الأخبار
شاهد: اللحظات الأولى لسقوط الصاروخ في سيديروت قرب احفالية للمستوطنينعبيد: مراسم تشييع جثمان الشهيد تامر صرخة حق مدوية لتشييع الانقسام ا(كابينت) يعقد جلسة طارئة غداً لمناقشة التصعيد في الشمال والجنوبالداخلية: وفاة نزيل بصعقة كهربائية بمركز إصلاح وتأهيل "أصداء" بخانيونسشاهد: خمسة اصابات بعد اطلاق صواريخ من غزة على مستوطنات الغلافأول تعليق من الرئاسة الفلسطينية على شطب فلسطين من قائمة الشرق الأوسطاعتقال شابين ومصادرة مركبة خلال اقتحام الاحتلال لقرية دير بزيع غرب رام اللهالشيخ: حذف اسم فلسطين لا يلغي الحق السياسي والتاريخي لشعبنامجموعة شركات مدرجة تفصح عن بياناتها المالية للنصف الأول من العام 2019كلنا اهل مبادرة مجتمعية تدعو لتعزيز ثقافة اللاعنف وتحسين اوصال الترابط الاجتماعيمصرع طفلة (عام ونصف) إثر صدمها جنوب القطاعالديمقراطية: إزالة الخارجية الأميركية اسم السلطة عن خارطة فلسطين تمهد لضم الضفةوزارة الثقافة وبيت القدس تنظمان قراءة في رواية حرب الكلب الثانيةشاهد: سالم سلامة يوضح فتواه بشأن الهجرة خارج فلسطينلأول مرة منذ 40 عامًا.. إيران تسمح للنساء بحضور تصفيات مونديال قطر
2019/8/25
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ذاكرة ضيقة على الفرح 6

تاريخ النشر : 2019-08-12
ذاكرة ضيقة على الفرح 6
سليم النفار

6

خالتي الكبرى شهديه أُم سمير لم تلجأ مع بقية العائلة من يافا الى غزة ، فقد اختارت اللجوء الى لبنان ومن ثمَّ الى سوريا مع زوجها ابراهيم عكيلة ، حيث استقر المقام بهما في مدينة حمص وسط سوريا ، هناك على الطريق الرئيس الموصل الى دمشق ، كان بيتها ذو الطراز السوري القديم ، الساحة الكبرى والتي تتوسطها بركة الماء ، وتظللها داليةٌ من وسط الدار حتى الجدار الأخير ، حيث ما يُشبه كنبَ اليوم ، وربما أكثر جمالاً وراحةً من الكنب ، يجلسون هناك في الصباح يشربون القهوة ، وكذلك بعد العصر حيث ينتهون من أعمالهم المنزلية .

خالتي شهديه تتمتع بحنانٍ ودفءِ قلبٍ ، لم أر مثله حتى الآن في أية امرأةٍ ، عندما علمت بالخبر الفاجع جاءت لاهثةً الى اللاذقية برفقة زوجها ، الذي أخذ اجازة من عمله حيث كان يعمل في مصفاة النفط ، وتبعتهما بعد يومٍ خالتي نعمة - وزوجها - التي كانت تأتي كلّ صيفٍ أو أكثر من الكويت ، وبعد أيامٍ من الحزن وقهر الفراق ، الذي لم تسلِّم به أمي لسنواتٍ ، لم تقبل خالتي الكبرى أن تبقى أختها الصغرى - أمي – في اللاذقية فقرّرت أن تأخذنا معها الى حمص ولو الى حينٍ ، وعشنا عندها في ذلك البيت قرابة العام أو أكثر قليلاً ، وهناك في حمص حيث خالتي وبناتها وابنها الوحيد ، عشتُ تجربةً جديدةً ما بين الحزن الذي غزا قلبي مبكراً ، وبين محاولاتٍ للفرح تأتي من خلال علاقاتٍ جديدة ، ومناخٍ جديدٍ على كافة الصُّعد ، ولكنّهُ الطفل الذي كنتُ سيحاول الى الحياة ممراً ، فإنَّ الحزن يُميتُ القلبَ ، ولكن كيفَ أنسى وأنا الذي كان لصيقاً بمن رحلَ ، ودائماً كنتُ انتظرُ عودته بفارغ الصبر ، عندما يذهب الى لبنان ليعود لي بما أشتهي من هداياه الجميلة ، لم أفكّر ذاتَ يومٍ أنه قد لا يعود ، وقضيتُ مثلَ أمي سنواتٍ أحدثُ نفسي ، بأنَّ التابوتَ الذي قيلَ لنا أنّهُ يحضنُ جسدهُ ، قد يكون كلاماً غير دقيق ، ولذلك كنتُ أتخيلهُ داخلاً علينا ذات ليلٍ ، كما عودنا بهداياه  ، ولكن عبثاً كانت تلك الأخيلة ، فمن غادر لا يعود ، وإنْ بقيت الذكرى المؤلمة تحوم كفراش الحقول .

بعد وصولنا الى حمص بأشهرٍ معدودة ، وقعت حرب تشرين ، تلك الحرب التي غيّرت الصورة النمطية ، عن حروب العرب الحديثة منذ نكبة فلسطين ، والتي جاءت بمنظور أمل لو راكم القادة العرب عليه ، لما كان حالنا اليوم على هذه الصورة الرثة ، التي تدعو الى الغثيان و في تلك الأيام ، كنتُ مع ابن خالتي سمير نخرج الى الشارع الرئيس ، نراقب أرتال الدبابات المغربية والعراقية ، التي تأتي على طريق دمشق الرئيس مُتجهة الى العاصمة دمشق ، وكان مثلنا كثيرٌ من الأولاد والشباب والرجال والنساء ، يخرجن الى ذلك الطريق يلقون بتحياتهم الى الجنود العرب ، الذين يثيرون الفخر آنذاك بالنفوس ، ويرفعون رصيد الناس هناك من الأمل بنصرٍ يجيءُ .

وذات يومٍ من أيام الحرب القاسية ، شهدتُ بأم عيني أدخنة القصف المعادي ، الذي أستهدف مصفاة النفط ، وكانت الناس في الشوارع في تلك الظهيرة ، قلقةً تُعبّر عن تخوفاتها من وحشية العدو ، فقد ذهب كثير من الشهداء في تلك الواقعة ، وخالتي كانت في حالةٍ شديدة من القلق ، وبدأت تولول فزوجها من العاملين في المصفاة ،التي استهدفها الطيران المعادي ، ولكن سرعان ما هدأت عندما جاء العم أبو سمير ، فقد كان مغادراً المصفاة ساعة القصف ،وكُتب له عمر جديد ، حسب وصف خالتي التي كادت أن تُجنُّ عندما علمت بالخبر .

 هكذا قضينا أياماً وأسابيع ما بين الخوف والأمل هناك ، الى أن وضعت الحرب أوزارها ، وعدنا الى حياتنا الطبيعية تقريباً ، فقد هدأت النفوس وذهب الخوف بنهاية الحرب ، التي أثبت العرب من خلالها أنهم قادرون على هزيمة العدو ، فشعّ الأمل بغدٍ أجمل في نفوس الناس جميعاً ، وراحت تفتش عن مشاريعها وبرامجها الحياتية بجدٍّ ، وروحٍ ملؤها العزم على حياة أكثر جدوى .

الطفل الذي كنتهُ بدأ يتحرّر قليلاً من الحزن ، وربما المناخ الذي أحاطتنا فيه خالتي ، كان له الدور الأكثر أهمية في ذاك الاتجاه ، فكانت تأخذنا كلّ حين بنزهاتٍ في حمص الجميلة ، فلا انسى رحلاتنا الى بُحيرة قطينة ، أو مرافقتي لابن خالتي سمير للأسواق القديمة في تلك المدينة الساحرة ، اضافة الى بنات خالتي اللواتي يكبرنني جميعهن بسنواتٍ مختلفة ، غير أنّ الأقرب اليّ تلك التي تكبرني بسنتين فقط ، نهى .. التي كانت تجيء بصديقاتها في الحارة ، ونلعب معاً في ساحة الدار ألعاباً مختلفة ، أخرجتني من عزلتي وحزني فأصبحتُ أقرب الى أولاد جيلي وطرق تفكيرهم ، ولكن بقي شوقي الى مخيم الرمل وبحر اللاذقية ، الذي تعلمتُ فيه السباحة يناوشني كلّ حين ، وكذلك أمي التي عاشت في عائلةٍ جُلّها بحرية ، كانت تقول : نحن مثل السمك اذا خرج من الماء يموت ، لذلك لا نعرف أن نعيش بعيداً عن البحر ، وكان لها بعد عامٍ أو أكثر قليلاً أن طلبت من صديق والدي الوفي ، سمير شومر أن يبحث لنا عن منزل في مخيم الرمل ، فسمير صديق والدي والذي كان بحاراً ومناضلاً في حركة فتح ، كان يعمل أيضاً في الطبابة في الهلال الأحمر الفلسطيني ، وهو منذ استشهاد والدي لم ينقطع عنا ، فعلى الرغم من سفرنا مع خالتي الى حمص ، كان كلّ مطلع شهر ، يذهب من اللاذقية الى دمشق بسيارة الهلال ليجلب الأدوية لفرع الهلال في اللاذقية ، فيمرُّ بحمص على بيت خالتي يطمئن علينا ، كان نعم الأخ لها رائعاً متفانياً في خدمتنا ، سمير ابن طولكرم الجميلة كان اسمه حركياً ولا أحد يعرفه بغير هذا الاسم ، وبعد سنين علمتُ منهُ أنه شومر حسن وليس 

سمير شومر ، رحم الله شومر الذي عرفتُ فيه نُبل المناضلين الأوفياء ، إنه الفلسطيني الذي نريد .  

لم يتأخر شومر في البحث عن منزلٍ لنا ، وإن أزعج  ذلك خالتي المرحومة آنذاك ، فقد عدتُ الى مخيم الرمل وعاد التواصل مع رفاق الحيّ والصف ، وكانت خالتي دائماً تزورنا ونزورها وبدأ الطفل الذي كنتُ رحلةً أخرى ، باحثاً عن معنى الوجود ، وعن فرحٍ يدوم في حضرة الأم القائدة ، التي لم تتدخر جهداً  في صيانة روحنا شكلاً ومعنى .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف