الأخبار
شاهد: آرسنال يخسر من شيفيلد يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز(هآرتس): ثلث العمال الفلسطينيين يجبرون على الدفع للوسطاء للحصول على تصريح عمللليوم السادس.. بدء توافد المتظاهرين إلى ساحة "رياض الصلح" في بيروتبهجوم لـ"تنظيم الدولة".. مقتل اثنين من قوات الأمن العراقيةألمانيا تقترح منطقة أمنية في شمال سورياالرشق: فتح المجال للاحتلال لدخول دول الخليج محاولة يائسة لتلميع صورته القبيحةشاهد: آلاف المستوطنين يشاركون في طقوس ورقصات في مدينة القدسقوات الاحتلال تعتقل 10 مواطنين في الضفة الغربيةارتفاع طفيف على أسعار صرف العملات مقابل الشيكلالأوقاف بغزة تُوضح حقيقة رفع إيجار المحلات بسوق فراسالاحتلال يعتدي بالضرب على شاب ويُصيب آخر بحروق في العيسويةزخات متفرقة من الأمطار وعواصف رعدية حتى نهاية الأسبوعقيادي بالمنظمة يدعو لعدم تسييس القضاء والزج به بالخلافات السياسيةأول تعليق من القائمة المشتركة على إعادة نتنياهو لتكليف تشكيل الحكومةالحكومة تُطالب النائب العام بالتراجع عن قرار حجب المواقع الإلكترونية وفق الإجراءات القانونية
2019/10/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

القضية 46 بقلم:سفيان توفيق

تاريخ النشر : 2019-07-28
القضية 46 بقلم:سفيان توفيق
القضية 46 

(قصة قصيرة)

سفيان توفيق 

[email protected]

تقطن في هذه الحارة اثنتا عشرة أسرة فقيرة ، في  أحد عشر كوخا صغيرا -هنالك كوخ أكبر من غيره تعيش فيه أسرتان صغيرتان-، ويتوسط بين هذه البيوت المقابلة لبعضها بشكل متساوي تقريبا شارع مقفر مليء بالحفر التي شكلت عبر قدمها وتكرار عمليات التوسع لها نتيجة حتها وتعريتها مستنقعات صغيرة تعيق المارة . ونتيجة للعب الاطفال في الحارة ، الذين وان اعاقتهم هذه الحفر عن اللعب في فترة ما ، إلا انهم قد انصاعوا لقدرهم المليء بالحفر ، فغيروا العابهم واستثمروا وجود هذه الحفر في العاب اخرى اضحت معها اكثر فاعلية لهم . كل ذلك اضحى كقدر مكتوب على هذه الحارة الصغيرة ، بحيص انقطعت تدريجيا عن العالم ، حتى باتت اطارات السيارات تخشى المرور منها .فانغمرت في وحدتها ، وانغمر اهلها الذين وان كانت تربطهم عوامل مشتركة كثيرة كان الفقر اكبرها ، الا ان البسمة والفرحة تقريبا لم تغيبا عن محيّا الجميع ، وخاصة الصديقان سامر وعلي . 

ما يربط بين سامر وعلي أكبر من كل الحفر السابقة ، واكبر من ان يكون في حجم الملابس الممزقة التي يتساوى الاثنان في حجم اتساع خرقها ، واكبر ايضا من حجم الجوع الذي ينهش امعائهما ، واكبر كذلك من وجود علاقة حب ثنائية ملتهبة تعصف بقلبيهما تجاه سارة التي تقطن على الزاوية البعيدة منهما قليلا بجانب المدرسة من الناحية الأخرى . والتي صرّحت ذات مرة انها تحبهما هما الاثنان ، مع انها استغربت ما قالت ، واستغربت من سوء العلاقة الجنسية التي تحكمها مع كليهما ، الا انها رضخت لذلك فقط تحت وطأة النشوة الجنسية الملتهبة التي تعتمرها ، وتحت سطوة اخرى هي سطوة الوقوع في هذه الحفرة كما كانت تسميها ، وهي وان نوت وعزمت على ايقاف هذه العلاقة فإن هاجس إفشاء السر وتهديدها به يمنعانها من ذلك . 

تنهد سامر وهو يحاول سحب الشرشف الذي يغطيه بأصابع قدميه الى الاسفل ، محاولا الانكماش اكثر فاكثر حتى ينسجم طوله مع طول الشرشف الذي يغطيه ، تنهد قبل ان ينبس رادا على علي الملتفع مثله بنفس الهيئة على سطح منزلهما حين سأل : 

- طيب  ، والحل ؟ 

- هكذا لا يمكنني ان اتزوجها ، ولا يمكنك أنت ايضا ان تتزوجها . 

- ولماذا ؟ 

- لماذا ماذا ؟

- لماذا لا نتزوجها ؟ 

- نتزوجها(باستغراب)؟ نحن الإثنان ؟ 

- لا ، واحد منّا يتزوجها . بعد تفكير خفيف .

- كيف ذلك ؟ نمنا معها كلانا ، كل واحد منا نحن الاثنان يعلم عدد الشعرات المنتشرة على جسدها . 

- مائة واثنان وثمانون شعرة ، تتوزع على ما تحت الابط وو 

- مقاطعا : اخرس . لحظة صمت . 

- ماذا سنفعل ؟ 

- لن نفعل اي شيء . سنبقى معها هكذا الى ان تحين لحظة الفراق التي تنشدها هي . 

- انت تعلم انها لن تفارقنا طالما انها تخشى ان نفضح السر . 

- وهو ما نريده .

كانت إجابات سامر صارخة جدا ، وحادة جدا . كانت جاهزة على لسانه ، باردة بحجم البرد الذي يقصف بأطرافه وهو بنام على سطح منزلهم مع صديقه ، وساخنة جدا بحجم البركان الصامت الذي يعتمر في صدره عن واقعه وواقع اهله . 

استأنف سامر حديثه : عندي شبه يقين ان لولا هذه الفتاة ، لكنت الان في السجن ، لم ارى اي مخرج لواقعنا الاليم الذي نعيشه سوى في فتحة فرجها الناصعة البياض والحمار والسواد ، الوان الطيف جميعا اجتمعن هناك ، كانت هي الحفرة الوحيدة التي يمكن لنا فقط ان نتنفس من خلالها .

لم يعر علي اهتماما لما يقوله سامر ، بل انه ادرك ان كلام سامر اكبر من وعيه هو ، ولكنه حمل على سامر ان اعطى لهذه الحياة اكثر مما تستحق . 

تعجب علي حياته التي يعيشها ، فهو بين النوم على سطح منزلهم او منزل سامر ، وبين النوم متضورا جوعا يرى فيها لذة كبيرة ، لا سيما وانه يضفي على كل ما يفعله او ما يراه طابع المزاح والضحك، حتى على اسخف الاشياء واكثرها ايلاما . ربما انه ادرك ان ما يعيشه هو ما يعيشه اهل الحارة كلهم المعاصر لواقعهم والشاهد على آلامهم . فمن رأى حال غيره ومصائبه هانت عليه مصائبه هو . او انه ادرك بالفعل  ان لا مجال من الافلات من سوط القدر الذي يسلخ ظهورهم بلا ملل ولا تعب ، فقرر الانصياع لجلاّده ، ولكنه قرر ان يضحك فقط متناسيا عدد الجلدات التي كان يوقن سابقا انها ستتوقف عند رقم معين ، لا يعلم كم هو الرقم ذلك ، ومن كم خانة يتألف ، ولكنه برأيه مها طال سيخلص في النهاية . 

- الى الان مائة وخمسون جلدة ولم يعترف . 

- رشّ عليه الماء ، فلا نريده ان يموت قبل ان يعترف . 

- ومتى محاكمته ؟ 

- غدا صباحا . مدّ الجلاد الاخر يده متحسسا حجم الجروح التي على ظهر سامر ، قبل ان يقلبه ويضع يده اسفل انفه ليتحسس إن ما زال على قيد الحياة ام لا . ثمّ نهض مخاطبا الجلاّد الاخر : يكفيه ذلك ، ايقظه من نومه ، فهذا ليس فندقا ، واتركه حتى يستريح الى الصباح ، محاكمته ستكون قاسية غدا .

- حاضر .

لم يغب عن ذهن علي ان ما سيتعرض له سامر سينسيه كل ما حوله ،كما لم يغب عن ذهن سامر ان الامر الوحيد الذي لم يتبادر الى ذهنه في ان يكون سببا للدخول الى السجن هو ما حصل معه ، فكر كم مرة سرق ولم يتم الامساك به ، فكر في سارة ، احتياله،نصبه، فقره،أمه،أبيه . اما ان ينتهي الحال به جرّاء أمر سخيف كهذا فهو ما لم يكن بالحسبان .

وقف سامر امام القاضي الذي نبهه الى الوقوف والانتباه مرارا ثم قال مخاطبا: المتهم سامر ، استنادا الى الادلة القطعية التي تمثلت بوجود شهود عيان تعدّى عددهم العشرة اشخاص ، واستناد الى المادة الرابعة عشرة التي تحرم المساس بهيبة الدولة الاردنية ، فإننا نقرّ  أن التهمة المرفقة الينا والمنسوب لك ارتكابها ممثلة ب: التبول على علم المملكة الاردنية ،

- محامي الدفاع (مقاطعا): سيدي، موكلي له وجهة نظره فيما فعل  

- القاضي : وما هي وجهة نظرك ؟ . مخاطبا سامر  

- سيدي : رأى خمسة من أعدائنا يحرقون علم المدرسة أمام الجميع  

- نعم ، وماذا فعل لإطفائه ؟ هنالك بركة ماء الى –مخاطبا سامر-جانبك في منتصف المدرسة ، حري بك ان تهرع اليها لتطفئ العلم الذي احترق . 

- محامي الدفاع : سيدي لا وقت لديه كان للتفكير ، ما تقوله كمثل 

تبرمت شفتا سامر وسخط من دفاع محاميه عنه اكثر مما سخط عما سمعه من القاضي . التفت نصف التفاتة آنذاك الى الجالسين ورائه متجاهلا حديث القاضي ومحامي الدفاع ، فلم يجد إلاّ ربطات عنق بيضاء بأعداد كبيرة، وبدلات رسمية سوداء تعلن الحداد والنفير العام من حوله ، فضلا عن ان التفاتاته كلها وهو يبحث عمن يعرفه لم تثمر بأي نتيجة ، فقد عجزت أمه عن المجيء لحضور محاكمة ابنها لبعد قريتهم عن المدينة، وعدم وجود اي مبلغ مادي يؤهلها فقط لأن تحضر ، وابوه مريض وقد نسي من تقدم العمر به ان كان عنده اولاد ام لا .

فكر سامر بماذا ستكون النتيجة ، ثم غاص في حلم عقيم قبل ان تتردد الى مسامعه جمل من مثل : سيدي القاضي ، سامر لا يتعامل مع اي جهة اجنبية . 

- ولماذا فعل ذلك ؟ 

- كان يحاول اطفاء الحريق ، رفض ان يتم المساس بهيبة دولته .

- سامر : كذاب ،انا لم ارفض .

- رفض ان يمحى اللون الاحمر الذي مثل دماء شهدائنا لبناء هذا الوطن الطاهر . 

- سامر : كذاب ، انا لم ارفض . 

- رفض ان يتخاذل عن اداء الواجب لحظة نداء الوطن له . 

- سامر : كذاب ، انا لم ارفض . 

اتخذت قصة سامر مناحي كثيرة في الصحف الرسمية المحلية والعالمية منها ، واثارت ردة الفعل السامرية الغريبة موجات مختلفة من ردود الفعل لدى الناس ، فقد اندلعت الضحكات وابتسامات السخرية مما فعل ، وهو ما ابتسم سامر لأجله ، كما اندلعت ايضا موجة من الانتقادات اللاّذعة له والتي وصفته بالعميل والخائن وغيرها من الصفات التي تذوقها سامر ببرودة اعصابه المعروفة والتي كانت ابرد بكثير من البرد الذي تعرض له وهو يقضي فترة حكمه التي كانت ثلاث سنوات ، والتي لاقت ايضا موجة كبيرة اكبر من سابقتها في ردود الافعال المتراوحة بين السخرية والغضب ، فقد تم الحكم عليه بالجلوس على كرسي مكبل اليدين والقدمين والرأس، في صالة واسعة وامامه شاشة عرض كبيرة رأسه موجه نحوها بشكل مجنزر حتى لا يستطيع تحريك رقبته، وفوق شاشة العرض من جهة اقصة اليمين وضعت مروحة هواء كبيرة والى اليسار منها في منتصف الشاشة وضع العلم الأردني بحيث ترفرفه موجات الرياح العاتية التي تثيرها المروحة ، وعلى شاشة العرض تم تشغيل اكثر من اربعة الاف اغنية وطنية-كان نص الحكم على سامر بحفظها كاملة- تمشي من الصباح حتى المساء في ظل صورة العائلة المالكة الثابتة على الشاشة. 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف