الأخبار
أول رد من إيران على اتهامات مسؤوليتها عن هجمات (أرامكو)تربية جنوب الخليل تستنكر إخطار مدرسة التحدي 8جمعية المستهلك تنظم يوم فرح لفتيات جمعية انعاش الأسرةعشراوي: مسلسل الإعدامات الميدانية المتصاعد يتطلب وضع حد لجرائم الاحتلالاليمن: اللواء شلال شايع يتفقد مطار عدن ويشيد بجهود كتيبة الحمايةالقضاء التونسي يرفض الإفراج عن مرشح لمنصب الرئاسةوزير التربية يتفقد مدرسة صناعية بقباطية ويواصل لقاءاته مع مديري المدارسدايون تعلن عن تعيين جون ساندرز بمنصب رئيس شؤون الأسواق الناشئةفريق مبادرة سفينة الشباب يزور المجلس التشريعي الفلسطينيالأمم المتحدة توفد فريقا للسعودية للتحقيق في هجمات "أرامكو"المالكي: السلطة الفلسطينية مستعدة للتفاوض مع أي رئيس حكومة إسرائيلية جديدةترامب للإيرانيين: انتظروا الـ 48 ساعة المقبلة والهجوم عليكم "أمر سهل"جبهة النضال الشعبي تلتقي مدير عام داخلية طولكرموزيرة الصحة تبحث موضوع طب العائلة مع خبير من الكلية الملكية البريطانيةاللجنة الصحية الوطنية تجتمع برام الله لتلخيص توصياتها وتقديمها لمجلس الوزراء
2019/9/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

زرياب في مزاحمة الكلاب بين الدروب والهضاب 7 بقلم:د.محمد بنيعيش

تاريخ النشر : 2019-08-16
زرياب في مزاحمة الكلاب بين الدروب والهضاب 7 بقلم:د.محمد بنيعيش
   هايْدي تو                

           بين مقتضيات حب البقاء والتسليم لمجريات القدر

 

في ظل هذه التقلبات الصحية والمزاجية المصاحبة لها كانت هايدي تعرف في بعض الأحيان ضعفا بدنيا لغاية أن يقال بأنها ربما ستكون هذه القاضية بالنسبة إليها ،وخاصة في فصل الخريف والشتاء حيث البرد القارص والأمطار وهبوب الرياح ،حتى قد كانت في بعض الأوقات تلجأ بإلحاح إلى منزل زرياب فتقف عن الباب تستعطف وتتوسل من أجل الإيواء ولو فترة وجيزة ريثما تمر العاصفة أو يقف هطول المطر.وفعلا كان يفتح لها الباب فتلزم مكانا وراءه لا تتعداه بحسب الاتفاق المبرم بينها وبينه.

وكم مرة فكر وفكر معه أهله في علاج هايدي من عاهتها تلك، وجبر كسرها حتى قد شاور الطبيب البيطري في الأمر وبعد تشخيص الحالة بدا أنها غير قابلة للعلاج لأن الكسر  أو خلع العظام قد طالت مدته ودخل في حكم المزمن.

ولكن ما أن يأتي فصل الربيع ويتلوه الصيف إلا وتبدأ هايدي في تجدد وتغير ملحوظ حتى مرت عليها وهي بهذا الحال سنين ربما تجاوز عمرها كثيرا من الكلاب التي كانت سالمة ومعافاة.

وعند تقدم سنها بدأت تعرف نوعا من الفتور في الحركة وقلة النباح أو مطاردة القطط ،بل قد عقدت معها حلفا دائما حتى إنها كانت تقاسمها الطعام والشراب في مكانها المخصص لها .ومع هذا فستعيد الكرة في التوالد والتزاوج وستحمل ثم تلد عند عتبة باب دار لم تكن مسكونة في تلك الفترة.ولكن هذه المرة لم تتمكن من ولادة سوى جروين لا غير، أما أحدهما فقد مات بمجرد خروجه للدنيا ،وأما الآخر فبقي حيا إلى أمد محدود.

وللحفاظ على بقائه قصدت هايدي باب زرياب وطرقته بنباح وأنين وتوسل.فما كان إلا أن أذن لها بالدخول والإقامة تحت سلم المنزل ريثما تتم رضاعة جروها.

لكن الجرو لم يهدأ له صراخ طول الليل وحتى الصباح وامتد به إلى الليل الموالي ثم سكت أنينه ولم يعد له حراك.

لم تكد هايدي تصدق بأن ولدها الوحيد وأملها في هذه الحياة قد لفظ أنفاسه.بل أصرت على أن تضعه تحت بطنها وتحتضنه إلى ما لا نهاية بإصرارا يقطع الأنفاس ويهد القلوب ويلهب المشاعر والوجدان.

أطل زرياب عليها وهي في كوخها متهالكة وكئيبة وحائرة وضعيفة القوى لغاية أنها لم تكد ترضع جروها ،والذي ربما يكون قد مات لغياب لبن أمه عن جوفه وعدم القدرة على إيصاله إلى أحشائه.فما كان منه إلا أن تحدث مع هايدي بخطاب إنساني مباشر قائلا:- يا هيدي إن ولدك قد مات وما عليك سوى الصبر والسلوان،فاتبعني أريك حيث سأدفنه لكي تتأكدي من أنه في أمان.

تبعت هايدي زرياب خطوة خطوة وهو يحمل الجرو الميت إلى أرض خلاء ثم شرع يحفر له حفرة يواريه فيهل بالتراب.ثم عاد وعادت بصحبته تريد أن تقول له شيئا و يريد هو أن يقول لها شيئا.لكن ما أن دخل الدار وأقفل الباب حتى هرعت هايدي إلى المكان الذي دفن فيه جروها ثم نبشته وعادت به تحمله في فمها وتصيح طالبة اللجوء بالمنزل :-ووووه،ووووه !!!.

لكن زرياب حاول إقناعها بأن جروها ميت ولا يمكن أن يبقى هنا وإلا فيسجلب عليه الذباب الأزرق وربما الجراثيم والعلل.فمنعت من الدخول ثم حاولت ثم منعت ،وفي النهاية تأكدت بأن جروها قد مات فعلا ثم لفظته وطرحته أرضا ودخلت المنزل من غير أن تحمله...

أخذ زرياب الجرو ثم أعاده إلى حيث دفنه في المرة الأولى ،ولما انقلب إلى المنزل وجد هايدي ما تزال مصرة تبحث عن جروها فتصعد الدرج ثم تنزل وتطوف بالبيت وتتفقد أركانه وزواياه وذلك في منظر مؤلم جدا ومعبر ليس بعده أشجن من تعبير.

مكثت هايدي بعد هذه الصدمة مدة وهي تطوف ثم تعود إلى بيت زرياب للملمة جراحها والتخفيف من حسرتها حيث ازدادت العناية بها وكأنها إنسان مصاب وقريب عزيز يطلب المواساة  والمشاركة في الحب والآلام.وبعد مرور فترة قصيرة بدأ يطرأ عليها الهزال والضعف المتوالي مما ترتب عنه تقرحات جلدية في أماكن معينة من جسدها بسبب الاتكاء المفرط عليها ومن خلال الإعاقة التي كانت تعاني منها في رجلها وظهرها.فكان زرياب وأهله يهتمون بها ويحاولون علاجها مرة بالدهان الجلدي ومرة بالمطهرات والمعقمات ومرة بالعلاج الطبيعي والطب البديل باستعمال بعض الأعشاب الملبخة. فكان ذلك يخفف عنها قليلا ويضعف توسع دائرة التقرحات فتضمر مرة ثم تطفو من جديد.

ونظرا لتوالي ذبول حالها ومنظرها فقد بدأت بعض الألسن من الجيران تريد أن تقصيها من الدرب ،أو تطلب رجال البلدية للتخلص منها،بزعم أنها قد تسبب لهم أمراضا أو تنقل إلى أطفالهم حشرات كالقراد والبرغوث وما إلى ذلك،وكأن الدرب مركز صحي أو مرآة النظافة لا يوجد من يلوثه غير هايدي ،فقد يمر كلاب غيرها ويمر الحمير والمتسكعون من البشر . فكلما رأوا دما أو حشرة عابرة إلا وأسقطوها على هايدي واتهموها بها، تماما كما فعل الذئب مع الحمل لما نوى التخلص منه والتهامه اتهمه بأنه يعكر عليه ماء الشرب ويهدد مورده.بينما الحمل كان يقف في أسفل الجدول والذئب من فوق فكيف يصعد الماء المعكر من تحت نحو الفوق؟ !!!.هذا  هو حال كثير من الكائنات التي تسعى إلى إسقاط فشلها وقلة صبرها على غيرها باتهامها بما ليس فيها كمقدمة لإقصائها.

لم تكد إحدى بنات زرياب أن تسمع بهذا النقيق وتصادم العقيق حتى أسرعت للاتصال ببعض الجمعيات الخيرية المخصصة للرفق بالحيوانات وذلك للحيلولة دون أن يتخذ أحد الجيران إجراء يسيء إلى هايدي ويرمي بها إلى المصقلة بغير رحمة أو مبرر معقول،فتم الوصف وتم الجواب وما كاد الغد يأتي حتى جاءت بعض النسوة والفتيات وهن يردن معرفة حال هايدي ومتطلباتها .وبسرعة كالبرق هيء لها الصابون والمعقمات ومقلمات الأظافر والأمشطة،وصعد بها إلى سطح المنزل وبدأ التنظيف والغسل بالماء الدافئ الصيفي المنعش.فكانت مرة تئن وأخرى تنبح نبحا خفيفا محذرا ،ولكنها في النهاية استسلمت وأيقنت أن القوم يريدون بها خيرا،حتى خرجت من المغسل كأنها العروس في ليلة عرسها، لونها وشكلها غير الذي كان من قبل ،ونشاطها أفضل مما سبق. إذ كانت هذا أول استحمام تستحمه هايدي في حياتها وكأنها تجمع بين استحمام الحياة واستحمام الوداع !!!.

ثم سعى أصحاب الجمعية إلى تسجيلها في كناش التعريف الخاص بالكلاب مع تاريخ حقنها بحقنة المقاومة للأمراض والحشرات ،كما دقوا على أبواب الجيران لإعلامهم بأن هايدي قد أصبحت لها صفة المواطنة رسميا وأنها محسوبة على الجمعية وكل مساس بها هو مساس بقانون الجمعية وحقوق الحيوانات !. 

شعرت هايدي بعزة وكرامة وأنفة لم تعهدها من قبل،وما أسعد الكائن الحي حينما يعترف به وبحقوقه ويرى أن له مكانا محترما لوجوده؟

وحينما اشتد حر الصيف ولم تعد تجد ذلك الركن أو العتبة التي كانت تستظل بها قبالة بيت زرياب فقد كانت تلجأ إلى منزله فتمكث به ما شاء الله أن تمكث ثم تستأذن للخروج لحاجاتها وأغراضها الخاصة ثم تعود.ففكر عندها بأن ينشئ لها كوخا أو يؤثث صندوقا يكون مقر إقامتها من غير إزعاج عند الباب وتحت النافذة ،نافذة نومه،قد تظللها شجرة خضراء فصلية كانت منصوبة هناك.

فكان يخرج لها يوميا أكلها ويحرص على سقائها ودوائها.كما أن الأطفال كانوا كلما مروا بها إلا ونادوا : هايدي هايدي. فتنبحهم وتكشر في وجوههم ،وربما تحركت كأنها تريد أن تطاردهم، فيفرون وهم مبتهجون مسرورون لم يجدوا في أي درب من الدروب ما كانوا يجدونه من ترفيه ولعب معها ،ويتكرر الحال هكذا في كل يوم تقريبا ،وعند كل خروج من المدرسة المحاذية للزقاق.

وما أن أدبر الصيف بلهيبه وأفراحه وأنسه حتى أقبل الخريف بتقلباته وعبوسه وتساقط أوراقه ،فكانت هايدي على موعد من سقوط ورقتها ، تذكرة السفر ومغادرة المكان والزمان والاختفاء عن المسرح .

فلقد عرفت صحتها تدهورا لم ينفع معه طبيب ولم تعهده من قبل، بعدما عمرت ما عمرت وسعدت بما سعدت وشقيت فيما شقيت ،وتزوجت وولدت،هكذا شأن الكائن الحي إنسانا كان أم حيوانا ،فلا بد له من نهاية ليس هو الذي يختارها أو يحددها ولكن امتلاك ناصيتها يكون بيد من يملك مفاتيح البداية،وهل فينا أحد يملك هذه المفاتيح؟.فالذي يفتح الباب للدخول هو الذي يسدها بنفس المفاتيح للخروج !!!.هذه عقيدة وحكمة وحقيقة ينبغي وضعها في الحسبان قبل التخطيط للمصير والتطاول على ما يخفى عن البشر من تقدير.

فهايدي قد بدأت ترسل رسائل مبطنة بوداع مر ونهاية الرحلة الصيفية التي لا تحتمل الدخول والتوغل في الخريف.حتى إنها في بعض الأحيان بدأت تترك مكانها المغطى تكريما لجرو صغير تعثر به حظه ولجأ إليها ، فتذهب نحو الخارج تجر جسمها النحيل جرا فترمي بنفسها في التراب الخالص ثم تبيت فوقه رغم خشونته وصلابته ،وكأنها تقول له ها أنا عائدة إليك يا أبي الترابي ويا أصلي، ومندمجة بك اندماجا أبديا لا رجعة فيه !.

وفي ذات ليلة ماطرة وخريفية بامتياز ،كان قد بلل الماء كوخها وأغرقه وأتلف أركانه،ستعود هايدي تو إلى منزل زرياب وكأنها تريد الإقامة بالداخل.وكم فرح برجوعها أهل الدار واهتموا بها أيما اهتمام تماما كما كان الحال مع هايدي وان السابقة،فقدم لها الطعام فلم تكثرث به ولم تستمرئ منه بلقمة ،وإنما جابت بعض نواحي المنزل ثم قفلت مودعة لأهله في تعثر ومشية متمايلة تكاد تطرحها أرضا.أسرع زرياب وراءها يناشدها أن تأكل شيئا من حرشة وفطير أو ما كان حاضرا ،فشمته شما ثم جلست القرفصاء في شكل غريب تنظر إليه نظرة معبرة وطويلة ومودعة الوداع الأخير:- وداعا يازرياب وداعا يا أهل بيته الطيبين الرحماء، وداعا يا موطني وملجئي،وداعا يا شقائي وبقائي ،وداعا يا قطط يا أصدقائي ،وداعا يا حياتي وحركتي.

وعند منعطف الدرب توارت هايدي عن الأنظار بهدوء وسكينة وهي تلتفت وراءها التفاتة الوداع على عكس الالتفاتة التي التفتتها لما طاردها زرياب أول مرة وحاول إبعادها من الدرب.بل هي الآن تبادر بهذه المغادرة وبرضا وانتهاء مهمة.

ل        م يكن يخطر ببال زرياب وحتى أهله أن هايدي ستختفي بهذا الشكل وهذه السرعة وفي هذه الظروف الخريفية الصعبة.ولكنه الخريف فعلا ،فيه تتساقط الأوراق من غير موعد ولا عد ،قد كانت من بينها ورقة هايدي.فما هما إلا يومان أو ثلاثة حتى سمعت طلقات نارية ومفرقعات قريبة من الدرب لم يجد لها زرياب تفسيرا وإنما إحدى بناته فسرتها بأنها طلقات رصاص ،ربما يكون رجال البلدية هم وراءها في تصيد للكلاب الضالة والتي لم تكن مقصودة ابتداء وعلى موعد بها سوى هايدي.فقد يكون أحد الجيران من بلغ بأمرها ولم يراع مدة إقامتها والاستفادة منها حراسة وتنشيطا وحركية.بل بمجرد ما عجزت وتورمت سيتخذ القرار من وراء الستار للتخلص منها ،وهذا هو شأن كثير من البشر ممن لا يعترف إلا بالعائد المصلحي المادي النفعي ولا ينظر بمنظار آخر فيه صبر وتضحية ووفاء واعتبار عشرة ومرافقة ورحمة.

هذه وجهة نظر من جهة ،ومن ناحية أخرى فقد كان القرار، إن صح تخمينه،لصالح هايدي التي كانت تطلب التخلص من حالها ومتاعبها، فجاءها الحل والاستجابة مباشرة قبل أن تؤول إلى العجز الكلي الذي قد تتعذب عنده ببطء وتموت رويدا رويدا في حسرات وزفرات.فكان هذا قدرها.كما يقول ابن نباتة السعدي الشاعر:

     أرى المرء فيما يبتغيه كأنما       مــــــداولة الأيام فيه مبـــــــــارد

     ويضطرم الجمعان والنقع ثائر      فــيسلم مقدام ويهــــــــــــــــــلك خامد

  ومن لم يمت بالسيف مات بغيره   تعددت الأسباب والموت واحد

   فصبرا على أهوال الزمان فإنما      لــــكم خـــــــلقت أهواله والشدائد

لكن،ومع هذه الأنباء وهذا الاختفاء القسري،لم يكد زرياب وأهله يسلمون بموت هايدي وذلك في معاتبة للضمير بأنهم ربما يكونون قد فرطوا في أمر العناية بها وتركها عرضة لهذا المصير حيث غادرت،حتى إنها قد أصبحت حديثهم وحسرتهم في المنزل في كل ساعة،بل إن زوجته قد كانت تتمنى لو تراها ميتة عن قرب فتكفنها  وتسترها كما فعلت مع هايدي وان في السابق،فكان كلما خرج من المنزل وخاصة عند أداء صلاة الصبح إلا والتفت يمنة ويسرة في حسرة يود لو يلاقي هايدي تو في الطريق ،حتى إنه ذات مرة رأى شبحا لكلب من بعيد وهو يبدو عليه العرج ففرح فرحا شديدا في قرارة نفسه على اعتبار أنها هايدي نفسها حتى إذا اقترب منه وجده كلبا آخر، وفي بعض الأحيان قد يتوهمها في شخص قط كبير،ثم يخيب تخمينه.

وذات يوم بينما هو واقف عند باب منزله مهموما ،ما يزال يعاوده الأمل في رجوع هايدي ،حتى فاجأه رجل مسن ،يسكن في درب مجاور، قد كان يمر كثيرا مع بعض أحفاده نحو المدرسة المجاورة، بسؤال مهيّج ومشجن:- يا سيدي أستسمحك بالسؤال عن تلك الكلبة العرجاء القصيرة القامة التي كانت تأوي إلى هذا الدرب أين ذهبت ،فلم أعد أراها منذ مدة؟.

أجابه زرياب بحسرة:- والله يا سيدي لم ندر ما فعل الله بها ،فقد غابت عنا منذ أيام ولم نعد نعلم من أخبارها شيئا.فإما أنها قد اختفت لتموت في أمان وستر وإما قد قتلت من طرف رجال البلدية كما يشاع.

أجاب الرجل الطيب:- يا سيدي لولا معزّتها عندي ما كنت لأسأل عنها ،فقد كانت كلبة هادئة ومسالمة ومؤنسة للدرب ولم تؤذ أحدا من المارة مهما حصل منهم !.

رد عليه زرياب في دهشة وعيناه مغرورقتان بالدموع:- يا سبحان الله ! من كتب له القبول فهو مقبول سواء أكان من إنس أم حيوان،ومن لم يكتب له القبول فهو منبوذ ومستثقل ولو تزين بأصباغ العالم وتوشح الذهب واليواقيت والجواهر !!!.وهايدي قد كانت من صنف المقبولين فهيأ لها الله تعالى حيث تعيش وتكرم وترحم.وإننا لم نُجْلها عنا ولم نحرمها من شيء أو ننهرها.

أجاب الرجل الطيب وهو يضع بلْسما على صدر زرياب:- أجل سيدي ! فقد كنت كلما مررت بالدرب أراقب عنايتك بها وكيف تحن عليها وترأف بها.فجازاك الله خيرا عن هذا العمل.

هذا الحوار سيترك في نفس زرياب أثرا كبيرا ودرسا أخلاقيا عميقا ينبني على مبدأ التناسب في الرؤية حينما تكون النفوس على تقارب في الطيبوبة أو الخبث ،فإما أن يشتركوا  في رؤية الخير أو رؤية الشر ،فما يراه الخيِّر خيرا قد يراه الشرير شرا،ولا تنطق الأواني إلا بما سكن.

حينها بدأ زرياب يراجع ذكريات الكلاب ورحلته الصيفية معهم على غير قصد وموعد ،في عالم متسلسل ومتململ،ووفيّ وغادر ،ومتقارب ومتباعد، ومتناقض ومتجانس، ومسلي ومؤلم، لكنه سينتهي حتما بالفراق والوداع المروع .فبدأ يصيح وينوح:- ما لزرياب ولشأن الكلاب، ما لزرياب ولسحر الكلاب، ما لزرياب وللكلاب !!! أهذه هي النهاية يازرياب؟ !!!...

                                          انتهت القصة
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف