الأخبار
2019/8/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كمال الشخصيات في رواية "بنت من شاتيلا" أكرم مسلم بقلم:رائد الحواري

تاريخ النشر : 2019-08-08
كمال الشخصيات في رواية "بنت من شاتيلا" أكرم مسلم  بقلم:رائد الحواري
كمال الشخصيات في رواية
"بنت من شاتيلا"
اكرم مسلم
عندما يتم تقديم شخصيات العمل الادبي بوتيرة واحد، فهذا يحسب عليه وليس له، لكن عندما يكون الحديث عن مجزرة فإن هذا يعطي نوع من التوازن بين سوداوية/سلبية الحدث وبين الشخصيات/الايجابية، مما يجعل الرواية مقسومة بين الأسود/الحدث، والأبيض الشخصيات، وهذا ما وجدنه من خلال تناول السارد للون الأبيض والأسود في الرواية، الصورة التي تحملها الخالة لزوجها الفدائي المعتقل في سوريا، صورة المجزرة بالأبيض والأسود، صورة الفدائي زوج الخالة الذي يملأ حقيبته بصورته بالأبيض والأسود.
"الجمل"
الفدائي/الأب
أن نستعيد صورة الفدائي بصورته الحقيقية فهذا يعطينا طاقة لنتقدم منه، فهو مقاتل يجيد فعل الحرب ويتقنه: " يعقب القائد العام: إنه متطوع جديد، قناص، وتحسب أنه يطلق النار من يده وليس من قطعة السلاح، صلب صبور على الرغم من حداثة تجربته وصغر سنه" ص56، شاهدة القائد العام للثورة تجعلنا أمام نتهيأ لنكون أمام رجل/مثالي/نموذج في كل شيء، والساد يتقدم أكثر من "الجمل" فيقدمه بصورة القديس: "قيل إنه قرر تجنب الماء مبكرا كي لا يقع في غواية، أراد أن يكون أقرب إلى التراب، كان يمكث أشهرا بلا استحمام، لكن جسده كان يسعفه على نحو يثير استغراب المقاتلين، فلا تفوح منه رائحة كريهة، أسنانه لامعة بما يثير حسد أكثر المقاتلين عناية بأسنانهم" ص61، في هذا الصورة السارد لا يتحدث عن إنسان بشير، وإنما عن شخص (خارق) يتنافى/يتناقض ع ما هو طبيعي/علمي، لهذا لا يغتسل لمدة طويلة ولا تخرج له رائحة، وكأنه مقاتل صوفي، يتوحد مع التراب.
ونتوقف هنا قليلا عند التراب والماء، ففي الأساطير والأديان يكون الماء هو الأساس في تحول الشخص من حالة دنيا إلى حالة عليا، لكن "الجمل" قلب هذه الحقيقة، وبدل التراب/الأرض بدل الماء، ويمكننا أن ننسب هذا الأمر إلى انحياز السارد لشخصيات الرواية، فقدمه بصورة أبعد من العقل وأعلى من المنطق.
ونجد "الجمل" يمتاز بثقافة عالية وطريقة تفكير متميزة، حتى يبدو وكأنه محلل ومفكر: " في الحروب هناك جنود يقتلون جنودا، أما في المجازر فهناك مجرمون يقتلون الإنسان كإنسان دون أن يقاتل، وحتى قبل أن يولد" ص65و66، مثل هذا القول ينم على أننا أمام رجل مفكر، ويحسن استنتاج الأفكار وتقديم تحليل يتجاوز ما هو عادي، لهذا يقدم فكرة جديدة عن المجازر اعتقد بأنها فكرة تستحق التوقف عندها.
"الجمل" الفدائي والمقاتل تشكل لديه أفكار وآمال عن مجموعة من التحاليل يرى ضرورة تحقيقها لكي يتم تحرير فلسطين: "لن يهدأ لي بال حتى يصنع الفلسطينيون الصواريخ في بيوتهم كما يصنعون كعك العيد" ص69، الآمل الأول أثبت الواقع ضروريته وأهميته للفلسطيني، فما تعرض له من ذبح على يد الصديق قبل العدو يؤكد على ضرورة وجود السلاح في يد الفلسطيني، فهو معرض (للانقراض والابادة) كفلسطيني، ويطلب ومطلوب منه أن يكون (مواطن) في اماكن تواجده، ويتجاهل فلسطينيته الاجتماعية الجغرافية، وهذا ما أكده "الجمل" عندما تحدث عن دور وأهمية السلاح للفلسطيني: " لسنا قطاع طرق يا ابنتي، السلاح بيت اللاجئ منذ فقد بيته، حين خسرنا السلاح ذبحنا بلا رحمة" ص70، فوجود السلاح بيد الفلسطيني يتماثل ومرتبط بوجوده كفلسطيني، بمعنى أنه إذا فقد السلاح فقد وجوده كفلسطيني، أما ع طريق "الذبح" وإما عن طريق (الترويض) والقبول بالواقع المفروض عليه.
"أنا فدائي، ليس دوري شرح الانكسارات، بل منعها من التحول إلى وجهة نظر في الحياة" في هذا القول يؤكد "الجمل" على أن الفدائي هو نبي/قديس، يتسامى على الجراح الكبيرة، ليتقدم هو الأمة/الشعب إلى الأمام، واعتقد أن هذا الكلام (المقدس) جاء نتيجة ارتباط "الجمل" بالأرض/بالتراب التي وصفه بها السارد آنفا.
يقدمنا السارد أكثر من "الجمل" بحيث يكون فيلسوفا، الأوراق التي تركها "الجمل" لابنته "حورية" تؤكد على فلسفته:
"القنص: لا أخطئ الهدف، فأنا لا ترج فكرتي.
"القنص: لن أخطئ الهدف، فأنا لن ترتج فكرتي.
عندما ترتج فكرة القيادة، يموت الرماة.
النصر الذي لا يعلمك شيئا عن الهزيمة نصر ناقص.
الصهيونية من الغباء بحيث إنها وضعت التاريخ نفسه في مأزق.
الصهيونية بداية غبية نهايتها قيامية" ص103،
فلسفة "الجمل" تؤكدها ما جاء به المقاطع، فهو يتحدث عن نفسه، عن القيادة، عن فلسفته للنصر وللهزيمة، عن الصهيونية وحتمية نهايتها، فهو هنا يؤكد على دور النبي/القديس الذي يبشر بالخلاص وبالنجاة، بعد أن نسترشد بأفكاره وتعاليمه.
وكأي نبي/قديس كان "الجمل" عليه أن يقرن ويربط قوله بأفعاله، فيكون مثلا ونموذج في سلوكه كما في قوله، فالأنبياء/القديسين يقرنون القول بالفعل، اثناء انقلاب غزة، نجده يتصرف كقائد/كنبي/فدائي/قديس/مفكر بهذا الشكل: " يبدأ الجمل إنزال رتبه العسكرية رتبة رتبة، من الأعلى إلى الأدنى، بملامح راسخة وحالمة، تشبه تماما ملامحه وهو يخلع شظايا إصابته الأولى في معركة الكرامة، ينزل الرتب ويضعها في جيبه، فيما تنقبض مع انتزاع كل تربة عضلات وجه مساعده، وكأن الجمل ينزع شظايا من قلبه هو.
قال لمساعده إنه يريد أن يموت فدائيا كما بدأ في الكرامة، بلا رتب.
قال ما قاله، ورمى صليته الأخيرة." ص151و152،
صورة مثلى، لا يمكن أن يأتي/يحصل أبعد منها، فصاحبها يتوحد قوله بفعله بتضحيته، حتى أنه يتقدم من بداياته الطاهرة ليكون أكثر طهرا، وهنا تكتمل وتتجلى النبوية/القدسية بأبهى أشكلها وجوهرها.
"حورية"
الشخصية المحورية في الرواية، والتي تتدور في فلكها بقية الشخصيات والاحداث، يقدمها السارد: "ما بدا له كحورية، انكشف له بداية عن مجزرة، ثم عن جسد مجروح" ص17، ما يلفت النظر أن وجه "حورية" وشخصيتها تتماثل مع دورها في محورية الأحداث، فالشكل والفاعلية متمثلان ومتوازنان، ومثالة "حورية" لا تقتصر على الشكل والدور، بل تطال التصرف السليم، حتى في الاوقات الحرجة، بعد محاولة الشاب الانيق جعلها تتحدث عن ذاتها امام جمهور المسرح، إلا انها رفضت ذلك بطريقة لبقة: " قالت له همسا، لكن بحدة، إنها ليست أرنبا فيخرجها من قبعته كساحر، وأنها ليست ضحية مريضة تحتاج للتحدث كي تشفي، وليست ضحية سلبية، فق حملت السلاح، وقاتلت، وهي تعرف تماما كيف توصل حكايتها، ... عالم يعرف تماما، ولكنه غير مستعد لدفع الثمن"ص127، اقران التصرف المناسب بقول (فكري) ناضج يؤكد على أن "حورية" لا تلقي بالا (عاطفيا) للشاب الانيق، كأي فتاة شرقية تبحث عن (حبيب) بل ترد على سلوكه وتردعه بأفكار وتصرف سوي، يشير إلى وعيها وقدرتها على تجاوز (الأزمات)، والمحافظة على سوية سلوكها وعدم انفعالها.
الخالة
المرأة تم تقديمها في الرواية بصورة إنسانية، امرأة مخلصة، لكنها تبقى ضمن البشر، وليس "كالجمل"، الفلسطينية، صفة أصيلة، تجعل صاحبها متميز، امرأة يُفقد زوجها في سوريا فتبقى متمسكة به، وترسل من يبحث عنه، متحملة النفقات المالية رغم ضيق الحال: "... أن يبحث عن زوجها المفقود في سورية، سوف تتكفل هي بالنفقات كلها، أما مكافأته في حال نجح، فستكون مصاغها" ص76، ورغم انها تعرف أن النظام الأمني في سورية متشدد جدا تجاه المحجوزين فيه، إلا أنها ارسلت "المهرب" في مهمة شبة مستحيلة.
وهي تتمسك بزوجها وتخاطب "القائد العام" بقول شديد: " كيف يستطيع المواصلة إلى الأمام ويترك رجاله وراءه؟" ص77، لكن المرأة، إنسانية لا يمكنا أن تبقي غريزتها نائمة، فالغريزة/الحاجة تظهر في الإنسان رغما عنه، وعليه أن يلبي حاجاته:" رجل غير وسيم على كل حال، أيقضت المخيلة، فاشتعل الجسد" ص77، رغم أن المشهد يتحدث عن شهوة المرأة، إلا انها لم تنحرف سلوكيا، فاستخدمت الطريق الصحيح: "ذهبت إلى المحكمة الشرعية وانفصلت عنه بسبب الغياب الطويل، كما أوقفت المرتب الشهري المخصص لها كزوجة فدائي مفقود"ص79، وهنا تكمن صدق "الخالة" فهي لم تقبل أن تبقى تأخذ مالا لم يعد حق لها فيه، رغم أنها كان يمكن أن تستمر فيأخذه، لكنه مبادئها/فلسطينيتها تحول دون الاقدام على سلوك غير سوي.
وبعد أن انهت قانونية تحررها/ارتباطها بزوجها الفدائي المفقود، تتقدم من الرجل الذي تريده: " قالت له: هل تتزوجني" ص79، الجرأة والصراحة يحسبان "للخالة" فقد بدت ناضجة وجريئة وتتقدم بطريقة صحيحة من تلبية احتياجاتها الجسدية.
ورغم تحررها (قانونيا) من الفدائي، إلا أنها ما تكن له المحبة والاحترام، وتجد في زواجها من غيره في شيء من الخيانة: "وها هي تجلس الآن كمرأة غريبة تطوي ملابس رجل غريب وتبكي، ملابس غادرتها الروح فجأة، ملابس ميتة أو ملابس ميت، كل ما يعوزها الدفن. لو أنها متأكدة من موته لكانت غسلتها، فقد اعتادت عجائز قريتها المدمرة في فلسطين، غسل ثياب موتاهن، كي تغادرها الأرواح التي تظل عالقة بها" ص80، هذه المشاعر تؤكد على أنها فلسطينية، بمعنى تبقى محافظة على اخلاصها، وما (تأنيب الضمير) إلا نتيجة طبيعة لهذه الفلسطينية، لكنها كإنسانة بحاجة إلى تلبية غرائزها، وهنا تأتي الخالة المثالية، التي يتوازى سلوكها بين كونها فلسطينية وبين كونها إنسانية/بشرية.
وبعد عودة الفدائي المفقود، نجدها ما زالت تذكر طرقته لباب البيت: " قالت: لقد جاء!
ـ من؟
ـ زوجي!
... حفظت الإيقاع من أول مرة، كانت تحس بأن الطرقة لا تضرب خشب الباب وإنما جدار قلبها، وها وهو يدق على باب القلب، وكأن ثلاثين عاما لم تمر" ص82، وهنا أن نجد المرأة المثالية، التي تعيش/تجمع بين ماضيها وحاضرها، فهي ما زالت تتذكر طرقات زوجها الفدائي، رغم مرور ثلاثين سنة على غيابه.
وبعد ان يدخل زوجها الفدائي المنزل، وتذهب لتعد له الشاي: " كانت تعد الشاي وتبكي" ص86، بهذا نكون أمام المرأة الفلسطينية الكاملة، وامام امرأة إنسانة أيضا، فهي لم تقدم على أي فعل غير أخلاقي أو قانوني، واستطاعت أن تجمع وتوازن بين كونها فلسطينية وامرأة.
الفدائي
رجل قضى في السجون العربية ثلاثين سنة، وعندما يدخل إلى بيته، يجده قد انقلب رأسا على عقب، فلم تعد زوجته زوجته، ولم يعد له مكانا فيه: "ينزف لكنه يقبض على جراحه ويبث الأمان حوله، طلب منها أن "تتستر" وانفتح الباب، وانتظر غارقا في قسوة ما يحدث، كيف أنه يطلب منها تغطية الجسد الذي أضاء عريه المتخيل عتمة زنزانته عشرات السنيين؟" ص85، انضباط السلوك في هكذا موقف يؤكد على أننا امام شخصية قوية، تعرف كيف تحافظ على انفعالها ولا تبدي فعل يسيء لها أو إلى أحبته، فحجم الفاجعة كبير، وكبير جدا، ومع هذا لم يبدي أي انفعال أو قل يعكر على زوجته أو زوجها.
الفدائي ميزة للرجال، وهي من تمنحهم صفة (القدسية)/النبل، من هنا نجده يفكر بطريقة الفدائي: "جاهز دائما لكل الاحتمالات والخسارات... رفض اخذ مصاغها زواجهما بشدة." ص 86، إذا ما توقفنا عند هذا الفدائي/الفلسطيني، يمكننا أن نجد أن الباعث على نكران الذات والشد على الجراح ـ رغم حجمها الهائل ـ هي الفلسطينية، التي منحته خطوة/صفة فدائي، فجعلته يتقدم من النبل والعطاء أكثر.
"المهرب"

الفلسطينية باعث على الأخلاق والنبل، فرغم المهنة (الحقيرة) التي مارسها "المهرب" إلا أنه يتصرف بنبل وشهامة، فبعد عودة الفدائي: "...وأنه يضع الأمر بين يدي زوجته، في تلميح نزيه إلى أنه مستعد لطلاقها إن ختارات ذلك" ص86، بهذا المشهد يتأكد لنا أن الفلسطينية صفة نبل وعطاء ونكرات الذات، فلسطين تجعل الفلسطيني بهذا النبل.
الرواية من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأدرن، الطبعة الأولى 2019.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف