العنب؟" ص126، هذا المقطع يؤكد على أن للمكان حضوره وفاعليته في النص الأدبي، والكاتب/ة يتأثر به حتى لو لم يكن واعي به.

الصور الادبية
تكمن أهمية الصور الأدبية في تخفيفها من حدة قسوة الأحداث، فهي تشير إلى أن الكاتب يهتم بمشاعر القارئ، من خلال تناوله لحدث/شخص قاس بلغة وصورة جميلة، مما يجعل المشهد أخف وطأة على المتلقي: "كانت دموع نجية سخية جدا في ذلك الصباح، كانت تكفي لغسل خطايا العالم" ص62، فالصورة الأدبية تعد رحمة ليس "لنجية" فحسب، بل للقارئ الذي سيتعاطف معها ويقف إلى جانبها.
هموم المرأة
بما أن الكاتبة امرأة فهي تنحاز إلى جنسها، وهذا الانحياز نجده في لغة الرواية وفي السرد، فمن تسرد الأحداث "منى" وهي تحدثنا عن نفسها وعن صديقاتها "مريم، نجلا، مرسال، فكل فتاة تحدثت عن مشاعرها تجاه الحبيب، مرسال تحدثنا عن راجي الذي سيهاجر: "راجي سيهجر القرية، سيهجرني يا منى، وأبقى أتلمس الجداران التي بنيتها بأحلامي، وأحيا في هيكل من الوهم والخيال... تمنيت في تلك اللحظة لو يقترب مني، ويجمعني بين ذراعيه ويهمس في أذني كلمات أتوق إلى سماعها" ص44، فالسادرة من خلال هذا المشهد ترد على المجتمع الذي ينظر للمرأة نظرة دونية، وكأنها من خلال كلمات "مرسال" تثور وتتمرد على افكار المجتمع.
وعندما يهاجر "راجي" وتكون "منى" من اللواتي ودعنه، تتفجر المشاعر "مرسال" وتعبر عنما فيها بقولها: "هل صافحته يا منى؟ هل لامست أناملك يده القوية؟ هاتي يدك كي أقبلها، دعيني أنمرغ عيني بعروقها، أمسح عنها آثاره بشفتي، يكاد الصمت يقتلني يا منى" ص107، من يقف عند هذا الكلام الصادر من فتاة، يتأكد أنه رد حاسم على نظرة المجتمع لها، فهي تحب، والحب الذي جاء بمثل هذا المشهد كفيل بأن يجعل القارئ ينحاز له، حتى لو كان يفكر بطريقة المجتمع التي تتناقض مع هذه الحب وتحاربه.

الرواية من منشورات نوفل، لبنان، بيروت، الطبعة الرابعة عشرة 2012.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف