الأخبار
الحكومة الفلسطينية تُعلن موعد بدء العمل بالتوقيت الشتويشراكة بين فودافون آيديا ومافينير لتوسيع الشبكة كمنصّة"بيز سنتر" تفتتح منشأةً للعمل المشترك في أورلاندوكاتب عالمي: الإمارات تعتلي مكانة مرموقة في النظام العالمي الجديد"هايبرديست" تستعرض قدراتها التكنولوجية الرقمية في معرض جيتكس 2019"الاصلاح الديمقراطي" يُهنئ الشعب التونسي فوز رئيسه المُنتخبترامب يعفو عن عالم ميت منذ 1965الحملة الشعبية لدعم مبادرة الفصائل: ندعو الأحزاب الثمانية للكشف عن الجهة المُعطلةأبو كرش: مستحقات الموظفين عن الأشهر الماضية يجب أن تشمل تفريغات 2005قطر الخيرية توزع 100 ألف وجبة غذائية للاجئين والأسر الفقيرةمحافظ طولكرم يطلع وفداً من اليسار الدنماركي على انتهاكات الاحتلال وأوضاع المحافظةوفد من وزارة الصحة يزور الطائفة السامرية للتهنئة بعيد العرشجامعة بوليتكنك فلسطين تستقبل وفداً من البنك الدوليتنويه من شركة توزيع الكهرباء بشأن أعمال تطوير وتهيئة على خط جبالياقلقيلية: وزارة الثقافة تحتفي بيوم التراث
2019/10/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

سوق الشّرائح بقلم:أ. صلاح بوزيّان

تاريخ النشر : 2019-08-01
سوق الشّرائح بقلم:أ. صلاح بوزيّان
   سوق الشّرائح

مشكاة فيها مصباحٌ في أقصى المدينة ، حبس قليلاً من زاده و نهض ، خرج على استحياء ، مرَّ بالسّوق ،تهيّأَ ، هذا باب الجلاّدين ما أوقح هذا الاسم ، باب الجلد ، تُجلدُ عنده ناس ، كهلٌ يُجلدُ ويبكي ، ذات صباح بائس سنة 1924، سرق كيس دقيق لأطفاله الجياع ، صراخ و أنين و دمٌ يسيلُ من قدميه ، آهات ترتفعُ إلى عنان السّماء ، مشهد تراء له وهو يمرّ بهذا الباب، و قوّادٌ سرق أراضٍ فلاحية و لم يُجلد ، لا يُوجدُ باب ، فقط قوسان كبيران ، بينهما مدفع معطوب ، و رُخامة عليها أسماء شهداء معركة التّحرير ،شهداء سقطوا برصاص جنود المستعمر الفرنسي المتعسّف ، وهناك مقهى طقطق،  بناية شامخة فوقها نزل صبرة ، كراسي وطّاولات و شمسيات كبيرة ، أبوابٌ و نوافذ زرقاء و بيضاء ، قيل و قال و كثرة سؤال و حكايات بين الزّبائن تحت سُور نزل صبرة ، نزلاء و غرباء ، رأى كلّ شيء ، أفضى من السّاحة إلى الطريق ، جامعُ نقرة عصافير تنقر الخبز أمام الميضة ، حلّق عاليًا ، حطّ أمام اللّيزيق و قاعة ديناستي ، فاستبان له المكان ، مقاعد و كراسي ، الشمس مشرقة ، زقزقة عصافير ، ونسمات متناثرة ، زمرة رجال يقتعدون كراسي وثيرة ، الوقتُ بطيء ، و هذا المكان موغل في اللّطف تهرعُ إليه الرّوحُ كلّ يوم ، هنا لا تظفر بمكان يشبهه ، هنا الشّبه صعب ، كلّ طائر له أوكاره الدائفة ، أمّا هذه التّربيعة العذبة هندسها ابن المدينة الجميل . داخل هذا المكان المخضرم لا تَهْلَكُ الأفكار. تُـناور الأحلام و تقفزُ إلى ماض قريب أو ماض بعيد، تأخذ منه بعضَ أحاديثٍ و مسامرات و حكايات و مسلسلات شهر رمضان و محافل وأعراس ، ذكريات الزّمن الجميل . هو لم يكن يعرف هذا المكان من قبلُ ، اكتشفه فجأة ذات مرّة ، حينما كان مارُّا يحاول نزع أحبولة أكاذيب . نعم ، هو يدرك الاختلاف العميق بين الكذب و الحُلم ، وكاد يدركهُ اليأس عند مناوأة الرّياح . ولكنّه استطاع أن يطيح بتلك الأكاذيب ، انفلت و انتشل روحه ، وأقلع يسترفدُ من الإلهام كينونته ، مهيب يمارسُ الانعتاق ويسبحُ في الوجد . ولكنّه يتحرّقُ شوقا إلى الرّخاوة ، متعبٌ ،  مرهقٌ ،  حزين ، ضغته الحياة و جَهَدَتْهُ الإدارة . هو لا يعلمُ من هو ، وأين هو ، هو مخطوف مشدوه ، ينفرُ من كلّ ما تواضع عليه عمّارُ هذا المكان ، و تنثال عليه المعارف لياليَ وأيّامٍ  فيتخفّى ، ويذوق عذوبة العشق ، فلا يأبه بالعذابات والإذايات المتلوّنة ، ولكنّه يحنُّ إلى قهوة الأمّ ، هاهو أتى باكرًا إلى هذا المكان ، دخل ، وجلس ، ينظرُ إلى الطالبات ويبحث عن أيّام  الكليّة ، و عن زكيّة ، تغيّر كلّ شيء ، إنّه مشتاق إلى خبر . على يمينه رجل بدين يناقش وضع الجيسكا ، كرّة السلة ، كرة القدم ، فتاة تبكي و تقول:{ يا رسول الله نساء يخدمو نهار كامل بثمانية دنانير و يزيدو يركبو في كميون و يعملو حادث ، و يني الدّولة ؟ مسكين الزّوالي } . أستاذ يتأمّل أرخبيل أوضاع ، مذياع يبث أغنية صليحة . عمّالٌ جالسون تبدو عليهم مسحة كآبة ، وصوت يتدفّق بينهم :{ زعما الواحد ينجم يشري علوش العيد ، والله العلوش ولاّنا فال } . يلهث وراء أغنية ، يُلاحق حلمًا ، يهمسُ :

 { إذا نزل الروح الأمين على قلبي / تضعضع تركيبي و حنَّ إلى الغيب

فأودعني منه علوما تقدّست / عن الحدس و التّخمين و الظّن و الرّيب}

 فتاة ناعمةٌ تدخلُ ، على كتفها حقيبة جلدية ، تبحث في وجوه الزّبائن ، رائحة عطر شذيّة تنتشر . تمنّى لو جلستْ معه ، هو ينسى أيّام العُمر التي أمضاها في المرافئ و السّفن و البِحار ، كان يكتبُ المسرحيات و يقول الشّعر . تزوّج ستّ مرّات : العكري و بيّة و أمّ الزّين و تومية و ربح و سعاد . لم يفلح معهنّ ،أرهقنه حتّى أدركه اليأس ، ومن ألطف الله أنّهن لم ينجبن بنين . يعوزه المال ورغم ذلك  أقسم باللّه أن يطلب يد تونس وليس عليه في ذلك ضير . و لكن هل تقبل تونس الزّواج منه ؟ هو بعث إليها  بكتاب ، و طفق ينتظرُ ، و ما أمرّ الانتظار العنيد . أنبههُ صوت الفاتنة النّاعمة :{ ممكن نقعد معاك ؟ } تلفّتَ انتفض :{ تفضّلي ، تفضّلي } . جلستْ في هدوء وهي تبتسمُ ، ووضعت الحقيبة على طرف الطاولة . هو خرج من المغارة عبر السقف ، طار و اخترق الأجواء ، وعانق السّحاب . سعادة لا تُوصف الفتاة النّاعمة بجانبي ، أردفت الفتاة :{ لا تُتعبْ نفسك أنا تونس } ارتجف { لا تخفْ أنا تونس ، وقد استعدت شبابي ، أنا أحبّك } . أخذ يتطلّعُ حوله في سرور ، أطاحَ بالإرث ، الإرث مُفجعٌ في أعماقه غلامان و ثلاث عاهرات ، إرثٌ شديد القتامة و الوضاعة ، ولكنّه نشأ وترعرع فأدرك الإرث و استهجنه ، لا شأن له بذلك الإرث المُقرف ، ومن أمتع الأشياء في هذه المدينة أنّ كبار أهلها يعرفون نُظم المواريث و خفاياها و أحجياتها . ظلّت الأعينُ تسايرهم ، والطّاهر لا يكترث بالدّواب . اكتضّ المكان شيئَا فشيئَا ، زغاريدٌ ، هتافاتٌ ، قرعُ طبول و غناء عجيبٌ ، التفت إليها وقال :

{ أهل هذا المكان لا تثقهم / كبيرهم مع صغيرهم في الحال سوى

أحبابك إن علوت عليهم / وأعداؤك إن أحاط الدهر بك } .

 طوّقتهُ بيدها وغابا بين الحشود وقالت وهي تتأمّلهُ :

{ الشوقُ يسكنُ باللّقاء .

و الاشتياق يهيجُ بالالتقاء .

لا يعرف الاشتياق إلاّ العشّاق }.

مبتهجٌ  يشمُّ عطرها ويردّدُ : { تحيا تونس ، تحيا تونس } .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف