الأخبار
حلس يستقبل الإتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين بالمحافظات الجنوبيةرغدة تتحدث عن علاقتها بهيثم أحمد زكي لأول مرةمدرسة العائشية في مديرية الوسطى تحارب سرقة الموروث والمخزون التراثيورشة عمل لمناقشة مشاريع بحثية تتعلق بالثروة السمكية بالجامعة الاسلاميةفتح تُعلق على مواقف الفصائل النهائية من إجراء الانتخاباتأفضل توجهات ديكور المطابخ في 2019تربية الوسطى تحصد المركز الأول في بطولة تنس الطاولة المركزيةمصر: تدشين الشبكة الأولى للاستثمار الملائكي لتمكين رائدات الأعمال في مصرآية الرزق التي رددها النبي: "لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم"جاجوار تكشف عن F-Type الجديدة المنافس الأول لبورش 911تنمية أريحا تناقش المسودة الرابعة من قانون الاشخاص ذوي الاعاقةحماس تُصدر بياناً بشأن الهدنة طويلة الأمد مع الاحتلال الإسرائيليوزارة الأشغال: تنظيف العبارات في شارع صلاح الدين وتدعيم شارع الرشيد برفحفتح في نابلس تعقد مؤتمر المكتب الحركي للمحامينالطالبة مرح مصلح تحصل على المركز الأول بمسابقة الخط العربي
2019/12/10
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الدراما الفلسطينية بين المتخيل والسياسة بقلم:د. الغزيوي أبو علي

تاريخ النشر : 2019-08-02
الدراما الفلسطينية بين المتخيل والسياسة

يتمحور هذا المقال حول إشكالية الدراما الفلسطينية بكل أبعادها المتخيلة والسياسية والثقافية، حيث أخذ فيه الفهم والإبداع بعدا شاعريا وانطولوجيا، يكون مرتبطا ارتباطا عضويا، بما في التأويل من إمكانية معرفية وبرامكانية محصورة من طرف الكيان الصهيوني، لأن الانطلاق الجوهري من فعل الدراما الفلسطينية، هو انطلاق متعثر نظرا للحصار، وغياب الموارد المالية، والاختلاف السياسي والإيديولوجي، فرغم هذا التباين فإن الدراما الفلسطينية عملت على تجاوز كل الأنماط القديمة، عارضة براعتها الإبداعية التي تنم عن قوة إنتاجية كمسلسل الفدائي عام 2015، والروح الذي يعد القاعدة في البيت الأقصى، لأن الفدائي جذب الجمهور الفلسطيني، ..... للشخصية الفلسطينية، ونشر للجمال وللحب، وأن الأرض هي السلام والموت، والحياة، ثم نجد بوابة السماء، وأولاد المختار للمخرج النجار فهو مسلسل يحاكي الواقع الفلسطيني ما بين 1947 – 1967 فهؤلاء الأولاد يساعدون السكان، لكن سرعان ما يموت أحدهم نظرا لسيطرة الجنود، إذن أصبحت الدراما الفلسطينية هي مرآة الواقع سواء كانت آنية أو واقعية أو متخيلة، لأن هذا المسلسل يتناول العادات لأبناء – 48 – و67 في مدينة جنين فرغم هذه الرحلة السطحية التي لا نجدها في بعض المتطوعين الذين يريدون التوثق لهذا الشعب المناضل كإسماعيل جحجوح وبعض الأصدقاء وهذه شهادة استقيتها من إذاعة فلسطين حيث كان الكلام يتحدث عن هذه الدراما، مذكرات بالحصار كما يقول أحد المتدخلين، فالإعلام لا يهتم بالدراما، لأنها هي السلام المتحول والمتطور الذي يحمل الإنسان من البساطة إلى الوعي الجذري.

ومن الكوميديا إلى المأساة الإنسان الفلسطيني الذي يواجه الأخطبوط الكلامي "الامبريالية الأمريكية، والتخلف الاقتصادي، والحصار السرمدي، لذا حاولت أن أربط هذا الموضوع بالمتخيل العربي، والسياسة المؤدلجة، جاعلا من كليهما بوابة مفتوحة على كل التأويلات

المتخيل ودراميته المناصية:

يندرج هذا العنوان الفرعي في سياق الحداثة الدرامية التي تهدف إلى ترصيص علاقة منفردة بين الإبداع والتلقي، وبين النص والعرض، والكتابة والمشاهدة، بشكل يجعل المتخيل يقرأ الكتابة والعرض وتنكتب فيه درامية بشكل حيوي ودينامي، ذلك أن المتخيل يولد نصوصا داخل عوالم تخيلية متناسلة تنقل الأبعاد النصية من مرحلة الكمون إلى مدار الغربة عبر فعالية درامية وجمالية وإيحائية، تحتفل بالجسد في تفاعلها مع النسيج الاجتماعي والتاريخي والنفساني. والفنان الفلسطيني لم يكتب بلغة التكرار والعادة، بل استفاد من تجارب سابقة: بريختية وبسكاتورية وبيكيثية ويونسكة، ورينهارتية ...، حيث يطبع عالمه المسرحي المهووس بجدل الهوية والاختلاف وبميسم الصدق السياسي. فمنح للوعي الاجتماعي أبعاده التحررية لمعانقته الجماهير الكادحة المتضررة واستجلاله لفعاليتها الثورية، وتثمينه لدورها التاريخي، وإيمانها المطلق بالتغيير الراديكالي للمنظومة الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية، وتكثيف لطاقات الجماهير العربية من أجل تفجير كل الطوابر الانتظارية وكل الرؤى المهادنة. يقول أروبرت بروشتاين: "لم يعد من الممكن دراسة المسرح الحديث دراسة موضوعية شاملة بمعزل عن فكرة الثورة العالمية والصراعات السياسية والاقتصادية والفكرية الدائرة في كل مكان: فحتى المسرحيات العابثة التي تعالج موضوعات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع والمعقول تتخذ موقفا محددا من الثورة العالمية، وتعبر عن رفض كتابها للمشاركة في صنعها أو الدعوة لها ولا خلاف على أن الثورة تغيير شامل في أوضاع المجتمع ينقل السلطة إلى طبقات الشعب العاملة ويعيد صياغة علاقات الإنتاج وأوضاع الطبقات وكل مسرحية تدعو إلى هذا التغيير وتبرره وتمهد له هي مسرحية ثورية(1).

هذا القول ينزع نحو الفعل وينهض بمسؤولية حساسة ومعقدة حيال واقع مثقل .......... والغربة والاغتراب والاستيلاب. فالمسرحية تحتاج إلى رسالتها التغييرية حتى تحقق خصوصيتها الثورية والإنتاجية البديلية. وهذا ما سمح لنا بقيام التوازن بين البنيات المسرحية والبنيات الخارجية "السياسية الاجتماعية" من منظور العلاقة بين المسرحي والإيديولوجي. فقراءة كتابات الفنان الفلسطيني تحسسنا بنوع من المفعول الحراري يسري فينا، نترقى من البسيط إلى المركب بفعل التوتر "Volte" الموجود داخل المتخيل النصي، لأن الانتقال من المفعول الإيديولوجي إلى التجربة البطولية، انتقال اجتماعي وثقافي وتاريخي يكون فيه الإنسان هو السيد والحكم والمبدع. فالنصوص المسكونة بالانتظار وبالبياض، تدعونا دوما لتدمير كل ما هو ثابت عبر تأجيج الصراع بين دلالته، فيتولد التفاعل الخصيب بين السياسي والإيديولوجي والاجتماعي والمسرحي، فيثرى كل واحد منهما هذا العالم بالتنوع الخصب، وبالاتساع اللامحدود، لعلها رغبة ملحة في تأسيس "الإنسان" القادر على الاستيعاب الشامل للحاضر والغائب، والواقع والممكن، والباحث على أدوات يجعلها مجالا للممارسة المتجددة. من خلال هذه التقنيات في المسرح بشتى ألوانه، تغدو معه الممارسة السياسة أفقا رحبا للتجريب الذي يتحرك فيه الإنسان دوما من مدار الألفة إلى مدار الغرابة، ومن حيز الأحادي "المغلق" إلى حيز المنفتح "المتعدد". ويتوزع المتخيل كنص غائب على مساحة معرفية وفنية، يتكامل ويتداخل في بنية الحدث المتنامي على الخشبة بطريقة مكثفة، مساهما في خلق درامية حداثية، لكن هذا النص الغائب تعترضه الحواجز والصعوبات سواء من الناحية الانتروبولوجية أو التاريخية أو المعرفية، لأن القارئ العربي لا يتسلق هذا السلم وهو ما يزال يحمل معه كل اليقينيات التي تبين أن الأفكار الأساسية في العقل والمقولات الجوهرية في الذاكرة هي نتاج المطلق وأن الحياة الاجتماعية هي التي تقدم لنا النماذج التي على قالبها تتأسس المقولات والمفاهيم وأن كل المقولات ذات أصل مثالي مشتقة من البيئة الموروثة وليست متأصلة في العقل، لذا لابد من الخضوع للفكر التاريخي والحداثي بكل مقوماته. ويقول الدكتور عبد الله العروي "إن صيرورة الحقيقة وإيجابية الحدث التاريخي وتسلسل الأحداث ثم مسؤولية الأفراد عنها"(2). يدعو العروي إلى الخضوع الفوري للفكر التاريخي قصد معرفة طبيعة الواقع العربي الذي لا يتوافق الاعتراف به مع مصالحه ويقول أيضا: "للفصل بين الخصوصية والأصالة، فالأولى حركية والثانية سكونية متحجرة ملتفتة إلى الماضي(3).

فالخصوصية تؤثر في تفكير المجتمع بكل أوضاعه التاريخية التي تحدد مكانته وقيمته. والفلسطيني من أجل التحرر من آنية المشروع الإبداعي السلفي للولوج إلى مستنقعات الواقع المذموم قصد استكشاف أنواع متعددة من المعارف، تتغير وفقا لوظيفة الواقع المسرحي، ............... أن ترتيب الأنواع الفرجوية في مجتمعاتنا المتخلفة إنما يختلف تبعا لسنة التطور، لذا يرى يظهر أنه كما أن للإنسان تركيبة متكاملة، فإن للمجتمع العربي أيضا تركيبة متكاملة، يتحدد في البناء الاجتماعي الذي يتكون من أفراد الذين يرتبطون ببعضهم. ويقول عزيز عبد الصاحب "إننا أمام السؤال الملحاح، كيف نساهم في توعية جماهير أمتنا عن طريق المسرح وبأسرع وقت ممكن؟...

ما دمنا في سباق مع الزمن وأمامنا تركبة ثقيلة من التخلف والجهل المركب؟ ما الذي سنفعله لجماهيرنا العربية في المرحلة الراهنة، كيف سننشر المسرح بيننا؟ كيف نحيله إلى ظاهرة يومية ... إلى عادة؟ والجواب الواضح وضوح الشمس ... وهو رهين بتعدد المسارح ... مسارح الدولة وفرقها وحين تتعدد الفرق والمسارح ستتاح أكثر من فرصة؟ أمام الناس المبدعين ليقولوا كلمتهم وسينمو المبدعون في التمثيل والتأليف والإخراج كما ينمو الورد ..."(4). قد لا نستطيع تحديد هذه الملاحظة الدقيقة من خلال تفاصيل مقطعية، لكننا نلمس بقوة في اللغة كجوهر شامل يخضع لرؤيا حديثة تفيد قراءته وكتابته، باعتبارها مفاتيح دلالية تتصيد الجمهور وتشاكسه ربما تعلمه التمرد المفاجئ، وتحرص بالتالي على استدراجه حتى يدخل الكون المسرحي ومن ثم فهي ترتبط مع الواقع السياسي المهزوم بعلاقة حوارية على حد تعبير جيرار جنيت في طروسه الشفافية.

إن هذه الطابع التخيلي والدرامي يمثل نصا بصريا يخصب الامتداد الانطولوجي والتاريخي، ويسترجع الذاكرة عبر المنسي والمحيط، وعبر تقطعات مبهمة تخلق الحوار بين الواقع المعكر والتشكيل الممكن، وتبني منهجا علميا يخضع لفلسفة المجتمع، فالمشكلة الجوهرية في هذا التصور هي مشكلة اختيار التيمات المناسبة التي ترتبط بهذا المخزون الهائل من المعرفة وتتزايد باستمرار وتنمو بسرعة. هذا الاختيار الذي يخضع لمقاييس جعل المتخيل "كونا" يعيشه الإنسان في هذا العالم الأخرص والأصم. وتترجم عبر الحلم واللاشعور الرغبة المحتملة والمنبعثة من الجسد المقموع والمصنوع،ـ باعتبارها علامة استعارية تنهض على العنف والإقصاء والهدم  لما هو كائن. هذا الهدم يستدعي وضع خطاطة في بعده الكوني في الزمن من أجل استدارة الوجود، وكذا استنطاق هذا الصمت "المتواجد" في جمالية الإنسان، لأن هذا الزمن اللحضوي بمفهوم باشلار يتسرب شاهدا على زئبقية الإنسان العربي على عدم احتوائه داخل هذه الخريطة الإبداعية، مادام مطالبا ومدعوا إلى استنطاق كل الخطابات للكشف عن مكبوثات "المحتمل" وتكملة الملفوظ. يقول ونوس في هذا المقام "إذن بالتسييس أردت أن أمضي خطوة أعمق في تعريف المسرح السياسي إنه المسرح الذي يحمل مضمونا سياسيا تقدميا"(5). لقد حدد الفنان الفلسطيني فهمه للوضعية الفكرية في الواقع من خلال اهتمامه وعنايته بجوانب التاريخ الذي عرض له في الأنساق الدرامية والفرجوية التي سادت في الماضي والحاضر، وهذا ما وجدناه يستخلصه بصورة رئيسية في بياناته ونصوصه. يحتكم إلى رؤية نقدية مندمجة الأنساق الفكرية التي يتناولها، وهذا ما كشف عنه في طروحاته التي أوضحت أبعاد رؤيته في هذا الجانب، فأزمة الواقع الذي أراد أن يكشف عنها جعلته يتنبه إلى أن بعض المسرحيين استغلوا بقدر من المهارة فكرة المسرح وأزماته للترويج لفكرة المسرح السياسي، لكن هذا الموقف في رأيه لا موضوعية فيه، إلا أنه يستغل المسرح والأزمات الاجتماعية للترويج لمسرح يعتقد أنه مسرح هادف وأصيل، وفي الحقيقة ليس سوى فتات المواد المثالية التي تريد أن تكون صورة لا واعية.

إذا ما طرحنا مسألة آلية المتخيل داخل النسق المسرحي السياسي، سيبدو لنا أنه عبارة عن بنية قيم جمالية متنوعة ومنفتحة، ومحكومة بهوس التجمهر الممكن المبني على الاختلاف ومسموحة بإدراجه داخل الحداثة المسرحية العربية المعاصرة، لأن متخيل الفلسطيني يسهم في تشكيل جسد مسرحي عربي له انعراجاته وجنونه المعقلن في التربة العذراء، مسرح يتبرم من اجترار النهوض المزيف، متجاوزا لمسات التأسيس (والطوطولوجية) كما شهدتها تجربة الستينات والسبعينات، ليؤسس كونا جديدا مبنيا على التوحد والحوار والجدل السياسي. يقول ونوس: "إن الطبقات التي يتوجه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبية التي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظل جاهلة وغير مسيسة، الطبقات التي يؤمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير، من هنا كان التسييس لإضفاء خيار تقدمي على المسرح السياسي"(6).

هذا الطرح النسقي خلق ارتباطا عضويا بين الهامش والمركز، أي "القوة الحاكمة"، وطرح مسرحا هجينا (grotesque) ينزع عن النص المؤسساتي نقاءه، ليغدو ثورة متواشجة، تكشف عن هندسة متراصة وجمالية تشيء بانعطافة تخييلية نوعية تعتبر سليلة عبقرية مسرحية، وبالتالي سليلة حوار مع كل قوى غير المسيجة وغير المعقلنة.

في ضوء هذا البنيان المسرحي لا يمكن تشديبه إلى مجرد نص بسيط، لأن مثل هذا الاقتصاد يلغيه ويمحي خصوصيته الجوهرية كعلاقة التفاعل "العلائقي" بين الممثل والجمهور.

إن مثل هذه الدراسة حسب الفنان المسرحي الفلسطيني، تظل ناقصة غير مكتملة البنيان والممارسة، ولا تستطيع أن تقدم الممكن والمحتمل، بل تقتصر على دعم أصالة "المؤلف" يقول ونوس في هذا الصدد:

"ينبغي أن لا ننسى أن المسرح وهو الفن الجماعي يظل على حد تعبير "جان فيلار" أكثر الفنون المهددة بالتوقف أو الاضمحلال، حيث يفقد الحرية، إنه فن توهنه القيود ولا يهم أن تكون هذه القيود محتوية أو هدنية "الاحتواء" وهدنية "المنع والمصادرة"(7). غير أن هذه المفاهيم التي بنيت منذ الستينات والتي هي أسا إنتاج المفاهيم النقدية والدرامية، سرعان ما بدأت تستنفذ أهميتها وفعاليتها الإجرائية في نهاية الثمانينات، حيث عم الخطاب المسرحي مفاهيم أخرى شكلت بنية أفق انتظار جديد، ومن ثم حدثت قطيعة معرفية تم بموجبها تحويل الذاكرة إلى المتخيل والبنية إلى التاريخ والإبداع إلى الكتابة الاجتماعية والسياسية بالاديولوجية وأمكن للمسرح الفلسطيني أن يسرق من هذا الزمن المطلق كينونته ووعيه الجماعي، ليغامر ضد المطلق والفكر الآني المتسبب وعشق وليحول هذه الأنطلوجية المسرحية الجديدة إلى مستودع مفتوح للأفكار والرؤى ومواقف يتعين الكشف عنها دون غيرها. وهذا يعني تصور آخر للمسرح، لا باعتباره كتابة عن واقع مألوف، بل كتابة بصرية وجسدية. بهذا المعنى يكون المسرح الفلسطيني متساميا عن الواقع اليومي، ناسفا مباشريته وشفافيته وتكراريته. فعبره يخلخل الأنا المسيجة ويفكك مركزية "العقلانية" الغربية لمعرفة نسبيتها واختلافها دون احتوائها، لأن البحث أساس الوجود في الزمن والتاريخ، والتباعد الزمني الموجود بين أفقنا التأويلي وبين أفقنا القرائي خاصة يسهل مهمة إعادة بناء مكونات رؤية العالم. هذه البطاقة التأسيسية تتسم بوعي جدلي تضافرت من أجل تكييفه جملة من العوامل الموضوعية والذاتية، حيث عمل الفلسطيني على تجاوز الدوغمائية والإصلاحية الرجعية من أجل إعادة طرح إشكالية "المتخيل" كمنظومة فكرية في بعدها السياسي التي تتراوح بين بعدين:

بعد لحظوي غير سرمدي، تخيلي لا واقعي.

بعد ممارستي وعقلاني وبلاغي واستعاري.

هذه الصفة الملازمة للفكر المسرحي تعني إعادة قراءة متأنية لكل هذه المفاهيم السائدة، عبر منظور تفكيكي، يحاول أن يعري كل الثنائيات التي تلازمه ليكسف عن القوى الخفية للجهاز المفاهيمي المتحكم والمتعالي "المقدس + المحرم + السياسية"، ومنشغل أيضا بتلك اللحظة التاريخية الراهنة التي تجدد الحاجة إلى إعادة الطرح والفهم، مع تعليق الأحكام السالفة حول المشكلة العربية، التي ترتبط بهذا الحالة من اليأس والإحباط التي وصلها الوعي العربي. إنها معاناة الصراع بين الوعي العربي المغلف بالعجز عن تحقيق المثاقفة الكلية وبين هيمنة آليات الفكر الغربي بمختلف معاييره، مما يفرغ هذا الوعي من مصداقيته الثقافية والفكرية، ويستعيض عنها باستبطان القمع السياسي والاجتماعي، أي أن القبول الاجتماعي الذي حدده الغرب لنا مسبقا كمشروع إبداعي وثقافي، ينحصر في كونه نسخة لطبق الأصل، محكوم بعقدة التخلف عن تمثيل حضاري حقيقي للأصل. فهذا الحصار لن يبقى كما قلنا دعوة طوباوية إلا إذا قبل المسرحي الفلسطيني بمحصنات الهزائم المتنازلة عن مبدأ التقدم لصالح مبادئ الحرية والهوية، كنتيجة حتمية لمسيرة الإبداع أمام قتل الأب الغربي. والفلسطيني في قراءته للمسرح العربي يضع حدا لهيمنة القراءة الميتافيزيقية، قصد إيجاد لغة مغايرة وتاريخ جديد غير محدود بشرائط مادية يتعدى القول، ويكسر أبجدية السؤال التقليدي: مات المسرح؟ لتتوالد التكثلات الصياغية، وتتأسس العلاقة الحميمية بين الواقع والتراث ليصبح بريق التأويل يمتص نسقه من وجوده الجماعي، فيغدو السؤال المسرحي البديل نقيض القراءة البسيطة التي لا تحفر في أرضية الكون والإنسان. فهذه الماهية الفلسطينية تلتقي في تاريخياتها مع المسرحي العربي بصفته المبدع ذو هوية إبداعية يجد ذاته بالثورة والتمرد على الركائز القائمة والمؤسساتية، لأن لا يوجد كثافته إلا بالقراءة التأويلية التي لا تمارس مفهوم الهيمنة والإقصاء. فما علاقته بالمتخيل؟ تتحدد الأسئلة في مقاربة أولى وعامة كتكثيف للممارسة الإنسانية بكل أبعادها الفكرية والدرامية. إن الفعل الدرامي يجنح إلى تقمص مظهر عام ومجرد، لينفصل على إثر ذلك عن المحافل الأدبية التي أنتجته، ويتحول إلى سلطة متعددة التسنين. فالمسرحي يقدم لنا رؤيا (apocalipse) على أنه جسم وروح يفرض علينا كيف نقرأ ذواتنا وكيف نخرج واقعنا من هذا الإرث السلفي الذي لا يكتمل إلا بواسطة الآخر ويقول محمد زكي العشماوي "إذا كان من المسلم به أن في قدرة المسرح أن يلقن الشعب وطلاب العلم ما تلقنه المعاهد والجامعات وغذا كان من المقطوع به أن أثر المسرح في تنمية الوعي وتطوير الملكات لا يقل بأي حال عن أثر المدرسة والجامعة، فهل يجوز لنا أن نقتصد في بناء المسارح وإعداد العدة لتكوينها، مع علمنا بأنها إحدى الدعامات الأساسية في بناء نهضتنا؟ أليس المسرح عند اليونان والغرب ذلك الحافل بثقافات وفلسفات وأفكار لا تصور تطور العقل البشري فحسب وإنما تقدم لنا إلى جانب ذلك أقرى النماذج التي وصل إليها الإنسان في هذا الفن الجديد علينا؟ وإذا أتيحت لنا الفرص وتهيأت لنا الإمكانات أن لا نطلع أبناءنا وطلابنا على هذا التاريخ الحافل من حضارات الإنسانية، ألا نكون بذلك قد حققنا هدفا جديدا بتطلعنا في نهضتنا الحديثة؟ وهل من سبيل إلى ذلك غير المسرح الذي هو في اعتقادنا المعلم الأول؟ فمن فوق خشبته تعلم الناس العدل والخير والجمال ومن فوق أفواه ممثليه تعلم الناس الثورة على الظلم وعرفوا كيف يطورون نفوسهم ومجتمعاتهم ويقدمونها نحو غد مشرق"(8).

غن الرؤية الإبداعية وفقا لهذا التحليل تكتسب مادتها التأويلية مجموعة من الصيغ التخيلية واللغوية والحكائية، حيث يلجأ المسرحي إلى توليد مجموعة من العناصر التي تتعالق مع الواقع والفكر، ويحولها إلى أنوية تمثيلية لتشكل مادة ذات وظائف عدة هذه الصيغة التوليدية هي التي تمنح لتلك العناصر الخاضعة للتأويل بعدا تخيليا وجماليا، لأنها هي التي تؤسس التفاعل بين النص والمتفرج، فحين يعمل الفنان الفلسطيني على جلب عناصر من الواقع الاجتماعي، فإنه يهدف إلى تأويلها بطريقة تخيلية وتسييسية، تسمح له بإبراز بشكل آخر إما عبر التقاطع النصي، أو عبر ما باعتبارها مبدأ منظما للمعرفة بمفهوم كانط. لأن الشيء المدرك لابد أن ندركه في انقساميته المستمرة إلى ما لا نهاية، "تترك دائما داخل العميق المتغير والمتعذر سيره إذا ينبغي إيقاظها وتطويرها وتحسيسها، بمفهوم كاترين بلمان (athrine Belement)(9) وإجهادها في استدراج مجموعة من الأمكنة والأزمنة الهاربة في ساق فك الحصار عن "الإنسان" لمقاومة النسيان الواقعي، باعتباره قرينة أنطلوجية على الغياب. فالتفاعل بين السياسي والمسرحي ينهض الإدراك على مقومات المحاكمة العقلانية، بعيدا عن المحاكمة الساذجة، بمعنى أنه يحرص على الانخراط في كليانية الإنسان والشيء والوجود، متبرما من ترجمة حالة تاريخية أو سيكولوجية بسيطة، منخرطا في لعبة المغايرة بلغة حوارية مناصية، يكسيها شعرية تكشف عن حمولات تاريخية واجتماعية، مما يحول دون تدجينها وتدليجها. بهذا المعنى يمكن للجمهور أن يراهن على مجموعة من الإحالات والدلالات والأيقونات المتحركة خارج المحيط، للوصول إلى القمة "التاريخية" يقول ماركس في هذا الصدد:

"ففي الممارسة العملية ينبغي على الإنسان أن يثبت الحقيقة أي واقع فكره، وقدرته، وجوده في هذا العالم"(10)، فالإجابة عن هذه المنظومة ترسم أمامنا خطابا محدد منطقه القوي يسمح لنا أن نتحدث عن الحقيقة اللازمة لقيامه والضرورية لاندماجه في سلسلة الوقائع والأحداث السياسية المعقلنة القابلة للتداول والتأويل، وذلك هو مشكل إضفاء صفة الحيوية على الخطاب المسرحي السياسي، بحيث يحمل حقيقته أي يصبح بإمكانه أن يوزع أوتاره مرجعا لينتج فرجات تاريخية مرتبطة بالإنسان، ويقول ونوس "إننا نصنع مسرحا لأننا نريد تغيير وتطوير عقلية وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا"(11)، فالمتخيل عبر حروفه: م - / خ / ي/ ل ساهم في عقلنة المسرح السياسي مركزا على أسسه الدينامية وأصالته الاستقلالية، حيث يعمل على ترتيب أجزائه المتناقضة والمتجاوزة واللازمة في كلية شاملة، ويرفض كل منهج غير اجتماعي، محاولا إبراز أن المسرح السياسي هو ممارسة لها أشكالها الخاصة في التسلسل التاريخي، لأن تاريخ المسرح السياسي لا يتأسس إذا نظرنا إليه كحيز تتخلخله مجموعة من الفجوات والثقوب تربطها مجموعة من العلاقات والانتظامات لن الغاية من هذا الفن هو العقلنة والتطوير الموضوعي الذي يعتمد الملاحظة والتناسق المنطقي، حيث أن هذا المسرح يجد التبرير العقلي دون اللجوء إلى التجارب العلمية، ويقول ندهام "لا يمكن أن نؤكد أن العقلانية كانت على مدى التاريخ القوة التقدمية الأساسية في المجتمع، من الأكيد أنها كانت كذلك في بعض الظروف، لكنها في ظروف أخرى لم تكن كذلك كما هو الأمر في القرن السابع عشر في أوربا مثلا، حيث كان اللاهوتيون المتصوفون هو الذين يساعدون رجال العلم"(12).

فالغاية من هذا الاستشهاد هو البحث عن المغايرة والتحول الذي أصاب "المسرح العربي" الفلسطيني من أجل خلق éضد المسرح" كاستراتيجية تأخذ البعد التقدمي نحو المختلف. فالضد هو المحرك الأساسي لكل فعل إبداعي وتاريخي، حيث يشكل ملتقى تقاطع بين الأدبيات والفلسفات الممكنة والسائدة، وما ينشأ الإحساس العارم والوعي العميق بضرورة البحث عن أشكال وطرائق جديدة لقد شكلت الأسس الابستمولوجية لدى الممثل الفلسطيني قاعدة ثورية، واستعارية رمزية وتخيلية، حيث ضمت بين صفوفها معان عدة تؤمن بالتأويل، والتحويل، مما منحت للمتخيل تماسكه الداخلي الذي يؤهله للسيطرة والتوظيف والتوليد، حيث يقدم الحل لكل مستويات التناقض في المجتمعات والذوات ولا يرتبط بنظرية واحدة التي تتجلى في الاختيارات السياسية والثقافية، بل يوصلنا إلى كشف كل النواقص والمحددات التي تثقل كاهل الذات الفردانية والجماعية داخل التنظيمات الاجتماعية والدرامية والسياسية، حيث يشير الفنان بكل قوة حول هذه الوضعية العربية والمسرحية في شكل سؤال يبرز إلى "كيف يمكن أن يتصرف كل واحد من العاملين، أو كيف يتصرف فعلا كي يواجه وضعيته وضغوطاته، أية أهداف يلاحق، وأي إدراك أو توقع له إمكانية بلوغ هذه الأهداف ضمن البنية التي يعرف، أي ما هي الوسائل التي يملك؟ وما هو هامش الحرية التي يتمتع به، وبأية طريقة، وفي أية طريقة؟ وفي أية شروط وضمن أية حدود يمكن أن يستخدمها(13). إن انتشار هذا الوازع بين نصوصه الدرامية، جعل المتلقي يشتغل على تفجير كل الاعتبارات التقليدية دون أن يتعامل مع المتن المدروس والمقروء على أنه صياغة مسرحية جديدة، تتوالد فيها العلاقة بين الذات والموضوع والمسرحي والسياسي والسوسيولوجي والسيميائي، ويأخذ البعد الفرجوي تقاطعاته وصياغته في شكل اختزالات قابلة للتمسرح. لأن المسرح الدرامي ما هو إلا إدماج التاريخ في السياسية والسياسة في المسرح الدرامي، وإدراجه في التاريخ، هذا الإدماج يتلاحق ببطء، يكدس مكتسباته ويكتمل بالتدرج ليكون صادقا عند التخوم الغائية للتاريخ الدرامي فالفلسطيني، يريد أن يعيد التكون المنتظم التي لا ترتسم إلا في الخطاب الدرامي،مشكلة بذلك شروطها التاريخي. لأن نصوصه عبارة عن تناصات وحوارات تعيد الاستنطاق والتجلي، وكذا المسح لكن صياغة غير معقلنة التي تجعل المثقف "يحل التعارض بين اقتناعه بعقلانية وعلمانية وحداثة أوروبا وإعجابه بها، وما بين العدوانية الفظة التي يمثلها الاحتلال، واليت تخضع عملية التقدم في الوطن العربي وتفسرها في اتجاهات أخرى لتحقق لها أكبر فائض للنهب والاستغلال(14). فسلطة المثقف والنص قد أفرزتا بالضرورة سلطة ثالثة تمثلت في السعي إلى المتخيل، لأن ذلك لا يعني قطعا أن مسألة المتخيل والعلاقة بين القارئ والنص قد ظلت مغيبة، بل أمست العلاقة حوارية مبنية على أسس تنظيرية، تخترق الأسئلة سمكها للوصول إلى ما هو قابع في صمت وراءها للحفاظ على صلابتها،وجعلها تتبجس في تعقيدها الخاص بها، ويقول جان بول سارتر في هذا الشأن: "وما دامت حرية المؤلف،وحرية القارئ تبعث كل منهما عن الأخرى، ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد فمن الممكن أن يقال: أن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ"(15). فتحديد هوية القارئ هو تحديد للمستوى التخيلي المتميز بين جمهور القراء المتعاقبين وبين التلقيات التي تمنح للقارئ صفة الخصوبة، وتضفي عليه صفة الأنوثة بقوله: "وهكذا يكون الجمهور الخاص بمثابة استفهام أنثوي فسيح، إذ هو انتظار مجتمع بأكمله على الكاتب أن يجذبه إليه مستجيبا إلى جميع رغباته ولكن في سبيل ذلك يجب أن يكون هذا الجمهور حرا فيما يطلب، وأن يكون الكاتب حرا في إجابته(16). فعرض المعنى هذا يفسح المجال أمام الدرامي الفلسطيني للتمييز بشكل راديكالي بين تأويل المعنى ونقد الدلالة، وعندما يؤول يشتبك في نشاط يتحكم فيه الاحتمال وليس اليقين ولكي يحدد عدد من التأويلات الملائمة يطبق الفنان قوانين الاحتمال على التأويلات الأدبية والدرامية، حيث يقدم عرضا لتوقع المعنى شبيه بالمعرفة المسبقة. وللحقيقة التأويلية التي يرى بموجبها أن لا تذبذب بين المتلقي وبين المبدع.

ومن المؤكد أن هذا المتخيل لا يتحدد بفعل إيقاعات تجريدية التي تستهدف فهم العالم والإنسان، لأن عملية انتقال من البساطة إلى التركيب لا يتم إلا بالقراءة الإنتاجية الباطنية التي تستبعد الوصف والشرح الكلاسيكي، من هنا كان إلحاح نظرية المتخيل على ضرورة تضييق الخناق على المألوف والبساطة مع الدعوة إلى تزكية مشروع للقراءة ذات فاعلية غير مختومة، تضمن لتشققات النص وبياضاته الفاعلية والاستمرارية البنائية والتوليدية، فنصوص الدراما الفلسطينية في لحظة تحققها تفتح ذاتها على سلطة التمسرح والتأويل إلى درجة أن تصور نصوص درامية من وجهة نظر كلاسيكية تظل مرتبطة بسلطة التحقق الفيلولوجي وسلطة الدليل المغلق على ذاته، الشيء الذي جعل التصور القرائي للنصوص الدرامية الكلاسيكية عقيما يتصل بوهم تحليلي بسيط لا يتجاوز حدود الموروث القديم. لكن مع التحولات الحديثة في الستينيات، سيعرف الحقل الدرامي تصورا مغايرا للنص وللإيديولوجية، ولم تعد القراءة ذلك الحدث البسيط الذي يمر به البصر مر الكرام، ولا هي قراءة استهلاكية، بل هي تلك العملية التي لا تنقب عن المعنى السطحي، وإنما تتسلسل إلى بواطن النص، وطبقاته الرخوية لتكشف لنا عن كل الأنوية النصية والدرامية والجمالية. ويقول ميشيل فوكو "لا أريد أن أقحم نفسي في هذا النظام الشائك للخطاب، لا أريد أن أرتب بحده الفاصل ولا بحده القاطع، أريده من حولي شفافية هادئة عميقة مفتوحة بدون حدود، من خلالها يمكن للآخرين أن يردوا على انتظاري، ومن خلالها أيضا يمكن للحقائق أن تشرق واحدة بعد الأخرى(17).

هكذا تبرز الإشكالات التي يطرحها النص الدرامي الفلسطيني أمام المتفرج بشكل صريح، يعري أمامه واقعه المزيف ليصبح فيها كذات مبدعة، يمارس فيها حضوره وتأويلاته التي يهدف من ورائها تجديد الأبعاد الجمالية للنص وإدراك مغزاها الإيديولوجي في التاريخ المسرحي الفلسطيني العربي. يقول برخيت: "إن الفن ليس قديرا على نقل المفاهيم الفنية من المكاتب إلى آثار فنية، فمن شأن الجزمات وحدها أن تصنع على القياس رد على ذلك ذوق عدة أشخاص هم من الناحية السياسية جد مثقفين، يتغير وبالتالي يمكن إهماله ... (18). وبرخيت يسعى إلى استجلاء علامات الذوق التي تتماثل مع الواقع اليومي من أجل استنباط تركيبات جديدة لكي لا يبدو العالم واحدا ونهائيا، ذلك أن المؤول المخرج حين يشرع في العمل على النص، وإنما هو في الحقيقة يغرق في الوحل كليا ليستنبط كنهه وجوهره، فلا غرابة أن تصير قراءة في قراءة، يجد المخرج والممثل والمتفرج مرغما على تأويل ذاته وذوقه إلى ما لا نهاية، هذه العملية التي يقوم بها المخرج، تغدو وظيفة تمسرحية لكل ظاهرة تخييلية تعلن عن هويتها وانتمائها، وتربط مع الواقع علاقة وجود ودلالة وإيديولوجية. وفي المنظومة الفلسطينية لا يمكن لتلك الوظيفة أن تتم إلا عبر التعقلن السياسي والمسرحي الذي يمنح للعلاقة المسرحية صورتها الخاصة ويجعل منها مسكنا للإنسان حسب تعبير هيدجر، إذ هو ليس منهجا للتمسرح بل هو التمسرح ذاته. هذا التصور كما قلنا جعل من المتخيل قاعدة ذات وجهين:

1- وجه تنظيمي يرتب كل النصوص بشكل دراماتورجي باعتباره فعلا تمسرحيا ونقديا.

2- وجه تعقلني يمنح للذوات الفاعلة في العملية المسرحية وجودها الابستيمي التي تعمل على تقعيد كل إرث مسرحي واقعي وعقلاني وسياسي وملحمي ودياليكتيكي، أي أن هذا الطرح التنظيمي والمتعقلن يسعى إلى الانفصال عن مشكلة المهادنة والمسالمة، لأن الحجب والتدجين التي يوظفها الخطاب الكلاسيكي والنهضوي العربي، تجعل الفهم والتأويل غير قابلين لتلقي الحقيقة الواحدة وإنما هما نمطا للتأريخ الإنساني في هذا الوجود.

وعلى هذا النحو يكون الفعل الإبستيمي المسرحي سابقا على الفعل التمسرحي، يقول جورج غادامير (gadamer): ليست مسألة التأويل والفهم تخص الجانب العلمي وحده، إنما ترتبط ارتباطا بالتجربة الشاملة التي يعيشها كل كائن حي في هذا العالم الذي نعيش فيه"(19) إذن فتطور هذا الفعل الإبستيمي لن يقف عند البعد النصي الدراماتيكي، بل يأخذ مع الفنان الفلسطيني وقفة ضرورية وتركيبية بنيوية كمحطة وعلامة كبرى انعطف خلالها المسرح وسيظل لأمد طويل فكرا ليس وليد نزوة أو لحظة من اللحظات، بل وليد عمر من البحث والتنقيب والمقاربة، مما جعل هذا المسرح الفلسطيني يتميز بثلاث مميزات.

1- حاول الإمساك بأزمة الذات العربية وتناقضاتها وانكساراتها.

2- فهم آليات الخطاب السياسي والطبقي المهيمن.

3- أعلن التحريض على كتابة المغاير.

هذه المكونات أعطت لنفسها حرية الاختيار لكي تقتحم مجالات اجتماعية وسياسية وتنظيرية، هذا التعدد جعل التراكم المسرحي لديه محملا بعدة تساؤلات معرفية، جعلتنا ندرك أن هذه النظرية المسرحية في الوطن العربي تريد أن تقوم كبديل عن نظريته القديمة في صورتها التقليدية، وكل نظرية في المسرح تنسب نفسها إلى أن تكون حلا نهائيا وحاسما للدراما عامة، لكنها تقع في الواقع في تناقض مع الأسس التي تنبني عليها ومع نسبية المستوى المعرفي الذي يسمح لها بطرح مسألة السياسة ضمن إشكالية معينة. حيث أن كل نظرية في الدراما هي بحث في مسألة النهضة والتأسيس والتأصيل والتحديث ... والتعقلن، بحث يرتبط بمستوى معين من تطور المعرفة الإنسانية، وحين تحاول أية نظرية أن تتجاوز خصوصية شروطها وأن تعمم النتائج الحاصلة عن هذه الشروط بإقامة تصور عام عن المسرح السياسي، فإنها تجد نفسها في تناقض مع تطور المعارف المسرحية السابقة والمعاصرة. لأن التطورات السياسية العربية قد تؤدي إلى تفسخ موضوعي للنظريات المسرحية في الواقع، كما وقع لنظرية المسرح عند برخيت، وبسكاتور أرطو، فقد أدت التطورات السياسية إلى دحض فكرة المسالمة كأداة للهيمنة، بينما يأتي الفعل الإبستيمي "لكي يقدم لنا البديل عن هذا الخطاب الذي استنفذ أهدافه بخطاب يحدد لذاته مهام جديدة تتلاءم والصورة الجديدة للعلاقة بين الفلسفة والعلم(20). فبحث الفنان الفلسطيني في هذه النظريات المسرحية جعلته يدرك أنه ترتكز أساسا حول شرطين هما اللذان يوفران لكل مسرح سياسي من تلك الفنون التعبيرية والوظيفية، وهذان الشرطان هما التحديد المنهجي لموضوع البحث من جهة، وإتباع مناهج ودرجة سيرورتها من جهة ثانية، فالإبستمولوجي ينبغي أن يتعاون مع عالم النفس والسوسيولوجي والسياسي والمسرحي لكي يدرس تطور الذات الممسرحة، لأن المسرح الفلسطيني جزء من الدراسة من حيث هو واقع، يعمل على إبراز هذه الذات كفعالية دون أن تكون محاكاتية أو مثالية، إذ جعل المتخيل يرتكز على الموضوع المستقل عنا دون أن نلمسه في الواقع، لأن الأمر يتعلق بصفة خاصة استمولوجية ترى في هذا الشأن المعرفي تركيبا مستمرا وعنفا للواقع وفي الوقت ذاته "بداية تأسيس المجال الخصب للصراع والتناظر والتناقض بين مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية وهو ما جعل التجربة المسرحية في فضاء هذه المرحلة وما بعدها، ساخنا ومحملا بالأسئلة القلقة، وبالخطابات الصادقة وبالشعارات السياسية التي كانت خلفية تحرك المسرح ... وتدفعها إلى تخطي الأجوبة الجاهزة واليقينات السائدة والأنماط المعلبة في الإنتاج المسرحي السابق(21). لم يكن هذا الفعل التخيلي ممكن التحقق الفعلي في القديم نتيجة لطبيعة الإنتاج المادي السكوني في المرحلة السلفية والكلاسيكية، و نظرا لعدم توفر معطيات موضوعية ثانيا، لذلك سادت الترجمات والاقتباسات وغرق المتفرج في حمى الأساطير، والشخصيات المعبرة عن مصالح الطبقات المهيمنة، فرغم ذلك بقي المتخيل أعظم نظرية في عمقها وغناها وشموليتها، حولت الواقع إلى معطى كثيف وعقلاني يراعي شروط المجتمع وقضاياه الإنسانية.

المتخيل والمسرح الدرامي الفلسطيني

إن الاهتمام بالتأويل والسعي إلى إقامة جهاز مفاهيمي نظري لمسألة المتخيل، والبحث في مستوياته وطبيعته، أتى نتيجة للحوار العميق بين مختلف التيارات التي باتت تسعى إلى استنطاق كل النصوص والمعارف والعمل على بناء نظرية تضمن سيرورة العمل المسرحي وتغني الأسئلة التي يطرحها عبر مختلف المراحل التكوينية والتأسيسية والتمسرحية. لقد سجلت العقود الأخيرة التركيز على التأويل باعتباره عنصرا جوهريا في توليد الدلالات والمساهمة في بناء عملية التعدد التواصلي الذي لا يمكن تصور تحققه الفعلي إلا بواسطته وإغنائه لمظاهر التفاعل الناتج عن بنيات النص المسرحي.

إن التأويل المسرحي الفلسطيني يبقى من ضمن الرهانات التي تسعى النصوص إلى كسبها واكتشاف تعدد دلالتها، ذلك من أجل إدراك طبقاته قصد إطلاق العنان للممثل وللمخرج وللمتخرج. لأن الانغماس في بواطن النص يسمح بعدم استنفاذ الحوار في أبعاده المختلفة، حيث يستمر تفكيرنا في إشكالية المسرح والسياسة، وكذا التفكير في كيفيات القطع مع الغرب والتصالح مع الذات، وإنجاز مشروع الحداثة كمشروع مستقبلي، منفتح على إمكانيات النهوض والتقدم الحضاري. فالباطن يؤثر ويحكم على ما هو واضح في الإنسان، وهذا هو الهدف الأساسي الذي ترتكز عليه مدرسة المعايشة L’école de représentation التي تقف في تعارض مع مدرسة النقل والعرض L’école de représentation et d’immitation، فيكون النص كتابة جديدة تؤسس أدوات نقدية، باعتبار النقد صيغة راصدة وفي ذات الوقت نامية ومتحركة، فهو قد استفاد بشكل أو بآخر من مختلف العلوم والأطروحات المنهجية بشتى أنواعها وتوجهاتها ومناخاتها بدءا بعلم النفس وعلم الاجتماع وصولا إلى الأنتربولوجيا ... " ولا غرابة أن تتحول الصيغة النقدية إلى عملية تعرية وكشف واكتشاف ما وراء الخشبة، حيث تتحول كل الأشياء إلى كائنات ناطقة، نتعرف على أنفسنا من خلالها، فنقف وجها لوجه مع ذواتنا، فننكرها حينا، ونرفضها حينا، إذ هي تساهم في عملية التعرية لجوانب فينا نصر على اختفائها ودحرها وتحويل الأنظار عنها"(22).

وتتخذ الثوابت الاجتماعية أحكامها الجاهزة في تفكير وسلوك النخبة المثقفة نظرا لغياب الديموقراطية والحرية والانفصال عن الذات وانعدام الدلالة في هذا العالم الذي نحياه(23). إن رفض أي معرفة مسرحية خارجية عن مقتضيات التجربة نابع كما يرى هورسل مننية حسنة ذلك أن الاحتكام إلى التجربة النقدية كان ضروريا للقضاء على كل التجارب والنزوعات الشكلية والعبثية، وكان الأمر متعلقا بمحكمة للمعرفة شبيهة من حيث المهمة بالمحكمة البريختية، إلا أن هذا المسعى خلق آثارا سلبية على الثقافة العربية، بل إن هذه الرغبة لم يكن لها أن تحقق ذلك أن المسرح الونوسي أصبح بدوره مسرحا غير خاضع لهذه الشكوكية والعبثية،وهذا في نظر ونوس ناتج عن رفضه لأي قراءة سطحية تجعل من الواقع المسرحي موضوعا لها، لأن المسرح في حاجة إلى من ينير له الطريق ويمده بالأسس النظرية الثابتة والغير المتعلقة بجواز الوقائع والأشياء، فهو معرفة جائزة لأنها متعلقة بالواقعة والحدث في فرديتها وتلوناتها وهو بذلك لا يفتقد إلى أفق يحتضنه، ففعل المعرفة عبر التجربة المسرحية يتعلق بالواقع العربي في فرديته وفي واحديته، يتعلق بالوجود الزمني، لكن المسرح وفق ماهيته قد يصبح له مكان آخر وموقع آخر في الزمكان، فالموجود في كل أحواله موجود جائز.

إذا كانت رحلة الفنان الفلسطيني رلة نحو روح مغايرة ومتميزة ف البناء والممارسة، فإنه يضعنا أما رحلة البحث الجديد الذي لا يتوقف عند طرح السؤال: ما المسرح؟ وكيف الوصول إلى القطيعة؟ سؤال باشلاري باعتباره أن السؤال والعائق لا يوجدان إلا في الأزمة، لذا يعيد ونوس ما شكل منذ مارون النقاش، حيث يمنح للسؤال كينونته التي استلبت منه لزمن طويل، لأن "كينونة" المسرح ظلت لوقت طويل غريبة وغامضة كأنها من فعل "المطلق"، حيث نظرت إليها الفلسفة مع أرسطو وأفلاطون وسقراط ... إلى هيدجر ونيتشه وماركس ... على أنها نقص في تحديد، تحربها الميتافيزيقيا قصد التأصيل، لأن التأثيث هو عملية الوصل بالأصل. لأن الميتافيزيقيا تنزع إلى غاية عليا وكليانية، باحثة عن تجليات الحقيقة بوصفها السلطة العليا التي لا يرقى إليها الشك. هكذا واجه النص المطلق العقل بوصفه المرجع المعارض للزمن وللوجود. لكن مع تطور العلوم الإنسانية والعلمية بدأ السؤال يحفر في جذرية الوجود، مخترقا التفكير الإنساني، وممزقا غلاف النهاية والأصل، مندمجا الهامش كسؤال مركزي سواء من الناحية الاجتماعية كما عند "هيكل وماركس وإنجلز" أو من الناحية النفسانية المتمثلة عند "يونج، فرويد، شارل مورو، أندرين، لاكان" أو من الناحية المعرفية، كما عند "فوكو، كولدمان، جيل دولوز ...ألتوسير، حيث بدأ يعاد النظر في هويته وكينونته وزمنيته وتاريخيته، مما أدى به إلى إبراز إمكانية التحقق على مستوى الطرح المنهجي أو الإقصائي.

فلاشك أن رحلة الفنان قد أفرزت إلتواءات نظرية ومعرفية هيمنت منذ عصر النهضة إلى أواخر القرن العشرين، وأمست عتبة تمكننا من البحث في تاريخ المسرح، ونمط رؤية الإنسان لنفسه وللعالم، من هنا يعتبر السؤال الفلسطيني موضوعا صالحا للبحث الانتروبولوجي حيث يمنح للمسرح العربي وضعيات مختلفة باختلاف العصور والأزمنة، لأن رصد تطوره وانزلاقاته لا يتأتى إلا عبر رؤية الإنسان إلى ذاته وعالمه ودوره، بهذا المعنى لا يمكننا أن نحدد مفهوم المسرح إلا من خلال التصورات التي أنتجت وصيغت حوله من طرف الغرب، لأن المسرح بناء رمزي وماهوي، تولد من خلال الشخصيات والأزمنة والأمكنة والفضاءات التي أصبحت عليه كل الخاصيات "وجودية، أصلية، دينية، أو سوسيولوجية. وكتابات ونوس وبياناته هي رحلة في زمن القحط والاستيلاب والانهيار المفهومي، حيث لا تنتهي ولا ترسو إلا بالاستقرار نحو الجمع بين المسرح والمجتمع قصد تغيره نحو الأفضل لكي يمكن "للعالم المعاصر أن ينعكس في المسرح، ولكن فقط عندما يفهم هذا العالم كعنصر قابل للتغيير، بشرط أن يكون التغيير في تركيب المجتمع لصالح الطبقات المحرومة(24).

درامي فلسطيني

إن اختيار المتخيل كموضوع درامي فلسطيني لم يأتي نتيجة الصدفة، بل يعود بكيفية جوهرية إلى عوامل ذاتية كانت في مجملها عبارة عن تساؤلات متعلقة بالثقافة والمسرح والتاريخ والسياسة والدين، والجنس، حيث أنه إشكالية لم تعد موضع البراءة والتسلية، فهي صيغة مصيرية تعبر عن حساسية في الحياة والوجود، ترتبط بإواليات التفكير والوعي، وتؤثر عن قرب في معركة التغيير والانتماء والبناء القاري، ذلك أن الإنسان هو أفق الثقافة والمسرح وهو محركها، ورهانها في الصراع بين الأصالة والمعاصرة وبين الحقيقة والزيف، وبين التحرر والتبعية. فالمسرح المرتبط بالواقع، هدفه كما يرى الدرامي خدمة الإنسان سواء في تطلعاته نحو المستقبل أو في طرائق تفكيره، أو في عطاءات التراث والعلم، إنها أداة لازمة لإدراك الهوية والاختلاف ... في مجابهته للأسئلة المتعددة. المسرح حسب ونوس أداة استقرار داخلي، وتحريض على غعادة التوليد والتجديد من خلال المقاربة السوسيوثقافي بين المعيش والمفكر فيه، وعالم يدفع بالنقد والتساؤل لمحاكمة العالم والإنسان والتاريخ، من هذا المنظور لا يكون المسرح الفلسطيني ملكا لأي أحد، بل هو سلاح يتسلح به الإنسان للدفاع، وتأكيد الهوية لمعرفة درجة الحوار مع الوجود بمفهوم هيدجر يقول في هذا الصدد: لقد أصبح الإنسان ذات مفكرة وواعية عندما صار يمنع الوجود للأشياء من خلال تفكيره فيها وتمثله لها، عندما أصبح العالم صورة مدركة ومتمثلة ولوحة حاضرة وماثلة أمامه(25). فالمسرح بشموليته يعطي للأشياء وجوديتها فتنتقل من الألفة إلى الغربة، ومن مرحلة الكمون إلى مرحلة الفعل، هذا التنقل لا يتم إلا بواسطة الخيال، لأن تقويض المألوفية معناها أن تصبح الذاكرة المسرحية متخيلة، لأن الشرط الأساسي في كل عملية تمسرحية هو اختراق باب المألوف للولوج إلى غرفة "الغربة" النصية والواقعية والفكرية. وونوس في قراءاته لا يقف عند المعتاد والمكرر، بل ينزل إلى أعماق الوجود وخارجه، نزول نحو الغريب والعابر قصد تجديد إنسانية الإنسان، وتعرية هذا الجسد المؤدلج بمفهوم (العروي)، لأن التفكير المسرحي الفلسطيني لا ينشغل بالميتافيزيقيا، بقدر ما ينشغل بذاته للبحث عن علاقته بمن يمسرح هذا العالم الخارجي، ولا عجب إذن أن ينصب التفكير عندنا على مفاهيم استراتيجية "المسرح + السياسة" التي ترمي إلى مراجعة مفاهيم المسرح وقضاياه وإعادة النظر أيضا في السياسي والثقافي والمسرحي، لأن تاريخنا العربي ارتبط بين هذين المفهومين دون معرفة الخلفيات المرجعية والفلسفية التي تحكمها. من هنا تطرح الأسئلة التالية: هل نعيش أزمة "المفاهيم"؟ وهل فهمنا "الماركسية لكي نخلق السياسي"؟ وهل فهمنا كل المقومات الليبرالية والبورجوازية؟ وهل عاش العرب نهضتهم"؟ وهل عرفنا أزمات سياسية كما عرفها الغرب؟ وهل جبنا القطائع المعرفية؟ من البديهي أن هذه الأسئلة لا تكون بريئة، ولا تحمل تيقضها إلا في مجال الواقع والتاريخ والوجود والزمن، لأن الدرامي طرح قضايا مفاهيمية لا تحجب الواقع بل تعريه، إنها مجال حضور الآني في السياسي، والسياسي في المسرحي، يقول سعد أردش: "نصل إلى مسرح سياسي، مسرح يقوم على التفسير لا على مجرد التنفيذ وعلى الفكر التقدمي الذي يهز المجتمع ويحله من قيوده التقليدية التي فرضها الاستعمار الخارجي والظلم الاجتماعي الداخلي، ويفتح أمامه أبواب التحرر السياسي والاقتصادي(26). ينطلق الفنان الفلسطيني بخصوص مسألة المتخيل من تفكير عميق يرتبط في أنساقه بمستوياته الدوالية والدلالية والمرجعية المسماة بالهامشية واللاتاريخية، قد يظهر لنا أن هذا التفكير لا يأخذ تعريفه إلا بارتباطه بمختلف الأدبيات الأنتربولوجية التي تمكننا من البحث في الإنسان من حيث تخيله الأولي في علاقاته بالكون والحلم والهذيان، حيث يتمظهر المتخيل في روحانياته وتستره، لأنه أقام تعارضا بين ما هو مؤسساتي وما هو إيديولوجي وما "هو فرجوي مسيس"، لأنه اللاشعور الجمعي الذي يؤصل الحقيقة ويثبت الأوليات والأسبقيات للنص والعرض، جعل الميتافيزيقيا النصية تخضع لتقنية التأويل التي تفرض نفسها على كل المرجعيات لإقامة مدلول "مطلق" يوفق بين ما هو واقعي وما هو سياسي، مدلول كلي يكون كقوة وكفعل أصلي في كل ممارسة إبداعية جديدة. يستدعي التفكير في موضوع السياسة من جهة المسرح، ترهين الأسئلة المشتركة بين الأدبي والسياسي والاجتماعي، والبحث في ترابطهما على مستوى التجسيد، وكذا في تمفصلاتهما المعرفية والجمالية والتمسرحية، من زاوية بناء الصور ونحت المفاهيم والقوانين ورغم التراكم الذي عرفته ساحتنا العربية فما زال المسرح يجترح الإشكالات النظرية دون البحث عن الماهية، لأن هذا البحث هو إقامة تلاحم بين الأدب والسياسة وتأسيس فلسفة محكمة تلغي الاتجاه المؤسساتي السائد، والاتجاه الطبيعي والفكاهي والميلودرامي، إذ سيصبح المسرح السياسي مرادفا لهذه الفلسفة المسرحية الجديدة الباحثة عن "المطلق الجديد"، إنه البديل الذي يدفعنا كما يرى الفنان لإدراك الداخلي والخارجي أي بين الشعور المسرحي والفيزيقي النصي، هو إدراك يقاس بالكثرة كما تقول الفينومينولوجيا، دون الاحتكام إلى التمثلات والأحكام والانفعالات والمطابقة ... فالمسرح الفلسطيني لا يكفي بالواقعي والسياسي، بل يهتم بالتجربة التي تتعدى الشعور وتتجاوز البعد المتعالي المثالي، يجب أن نأخذ أبعادها انطلاقا من اندماج الشعور في الواقع من أجل قلب رؤية الأشياء في الزمان ورفض الأشياء في المكان، لأن الانطلاق من الخارج إلى الداخل انطلاق يمنح للشعور إحساس بالزمن، والواقع والتاريخ، إحساس يتكون في ثلاثة أبعاد: توترية، Tention والانتظار Protention والاستدعاء Retention، لأن المسرح السياسي الفلسطيني مفتوح نحو الماضي لمعرفة الحاضر، فالحاضر هو مستقبل المستقبل حسب تعبير "برغسون، يبحث دوما في الموروث الثقافي والسياسي لبيان نشأة الظواهر في الشعور الداخلي بالزمن والواقع، فالمسرح السياسي الفلسطيني هو عودة إلى الأشياء ذاتها، وهذا الشيء في ذاته لا يمكن معرفته إلا بارتباط العضوي بالاجتماعي أو بوحدة الروح كما عند شلنج، أو بالإرادة "شوينهاور" ويقول أحد الباحثين: انبرى المسرح قويا وأصيلا يعبر عن غضب الإنسان العربي، وفضح هزائم الأنظمة العسكرية والرجعية، وقد جعل هذا المسرح من القضايا القومية التزاما صريحا وعلى رأسها قضية لبنان وفلسطين، ومظاهر التبعية للغرب الاشتراكي أو الرأسمالي والمخاطر التي تهدد الهوية الثقافية العربية ونذكر من هذه الفترة على سبيل المثال لا الحصر سعد الله ونوس – نجيب سرور، سعد الدين وهبة، علي سالم، فوزي فهمي عبد الكريم برشيد"(27) وونوس لا يختفي وراء نبرة الوداع، بل يموت في طريق المخاوف، ويرسم كل نصوصه للعبور ممددا يده نحو التاريخ، والإنسان، ويهمس في العيون لعله يجد قلبا يفهم صمته المتلاشي في دروب الكلمات ترى أين نجمع أفكاره، رغم أن الأفكار كما يقول فوكو خبيثة(28).

فالمسرح استمرارية لتجاوز ذاته قصد البحث في مسألة الأسس، وهذا البحث لا ينفصل، كما قلنا، عن تاريخ المسرح وإنما يتأسس على الغد لمعرفة مكوناته والاستجابة لمتطلبات الإنسان العربي، لكن هذه الولادة خلقت نهاية قبل البداية، ووظفت الجاهز دون البحث في التجريب، واهتمت بالكم دون الكيف، وهذا التتابع اللامنطقي واللاتاريخي، جعل الذات العربية تواجه أزمة المفهوم والمتخيل والتأسيس والتأصيل والتحديث والتجريب والتسييس والتمسرح والتعديد والخروج والانزياح والتوتر والشعرية ... يقول عبد السلام بنعبد العالي: "فقد عودنا ذلك التاريخ على حد تعبير فوكو تقصي الأصول والارتقاء اللامحدود نحو الأسلاف، وبناء التراث ومتابعة خطوط التطور وتعيين الغايات واللجوء دون انقطاع إلى مفهوم الحياة لاستعارة معانيه، فكنا نشعر بنوع من النفور الحاد من التفكير في الاختلاف، ووصف التباعد والتشتت وتفويض الصورة المطمئنة للهوية والتطابق(29).

فالقراءة الإبداعية التي اعتمدها الفنان هي التي سمحت له فإقامة تاريخ "مسرحي سياسي" حيث جعل الواقع العربي يحاكم أمام صانعه، محاكمة لا تحتقر المتخيل والحلم، بل تجعل كل شيء خاضعا للقراءة حيث تعاد فيه كل التواريخ والوقائع وتأخذ الذات تجدرها المتأصل، وهذه الأناقة هي التي أمدته بالاقتصاد والخفة، وهي التي أمدتنا بإنشاء أنظمة متقطعة داخل النظام العام لمعرفة كيف عمل ونوس على خلق قطيعة داخل المسرح العربي. إنها دعوة تصبح فيها الذات "الممسرحة" كهوية ووحدة كونية تمحي كل أثر لا يقوى على الدعم والتأصيل، لتطرح التجدر التاريخي من أجل تنظيم الذاكرة، وتبويب الإطار المرجعي للمسرح العربي، يقول عبد الله أبو هيف "يمكننا القول إن المسرح قد تعلم السباحة في بحر السياسة وما نهوضه المعتبر في العقدين الأخيرين إلا حوار مرتفع الصوت، غالبا مع وظيفته في أن يكون له دور، وأن يدور مع تاريخه، ففي هذا وجوده وفي هذا هوته، ولقد ترافق نهوض المسرح في سورية مع الوعي بتاريخه فانتعشت الدعوة إلى تسييس المسرح وتثويره حتى طغت على سواها من دعوات، وقد بلغ الأمر منتهاه في سيادة المسرح السياسي على مبدعات الفن المسرحي من جهة وعلى حوار المسرح مع واقعه من جهة أخرى"(30).

إن هذا الارتباط العضوي للمسرح بالسياسي، جعل كتاب العرب ينتجون خطابات مسرحية اقتحموا بها عوالم جديدة للوقوف على لحظات التاريخ العربي، من حيث هو تأريخ جديد يعطي للبداية دلالتها، أي كما تشكلها المتخيل المسرحي العربي ما بعد الهزيمة لسنة 1967، إذن كيف انخرط الفنان الفلسطيني في ترتيب مواضيعه كإطار مرجعي يعطي للإنسان العربي أفقه الجديد كعقل ومعقول ومسرح وفرجة وسياسة وسلطة وكتركيب وتبسيط وكجوهر وعرض، أكيد أن هذا المشروع يضع نفسه في موقع إيديولوجي ينشغل بمسألة الأصالة والتأسيس والنهضة ... ويلاحق كل النظريات قصد تكوين منهج شامل(31) يؤطر الفنان الفلسطيني "العقل" السياسي العربي كبند أساسي في كل إقامة إبستيمية جديدة.

حيث جمع مختلف الأحداث قصد استخراج قوانين موضوعية أصبحت عتبة عليا قابلة للتأويل، ولكن ينبغي أن نسأل ما علاقة هذا المفهوم بالمتخيل؟ وهل فهم السياسي انطلاقا من خصوصيته العربية؟ وهل المتخيل هو الواسط بين الواقع والسياسة؟ أسئلة مفتوحة تجعل السياسة هي الواقع الممكن والسائد الذي اتخذه موضوعا مفتوحا عبر امتداداته داخل الإشكالية العربية، يقول عبد العزيز حمودة: "الواقع أن هذه التسمية وإن كانت جديدة علينا إلا أنها ليست جديدة على المسرح العالمي وخاصة في الدول التي سيق فيها ظهور الفكر الاشتراكي، ولست هنا بصدد الحديث عن تاريخ المسرح السياسي، لكن المهم أننا بدأنا نهتم به بشكل واضح مع منتصف الستينات بعد أن بدأت المفاهيم الاشتراكية التي غرست بدورها في مطلع العقد المذكور تمد لها جذورا، ثم جاءت نكسة الخامس من يونيو فقمعت إحساس الفنان العربي بمسؤوليته اتجاه جمهوره واتجاه نفسه. فهذا البعد الكرنولوجي جعلنا ندرك أن المتخيل السياسي ينمو خارج المجتمع وعلى هامشه، لذا يدعونا ونوس أن نصفي حساباتنا مع مقوماتنا الاجتماعية والنفسية قصد تحرير هذا الهامش من لحظة التسيب، لأن النقد لا يريد المهادنة وإنما يريد الاختلاف والأزمة(32). هذا النقد لا يريد أن يقذف بالآخر "الغرب" خارج الهامش، بل يعيد النظر في كل الثنائيات التي تتغدى عليها ثقافتنا المسرحية، لا لكي يحدد حرفية "المفهوم"، بل ليؤكد على اختلافه في ذاته وفي نواحيه، ذلك أن الذاتي ينبغي تملكه والهوية يلزم اكتساحها وغزوها، والغير لا يصبح آخر إلا إذا حول عن مركزه وزحزح عن تحديداته المهيمنة(33). يقدم لنا صورة عن العلاقة الموجودة بين الحاكم والمحكوم، وكيف يمارس الحاكم سلطته ونفوذه، أما المحكوم فهو المغلوب على أمره يستسلم لكل الأوامر ولا يتسلح إلا بوعي واقعي زائف مكبل بالتعثر والكبت الأنطلوجي وهذا ما نجده في مسرحية "الرجل المجهول في مأتم أنتيجونا" ص 43 إلى ص 82، فهذه الصور المبثوتة في ثنايا نصوصه هي بؤرة كل الأحداث التي ساهمت في حبك نسيج المسرح السياسي بلغة درامية تطرح نفسها بشكل مداري بين المسرح والمجتمع، إن معاينة نوع التوافق الإديولوجي في وسط المجتمع تبين وجود سلطة درامية، تتيح فهم دور الواقع في المسرح فهو واقع برؤية ممكنة سواء في صورته أو متخيلاته، كصورة الواقع الأفلاطوني المثالي، أو في صورته النقية عند "نتشه" التي تدعو إلى الأصل أو صورة العمال كما عند "ماركس" أو الواقع المؤسساتي المؤدلج الذي يلغي الخصوصية الفردية لصالح الجماعة كما عند "دوركايم". فرغم تخفي أسراره في ثياب الفنية، فإن ذلك لا يخفي ما يعانيه الإنسان العربي من قهر وقيد واستيلاب، حيث ينظر إليه في الثنائية المتافيزيقيا المعروفة في الفكر اليوناني الجسد / الروح – المادة / الفكر الحقيقة / الزيف العرض والجوهر، هذه المعرفة تظل احتمالا موجودا بالقوة حتى قبل تحديده، غير أن المثير حقا حسب الفنان الفلسطيني لا يكتفي بأشكال الاستيعاب الجماهيري في شكل مناصصة أو استدعاء تحاوري، أو في شكل استخدامات ما بسيطة تنم عن بعد سردي ومنهجي التي تتوخى البحث والتحليل، بل يتخذ البعد المعرفي تجدرا في التاريخ السياسي العربي، مشكلا بذلك قوانين جديدة لهذا الانخراط لكي يصبح هذا الحيوان (الناطق، والعاقل، والغريزي، والاجتماعي) ذا هوية تتسم بالاختلاف والتجاوز والتخطي وذا قيمة وجودية، وانتمائية إلى جغرافية الأجناس البشرية.

وانطلاقا من هذه المعطيات الأولية، عمل الفنان على التحكم في الاختيار والاستقراء المنهجي لبنية هذا الجدار البارز "الواقع" الإنسان – التاريخ – السياسية) ... انطلاقا من سؤال ما هي الآليات التي بمقتضاها وظف أشكالا فرجوية، وسردية وتخيلية لكي يعطي لهذا الفن سياسته الفرجوية والبيداغوجية؟ أين تكمن مكامن الإغراء السياسي وأين تتأسس جاذبيتها؟ وما هي شروط الفعل السياسي؟ وهل استطاع أن يؤسس لنفسه متخيلا غير المتخيل الغربي؟ وهل يمكن الحديث عن مسرحه كبديل في خضم الانقسامات الأدبية الغربية المعاصرة؟ إنها أسئلة تباشر قضايا الآنية لترصد عالمين:

* عالم المتخيل والواقع والإنسان والسياسة.

* وعالم النصوص والواقع والسياسة والإنسان.

وعبرهما تستوعب كل البنى التعبيرية والتراثية والجنسية والسياسية والتاريخية والحضارية ... مما حتم ضرورة اكتشاف خصائص هذا البعد المسرحي السياسي، والتي تجسد قدرته على الاحتواء، مما يترتب عن ذلك محطات متنوعة من حيث الامتداد التاريخي أو من خلال الممارسة التمسرحية، وعبر هذا الامتداد كما قلنا يتخذ منظورا سوسيونصيا، مؤسسا اتجاها جوهريا تتفاعل فيه كل القوى الرمزية والواقعية والرمزية وكل المعطيات الخارجية، وكذلك بالنسبة للمنظور الدلالي والتركيبي كأثر متبادل يحدثه التفاعل الذاتي بالموضوعي في حقل الحضيرة الأجناسية ويقول ونوس "إننا نريد مسرحا للجماهير(34). هذه الأطروحة أصبحت إمكانية أكثر حزما ودقة لوصف الواقع العربي وسد كل المنافذ على السري، فالمسرح الفلسطيني الذي طوع الناس وأقنعهم بخلق فيهم رغبة معرفة حقيقة من وهم، إلى درجة أنهم أصبحوا يعتقدون في تلقائية وطبيعية الواقع التي لا تنتظر غير الإظهار والوضوح والإبانة. فالمسرح أصبح قاعدة لتوقعات مختلفة فيما يتعلق بطبيعة اللغة والممثل والحوار والممثل وعلاقتهما بالمتخيل، وأحد المصطلحات النقدية التراثية، والأسلوب المعقلن للفهم، والوسيلة لإدراك الحقائق المعنوية، حيث أن التعبير عنه يختلف باختلاف الطرائق الموظفة، واللحظة القريبة المتجذرة في التاريخ والذاكرة واللاشعور، حيث يمثل فينا الأنا المتسترة، والتاريخ البعيد بمفهوم "هيدجر". لابد أن نصغي إلى همس الأحقاب التي غطاها ضجيج الوعي لنكتشف الحقيقة التي تحجبها التركيبات الوهمية، وهذا الإصغاء هو نبذ النقد العقلاني الوضعي وتقمص الحقبة التاريخية العربية التي نروم صنعها، فهو تمثل البعد التشخيصي والتركيبي الموضوعي المطبق في الواقع، والأشياء والإنسان، إذ لا يتأسس بطريقة بسيطة بل بطريقة ضمنية، حيث بواسطته تلغي كل لحظة تماثلية أو إسقاطية، مادام الرابط بين الحامل والمحمول، والموضوع والمرجع مؤقتا بالنصوص والتخيلات الشفوية والعجائبية، إضافة إلى هذا فالجمهور العربي لا يهدف إلى إلغاء الثنائيات المحرمة، بل هو حاضر بالقوة والإمكان، وهو الذي يعيد إلينا السؤال التالي: هل يمكن أن نجد جمهورا واعيا وقارئا في خضم الجهل والتخلف؟ ولماذا المسرح السياسي؟ وهل كل الجمهور العربي مسيس؟ أم أنه سياسوي وليس سياسي؟ إنها امتدادات لا تندرج في أي خط قرائي بمفهوم "إيزر"، بل نقصد بالقراءة تلك التي تتجاوز التوليفات واليقينيات لتعتمد على توزيع كل التضاريس الفنية والفرجوية كاستراتيجيات إبداعية تعتمد كما قلنا على النص وإمكاناته، والجمهور وتلقياته، والتأويل وملفوظاته لتحقيق ما يسميه امبراتورايكو، بالتعارض النصي، فالنظر في ضوابط المتخيل الكفيلة بترهين النصوص المسرحية وفتك أضلاعها بمنظور جينالوجي، يمنحها إمكانية الانتماء لكل ما هو مغاير ومحظور، بحيث نتحدث عن المتخيل الذي يجعل المسرح يتخذ نوعا من التنوع في الإبدال والاستذكار، وتأخذ نصوصه الدرامية معنوية بوصلة تأملية ونقدية لكل موروث مسرحي عربي، يرى توماس ديغنسون "يجب علينا الآن أن ننظر إلى المسرح لا بمثابة أداة لترفيه الشعب، بل كأداة لتعبئة إرادتهم لخدمة قضية محددة، ولا يحدد الفنان المبدع نوع هذه القضية، بل يحددها أيضا الفكر السياسي للعصر نفسه، وهنا يظهر إذن أول تأثير تتركه الثورة الاجتماعية على الفن، أنها تنقل مركز الحساسية من الفنان إلى الإرادة السياسية، والقاعدة أن المسرح يخدم هذه العملية بإحدى طريقتين:

أولا: بالنقد العنيف لكل أشكال النظام القائم وأخلاقياته وأنظمته ومذاهبه الفكرية.

ثانيا: بنشر مبادئ الجماعة الجديدة الهاجمة إلى أن تتحقق أهدافها(35). فهدف المسرح  السياسي هو تقديم مظهر من مظاهر الحقيقة الاجتماعية، لأن عملية تقديم النص والعالم والإنسان والتخيل والتاريخ والممثل والزمان والمكان والأسطورة، باعتبارها رموزا تشير إلى أهداف وأقمصة نسجها عبر التطور، تتقمصها الرغبة والأنا والفكر والعقل وهي أصل التلاحم البطولي. إن العقل يوجد فوق تصرف الرغبة والمتعة والرؤية، وهو الذي ينظم تلك الأقنعة والرموز، حيث يجعلها تتحول وتتلون حسب قدرة المتفرج، ولا يقفز فوق حدودها، بل ينخرط في الصراع الاجتماعي، باعتباره محركا للتاريخ. يقول بولانتزاس: "من منظور ضد تاريخاني للأشكال الاجتماعية يجب أن نضع السياسي داخل بنية التشكيلية الاجتماعية من جهة كمستوى خاص، ومن جهة أخرى كمستوى جوهري تنعكس وتتمركز فيه تناقضات تشكيلية ما(36). هذا الباحث شأنه شأن الفنان، كل منهما يستقرئ النصوص التراثية التي تطرح قضية السياسي والمجتمعي، ويعتبران أن السياسي هو السلطة جهاز الدولة، وأما السياسة فهي ممارسة "الطبقية". هذه القراءة تستدعي قراءة بنيوية تستقرئ الكل من أجل الوصول إلى الجزء، باعتبار "المجتمع" معقدا ومكونا من عدة طبقات. يقول بولانتراس: "الحاجة إلى السلطة توضح ظاهريا فوق المجتمع، لكنها تحجب الصراع، وتعمل على إبقائه في حدود النظام. هذه السلطة المنبثقة من المجتمع التي تصبح متعالية عليه وغريبة عنه، هي الدولة(37). فهم المسألة بهذا الشكل يحيلنا على الفرضية السياسية التي لا ترى في السلطة غير السلب والإقصاء، حيث لا يمكنها أن تتعاطى مع الحقيقة السياسية ومع الحرية الدرامية باعتبارهما النقيض المباشر للعنف الرمزي والسلطوي. لكن ونوس في نصوصه يقدم الأشكال السلطوية التي تتولد مع الصراع الاجتماعي، فالعنصران متلازمان مفترقان لا يجردان الحقيقة من السلطة لأن حقيقة السلطة هي مجموعة من الإجراءات المرتبة إنتاج المعارف والقوانين والتشريعات، فليست السلطة سهلة التطبيق وليست الحقيقة الدرامية سلبية، وينبغي أن يحس براهنية ما تتحمله المجتمعات العربية من تناقضات وما بنوء به الأفراد، وما من شك أن عمل الفنان ليس مجرد قراءة بسيطة، لا رؤية نقدية لا تقدم الحلول الترقيعية تقترح صيغا للمسرح السياسي لتفكر في ما هو فرجوي، وبهذا تكون الأبعاد الجوهرية للمسرح، يقول بولنتزاس: "السلطة لا توجد في مستويات البنيات، فهي أثر مجموع هذه المستويات ومع ذلك تطبع كل مستوى من مستويات الصراع الطبقي، وعندما نتحدث عن سلطة الدولة فهي سلطة معينة تستجيب لمصالحها دون الطبقات الأخرى(38). انطلاقا من هذا المنظور الفوقي "الفكري نرى أن الفنان أعاد قراءة بعض الأنظمة التراثية، سمحت له بإقامة علاقة بين ما هو فوقي وما هو تحتي، بين بنية فوقية فكرية، وبين فكرة تحتية إنتاجية مادية". لكن هذه الهيمنة لن تدوم طويلا، ولن تقف الشمس عند شروقها والظل عند حده كل يحمل نهايته من حيث هو فهل، لا من حيث هو "معطى اسمي" أعني أن النهاية الفعلية تنكشف بواسطة النقيض الذي ينضاف إلى الوجود من الخارج بفعل الإنسان، وهذا هو الحدث الباطن الذي يبطن الوجود نفسه. ويقول الصبي "لك سيدي إنك تنجو ولن يختلف مصيرك عن مصير الذين سبقوك"(39). ويقول الحاكم أيضا: "الثغرات التي كان يهبها دخان التغيير، أعرفها جيدا، هذه السنوات الطويلة من الاحتكاك المستمر مع الطبائع والهواجس تعلم الإنسان الكثير، البصاص يعرف أسرار البيت ومواطن الغثة أكثر من السادة (...) سأردم الثغرات وسأمسح الخواطر قبل أن تولد. فالكشف عن الإنسان العربي لا يقتضي منا سوى أن تلقي بأنفسنا إلى عالم المتخيل والأشياء، باعتباره اقتصادا سياسيا للحقيقة بمفهوم ميشيل فوكو. هذا الانخراط بدون حس تاريخي يجعلنا نخسر الذات المتخيلة. أما إذا عمدنا إلى تحليله انطلاقا من بعهده التاريخي التفاعلي فإننا سنقترب منه ومن سكناه ومن محله الوجودي. فليس في فلسفة الفنان الفلسطيني مثالية وإنما جهد جدلي يهدف إلى إبراز "الكينونة" والزمن والمرية من خلال ذلك الفن الإبسي لمعرفة سيد الكون وراعي الوجود(40). فهو الذي يحيا عبر المتخيل من أجل الحقيقة والوجود. ولكي يعرف "ماهيته" انطلاقا من الآخر بشكل مباشر، عليه أن ينطلق من تقسيم البناء الدرامي، معتبرا إياه بناء داخليا يحتوي على عدة سلط، هناك رجل الأمن يحرم على المتسولين النوم على الرصيف لأن هذا الأخير يقع قرب قصر أحد أثرياء(41). هذا التقرب إلى الجسد العري هو ابتداء من النسيج المؤسساتي للموجود "الكائن" المفبرك إلى حالة الوجود الإنساني الخارج عن الزمن وعن التاريخ، حيث يعيش "الحقيقة غير متخيلة باعتبارها سلطة الرفض لما هو كائن، لأنه يؤمن بالخضوع والانصياع، ولا يؤمن بالسلطة كتصور كما حددها دوركايم، نحن طريق هذا المتخيل يتجاوز الخضوع والقواعد، وكل الضرورات الاجتماعية، ورغم هذا التمرد اللحظوي فالفرد يملك الشخصية التي خلقها له المجتمع. هذه المفارقة هي تبريرات أبدعها الإنسان المؤسساتي لمعارضة الرغبة التي يولدها من طرف الهامش. يقول ونوس "يتدخل الشرطي لمراقبة سلامة الرجلين ليكون وجبة لذيذة لكلب الشعري الضخم أما المتسول الثاني فلم يستطع الإفلات من أنياب الموت، لأنه لم يفلح في الحصول على ملابس المتسول، ميت للتخلص من البرد القارس كما أنه لم يتمكن من قبض تلك الجثة لأنه لا علاقة له بالهالك بالإضافة إلى ذلك وهذا هو الموقف المؤثر في المسرحية، لم يستطع إقناع الغني بشرائه لأن السادة لا تشتري الأحياء.

طرح مشكلة الموت وقضية الجسد، قضايا لازال الفكر الإنساني لم يجد لها حلا، فعبرهما تفقد الأنا كجسد واقعي في الوجود العيني، لأن الاستحالة الحضورية لهذا الجسد جعل الفنان الفلسطيني ينتزع عن الذات الدرامية كل إمكانيات الشعور بالتحول والانتماء، بوصفها مستلبة وملغية وخارجية، ولا يمكن الإحساس بها مادام من أعمال لأي شعور أن يدرك موته الخاص(42)، والموت هي نهاية للأنا في الزمان وامتداد في العالم فإن كينونة الشرطي والثري لا يفهمان معنى الموت إلا انطلاقا من الآخرين، أي لم يختبرا أي شيء من ظواهر الوجود، بل أسسا وجودهما انطلاقا من إرادتهما بمفهوم نيتشه، لهذه الفئة المستضعفة خلقت أخلاقا كفعل للأغنياء من أجل النيل منهم، إنها الظاهرة التي نستطيع تحديدها بوصفها ضربا من التغير أو الانتقال الذي ينزع عن الوجود "أسلوب الكينونة الخاص بالموجود البشري أعني الحياة لكي يقتاده إلى الحالة التي لا يعود فيها يحقق أي حضور عيني ونهاية الموجود بوصفه كائنا بشريا بداية ذلك الموجود بوصفه مجرد شيء أو موضوع(43).

إن الفنان الفلسطيني في رحلاته الممكنة يقربنا من الإنسان العربي الذي عاش "أزمة" الوجود والتفكير، والعقل، مما جعله خارج ذاته، مقذوفا في العالم بدون مفارقة، يعيش رغبة الموت والسقوط اللانهائي في اللحظة دون معرفة موقعه في القارة الإنسانية وهذا ما نراه في مقهى الزجاجي بدءا من صفحة 5 إلى 39 حيث يصور فيها الإنسان في محيطه وهو مجرد من الملامح والروح، غارق في الوحل اليومي وهذا ما نستشفه من خلال الشخصيات:

حيث يتساوى الدرامي الفلسطيني، سواء من الناحية اللغوية أو من ناحية الوعي، أو الفكر، أو الإحساس، ويتعطش للمصير المحتوم والتمتع بعذاب الآخرين، فالمسرح عنده مستودع للبطولة والمعاناة، مسرح مطبخي أو الدراما الفضة لأكل لحوم البشر كما يرى برخيت. هذه التسمية تذكرنا بمسرحية الرسام "جيججينباخ" عنوانها "أكل لحوم البشر"، حيث يظل النص مهيمنا إلا أنه ينطوي على الرغبة في أن يمحي ككتابة ليدع المجال للمحتوى الذي ينقله، ويسعى في الأغلب الأعم إلى تعليم وفهمه ما يجعل منه نصا ميتافيزيقيا(44). لعل هذا الكلمات والتي كتبها درديا تمدنا بفكرة مفادها أن النص الميتافيزيقي "لمارون النقاش و"سالم البستاني وأحمد شوقي وعزيز أباظة وصلاح عبد الصبور - وهلم جرا، أو النص النرجسي لمحمد تيمود ومحمد الكغاط وعبد القادر ل، أو النص الفلسفي لمحمد مسكين وسعد أردش ودريد اللحام وقاسم حداد نص يمحي ككتابة ليكشف عن مفهومه ودلالته، فهو وسيلة لنقل المعاني أو واسطة بين المرسل والمرسل إليه، إنه النهاية السعيدة، حيث يقدم لنا الحقائق الثابتة، لأن الميتافيزيقا كما يرى جاك ديريدا "تنظر إلى الأصل كما لو كان موطن حقيقة الأشياء(45). هذا التحديد يوحد بين النصوص المتباعدة من أجل اختزال الإنسان في ماهية واحدة، الأمر الذي يغرق المسرح في التنوع وعدم التحديد المرجعي. هذا الغياب للمواصفات الخيالية والإبداعية غير المسيجة، جعل النص يبني مرجعيته وتاريخيته، جاعلا مرتبة الإنسان في الكون الوسيلة والغاية. هذه حقيقة أبرزها العديد من المؤلفين العرب، الحكم المطلق المتمثل في المعرفة الكلية لم يستطع الصمود أمام التحولات المعرفية والإنسانية المعاصرة نظرا للتحولات الفكرية والعلاقات الاجتماعية، التي مهدت لنشوء المادية التاريخية والسياسية. هذه المفاهيم شكلت الأسس النظرية المتينة لقيام علم التاريخ والفكر الحداثي. يقول مخائيل باختين "المؤلف لا يتجادل مع أبطاله ولا يقف معهم، إنه لا يتحدث معهم بل عنهم. أما الكلمة الأخيرة فهي من نصيب المؤلف. ترتكز على الأشياء التي لم يراها البطل ولا يملك عنها أدنى تصور، فكل ما لم يدخل في وعيه لا يمكن أن يلتقي أبدا بكلمة البطل على منصة حوارية واحدة(46) هذا المكون الميتافيزيقي تعرض لهزات عنيفة من طرف التيارات الفكرية والحداثية والفلسفية، أدى إلى تحول في البنية الذهنية والتأليفية والذوقية، حيث انهارت سلطة المؤلف، وأمسى النص يحمل التعدد بدل الوحدة التي تحدد وعينا وحقيقتنا، ونعني معرفة الحقيقة الواحدة والوحيدة ومعرفتها في ذات الوقت كمنبع لكل ما تبقى(47). هذا النسيج النصي سرعان ما عرف الخلخلة مع مفكرين ومسرحيين وفلاسفة أمثال "فوكو" و"دريدا"، و"هيدجر". هذه الفئة زرعت الاختلاف في الائتلاف والإبداع في الإتباع، والتجريبية في الميتافيزيقية والنسبية في المطلق والتاريخية في اللاتاريخية ... وفتحت أمكنة عبر الفضاءات والمناطق المتعددة. يقول رولان بارت: "منذ حركة التحرير ضد الغزو الألماني أخذت أسطورة الكاتب الفرنسي العظيم الذي يرعى القيم العليا في التلاشي، والاضمحلال شيئا فشيئا وذلك بموت كل الكتاب الذين عاشوا بين الحربين، لقد دخل نموذج جديد مسرح الكتابة لم نعد نعرف ولسنا نعرف بعد كيف نسميه أندعوه كاتبا أم مثقفا أم ناسخا على كل حال فإن الحنكة الأدبية اختلفت ولم يعد بوسع الكاتب أن يتباهى ويتفاخر.

لقد نتج عن هذا التنوع والاختلاف في البنية النصية والفكرية والفلسفية والمسرحية، نبذ الذات المسالمة من مكانها ومن مشاهدتها وملائمتها للأشياء والعالم، وأمست الآن تحتمل التعدد والنسبية ولا تعتمد الإطلاقية حسب ونوس، ولم يعد النص تابعا للمؤلف بل أضحى يبحث عن احتماليته وإنتاجيته المؤقتة لكي يموقع نفسه خارج الأصل. ولا يتأسس هذا إلا بواسطة الجمهور والقراء، فهم الذين يضمنون حيويته ويجدون استمراريته على المستوى التخيلي. ومن هنا تأتي أهمية الجانب التعالقي في فهم التعددية النصية من جانب القراء المتعاقبين هذه الإعادة الجيدة سماها بارت Barthes (scruptibles) في مقابل تلك النصوص التي تسلم نفسها بسهولة للجمهور بواسطة المخرج المفسر، ولكن لا يستطيع إعادة قراءتها فالنصوص التي يعاد كتابتها يسميها بارت كتابة جديدة هذه النصوص تخلق ثغرات وبياضات ومناطق تعمل على تشغيل مخيلة الجمهور. ومن هنا تأتي مصداقية التأويل لفهم النص في تعدده واختلافه وليس في وحدة معناه" هذا التأويل المفتوح والمتعدد حسب الفنان منح لنصوصه دقة التصوير وبالتالي قدرة الاستكشاف الإديولوجي "المهيمن" قصد الخروج عن الوجود المؤدلج وعن الحضور والتطابق نحو ما هو مخالف ومتنوع، فالتجربة الونوسية في شموليتها أصبحت نظرية في المعرفة ومنهجا في الإدراك، فالنص المتعدد ليس تعيينا لأشياء فحسب، وليس إنتاجا لدلالة فحسب، إنه في المقام الأول الذات الرئيسية لتنظيم التجربة الواقعية، باعتبارها تجربة رمزية. والسؤال المطروح هو كيف يتم التصالح بين المتخيل والواقع؟ وهل ندمج المتخيل في العقلي؟ وكيف يتم اندماج الآخر بالذاتي ليجعل الهوية تلتهم الاختلاف والتحول؟ يقول عبد الفتاح كليطو: "إذا ما أراد المرء أن يتجدد فما عليه إلا أن يغترب، أن يبدل مقامه، أن يغرب كما تفعل الشمس(48). فبواسطة هذا المتخيل نصبح على هامش الألفة، ونخلق عالما متخيلا ينبض بالحياة. وبقدرة لإحياء النسيان، يدفع بالجسد لكي يعيد نسيانه ميتافيزيقيته المفقودة، إنه قوة إيجابية، وجوهرية حسب مفهوم نيتشه.

فالفنان الفلسطيني أعاد النظر في جملة من مقومات الإبداع المسرحي العربي سواء على مستوى تيماته، أو على مستوى لغته .. معلنا تحديات التجريب والتحديث على هيكلته وصنميته، ليخضعه لمساءلات أساسية تتعلق بطبيعة ونوعية التوظيف الخيالي في الواقعي، لأن الإبداع بنية عضوية يصعب التمييز فيما بين المكونات الخيالية والواقعية يقول بول ريكور: "إن السرد القصصي والإبداعي الخيالي يشتركان معا فيما يسميه بعض المفكرين البنائيين "فعل القص" لذا فإنه يتعين علينا تحديد وتعيين ملامح هذا الفعل في كل من نوعي الخطاب: الواقعي والخيالي ووظيفة هذا "الفعل" في كل منهما والمهم هو وجود هذين العنصرين وارتباطهما بكل المستويات "القص" وإن يكن ذلك بنسب مختلفة كما يقوم كل منهما بوظائف معينة بالذات(49). هذه الاشارة اللامعقلنة تقوض كل تطابق، لأن هذا التطابق والتماثل الذي نؤمن به ونحفظه خلف قناعنا ليس إلا المركز الذي صنعنا، وفرض عقلانيته، وأدلوجته تسكننا ونود التساؤل هنا عما إذا كانت هناك حياة مسرحية عندنا، مادام الفكر يحيا ويموت ويتطور، ويعني موته الاندماج في المطلق المفروض بل لابد من البحث داخل كياننا عن ابداع المفارقة وتحديد الهوية بالمفهوم الانتربولوجي، ولن نستقرئ البعد المسرحي السياسي من منظور الوحدة، وإنا نستنطقه من الداخل لفهم القضايا المنسية في واقعنا وذاكرتنا، وسنعرف لمن هذا المسرح وهل لدينا المهور المسرحي كما حددها الغرب الفرنكوفوني، والانجلوسكسوني؟ أسئلة ليست لها نهاية، بل قراءة تستند الى معطيات النص نفسه باعتباره مجموع المفاهيم الاساسية التي يوظفها المبدع ليعبر بها عن مجمل الطروحات المتعلقة بالمسائل التي يرى إدجراجها ضروريا في النص. وبهذا تكون الكتابة استخراج الهامش وبناء النسق الذي يجعلها تتميز عن غيرها. وهذه الكتابة هي بلورة المفاهيم كالتاريخ والانسان والخصوصية والهوية، ودعوة لمعاودة قراءة الواقع والتراث لتجاوزه، مما أدى إلى نحت مفهوم "المسرح السياسي" قصد إعادة النظر في منطق "الواقع العربي" وخلق فكرة الإيجاب دون السلب، والاختلاف دون الانتقالية، يقول نيتشه: "إننا لا نستطيع تفنيد المسيحية مثلما لا نستطيع أن نفند أمراض العين (...) إن مفاهيم الصدق والكذب لا قيمة لها في مجال المنظارية والبصريات ولا يكون علينا إلا أن نقهر موقف الخداع والنفاق الذي يأتي قبول هذين النقيضين(50)، ويضيف قائلا "ما هو الظاهر عندي؟ من المؤكد أنه ليس عكس الوجود فما عسى يمكنني ان أقول عنه مهما كان الفهم صفات ظاهرة، إن الظاهر ليس عندي قناعا لا حياة فيه، الظاهر عندي هو الحياة والفعالية ذاتها إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني بان لا وجود لا للمظاهر، يريد نيتشه ان يقيم اللامعقول في المعقول والخطأ في الحقيقة، واللاوعي في الوعي، والخيالي في الواقعي فكيف نصالح بين الفنان ونيتشه، وفرويد وماركس؟ هل نقذف به في الميتافيزيقية النصية كما ذكرنا سابقا، في بحوثه الخصوصية التي تعتبر الموطن الاصلي لميلاد "المسرح" العربي جعل الواقع يقدم نفسه كاللغة التي تطير في كل الأمكنة، معنى هذا أن الذات لا تتكلم وإنما يتكلم الحلم والخيال، ويتكلم الجنون والهامش كخطابات لها القدرة على تجاوز التجارب السابقة، لأنه ليس من التفسير في شيء القول بأن هذه القدرة المسرحية ملازمة للعقل الانساني، من غير ان تعرف مصدر هذه القدرة الإبداعية، والقول بأن التجربة المسرحية والفلسفة .... نفسها ليست ممكنة إلا بهذا الشرط التخييلي، ويؤدي إلى تحويل المفاهيم الدرامية والفرجوية إلى مقولات إنتاجية تتوافق مع النظم الاجتماعية والأفكار السياسية وأحكام الفرجة بمختلف صورها يقول ميشيل فوكو "في هذا التحليل الذي أود اقتراحه هنا، عبارة عن قواعد تكون تلك الموضوعات، حيث إن مواقعها ليس في العقل أو في الوعي الفردي ولكن في الخطاب ذاته، فإن كل المفاهيم تفرض هيمنتها على كل المحدثين الذين يودون الحديث أو الكلام في هذا واستثمار المتخيل السردي بمختلف تنمراته ومركباته وأيضا مساءلة الواقع العربي بغية ترسيخ عمقه الانطلوجي المستلب والمفتقد كممارسة دالة لها طقوسها وخصائصها النوعية والابستيمية باعتبارها تطرح أسئلة جوهرية، لماذا؟ كيف؟ وبماذا؟ وتتصدى من خلالها لكل نزعة تجريبية أو انسانية من منظور الاختلاف والبحث المستمر عن هامشيته "التاريخ – الواقع – الانسان..." وكذا البحث عن دفء العلاقات الحميمية على مستوى التخيل الخارج عن دائرة الواقع، باعتباره كما قلنا عنوانا مركزيا، ومعلمة جوهرية تربط بين الأنا والانا الأعلى، وتوحد بين الفكر والواقع، وترفض كل تجربة لا تستند على مبادئ العقل والمساءلة والتأويل. يقول عبد الكريم برشيد: "إن البحث عن مسرح عربي شيء أساسي خصوصا في ظرفنا التاريخي الراهن، حيث نجد انفسنا في مفترق الطرق تحيط بنا مجموعة كبيرة من النظريات الفكرية والفنية"(51).

هذا الصورة المقدمة من طرف الباحث تظل ناقصة والشهادة قائمة والسبب غير معروف، إذا يظهر وسط هذا التدرج التاريخي عدم مسايرة الانفتاح، ولم يقبض عليها إلا المثقف الذي يحمل الوعي الممكن، باعتباره الحد الاعلى من التلاؤم الذي لا يمكن أن يراه الفرد البسيط الذي يظل في مواقعه، وإنما عن طريق التعرية المسرحية يرى الإنسان الانفصام الحاصل بين القيادة العليا والقاعدة الشعبية مثل ما في مسرحية "مغامرة رأس مملوك جابر". حيث يصبح سعي الوزير للمصالحة متجاوزا المشكلات الجذرية قصد استمرار الصراع الفوقي، كحركة عمودية مفصولة عن قاعدة الوعي القائم عند عامة الناس، وهذا يجعلهم يغيبون عن القرارات والصراعات لأنهم لا يقدرون الكلام ولا العمل، ومن ثم يصبح سلوكهم مخجلا وسلبيا عن إقامة التألف بين المستقبل والحاضر المأزم. هذا التصور يتجه لمحاصرة أوجه متعددة من الفكر والحرية المعبرة عن تجليات الهيمنة السياسية في فضاء الفكر العربي، حيث يقوم الشعب بكشف الخلفيات النظرية والأبعاد المعرفية ليصل إلى إبراز علاقتها بالفكر السائد في الواقع، غير مفسر دوره في لحم الصراعات الطبقية لمصلحة الطبقة السائدة. فالمسرحي العربي الفلسفي يفضل بين الفكر والواقع، ويقارع الخصم مهما اختلف أساليبه في النظر، وهو بهذا الموقف يرى أنه قادر على فك المغلق لتأسيس المفتاح الابداعي في شكل مقدمات نقدية وسياسية وتاريخية، مدعومة بجهود فكرية ومسرحية وتراثية، إنها قراءة كاشفة لطبيعة المسرح في الواقع، مطالبة بالإصغاء إلى النتائج والمقدمات والخلاصات والنهايات، وبالوقوف على البدائل يهدف ترسيخ اختيارات في الفكر وفي السياسة. يقول عبد الله العروي: "قد انقطع نهائيا وفي جميع الميادين وأن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا مازلنا نقرأ المألفين القدامى وتؤلف فيهم غنا هو سراب وسبب التخلف الفكري عندنا الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي، فيبقى الدهن العربي حتما مفصولا عن واقعه متخلفا عنه بسبب اعتبار الوفاء للأصل حقيقة واقعية مع انه أصبح حسا رومانسيا منذ أزمان متباعدة"(52).

عقيدة المتخيل ومنطق السلطة 

إن هذه العودة إلى المتخيل، مهما كانت نقدية، تظل منطلقا إلى الماضي، وبحثا في مكنوناته عن أسباب الاقصاء والاستبعاد، في الوقت الذي تنتشر فيه أساليب الاقصاء والالغاء على كل ساحتنا المسرحية والفكرية والاجتماعية. لكن الاقصاء يطرح نفسه سؤال مركزي "حول المتخيل وصيغته": هل يجب علينا خلق متخيلنا وكيف ننتج عقلا ليصبح بيانا نحقق به وجودنا؟ فالجواب لا يستمد مشروعيته "المثلى" كبنية متجدرة في الزمن إلا في اللحظة التي تتحرك في الذات الفلسفية في الزمن التاريخي العربي، لأن مفهوم "السلطة" لا يكون تعبيرا عن رؤية جديدة إلا إذا كانت تحمل بالفعل دلالات جديدة، حيث لا ترتبط بالضرورة بواقع المتخيل كما هو حاضر بالفعل، لأن السلطة المعرفية التي يجري تداولها كضرورات حتمية، يتم تبنيها من قبل المجموعة السياسية كأدوات جوهرية للتوجه إلى المجتمع، هذا الحدوث شكل نقلة نزعية في تاريخ هذا الحقل المسرحي العربي. يقول محمد عبد الجابري "هل تمكن العرب من تحقيق نهضتهم؟ هل يعيشون اليوم في الواقع ما عاشوا مائة عام في الحلم؟ هل حققوا من التقدم ما يكفي لجعل مشروع النهضة ذاك يتحول فعلا إلى مشروع "الثورة"؟ [بل إن الواقع الكئيب الذي افتتح به العرب يقدمون بخطوات سريعة أو بطيئة إلى الأمام] أم أنهم بالعكس من ذلك يغالبون بدون أمل الخطى التي تنزلق بهم إلى الوراء(53). فالجابري في مشروعه الابستمي يرى أن الواقع العربي لم يعض نهضته، لذا يحمل المسؤولية للمفكر الذي لم يستطع ان يؤسس لنفسه أي مشروع يبرز فيه وصية التقدم هذا الغياب الوجودي والفكري هو الذي جعله يعيش أزمة الكينونة نظرا لإخفاء تناقضاته مع السلطة، وكذا أن خطابه النهضوي أو الاشتراكي أو الوحدوي(54) لم يستطع أن يبرهن عن استقلاليته لخلق قطيعة مع الماضي. مما جعله يدور في فلك الهزيمة والانتظار المحتمل هذه المعادلة المستحيلة الحل جعلت المتخيل بدوره عاجزا عن إقامة التوازن بين الأطراف الملموسة والمجردة، حيث هيمن النموذج السفلي على الفكر العربي بكل ممكناته الذهنية والتخيلية، كأنها معطيات واقعية تستمد مشروعيتها من الذاكرة بدل العقل، لقد كان الطموح السفلي العربي يهدف أساسا إلى تجاوز تلك المورثات القديمة، وإقرار محددات حضرية ولم يتمكن من تحقيق هذا التجاوز والتحدي لأسباب كثيرة منها: الاستعمار والجهل والتخلف، فكانت النتيجة فتح الباب على مصراعيه ليصبح حاضرنا مثل ماضينا، يضع فكرنا مثل فكره كحلقة استثنائية من تاريخنا والمطلوب هو تحديد فكرنا العربي. يقول يوسف العاني: "وعندي أن الدور الاجتماعي للمسرح لا يمكن أن يترك أثره وبصماته العميقة الصائبة إن لم يكن هذا المسرح سياسيا يشخص الداء ... ويحدد مناطق الأمراض ومسبباتها ويربط بين سلوك الحاكم والمحكوم، بل ويساهم في التغيير الاجتماعي والسياسي نحو الأمس والأنفع والأكثر تقدمية والأسرع لحاقا بركب الحضارة الراكضة إلى الأمام"(55).

ويحاول المسرح الفلسطيني أن يبلور القوانين والإشكالات التي تعرقل حرية "الخطاب" لتجعله ممكن الوجود هنا، ومتعذر الوجود هناك، فأساليب "الإقصاء" جعلت المسرح يعري كل المقولات المحروسة والغارقة في النرجسية وقربنا إلى عجزه عن حالة الغزو والمفاجآت التي تخترقنا من معسكر الهويات والتراثات التي تغربنا حسب مفهوم على حرب. والمسرح السياسي الفلسطيني هو بمثابة عتبة تجسد الحقائق من أجل الاندماج في صناعة الأحداث ويمارس المسرح الفلسطيني سلطته ليراهن على ما يمكن أن يحدث، بهذا المعنى فالمتخيل ليس تسجيل للواقع، وإنما رحلة في الصنع والانفصال، لأن المسرح السائد يمارس سلطة الاقصاء على الخطابات الاخرى التي تخرج عن الحقيقة، ويعتبرها أرضية وحيدة يتكئ عليها الخطاب المهيمن لكي يدخل دائرة "الثبات" و"السلطة" بمفهوم فوكو الذي يقول في هذا الصدد "إذا كان الخطاب لم يعد ذلك الخطاب لذي يلبي أو يمارس السلطة فيما هو رهان الخطاب الصحيح هذا في إرادته لقول الحقيقة، لن لم تكن الرغبة أو السلطة، إن الخطاب الصحيح الذي يتلخص في إرادته لقول الحقيقة، ان لم تكن الرغبة أو السلطة، إن الخطاب الصحيح الذي يتلخص من الرغبة أو السلطة لا يستطيع أن يعترف بإرادة الحقيقة التي تخترقه، فإرادة الحقيقة التي فرضت نفسها منذ مدة طويلة مكونة بطريقة محددة إلى درجة تحجب وتخفي الحقيقة التي نريد أن نحصل عليها وهذا لا يظهر لنا إلا الحقيقة التي يعتقد أنها تمثل الخصوبة والقوة بشكل ماكر"(56).

انطلاقا من هذا المنظور الفوكاوي عمل المسرح الفلسطيني على ملء الشقوقات والبياضات والثقوب بالاحتمالات والإجراءات التي تشتغل بوصفها أنظمة تخيلية، تقف أمام العلم والمعرفة الإنسانية لأن المعرفة حقل ابستمولوجي للسلطة، تأخذ منها المؤسسات الاجتماعية والأكاديمية منابعها، وأن ما يميز هذا البعد المؤساستي والتخيلي والاجتماعي هو هذا العلم الذي ليس "الحقيقة التي يظهرها ولكن الأنساق الذي يحققه(57). والمسرحي الفلسطيني في نقذه على جبهة المسرح لا يلغي الخطابات الاحتكارية التي تمارسها السلطات والطوائف، وينتقد كل الآليات الخاصة بعملية الانتقال والتحول لهذه التشكيلة الاجتماعية التي نشأت وتطورت في المجتمع العربي، لذا يرى أن الاشكالية الاحتكارية والاستلابية والاستغلالية لا تزال قائمة داخل الفكر البورجوازي العربي، لأن هذه مرحلة القلق والبحث عن أسباب السقوط والانتظار. إن التطور المسرحي للواقع العربي أثبت فشل كل محاولات القوى المهيمنة في جعل مشروعها الفني ملائما لمقتضيات التنمية المدرجة على جدول أعمالها، وبالمقابل عمل اليسار المناهض لكل الفرجات المتميزة بالعواطف وبالسياسة التبريرية غير قابلة للتحقق على رسم الحياة في خطوطها المنعرجة والمتشابكة، لأن الفكر أكبر من أن يختزل إلى مسألة سياسية، إنه الحياة نفسها بمشاكلها، وبأزماتها، وبالتالي يصعب اختزال المسرح على نحو بارد وخطى مسترسل. إنه مسرح متحرك تبعا لأزماته الداخلية على أساس أن نعيد القراءة والتأويل. فهذه الأزمات الاجتماعية لا تأتي بالضرورة من الخارج، وإنما تصدر أيضا عن قدرة المفكر نفسه على إبداع تجاوزه الذاتي وإعادة أشكلته لقضاياه المصيرية والذاتية. من الصعب هنا حصر المسألة الفلسطينية في بعدها السياسي، لأنها عبارة عن محطات متنوعة لا تجد صداها العميق إلا في أعمالها الكلية. يقول روبرت بروستيان Robert Brostrein "إذا كانت السياسة هي فن الممكن فإن الفن هو سياسة المستحيل، وما أسرع ما يضحي الفنان الحر بالعالم دون أن يتخلى عن سلامة رؤياه"(58).

فالمتخيل العربي الفلسطيني لم يستطع إبراز نفسه واقعيا نتيجة الاختلاف التاريخي بين العرب والغرب، الشيء الذي جعل منه حقلا خاضعا لقواه وبالتالي ألغى إمكانية اللحاق به عن طريق الاندماج. هذا الخلل في المعادلة الإبداعية بصفتها التعبير الأساسي عن المأزق الكينوني الذي جعله يعيش كل التيارات العربية، فصورة المسرح السياسي الفلسطيني الذي يحمله المتخيل على اختلاف تأويلاته، مازال يتلمس بداية طريقه إلى الوعي رغم كل الممارسات السالفة التي تبلورت في ظروف تاريخية محددة، لأن غياب التصور الكلياني لهذه العقدة وللتنظيم السياسي والمسرحي، أمست مشروع حوار ينطلق من مغايرة الأصول لمعرفة نوعية المعرفة التي أثقلت جهاز الهزائم، وصعود التيارات القومية والماركسية والوجودية والليبرالية.

فالمسرحي الفلسطيني بحث في الأسس المرجعية للمسرح السياسي في المرحلة لم يخف فيها المواجهة بين أصحاب الامتيازات المثالية، وبين الذين يريدون تأسيس الواقع العربي الممكن وجاعلا من المسرح نقطة انطلاق نحو هذا الواقع المفصول عن حركة التاريخ والواقع، وكاشفا عن التناقض الذي لا ينفع في حلقاته المصطنعة إذن كيف يستطيع "المتخيل" أن يعيد لهذا الواقع طقسه وجلاله، لأن المراد من هذا كله هو استجلاء هذا البث حول المتخيل وسلطته واكتشاف بنيته الوظيفية، باعتباره يشكل منظومة من المعاني والدلالات المكونة للثقافة وحيث يمارس المسرحي وعيه الجماعي ويسمح لذاكرته ولشخصياته أن تعبر عن نفسها، فتلك الوسيلة ليست كما نرى فارغة ، بل منحت لهذا الفن الفلسطيني المسرحي استخدامات خاصة تميزه عن غيره من الفنون الأدبية الأخرى، وهذا الفن يعمل على خلق بنياته الجمالية والتلقائية والاستعمارية والايحائية والدرامية واللغوية، سواء على المستوى اللفظي أو اللفظي الموازي para verbal لتنسجم مع طبيعة هذا الفن المسيس، وليتحول هذا الجسد "المسيس" من منطقيته وحواريته المألوفة، إلى جسد يأخذ طابعا ثقافيا وفرجويا، يصبح فيه القول بمثابة فعل مسرحي جديد. ويتحقق هذا بالخصوص عندما يقوم القارئ المتفرج بتفكيك العرض قصد مشاركته في الحدث المتنامي على مستوى التأويل الواقعي والخيالي. ويرى محمد المشايخ: "إن المسرحي يريد مسرحا سياسيا يقوم ولو جزئيا بعملية تفريغ يومية وفي الوقت نفسه يعلم ويحفز متفرجه عن التغيير ويريد مسرحا جماهيريا يتجه إلى الطبقات الكادحة من الشعب، ويدرس بعمق أوضاعها ومشاكلها وظروفها المعيشية، يريد مسرحا جماعيا يشترك به أفراد تتوفر لهم صفات من التجانس والوضوح في الرؤيا والحماس والمخلص والقدرة الدؤوبة على البحث والتنقيب، تقوم بتجربة من نوع جديد فتكسر طوق العمل التقليدي وتنطلق جماعة لا أفرادا في بناء مسرح يحقق رسالته الأصلية بعد ان تعي صراعها الاجتماعي وقدرها السياسي(59).

فإيجاد مسرح سياسي عربي فلسطيني في ظل الهزيمة، جعلت منه امتدادا يتراوح ما بين حضور السلطة وإعدام المغايرة، دون النظر إلى الموقع الذي يمثله "المتخيل" في هذا التقسيم ودون فهم إيقاعته كنتيجة ضرورية للموقع الابداعي والسياسي في الشعريات العالمية، ولا تكمن هذه المحاولة التأسيسية في درجة التطور التركيبي بالنسبة للذات المبدعة، وإنما في التعديلات الجوهرية التي تلغي الفرد وتدمجه في المجتمع، فهو الذي يحدد زاويته ومرجعيته النظرية هذا الاعتراف الضمني بواقع الكلية المتخلفة هو البحث عن السبيل الممكن لجعل العلاقة بين الذات الفردية والجماعية وعيا جماعيا بمفهوم كولدمان، يجعل الممثل الاجابات سجالا عنيفا بين من "قرر ومن يتلقى القرار"، حاميا بالايجابات التي احتفظت لنفسها القدرة على الملائمة ما بين واقع يتطور وفكر ليعبر عن العالم الذي نعيشه، وما بين لغة جديدة ومفاهيم تتناسب مع التغيرات التي أرستها المشاريع الحديثة منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى اليوم(60).

يجدر بنا أن نؤكد أن اللفظ المسرحي لفظ عام، يعني سلسلة من الممارسات التي يجب التمييز بينها بمنتهى الدقة، حيث يندرج من فك المفهوم إلى التأويل، ومن التتبع للفرجة إلى هذا التحليل، ومن ممارسة هذا الفعل الدرامي. إن افتراض كون كل تمسرح هو تأويل دال، بحكم كونه تأويل معناه في الواقع ممارسة اجتماعية، إذا ما استعرنا عبارة روبير إسكاربت. فالواقع احتكاك ومواجهة لذات سيكودرامية ونشاط وظيفي وجهاز إديولوجي، إنه النص الذي يحتل موقعا متميزا في واقعنا العربي موقع يكون فيه البعد التمسرحي إنتاجا مقوما وسلوكا معماريا.

إن ميلاد "المسرح السياسي" و"الثقافة المتخيلة" اتسم بنوع من الاستعادة للمسألة الجوهرية التي هيمنت على الحقل الفني ما قبل السبعينات، حيث يتضمن المسرح تلك الثقافة المتصالحة مع الواقع والإيمان بالغرب الممارس للإقصاء والقطع إلا أن ونوس في ممارسته الإبداعية عمل على مساءلة "الواقع والإنسان والتاريخ، بواسطة عقل يعيد معه مسألة التوفيق والعودة إلى المنابع، من هذا المنظور استحوذت مفاهيم "النهضة، الأصالة، التحديث". ولم يستطع أي اتجاه امتصاص غضب الجماهير، لذا اختزل الثقافة المسرحية في الفرجة والتسلية، بشكل كاركاتوري، حيث "تتعايش الكوكا كولا مع مسلم ملتحم ومع حجاب أنثوي دون أية مشكلة، هذا الخليط يستجيب لمتطلبات رأسمالية كمبرادورية من نوعية منخفضة، إنها كمبرادورية بازارا أي كمبرادورية تجارية"(61).

فعبر هذا الجدار التحديثي الذي جعل الفكر التقليدي نسيج داخل مأزق من حيث الانتماء إلى التطور، جعل من المسرح يستمد بلاغته المرئية عن طريق التعيين، بلغة تعتمد الاسترجاع والمسلكيات السردية القديمة وسكونية المعنى، لتؤسس كينونة المؤثثة للواقع المنشود، كما تأتي كأقيسة فنية خفية تحكمها أخيلة غير سقيمة، لتؤسس أيضا بؤرا من التناقضات التي يخوضها الإنسان في ذاته وخارج ذاته بمفهوم سارتر. هكذا أمسى هذا العمل الجماعي هو البيان "المانفيستو" الأول للمسرح السياسي العربي يقول عبد العزيز حمودة "إن المسرح السياسي لا يهتم بالفرد ولا يحاول تصوير شخصيته، لأنه أساس لا يحاول التعرض لمشكلة فردية، بل مشكلة جماعية، من هنا لا نرى البطل التقليدي أو غير التقليدي ولا نرى شخصيات ثابتة إلا نادرا، والمهم هو تقديم الجماعة التي تسمها المشكلة، وحينما تحل المشكلة فإن الحل ليس نتيجة حتمية فنية أو نتيجة منطق التسلسل الفني، بل يأتي هذا الحل على أنه الحل الذي حدث، فعلا أو الذي يجب أن يحدث في الواقع"(62).

لقد غدت هذه المعرفة المسرحية إجابة عن السؤال التالي: ما الذي يجعل من رسالة لفظية خيالية أثرا مسرحيا سياسيا؟ فمادام المسرح يهتم باللفظ والملفوظ فإن التخريبات التي رأيناها في المدخل أمست هي التحقيق المباشر والملموس للتاريخ، إذ لا نعني بنمط الإبداع المسرحي ما يشار إليه عامة بالخيال بل الذي ما يزال حيا يواجه الأسئلة والأزمات، يغير المفاهيم والإنسان القناعات والأوهام. وكل ذلك يجري على نحو لم يعهده المسرح، لأن ما حدث يطال الثوابت المستقرة في الذاكرة المسرحية منذ مارون النقاش. فخلو المسرح العربي من الأسئلة القلقة، أدت بالمسرح إلى أن يقع ضحية الماضي، فراح يسقط هموم الحاضر على الماضي، وما يترتب عن ذلك التوظيف هو تحويل تاريخ المسرح العربي إلى موعظة وإرشاد، وبالتالي نكون أمام مسرح بسيط بدل أن نكون أمام أسئلة قلقة. لذا قام أصحاب الحداثة وما بعد الحداثة بتفكيك المسرح كمؤسسة للحقيقة وللتعرية، أو كقراءة للكينونة، أو ككلام على حضور "البعد السياسي" ومركزية الأنا، والتاريخ والواقع، الأمر الذي جعل هذا التأويل أقل وضوحا لكن أكثر خلخلة للمفاهيم.

فعلاقة المسرحي بالمسرح علاقة تساؤل بالتفكيك، يخالف فيه الجماعات والدراميين، الشيء الذي يجعله يعتمد الاقتصاد والكثافة والتنوع والاحتواء لأن قراءة دلالة البعد السياسي في الذاكرة المسرحية العربية قراءة لا تقف عند من يصنع "الاندهاش" ومن يبني دلالة الصعود ومن يفكر في رموزه ودلالته، لأن المسرح العربي لم يستثمر العدة المعرفية التي أتت بها المعارف العالمية، نظرا لخلو الأعمال التاريخية العربية من الأسئلة القلقة للمسرح، وهذا أدى بالمسرحي إلى الاهتمام بالفراغات والتصورات العفوية التي تعتمد التمجيد والزهو بالأمجاد الماضية. هذا الحكم رغم ما يحمله من جاذبية إذا استعرنا عبارة هابرماس فإن ونوس يمارس تعرية مضاعفة ليكشف عن نقد الإنسان والمجتمع، وليفتح حوارا مع الحقائق التي من شأنها أن تبين مفاهيمنا، وأن تبدل طرائقنا في الكتابة والإخراج، لن منظور النص المسرحي ليس هو "الحقيقة"، بل يتعالى عن شروطه في ذاكرة المتفرج، يقربه إلى نفسه ليقول معه الحقيقة، وهذا ما نجده في "مغامرة رأس مملوك جابر"، وما يبحث عنه ونوس هو الوصول إلى تلك الحقيقة الغائية المتمثلة في اتخاذ "القرارات" لمعرفة الصراعات الموجودة في البنية الفوقية التي تلغي القاعدة الجماهيرية من المشاركة في كل فعل أو ممارسة، لأن نص "المؤسسة" الحامل للحقيقة يمتلك القدرة على الصمود، ويتعالى عن كل محاولة اندماجية مع القاعدة، فليس النص المسرحي السياسي هو الذي يقول الحقيقة، وإنما الإنسان الذي يثبت جسارته. من هنا فالنقد مساءلة المحكوم بمنطق الانتماء والأصالة عن الهويات التي ينبني عليها "المسرح العربي"، ونعني بها تلك المنطلقات البسيطة التي تمجد الذات والوجود والعاطفة، وسواها من المفاهيم التي ينبغي حسب ونوس فضحها، لفتح ما نسيناه عبر "التاريخ المسيج" والإنسان المقموع، والخيال الملغى، والعقل المقصي. فمسرحة الواقع يكشف أن الجزء هو الذي يلغي الكل، وأن الخاص يستبعد العام، لأن الملفوظ يبقى مطابقا مع حقيقة ذهنية، قائما بمعزل عن الصراع الجديد، وهذا النص المسرحي ينبغي أن يضاعف من عريه، وأن لا يقف عند بعده الدوغمائي بمفهوم صادق "جلال العظم"، لأن المتخيل لا تكمن أهميته في كونه يسرد الأحداث ويروي الحقيقة، بل تكمن في حقيقته هو نفسه، أي في رؤيته للإبداع والإنسان في آلية توظيفاته أو في نهجه للأشياء فوق الأشياء. لا معنى للتعامل مع المتخيل من منظور تبسيطي، فهو الذي يفتح لنا أبواب التجاوز والاختلافات التواترية لكي يعيش المبدع كيمياءه الخاص، يتحول مع الواقع إلى نص كبير يصعب اختزاله في مدرسة أو مذهب ولأن للنص "حقيقته"، معناه أن النص لا ينص على الحقيقة، لأن الخطاب الذي يكون مجرد نص على الحقيقة ينتهي بانتهاء الوقائع التي هي إجراءات الحقيقة. أما النص الذي يفترض نفسه، فهو الذي يحثنا دوما على الرجوع إليه لفهم الواقع والحقيقة، كلمة النص بقول الحقيقة يفتح علاقة مع الحقيقة(63).

بداءا من هذه اللحظة سيصبح الخطاب المسرحي السياسي مكانا للتأويل وليس للإقصاء، لأنه بهذا المنحى يرمز إلى استبعاد "المستورد" بأشكاله المتعددة، ليتكئ على التأسيس والتحديث والمغايرة التي أرساها المتخيل في علاقته بالأنا المبدعة، والمبنية على محاكمة "الذات المتسالمة" وتأخرها عن السبق، والخلق. هذه المسألة تصبح أكثر حدة مع تزايد الانحرافات السياسية والإيديولوجية، خاصة بعد التحول في بنية السلطة "الثقافية وفي تبدل إطاراتها وشكل علاقاتها، مما سيفتح توازنا لاحتضان هذه الحركة لجعلها عنوانا للممارسة المسرحية العربية، إلا أن الاختلافات ما بين الثابت والمتحول سيجعل للمسرح السياسي يعيد صياغة مشروعه الفرجوي وسيبرز الفرق في فهم "الأزمة السياسية" التي نمت داخل الخطاب المسرحي العربي، فلم يكن من الصعب على المسرحي العربي الاندفاع نحو المقاومة والمجابهة، بوصفه سياسيا ومثقفا ومدافعا عن "الإنسان"، لأن ذلك لا يتطلب الحفر، بل يتطلب استثمار هذا التراث الذي يتأسس عليه المسرح العربي بكل اختلافاته وتنوعاته المنهجية.

ولم تعد الخصوصية المسرحية موقفا نضاليا، بل أمست رمزا لمجموعة من التخريجات السياسية والفنية والاجتماعية، ترتبط بشكل جوهري باتخاذ الموقف من "الواقع" الذي جسده الغرب بشكل محكم، مما ولد عن ذلك مواقف وتيارات تدعو إلى تبعثر المشاريع المستندة إلى ثقافة السلف وتنظيماته السياسية، قصد العودة إلى مساءلة الواقع والتاريخ بلغة مفهومة تستبدل الديمقراطية بالثورة والإقصاء بالمواجهة، ولتظهر بوادر الاحتمال الجديد الخاص بالإنسان والوطن والتاريخ، لأن الأشكال التي اتخذها الفلسطيني ليست سوى صنيعة جديدة تبلورت تدريجيا في السبعينات، آخذة في التعمق والبحث الدؤوب، فأمست العلاقة بين الأصالة والمعاصرة تعيش المأزق النظري، لأن المبدع المسرحي العربي لم يعرف البدايات، مما زاد عمقا في الجرح مع ازدياد التراجع في حركة التلقي، لأن الحديث عن هذا الغياب هو إعادة فعلية في شكل الخطاب المهيمن وفي الممارسة السياسية للحركة المسرحية من جهة أخرى. فالخروج من الغياب إلى الممارسة والحوار الفكري والسياسي يتطلب المواجهة على جهة الفكر.

يقول سمير أمين "إن سوء تقدير أهمية هذا العنصر الأخير "الفكر" والاندفاع نحو اتخاذ مواقف انتهازية أمام التحديات الفكرية، إنما كان أحد الأسباب الرئيسية لإجهاض محاولات التحرير السابقة(64).

فغياب الممارسة الفكرية المسرحية الفعالة في وطننا العربي، جعلت المبدع العربي يحالف كل الاستراتيجيات النصية، والتمسرحية المقدمة، عارضا بذلك براعته الفكرية التي تؤسس عن قوة تركيبية وتتوحد بين الحجب والالتباس، والاختلاف والتجانس. من هنا أصبح الانتماء إلى المسرح هو انتماء إلى الأصل الذي هو الجذر الديني واللاعقلي، انتماء يتعايش فيه المفهوم والذات واللغة والعقل والزمن والمكان، ويأخذ كل جذر بعده الاصطلاحي والتوظيفي، لأن المفهوم مثلا هو الذي يجعل الكلام ممكنا في خطاب "المسرح الفلسطيني في تخريجاته يمارس تفكيره تحت تأثيره "مفهوم"، إنه حقا هو الذي يعشق العاشق، أي "المسرح" إذ عن طريقه "العشق" نفهم من يتكلم داخل هذا الفضاء؟ هذا ينبئنا بمضمون التوجه الذي يحكم الفعل الإبداعي، ليقول لنا إن المفهوم في مأزق، بالطبع فالذي ولد هذا المأزق المفهومي للفعل "المسرحي السياسي" العربي هو الذي جعلنا ندرك إمكانية الكلام الآن، لأن الاختلاف وانهيار "الموضوع والوحدة" جعلا الأسئلة تطرح لتؤكد أن "المأزق السياسي" هو مأزق ثقافي، أي مأزق نظام اجتماعي وسياسي وثقافي، وإنساني، إذن مأزق الأصول هو غياب المثاقفة الفعلية بين الفكر والواقع وبين الجمهور والمسرح ليست المشكلة كما قلنا غياب المسرح أو حضوره، بل مشكلة الإنسان والتلقي لهذه المفاهيم ألم يقل بريخت ذات يوم فلنسقط الشعب إذا لم يكن بالإمكان إسقاط القيادة والحزب"(65).

 لاشك أن العلاقة بين نقد الواقع السياسي وأدوات المفهوم "المسرحي" هي نقد تلك العلاقة الموجودة بين البعد النضالي والمصداقية الفكرية التي لا تبني ممارستها على التحاور والتجادل، بل أضحت دفاعا عن الماهية النصية لكونها تصدر عن حضارة مركزية، بمعنى أن "المثقف" العربي ذو بنية تكوينية مسبوقة بالأصل الماورائي، غير ناظر لسيرورة التطور. يقول حسن حنفي: "إن الوعي الأوروبي هو وعي يتشكل في التاريخ، في حين أن الوعي الإسلامي هو وعي يتمحور حول أنا مركزية". والانتماء إلى المفهوم هو انتماء للتاريخ وللزمن وتمثل لماهيته، والمسرحي العربي لا ينخرط في المسلسل الإبداعي المسرحي إلا عن طريق "الغرب" الذي يمده بالتحيز والإقصاء، لهذا فالمتخيل ليس تجاوزا لهذا العالم الذي نعيشه، بل بحثا في الاستمرارية في هذه السلالات الثقافية العالمية بالمفهوم الانطولوجي الثقافي.

فوضع المتخيل موضع النقد والدرس لا يعني أننا أصبحنا في موقع القوة فالمتخيل ليس قوة ملموسة تجريبية، بل مظهر من مظاهر التفوق والتجاوز لهذا الجسد القادر على التجدد، والأقوى من ذلك أنه لا يصف الواقع، بل يخلق المفاهيم ليتصل بالكينونة البشرية في جميع الأمكنة والقارات، مبدعا كوجيطا المثالي "أنا أتخيل إذن أنا موجود" هو إعلان عن الاستقلال في مواجهة الزمن والعالم.

فالدراميون العرب يعتبرون المسرح مؤشرا لتبادل المواقع، وحكما يعيد قراءة كل الأصول والمفاهيم بواسطة عقل تحرري، والفلسطيني يقرأ المفاهيم قراءة فاعلة متجددة في ضوء علاقتها بالتاريخ، مستخلصا كل القواعد المركبة وكل الأبعاد التي يصعب حصرها في بعد واحد(66).

لعلها محاولة البحث والمواجهة ضد الجدل المثالي، حيث إن كل المحاولات السلبية شكلت آلية جديدة يمارس بها خطابه المسرحي ليعري الوعي الزائف الذي يحمله الإنسان التقدمي وليخترق به كل هوية زائفة. يقول علي حرب: "فشهوتنا إلى السلطة ومحافظتنا عليها بأي ثمن وولاءاتنا العصبية، جعلتنا نقتتل ماضيا وتجعلنا نقتتل حاضرا أيما اقتتال ولو اقتضى الأمر الاستنجاد بالغير على الأنا(67).

والواقع أن ثنائية المتخيل والسلطة والسياسة والثقافة هي ثنائيات خادعة تحجب عنا "الحقيقة" التي تمارس باسم القانون والأسرة، والمجتمع والدين والدولة وبواسطة هذا المتخيل نحرر "القهر" البيولوجي والثقافي والفكري، ونبدأ بممارسة الفكر على مستوى الكوني والتاريخي. لأن المصير العربي مصير إنساني لا يعترف بالحواجز ولا بالقيود، وينتمي إلى الهامش والمركز، لا يفرق بينهما، رغم خلق ما يسميه علي حرب: "بالقساوة منقوصة القوة ومغلولة الذات"(68).

لاشك أن فعل المسرح يفيد ونوس في عملية التأسيس والتأصيل في شكله المتنوع والمتعدد، وقولنا إن هذا التأسيس يثير تساؤلا فذلك لا يعود إلى كون الموضوع المطروح هنا يقر بأولية التعدد، في الوقت الذي عدونا فيه المسرح على ربط التأسيس بالمرجع، وإنما يرجع إلى كون المسرح السياسي العربي الذي نطرحه كصيغة منهجية يستند إلى الهدم والتفكيك. إذن كيف يمكن الحديث عن السياسي عند؟ بأي معنى يمكن الحديث عن الثقافي في مسرحه؟ هل نعيد "جنيالوجيا" المسرح العربي إلى أساس الطبيعة المسرحية؟ نعتقد أن مسألة المسرح السياسي واردة بشكل جلي في خطاباته، وأن ما يميزه عن غيره هو منحاه نحو ضرورة الإعادة والتأويل لهذا الموروث الثقافي العربي. هذه المعاودة عملية جوهرية تأخذ، من حيث هي بنائية ايحائية، جعل منها تتمتع بالهوية التي تفترض إنها تنتمي إلى أنسجة أدرامية، لا تتحدد بتاتا في معنى بسيط، بل تصبح خاصية مفتوحة للتمثيل ذاته، لذا يتأسس الفعل الدرامي داخل المجتمع العربي من أجل تمديد ضفافه النصية واللغوية والرمزية إلى صيغ تمسرحية كبيرة، هذه العملية الإبداعية تتم بواسطة منهج موضوعاتي يضمن حوارية مفتوحة على جميع الأنوية التمثيلية كما تضمن التقاء كل الرؤى لتعبر عن تلك المعارف التي لا تخضع للقانون العام، فالوعي الونوسي وعي يتحكم في تطور ونمو المعارف، ويضع تاريخ الأفكار في شكل قوانين وضعية وتجديدات يحاول الكشف عنها، ومن ثم ينتقد تاريخ العربي لأنه نوع من الاستمرارية الكبرى التي تتشابك فيه السلطة بالفكر والواقع بالايديولوجية، فونوس يرفض إذن هذه القراءات البسيطة كمبدأ موجه للممارسة المسرحية حيث ينتفي في نظره مع المبدع السائد وسط الجماهير، لا يسمح بالتجديد والاختلاف، ولا يقيم اختلافا بين الفكر الواقع بل يضعنا أمام غياب ديموقراطي للفكر والتعبير هذا الشكل الجديد من التفكير المسرحي الذي ينفصل عن الفكر الكلاسيكي يشكل تجربة جديدة واختزالا للفوارق وأداة نسقية تعترف بالاختلاف وبالتأويل، قراءة تؤسس تاريخا لهذه الذات العلابية بواسطة كتابة انسيابية لا نهائية. إذن هل يمكن لهذا المعنى أن نتجاوز الانغلاق لكي نمارس المسرح؟ وهل استطاع الفلسطيني أن يتوحد مع فكر الاختلاف في المسرحية المعروضة؟ وإلى أي حد يمكن اعتبارها فلسفة جديدة في الكتابة المسرحية؟

إنجاز الدكتور الغزيوي أبو علي

دة: بن المداني ليلة (فاس)

مختبر اللغة والفكر
------------------------------ 
الهوامش:

(1)- روبرت بروشتاين: "المسرح الحديث بين الثورة والتمرد"، ترجمة عبد الحميد البشلاوي، آفاق، السنة الثانية، العدد 5، كانون الثاني، 1977، ص 110.

(2)- العروي عبد الله: العرب والفكر التاريخي، دار الحقيقة بيروت، المرجع، ص 24.

(3)- المرجع نفسه، ص 24.

(4)- عزيز عبد الصاحب، المسرح الذي أفكر فيه ... أدعو إليه، الأقلام العراقية، دار الحرية، ع 6، ص 14، آذار 1979، ص 45.

(5)- سعد الله ونوس: بيانات لمسرح عربي جديد، دار الفكر الجديد، بيروت لبنان، ط: 1، 1988، ص 108.

(6)- المرجع نفسه، ص 108 – 109.

(7)- سعد الله ونوس: "بيانات لمسرح عربي جديد"، 1988، ص 89 - 90.

(8)- الدكتور محمد زكي العشماوي، "المسرح أصوله واتجاهاته المعاصرة مع دراسات تحليلية مقارنة"، دار النهضة العربية، بيروت – لبنان، ص 6 – 7.

- (9)  « La philosophie » N° 150 – Le monde actuel – p 28 Cathrine Baliment.

(10)- هرمان دونكر: "مدخل إلى الماركسية"، دار الفارابي بيروت – 1979 – ط 1، ص 11.

(11)- سعد الله ونوس: "بيان المسرح العربي الجديد"، دار الفكر الجديد بيروت لبنان، ط 1، 1996، ص 25 – 26.

(12)- تساؤلات الفكر المعاصر، مجموعة من المفكرين، ترجمة: د محمد بسيلا، دار الأمان للنشر والتوزيع، 1987 الرباط، ص 10.

-(13) Erhard Friedberg « l’acteur et le système les contraintes de l’action collective », paris ed du seuil réed – 1981, p 16.

وانظر بيار أنصار، العلوم الاجتماعية المعاصرة، ترجمة نخلة فريفر، المركو الثقافي العربي، ط 1، 1992، ص 196.

(14)- سعد الله ونوس: الحداثة قضايا وشهادات، كتاب دوري رقم (2) المقدمة مؤسسة عيبال للدراسات والنشر 1990، ومهدي عامل: نمط الإنتاج الكولونيالي، دار الفارابي، ط 2، بيروت 1978، ص 94 – 95.

(15)- جان بول سارتر: ما الأدب؟ ما الكتابة؟ ولمن نكتب؟، ترجمة محمد غنيمي هلال، دار العودة بيروت 1984، ص 86.

(16)- جان بول سارتر، م س ن، ص 180.

(17)- ميشيل فوكو: جنيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي وعبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال البيضاء، ط 1 1988، ص 5 – 6.

(18)-هنري أرفون: الجمالية الماركسية، ترجمة جهاد نعمان، منشورات عويدات، بيروت باريس، ط 2، 1982، ص 137.

-(19) Vérité et méthode « ED seuil – 1960 p 20. : H. G Gadamer.

(20)- محمد وقيدي: ما هي الابيستيمولوجيا، دار الحداثة بيروت، ط الأولى، 1983، ص 39.

(21)- د. عبد الرحمان بن زيدان: خطاب التجريب في المسرح العربي، مطبعة سيندي، 1998، ص 250.

(22)- محمد كوكة: التبليغ المسرحي بين النقد الأدبي والإبداع الفني، مقال ترجمة يوسف سلامة، مجلة الحياة الثقافية التونسية، ع: 36 – 37، 1985 وزارة الثقافة – القصبة تونس، ص 56.

(23)- قيس النوري: الاغتراب، عالم الفكر، المجلد 10، العدد الأول، 1979، ص 13.

(24)- أحمد العشري: مسرح برتولد برخيت بين النظرية الغربية والتطبيق العربي، عالم الفكر، المجلد الحادي والعشرون، العدد 3 يناير – فبراير – مارس 1992، الكويت، ص 17.

(25)- عبد الرزاق الداوي: فلسفة موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر هيدجر، ليفي شتراوس ميشيل فوكو، دار الطليعة بيروت، ط 1، 1992، ص 57.

(26)- سعد اردش: المخرج في المسرح العربي المعاصر، لأقلام، ع 6، السنة 15 – أذار 1980، بغداد وزارة الثقافة والإعلام عدد خاص بالمسرح العربي المعاصر، ص 33.

(27)- عبد الرحمان حمادي: جوانب من قضايا وإشكاليات المسرح العربي، مجلة الوحدة، عدد مزدوج، السنة 8، ع 94 – 95 1992، المجلس القومي للثقافة العربية، ص 33.

(28)- عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال، ط 7، 1987، ص 56.

(29)- عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال، ط 7، 1987، ص 26.

(30)- د. عبد الرحمان بن زيدان: أسئلة المسرح العربي، سلسلة الدراسات النقدية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ص 128.

(31)- د. محمد عابد الجابري: نحن والتراث، دار الطبيعة بيروت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 1، 1980، ص 376 (بتصريف).

(32)- عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج، دار العودة، بيروت، 1980، ص 28.

(33)- المرجع نفسه، ص 24.

(34)- سعد الله ونوس: "بيانات لمسرح عربي جديد"، دار الفكر الجديد بيروت، السنة 1988، ص 26.

(35)- د. عبد العزيز حمودة: المسرح السياسي، دار البشير، عمان، ص 65.

(36)- بولانتراس: السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية، ترجمة عادل غانم، دار بن خلدون، بيروت، 1988، ص 36.

(37)- بولانتراس، المرجع نفسه، ص 49.

(38)- المرجع نفسه، ص 56.

(39)- سعد الله ونوس: مأساة بائع الدبس الفقير، ومسرحيات أولى، ص 65.

(40)- هيدجر: الوجود والزمان، ترجمة إبراهيم زكريا تراث الإنسانية، ج 3، ص 541.

(41)- سعد الله ونوس: مأساة بائع الدبس الفقير، ومسرحيات أوس، ص 98.

(42)- هيدجر: تراث الإنسانية، الوجود والزمن، ج 3، ترجمة إبراهيم زكريا، ص 543.

(43)- المرجع نفسه، ص 543.

(44)- عبد السلام بنعبد العالي: أسس الفكر الفلسفي المعاصر مجاوزة الميتافيزيقيا، دار توبقال للنشر سلسلة المعرفة، ط 1، 1991، الدار البيضاء، ص 133.

(45)- المرجع نفسه، ص 26.

(46)- مخائيل باختين: شعرية دوستوفيسكي، الترجمة د. جميل نصيب التركريتي، دار توبقال، ص 36.

(47)- عبد السلام بنعبد العالي: هيدجر ضد هيجل أو التراث ضد الاختلاف، دار توبقال للطباعة والنشر، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1975 البيضاء، ص 77.

(48)- عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطبيعة، بيروت، 1982، ص 62.

(49)- د. أحمد أبو زيد: الواقع والأسطور في النص الشعبي، مجلة عالم الفكر، المجلد السابع عشر، العدد 1 أبريل – مايو – يونيو 1986، ص 3 – 4.

(50)- عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال للنشر، ط 1987، 1، ص 61.

(51)- برشيد عبد الكريم: حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، سلسلة الدراسات النقدية (3)، دار الثقافة البيضاء، ط 1، 1985/1405ﻫ، ص 22.

(52)- العروي عبد الله، العرب والفكر التاريخي، دار الحقيقة، بيروت، 1973، ص 23.

(53)-  محمد عبد الجابري: الخطاب القومي العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1982، ص 90.

(54)- المرجع نفسه، ص 180.

(55)- يوسف العاني: التجربة المسرحية والمجتمع العراقي معايشة وانعكاسات، دار الفارابي، بيروت (بدون تاريخ)، ص 26.

(56)- ميشل فوكو: نظام الخطاب، دار النشر، غاليمار باريس بالفرنسية، ص 22.

-(57) « Mechel Foucault » ed Gallimard 1971 paris p 175 : INGILLE Grammer.

(58)- روبرت بروستيان: المسرح الثوري، ترجمة عبد الحليم البشلاوي، دون نشر، ودون طبعة، ودون سنة، ص 370.

(59)- محمد المشايخ: المسرح الحديث عند سعد الله ونوس، الأقلام، ع 6، السنة الخامسة عشرة، أذار 1980، عدد خاص بالمسرح العربي المعاصر، وزارة الثقافة والإعلام، دار الجاحظ للنشر بغداد، ص 93.

(60)- د. فهمية شرف الدين: الثقافة والإيديولوجيا في العالم العربي 1960/1990، دار الآداب بيروت، ط 1993، ص، ص 66.

(61)- د. فهمية شرف الدين: المرجع السابق، ص 16.

(62)- عبد العزيز حمودة: المسرح السياسي، دار النشر، عمان، ص هـ - و.

(63)- علي حرب: نقد النص النص والحقيقة، لمركز الثقافي العربي، ط 2، 1995، ص 14.

(64)- سمير أمين: أزمة المجتمع العربي: الازدواجية في الثقافة العربية، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1985، ص 36.

وانظر كذلك الثقافة والإيديولوجيا للدكتورة فهيمنة شرف الدين، ص 93.

(65)- علي حرب: النص والحقيقة، نقد النص، المركز الثقافي العربي، ص 182.

(66)- حسن حنفي: من العقيدة والثورة، المقدمات النظرية، المركز الثقافي العربي ودار التنوير، 1988 (المقدمة).

(67)- علي حرب: نقد النص، المركز الثقافي العربي، ص 53.

(68)- علي حرب: نقد النص، المركز الثقافي العربي، ص 54.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف