الأخبار
الأسد: يجب العمل على وقف العدوان وانسحاب القوات التركية والأمريكيةالسفارة المصرية في لبنان تدعو مواطنيها لتجنب مناطق الاحتجاجاتأردوغان: سننقل جميع أراضي سوريا إلى الحكومة السورية الشرعية المقبلةانفجار داخل مسجد في شرق أفغانستان ومقتل 29 على الأقلالعفو الدولية: تركيا ارتكبت جرائم حرب في سوريانائب رئيس الوزراء اللبناني: استقالة الحكومة واردةهكذا تعتني بالأثاث الجلدي الأملستغير شكل الأصابع مؤشر على الإصابة بهذا المرض الخطيربدء توافد المواطنين إلى مخيمات العودة الخمس للمشاركة بجمعة "لا للتطبيع"ترامب: تركيا والأكراد مثل طفلين ينبغي السماح لهما بالتصادم قليلاكيف ينشأ السرطان من الخلايا العادية؟فيديو: بسبب أحد المسؤولين.. إطلاق النار وسط بيروت يثير غضب المحتجينوفاة مصري وطفليه حرقًا داخل سيارتهم في الرياضشاهد: زائر يدخل عرين الأسد في حديقة الحيوان لاستفزازهالجمعية الدولية لهشاشة العظام: حالة كسر جديدة كل 3 ثواني حول العالم
2019/10/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مفتاح وجُمعة القفل بقلم:عبد الستار حتيتة

تاريخ النشر : 2019-07-28
مفتاح وجُمعة القفل

قصة بقلم: عبد الستار حتيتة

وصل الشاب مفتاح وصديقه جمعة القفل من الحدود الغربية، معاً، إلى المدينة، في يوم شديد الحرارة ويبعث على الضيق. 

كان كل منهما يريد زيارة أخيه المحبوس في السجن الواقع جنوب المدينة. فقد كان شقيق مفتاح وشقيق جمعة من بين الآلاف الذين جرى القبض عليهم في عموم البلاد، أثناء أسبوع الكشف الوطني على جِباه المواطنين.      

لكن تصريح الزيارة لا بد أن يُصدَّق عليه من مكتب الحرس الثوري أولاً، ثم الحصول على تصديق آخر من مكتب الشرطة العسكرية.

في كل صباح يقول المكتب الثوري يوم غد.. يوم غد، إن شاء الله..

كان مدير المكتب شاباً قصير القامة وبديناً، ذا لحية سوداء طويلة وحاجبين كثيفين. يضع على رأسه عمامة تغطي خديه. وينتظر من القادمين من المدن البعيدة تقديم الهدايا للمكتب قبل منح أي منهم التصريح اللازم للزيارة.

ليس مع مفتاح ولا مع جمعة أي هدايا. لم يكن في مقدور أي منهما شراء أي شئ ذي قيمة. وصلا في رحلة القطار الممضة الطويلة. قطار يثير تراب الصحراء، والريح الساخنة تضرب الوجوه عبر النوافذ المحطمة. وحين نزلا كانا يسعلان من كثرة ما ابتلعاه من غبار.           

استأجر مفتاح وجمعة غرفة رخيصة تقع فوق سوق الخضروات المكتظ.. غرفة مشتركة مع آخرين.. لها نافذة تطل على السوق، ونافذة تشرف على الطريق.. تقع على بعد خمسة شوارع من مركز المدينة الذي يوجد فيه مكتب التراخيص الثوري.

ينتظر مفتاح قدوم موعد الزيارة. كل ساعة وأخرى يتلمس بإصبعه الثقب الجاف في جبينه لكي يتأكد من أنه لا يوجد فيه نزيف.. كان يخشى من أن يتم اعتقاله مثل شقيقه، إذا ما قررت السلطات فجأة تخصيص يوم للكشف على جِباه المواطنين.      

أما جمعة، فقد كان أكثر عرضة للقبض عليه، نظرا لثقب جبينه الحي والنازف، إلا أن شغفه بشوارع المدينة الكبيرة جعله لا يبالي باحتمال توقيفه..

كان مفتاح يقول بينه وبين نفسه، وهو يقلب قنوات التليفزيون وحده في الغرفة، إن جمعة إذا استمر على هذا الحال، فلا بد أنه سيتعرض للوشاية، وسيقوم أحدهم بإبلاغ السلطات عنه.

وكما هو معلوم، من المحظور على رعايا الدولة تغطية جباههم لأي سبب، والعقوبة تتراوح بين السجن خمس سنوات وتسع سنوات، بينما كان تليفزيون الغرفة يعرض صور إعدام أحد قادة المجموعات التي تحرض الشعب، على إخفاء الجباه النازفة.

ثم يعود مفتاح ويقول إن عليه حماية جمعة، أيا كانت الظروف، ولا يجوز أي تهاون في هذا الأمر. فإذا علم أقاربهما أنه أغمض عينيه عن صاحبه، وهما في الغربة، فسيظل منبوذا ومعزولا.. وقد يعذبونه أو يلقونه في أرض الألغام عند الأسلاك الشائكة على الحدود.. عندها سيواجه ظروفا أشد قسوة من حياة السجن.  

لقد قام أقاربه وأقارب جمعة بتشييعهما عند محطة القطار وهم يقولون لهما أنتما مثل المفتاح والقفل.. لا أحد منكما له فائدة دون الآخر.. فاذهبا سويا وعودا سويا، على بركة الله.   

كان مفتاح في ورطة. ماذا يفعل؟ فحتى لو تستر على جمعة القفل، فإن شركاء الغرفة الآخرين يمكن أن يشوا للجان الشرطة العسكرية أو لفرع من فروع الحرس الثوري، وما أكثرها في الشوارع المحيطة بالسوق.     

إذا كان ثقب جبينك حيا وينزف، فلابد أن تبلغ الجهات المختصة، حتى ترى هي ماذا تفعل بك. والدستور معروف.. كل بند فيه يخص موضوع الجباه النازفة، تردده شاشات التليفزيون صباح مساء، في الغرف والأسواق، وعلى شاشات ضخمة في الشوارع والساحات. لا عذر لأي مواطن. لا عذر على الإطلاق..     

المشكلة أن ثقب جبين جمعة بدأ يصحو وينزف، عقب الوصول إلى المدينة مباشرة. وفكر مفتاح في أن يعيده للحدود في نفس القطار. لكنه ظل يمني نفسه بأن يصدر تصريح الزيارة سريعا قبل أن يكتشفه الحرس.    

الجو خانق بين جدران الغرفة.. الحر شديد.. الخوف يتطاير مع الغبار مع أصوات الباعة أعلى أعمدة الكهرباء. أعمدة تشبه قضبان الحديد الصدئة.. قضبان مزروعة فوق رصيف ملون بالأبيض والأحمر.

كل من لديه ثقب ينبض.. ثقب قادر على النزف، ملزم بالتعبير عن واجبه تجاه المجلس الثوري العام.. يرسم، مثلا، صورة للقائد العام وهو واقف أمام العلم، أو وهو يحيي الجنود، أو وهو يستعرض تشكيلات الحرس الثوري..

لكن من يتبيِّن أن نزيف ثقبه يتميز بالغزارة عليه أن يبلغ إحدى دوريات الجنود أو دوريات الثوار، أو أيهما أقرب، فورا..    

يعود تاريخ الثقوب النازفة من الجباه لزمن بعيد. ففي التاريخ القديم، كما هو مكتوب على الجدران، كان المواطن يولد بثقب في الجبين ويحق له استخدام نزيفه بلونيه الأبيض الشحمي والأحمر الدموي، في ما يشاء. يخط به كلاما على الورق.. يرسم صورة.. يزين حائط البيت.. أو يجفف خيوط النزيف ويصنع منها أوتارا، وألحانا، وغيره..

يفكر مفتاح، ويمر بإصبعه على ثقبه الجاف، ويسند ظهره على جدار الغرفة، وهو يشاهد مفتي الحرس الثوري على قناة التليفزيون.. يقول المفتي إن الناس، منذ ألف سنة، استخدموا ما أعطاهم الله من قدرة على ضخ النزيف من الجباه في اتباع خطوات الشيطان.. 

في ذلك الزمن البعيد ظهرت حوانيت تقوم بتخمير النزيف وإعداده للشرب والسُّكر، وأخرى كانت تخلطه بمسحوق الأعشاب الجافة وتبيعه لزيادة الفحولة، وغيرها من الاستخدامات الضالة..

وفي مرة من المرات غضبت شمس الله من أهل الأرض، فاقتربت، وأثارت عليهم عاصفة رملية ساخنة، استمرت مئات السنين، فجفَّت الأنهار والمزارع وثقوب الجباه.

يتلفت مفتاح حوله بحثا عن خلاص.. لم يكن هناك أحد في الغرفة غير الذباب. يفكر.. يملؤه الخوف على مصير صاحبه الأرعن. ماذا إذا استوقفته دورية من دوريات الجنود في أحد شوارع السوق، أو اشتبهت فيه بوابة من بوابات الحرس الثوري الموجودة في كل منعطف.

لقد كان مفتاح يغتسل في دورة المياه المشتركة والموجودة في رواق يطل على غرف عديدة. وحين خرج لم يجده.. لقد انطلق جمعة مع باقي المستأجرين لشراء الخبز والغموس.

فوجئ مفتاح.. وظل ممسكا بالفوطة وهو واقف وحده دون أن يكمل تجفيف شعره أو يغلق الباب. لم يكن يعلم أنهم سيخرجون جميعا بل ويصطحبون جمعة رغم الخطر..

ازداد قلق مفتاح. وخمن أن بعضا من المستأجرين ربما كانوا من المدسوسين عليهم من لجان الحرس الثوري.. فهم على كل حال أغراب، ولم يتعرف عليهم إلا منذ أيام قليلة..

هذه كارثة.. ظل يتنقل بين النافذة المطلة على السوق والنافذة المطلة على الشارع. بين حين وآخر تمر سيارة من سيارات الحرس الثوري. وبين وقت وآخر يلمح من بعيد أحد الجنود وهو يقود كلبا من الكلاب المدربة على كشف الخونة.

كان هناك كشك من أكشك الحرس التي تراقب الداخلين والخارجين من جهة بوابات سوق الخضروات.. كانت الأمور عادية، فأخذ يدور حول نفسه كأنه يبحث عن شئ.. في النهاية لم يجد أي تسلية غير تقليب شاشة التليفزيون بين قنواته الثلاثة.. قناة الثورة وان، والثورة تو، والثورة ثري.

كان المفتي ما زال يتحدث ويتحدث على الشاشة، وهو يلتقط من كلامه بعض الجمل العابرة عن تاريخ الجباه المثقوبة..

تعلو أصوات الباعة في السوق، وترتفع أصوات أبواق الدوريات الأمنية. يراقب الوضع من هذه النافذة وينتقل إلى النافذة الأخرى، ويعود لجلسته..

يصيبه الضجر، فتراه يتطلع لما حوله.. موقد منطفئ وحشايا مموهة لمقاعد فارغة.. ويواصل الانتظار وهو يتوقع مصيبة بين لحظة وأخرى.

كان شركاء الغرفة من القادمين من المحافظات البعيدة. ومن يتمكن منهم من زيارة قريبه المسجون، يودعهم ويرجع إلى بلدته. لكن بعضا منهم ظل يقيم في الغرفة لأيام، وكأنهم غير متعجلين على موعد الزيارة. وهؤلاء كانوا محل شكوك مفتاح.   

وفجأة امتلأ الشارع بالضجيج.. فهرع إلى النافذة.. سيارات عسكرية تمرق بفزع هنا وهناك، تساندها سيارات الثوار. وهناك أصوات انفجارات تأتي من مكان ما في الخلفية. هل تجددت الاشتباكات في سوق الخضروات؟ استر يا رب!

يقفز وسط الغرفة حتى يصل إلى النافذة المطلة على السوق. هل أبلغ عنه صاحب المخبز، أو أي من أصحاب الدكاكين المجاورة. السوق هادئ.. ومع ذلك تهجم عليه الظنون، حين يعود إلى نافذة الشارع.. الجندي وكلبه توقفا جوار كشك الحراسة.

لسان الكلب طويل ويتدلى من بين أنيابه، وهو يلهث تحت الشمس بين المارة..

فجأة مرقت سيارة دفع رباعي على صندوقها مدفع رشاش..  وعلى عجل ربط الجندي الكلب في وتد داخل الكشك، وصاح وهو يشهر سلاحه ويجري:

-"أنا قادم.. امسكوه.. لا تدعوه يهرب.."-

واختفى في إثر السيارة، ناحية بوابة سوق الخضروات.. ماذا يحدث. لا أحد يعرف.. وبعد قليل عاد الجندي وهو يمشي على مهل ويتبادل الحديث مع ثلاثة من شبان الحرس الثوري.. كانوا في ملابسهم المعتادة؛ ثياب بيض وعمائم تغطي جانبي الوجه. 

بدا وهم يتبادلون أطراف الحديث الساخر.. بدا وهم يتوقفون ويضحكون ثم يواصلون المشي، كأنهم انتهوا حالا من إنجاز مهمة ما. وتساءل مفتاح أنهم ربما قبضوا على جمعة.. فأي مصيبة!

ودخلت الطريق السيارة نفسها. وكانت تبث هذه المرة أناشيد الأغاني الوطنية تلك.. توقفت، فركب فيها شبان الحرس الثوري، وهو يلملمون أطراف ثيابهم. وشيعهم الجندي بتحية النصر، ووقف أمام الكشك، بينما كان الكب يستقبله في حبور.   

كلب أسود بذيل قصير وظهر ينساب للخلف.. حول عنقه سلسلة ومن ورائها ترتفع أذناه كلما نبح.

تراجع مفتاح للخلف وهو يواري نفسه بعيدا عن نافذة الشارع. جلس يهش الذباب عن وجهه. يترقب بأذنيه حركة الكلب والجندي. هل فك وثاقه.. هل مشيا بعيدا عن هنا.

المارة الذين يخرجون من السوق، في طريقهم لبيوتهم لم يكن يبدو عليهم الاهتمام بما يجري. مجرد ظلال مثقوبة الجبين تمشي وهي تحمل لفائف فيها أشياء ملونة بالأبيض والأحمر مثل البصل والطماطم.

في هذه الأثناء مرت مدرعة الجيش وهي تحرس واحدة من سيارات الحرس الثوري.. تتحركان ببطء.. رؤوس الجنود تتطلع من تحت الخوذات.. من صندوق العربة الأولى. ومن صندوق العربة الثانية كانت مواسير بنادق الثوار مصوبة على جانبي الطريق.. متأهبون يبحثون عن مطلوبين.

رغم أن سيارات الجيش تسبق عادة سيارات الثوار، إلا أن مفتاح يعلم أن الجنود أقل قسوة من شبان الثورة.

فالجنود، حتى لو لم تعجبهم، يكتفون غالبا، بأخذك في صمت، إلى المعتقل، وهناك يتصرف معك جنود آخرون. أما الثوار فلا يتورعون عن قتلك فورا بالرصاص في غرفتك أو ذبحك في الشارع أو وسط السوق.

لهذا تبدو سيارات الثوار السوداء مصدر فزع لمفتاح. كل سيارة من هذا النوع مرسوم على جانبيها وجه القائد العام باللونين الأبيض والأحمر، وهو يؤدي التحية، من داخل الصورة، للفراغ.

يمد مفتاح عنقه عبر النافذة مجددا.. تبدو كف القائد جوار قبعته أعلى جانب وجهه المدور الجامد المرعب. من جبينه كان يظهر الثقب الذي يشبه زبيبة الصلاة، لكنه ثقب حي فيه شحم أبيض ودم أحمر، خلافا للثقوب الجافة لعامة الشعب.

يأكله الخوف والقلق فيتوجه إلى النافذة الثانية.. يمر الترام بعجلاته الحديدية التي تصدر صريرا وهو يعبر وسط أكوام الخضروات وعربات الكارو.

يقول إن جمعة لا بد أنه عائد الآن وهو يواري رأسه بين شركاء الغرفة.. لا بد أنهم عائدون وقد اشتروا طعام الغداء؛ الخبز والفول والطعمية..

عند البوابة تقف شاحنات البصل والطماطم في طابور وشبان الحرس يراجعون الأوراق. وبعد قليل  يبدأ العمال في إفراغ الحمولة بهمّة ونشاط حتى يبلل العرق ثقوبهم الناشفة.

وصاح أحد شبان الحرس وقد بدا أنه وجد تزويرا في أوراق شاحنة الطماطم، وأمر بوقف تنزيل الحمولة. لكن السائق اهتاج وأخذ يشتم في غضب.

ظهر حوالي خمسة شبان آخرين من الحرس وهم يشمرون ثيابهم لاتقاء وحل السوق. التفوا حول السائق وبدأ أحدهم يتحدث في جهاز اللاسلكي، متوعدا، بينما ساند السائقَ بضعةُ تجار. ارتفع صوت أحدهم، وكان تاجرا طويل القامة، وقد بدا أنه يتحدى:

-"الحرس الثوري لحماية السوق، وليس لسرقته"-

ثم اندفع في ناحية الشاب الذي أوقف تفريغ حمولة الطماطم:

-"أنت تريد رشوة.. نعم.. في كل مرة تأخذ رشوة من هذا ومن ذاك، ولا تكتفي"- 

وبعد ذلك وقعت فوضى كبيرة. فقد اقتحم السوق سيارتان مدرعتان. وتسلم كل شاب من شبان الحرس الثوري، بمن فيهم حامل اللاسلكي، سلاحا من تلك الأسلحة الأوتوماتيكية طويلة الماسورة..

حاول الحراس القبض على التاجر وعلى السائق، لكن أحد المختبئين في مخزن في الخلفية، بادر بإطلاق الرصاص. هنا ازدادت حدة المعركة. واتخذ شبان الحرس من سيارتي المدرعات ساترا لهم، وأخذوا يردون على مصدر النيران. 

أغلق مفتاح النافذة بهدوء، بعد أن شاهد بضعة جثث وقد تبعثرت بين أقفاص الطماطم والدم يسيل منها. وبدأ يدعو الله أن يسوق له شركاء الغرفة، وفي مقدمتهم جمعة القفل سالما من كل شر..

هم ثلاثة غرباء، بالإضافة إلى مفتاح وصاحبه. لكل واحد من هؤلاء هيئة مستقلة بنفسها، كأنهم لم يخرجوا من خط إنتاج بشري واحد..

الأول بخصلات شعر كثيفة على وجه حليق، يقول إنه قادم من بلدة تقع على ضفة النهر، وله ثقب صغير في جبينه.. ثقب مستدير بُني اللون، ما يدل على أنه لم ينزّ منه أي دهن ولا دم منذ سنين.

يقول إنه جاء هنا لزيارة شقيقته المحبوسة منذ السنة الأولى لقيام الثورة، في سجن النساء. فقد كان لها جبين ينزف طوال الليل والنهار، ومع هذا لم تبلغ أي دورية من دوريات الحرس.. وفي يوم من الأيام اجتازت ضفة النهر لزيارة السوق، وهناك اعترضتها اللجنة.   

الثاني ضخم الجمجمة، يفخر بقريته التي تقع وراء الوادي.. ويشير إلى واجهة رأسه، ويضيف في همس وهو يتلفت حوله:

-"كل أقاربي لهم جباه تنزف.. ما عدا أنا.. أنا مولود بثقب ناشف. لهذا أرسلوني لزيارة المحبوسين"-

كان معه ورقة مكتوب فيها أسماء لطلاب وطالبات من أبناء القرية ممن جرى القبض عليهم أثناء توقيفهم وهم في طريقهم إلى الجامعة داخل المدينة الكبيرة، في أسبوع الكشف الوطني على المواطنين. أو هكذا كان يقول..

الغريب أنه يذكر أبناء قريته المسجونين هنا، وهو يردد في يقين بأنهم قد قضوا نحبهم داخل السجن. ويقول إن تأخير صدور تصريح الزيارة ومماطلة مكتب الحرس الثوري، يثبت صدق إحساسه:

-"فما رأيك يا جمعة؟ ما رأيك يا مفتاح؟"-

 كان مفتاح وجمعة ينظران إليه في خوف، ولا يعرفان ما يقولان له..

أما الشاب الثالث فبدين منتفخ البطن والصدر برأس صغيرة كالليمونة وسوالف صفراء دقيقة، يزعم أنه من مدينة تقع على البحر.. ويقول كأنه يختلق الحكاية، إنه قادم لزيارة ابن عم له في سجن الأجانب.

لقد ولد ابن عمه وترعرع في الخارج، ويحمل جنسية الدولة التي ولد فيها. وحين نزل من الطائرة عائدا لأبناء عمومته، كان يعتقد أن غزارة النزيف من الجبين لا تخضع لتلك الإجراءات.. ففي بلاد الخارج اعتاد على استخدام نزيفه الخاص به كما يريد.. يرسم به أو يصنع أوتارا أو أزهارا.. والتفت وهو يتساءل بطريقة مريبة:

-"هل توافق يا جمعة ويا مفتاح على أن المواطن يحتفظ بنزيفه لنفسه.. أما ابن عمي فقد اقتدى بالأجانب وفعلها"-   

واستمر البدين يتحدث عن ابن عمه المزعوم، وهو يقول إن هذه كانت المرة الأولى التي يتعرض فيها أحد أبناء مدينته الساحلية للسجن بسبب ثقب الجبين، حيث كشف عن طريقة يقوم بها الأهالي لتجفيف الثقوب النازفة من الجباه مبكرا، وإلى الأبد:

-"نمسك السمك، وننشره في الشمس حتى ينشف، ثم نطحنه، وحين يولد المولود، نحشو الثقب بمسحوق السمك، فلا ينزف بعد ذلك على الإطلاق"-

وأشار إلى ثقب جبينه وأخذ يحكه بإصبعه، وهو يضحك ويقول:

-"انظروا.. لا شئ.. لا شئ"-

وبعد ذلك يحدق في مفتاح وجمعة مليا، ثم يسأل بطريقة غير مريحة:

-"اخبرني يا جمعة ويا مفتاح عما لدى قبيلتكم هناك من حيل مماثلة؟ فأنتم يا سكان الحدود، خبثاء.. ههههه!"-

حين استأجر مفتاح الغرفة وجد هؤلاء الثلاثة يقيمون فيها. وبينما لم يكن جمعة مباليا بهم، كان هو يسأل نفسه كل حين:  من أين أتوا حقا؟

والآن.. كلما تذكر الطريقة التي كانوا يتحدثون بها، كلما ضربت الظنون رأسه، وذهبت به إلى احتمالات شتى.. ثم يستبعد وقوع أي خطر.. ومع ذلك ظل ينتظر عودتهم، وهو يعلم أن المشكلة تكمن في جمعة.. فقد أخذ ثقب جبينه يصحو وينزف ويزداد نزيفه، أمام شركاء الغرفة، بينما تصريح الزيارة يتأخر يوما بعد يوم.. 

يقول لنفسه وهو مازال جالسا في الزاوية يهش الذباب إن الخبر، عاجلا أم آجلا، يا ربي، سيصل لأفراد الحرس الثوري، ويوقفوه، يا ربي، على رصيف السوق، بجوار أقفاص الطماطم، ويطلقون عليه الرصاص، يا ربي.. أو، على الأقل، سينتهي مع شقيقه في السجن.

وإذا استجوبوه وعرفوا أنني صاحبه وأنني جئت معه من الحدود، وأنني كنت أعلم ولم أبلغ السلطات.. فمصيري هو مصيره..

يسترجع مشهد الجثث التي سقطت منذ قليل على وحل أرض السوق. يهز يديه كأنه يهش المخاوف بعيدا عن رأسه، لكنها تعود مرة أخرى..

يفتح التليفزيون.. قنوات الثورة تتحدث عمن جرى توقيفهم. ثم تعرض إعدامهم في الساحة.

اقترب المساء دون أن يظهر جمعة أو أي من شركاء الغرفة. بدأت برامج القنوات الثلاث تذيع التعليمات الخاصة بتوزيع حصص ورق الرسم. وتشرح كيفية استخدامها.. 

في الشارع بدأ شبان الحرس الثوري يسيّرون الدوريات الخاصة بتوزيع ألواح الأوراق السوداء، لكي يحاول المواطنون الرسم عليها في الليل، في حال نزل أي نزيف من الجبين.

يمد الجندي يده ويخرج من صندوق الشاحنة لوحا ويسلمه للمواطن. تجري عملية توزيع الورق الأسود على مرحلتين. الأولى يقوم فيها الجنود بمنح كل مواطن حصته، وتنتهي مع الساعة الخامسة أو السادسة مساء، حيث تختفي الشاحنات المخصصة لهذا الغرض من الشوارع..

المرحلة الثانية يقوم فيها متطوعو الحرس الثوري بالتأكد من أن كل أفراد الشعب تسلموا حصصهم من الورق الذي سيرسمون عليه.. يستوقفون العائدين من أعمالهم في أوقات متأخرة من الليل لمعرفة ما إذا كان مع كل منهم لوحه أم لا.

يستجوبون من لا يحمل هذا اللوح، فإذا كان هناك عذر يعطونه واحدا، وإن لم يكن لديه عذر يطلقون عليه الرصاص..

ومن بين جدران الغرفة، ومع تراجع ضجة السوق، ارتفع صوت التليفزيون وقد تنوعت فقراته التي تذكِّر المشاهدين بضرورة الحصول على الأوراق للرسم. تذيع مقتطفات من خطب الأخ القائد العام، عن العمل الوطني.

يقول المذيع، في لغة رصينة وحاسمة وآمرة ومرعبة، على قناة "الثورة وان" إن الأخ القائد العام، يعطي من مخه للدولة.. للوطن.. للشعب فردا، فردا.

ويضيف عبر الشاشة: "الجبين الطاهر للأخ القائد - حفظه الله - ينزف شحما ودما ليل نهار. تحت الشمس، وفي الليل، والناس نيام. يعطي للأمة.. يسطر لها تاريخا جديدا مجيدا. بمداد الدهن المبرقش بالدم، من عقله الفريد، يكتب فصول التقدم والتحضر".   

ويقلب مفتاح إلى قناة "الثورة تو".. هنا المذيعة تحض المواطنين على الاقتداء بالأخ القائد، والعمل من أجل الوطن. تقول بصوت رجولي خشن إن القائد العام مرشدنا وموجهنا وراعينا..

وتواصل، بينما الشاشة تبث لقطات لاستعراض القائد العام لمعسكرات الجنود وتشكيلات الثوار، قائلة:

-"إذا كان يعطي من ثقب جبينه الكريم كل خيط دهن وكل خيط دم، فواجب على كل مواطن، بل فرض، وفقا للمادة الثالثة من الدستور، أن يمنح ما يفرزه ثقب جبينه لمؤازرة الأخ القائد، حتى تستمر عجلة التقدم والتنمية، وحتى يمكن الرد على أعداء القائد والشعب والوطن في الخارج"- 

تنص المادة الثالثة من دستور الثورة على أنه يتوجب على كل مواطن من أبناء الشعب أن يسخِّر ما يخرج من ثقب جبينه لخدمة الدولة وما يوجِّه به القائد العام.. أما من يجد في ثقبه نزفا غزيرا فعليه أن يتوجه فورا لأقرب دورية للشرطة العسكرية أو للحرس الثوري، ويسلم نفسه.. 

تتراوح العقوبة لمن يستخدم أخلاط المخ النازفة من ثقب الجبين في الرسوم غير الوطنية، بين السجن والسجن المؤبد.. أما عقوبة مَنْ يُخفي وجود نزف غزير يشبه ما هو موجود عند القائد العام، فالإعدام شنقا أو بالرصاص.        

يفكر مفتاح في أن مسألة القدرة على الرسم بمداد المخ أصبحت صعبة، حتى بين أهله على الحدود، لأن ثقوب الجباه كانت تجف بمرور الزمن في عموم البلاد.. أوراق الرسم التي توزعها شاحنات الحرس عصر كل يوم، تعود وتتسلمها صباحا، ومن النادر أن تجد أي خطوط على أي منها..

يدفع بها الناس في خوف ممزوج بالسخرية، وهم ذاهبون لأعمالهم صباحا.. مجرد أوراق سوداء فارغة تتكوم على الأرصفة من جديد انتظارا لوصول شاحنات الحرس لتدور الدورة مرة أخرى مع حلول المساء.

رغم مضي وقت طويل على قيام الثورة، ورغم قلة الثقوب الحية في الجباه، إلا أن بعض الأشخاص ظلت لديهم القدرة على التلوين بالخطوط البيضاء والحمراء من المداد اللزج قبل النوم. 

تحول مفتاح إلى قناة "الثورة ثري".. مقتطفات لمن سلموا أنفسهم للدولة، بعد أن فشلوا، رغم وجود نزيف الجبين لدى كل منهم، في رسم ما يعبر عن الأخ القائد أو عن مبادئ الثورة أو عن المشروعات الوطنية.

يظهر على الشاشة كيف جرى شحنهم وترحيلهم لمعسكرات التأهيل، ومقتطفات من توجيهات القائد للشعب.   

يهش مفتاح الذباب والمخاوف من جديد.. يقول لنفسه إن الرسم من ثقوب الجبين لم يعد ممكنا في عموم الوطن إلا للقليلين.. يفكر في مصير أخيه المسجون.. هل أعدموه، مع أولئك الطلاب؟!

يمر الوقت ويحل الظلام وهو ينتظر وحده.. أحيانا يأسى لحال بلده التي تتعرض لانتقادات من الدول الأجنبية.. دول تلوح باحتمال فرض عقوبات جديدة.. دول تعادي الحكومة وتتحدث عن القائد العام وعن الحرس الثوري وتنتقدهم جميعا دون خشية.

فسرت تقارير دولية مختصة بثقوب الجبين السبب في نضوب الخليط الشحمي الدموي من الجباه لدى الشعب بأنه يرجع للقمع. وأعلنت الأمم المتحدة أنها تؤيد حرية التعبير وحق المعارضة في انتقاد سياسة القائد العام. وأدى هذا إلى ارتفاع وتيرة الاعتقالات بشكل غير مسبوق، بحثا عن أي متمردين.

كانت أياما صعبة.. حيث جرى تخصيص أسبوع للكشف الإلزامي على جِباه المواطنين في عموم البلاد. في تلك السنة نصب الحرس الثوري بالتعاون مع الشرطة العسكرية كمائن على كل طريق، وجرت إعدامات بالجملة..

بمجرد نزولهما من القطار ووصولهما إلى الغرفة، أخذ مفتاح صاحبه جمعة بعيدا عن الشركاء الثلاثة، وطلب منه أن ينصاع للأوامر، وأن يتسلم لوحه الورقي الأسود مثله مثل الآخرين، وألا يبات ليلته إلا بعد أن يرسم وجه القائد العام، وتسليم الرسم في الصباح لدورية الحرس.

وفي الحقيقة تعهد جمعة بأن يقوم بذلك.. تعهد أمامه، وبعد ذلك تعهد مرة أخرى أمام شركاء الغرفة، لكنه فشل في تلك الليلة.. يجد نفسه بعد العديد من المحاولات وقد رسم بالدوائر الشحمية البيضاء، نظارة سوداء تحت شعر كثيف مفروق من الوسط لفتاة حسناء غير قادرة على اجتياز الحدود.. خلفها صحراء وأمامها أسلاك شائكة.

في الليلة التالية حثه مفتاح علانية:

-"اسمع يا جمعة.. إذا كنت غير قادر على رسم وجه الأخ القائد العام وهو يؤدي التحية للاستعراض، فهذا ليس شرطا.. يمكنك أن ترسمه في أي وضعية أخرى.. مثلا وهو يلقي خطابا للشعب، أو وهو يفتتح المخابز، أو وهو يقف على الجسر وسط العمال أثناء البناء.. أو فارسم، على الأقل، علم الثورة"-

كان الشركاء الثلاثة يراقبون هذا الجدل وهم يهزون رؤوسهم في تحفز. وواصل مفتاح نصائحه لجمعة: 

-"اسمع.. إما أن ترسم أو لن أسمح لك بالخروج إلا لكي نعود معا إلى القطار، حتى زيارة شقيقك ستكون صعبة. وإذا تأخر تصريح الزيارة، وأنت هكذا، فستكون كارثة عليك، وعليّ أيضا"-

وبدأ جمعة يحاول مجددا في تلك الليلة.. التف حوله سكان الغرفة. أخذ كل منهم يمد عنقه تحت المصباح المعلق في السقف، ومراقبة أصابعه وهي تشد بسهولة وخفة الخيط الشحمي المبرقش بالدم من ثقب جبينه.. لكنه لم يستطع الرسم.. ويحاول مجددا، دون جدوى.

وبعد أن يتظاهر الجميع بالنوم، تبدأ مراقبته من تحت الغطاء، فيحرك أنامله بإيحاءات تثير الوجد، وهو يعاود رسم تلك الفتاة الواقفة عند الأسلاك الشائكة.

هل يمكن تسليم مثل هذه الرسوم للدورية. أتريد أن توحي بوجود عائق ما. اللعنة. ماذا يعني هذا؟ التفسير بسيط.. هذا انتحار!

وفي الصباح يبدأ مفتاح في هز اللوحة المرسومة أمام وجه جمعة وهو يؤنبه:

-"تسلم لهم هذا؟! أأنت مجنون؟ عليك أن تعود الآن في القطار. اترك لي موضوع الزيارة.. اذهب من هنا قبل أن تقتل أو تختفي أو تسجن مع شقيقك"-   

 ويمزق اللوحة بالفتاة التي كانت عليها..

والآن أين اختفى جمعة ومن معه، منذ الصباح حتى الآن.. هل أبلغوا عنه؟ وبالتالي هم الآن في مركز من مراكز التحقيق أو حتى الاعتقال!

إلا أن مفتاح يستبعد هذه الخواطر.. فمنذ جمعتهم الظروف في هذه الغرفة، تعاهدوا، دون كلام، على أن يحمي بعضهم بعضا، إلى أن يحصل كل منهم على التصريح اللازم للزيارة.

حل الظلام، فأغلق النافذتين المطلتين على السوق وعلى الشارع.. وأحكم غلق الباب.. لقد همد من شدة القلق والجوع والتفكير.. استلقى على لحاف على الأرض. ومن بعيد كان يسمع خليطا من أصوات الشاحنات وأصوات شبان الحرس الثوري، في نوبة توزيع الألواح الورقية السوداء على المواطنين..

انتهت
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف