الأخبار
بعد سعد الحريري.. كلمة مرتقبة للرئيس اللبناني ميشال عونانعقاد الجمع العام العادي لتجديد التنسيقية المحلية لمنتدى حقوق الإنسانجامعة القدس وكلية لندن للتجارة تبرمان شراكة لتأسيس ماجستير ادارةاللواء كميل يلتقي القطاع النسوي بمحافظة سلفيتفلسطين تفوز بمنصب نائب رئيس المنظمة الاستشارية القانونية الآسيوية الإفريقيةإنطلاق مهرجان حسناوات العرب في العالم بدورته الرابعةدرس افتتاحي لماستر التدبير الاستراتيجي للسياسات العمومية الأمنية بتطواناليمن: مؤسسة الأمل للتنمية تقدم دعماً لطلاب البدو الرحل بمديرية بروم ميفعاللجنة الشعبية للاجئين بمخيم الشاطئ تستقبل وفدًا من حركة فتحمحافظ طولكرم يستقبل رئيس الوزراءالاردن: أمسية ثقافية في رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرشايلياء للتنمية والثقافة والفنون تنظم فعالية لقطف الزيتونمدير تربية قلقيلية يلتقي البرلمان الطلابي في مدرسة أبو علي إياد‫ملبورن تشهد نصف ماراثون مُذهل للخطوط "السريلانكية"إنعقاد المنتدى الوطني للمناظرات بقيادة الشباب في فلسطين
2019/10/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

زرياب في مزاحمة الكلاب بين الدروب والهضاب 3 بقلم:د.محمد بنيعيش

تاريخ النشر : 2019-07-22
زرياب في مزاحمة الكلاب بين الدروب والهضاب 3 بقلم:د.محمد بنيعيش
                              3    

   الكلب الثلجي وممهدات زرياب للتشبث بالكلاب

مرت السنين والأعوام وتغيرت الظروف والأحوال ومات من مات وعاش من عاش وتزوج من تزوج وولد من ولد ورحل من رحل وتوظف من توظف وترف من ترف وهرف ومن هرف وسافر من سافر وصابر من صابر وكابر من كابر وثابر من ثابر وكسل من كسل...تلكم هي دورة الحياة في تبدل وتغير ،تبدل الأماكن وتغير الزمان وتطور المساكن وتنوع القرائن، لا يدوم قرين لقرينه ولا يستقر كائن في مكانه ولا تدوم حالة من غير دالة أو معادلة.كل يمر بحساب وكل ينتهي إلى مآب،يدور ثم يعود إلى المكان الذي دار منه " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ".

وبينما زرياب يكون قد انتهى من ذكريات الكلاب وتفرغ لما فيه من تحصيل متطلبات الحياة وعويص تعاريجها ورهابها ومطمأنها ومتطلعها ومستنقعها ،وفي فترة لم تكن بالمتوقعة ولا هي مبرمجة في دفتر اليوميات ولا مدرجة حتى في الكلمات، تطفو مسألة المواجهة مع هذه الكائنات التي ازداد احتقارها في المجتمع فشردت مجاميعها وانسدت عليها الآفاق ،ولم يعد ذلك الوادي الذي كانت تشرب منه بحرية تجده صالحا للري ولم تكد تعثر على مكان للمأوى الآمن والمستقر ولو بغير طعام أو سقف يقيها حر الهجير ولا برد الشتاء .

كما أنها لم تكد تضمن السير في الطريق بهدوء وروية واطمئنان ونخوة وذلك لأن الزمان قد استدار وتغير المركب إلى سيارات الحديد بدل مجرورات الحمار.وهذا ما سيشكل تحديا كبير لحرية الكلاب وتهديدا خطيرا لسلامتها وصحة أبدانها بحيث كم من كلب أعطب ما بين أعرج وكسيح وقرطيط(مقطوع الذنب) وفضخ ورضخ.هكذا يتم رميه في الطريق من غير محاولة إنجاد أو تخفيف ألم ومواساة،وذلك لأن البشر قد اقتلع العشب والشجر ولم يكد يترك للطبيعة الحرة أي أثر.فلم يجد الكلب المسكين غير الاختباء عند هطول الأمطار أو اشتداد لهب الهجير سوى الاختباء تحت هياكل السيارات كميكانيكي متمرس يختبر قاعها ويعد مساميرها وصفائحها كما يستنشق بنزينها ويتمرغ في ما يقطر من زيتها ،فيتسخ جلبابه وتنتن رائحته ويختل مخه ومستوى شمه.

هذا مما يتعلق بمسكنه ودار إقامته ،أما مطعمه فهو نكد في نكد ومقاومة وعرة للبقاء من خلال البحث في أكياس البلاستيك إذا وجدت ولم يسحبها عمال النظافة ،فإذا سحبوها فليكن استعمال ما في الجهد للقفز على الحاويات الكبيرة التي ترمى فيها الزبالة في منافسة مع القطط التي قد تكون أحسن حظا من الكلاب في هذا الأمر لأنها ماهرة في القفز السريع وعلى العارضة .ولا يكد يحصل الكلب في الغالب إلا على ما قد ينفلت من فم الهر حينما يريد أن يقفز بمفازته.

لكن المشكلة الكبرى للكلب تكمن في مشربه الذي قد حرمه الإنسان منه من غير رحمة أو انتباه ،فصرف المياه وخزنها وأحكم إغلاق الصنابير وختمها ولم يعد يوجد لغيره ما يستسقي به ،قد طال الحرمان حتى الطيور التي تطير فما بالك بالكلب ذي الأربع قوائم، والذي" إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ".بحيث هذا اللهث قد يسبب له عطشا متتاليا والذي قابله به الإنسان الحضري بالحرمان والمنع المتسع ،ولم يبال أو يتساءل لماذا يصيبنا القحط، وهل نحن في مقام السخط ؟.

لكنه لم ينتبه إلى هذا الاعتداء على حق الغير المستهان به والذي هو ذي كبد رطب مع ذلك. فلقد كان زمن الصبّانة والوادي أرحم بالكلب والهر والطير من زمن زرياب المتأخر حينما تطورت الكهرباء والكيمياء والفيزياء ،وكثرت مصادر الهضم والقضم والاستهلاك والامتلاك.فغيبت العيون وغوِّرت ،وجفّت السواقي وتقحلت.

 ولم يبق للكلب مورد يرده لإرواء عطشه سوى أن يهلك أو يصيبه السعار غضبا من القوم وعتوهم ،وخاصة في فصل الصيف الحار حيث لا يوجد في الحاضرة سوى الأسوار الآجورية النارية والدخاخين الكربونية المحترقة، ولا شجر ولا أخضر يخفف من وطأة الحر والعطش ،فلم يعد يرى سوى السراب" حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ".

وحساب الكلب سينقلب على البشر بالخوف وبالجوع ونقص الثمرات وما إلى ذلك ،كما قد يتطور إذا لم يستدرك إلى" كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ" فارحم من في الأرض يرحمك من في السماء.ألم يقرأ القوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الذي أو التي، غفر الله لها ،أو له ،بالرغم من كبر خطاياه أو خطاياها، بمجرد أنه أو أنها أروت أو أروى كلبا عطشا بكفيه أو كفيها؟.

وإذا قرئ الحديث بمنطق الخلف فقد لا يغفر لمن ترك كلبا أو هرا يموت عطشا ولا يرويه لأنه مسئول عنه.حتى إنك قد تجد المدينة على طولها وعرضها لا يوجد بها محقن أو دلو وإناء يوضع عند الدرب أو باب الزقاق والحي كصدقة ترحم بها الحيوانات من كلاب وهررة وطيور وحتى حشرات !!!بينما المياه تصب صبًّا في التفاهات تبذيرا وتبخترا.

لكن زرياب بالرغم من قلبه الحنون هذا ورقة مشاعره نحو الآخر ،الذي قد يبكيه كثيرا لحد النّواح بمجرد أن يرى بؤسه ظاهرا وعابرا ،لم يكن ليتفطن إلى هذا المطب الذي وقع فيه هو و مجتمعه بقساوته المقصودة وغير المقصودة،وليس كل مجتمعه قاسيا ولا هو متعنتا ،ولكن ظروف الحضارة والتطور بغير ضوابط خلقية وتوازن مدروس جعل من الخيّرين أشباه الشريرين ومن الشريرين في صدور الميادين ،هم من يقررون وهم من يخططون وهم من يستغلون وهم من يأكلون ويلتهمون.وكيف بمن لم يأبه بأكل أخيه من جنسه أن يلتفت إلى حال غير جنسه وخاصة الكلاب مظنّ النبذ والبعد؟.

وفي ذات صيف حار وبمدينة حارة وعلى غير موعد وقصد ،ومن صلة قريبة ومصاهرة، زاره زوار يقربون إليه بقرابة صهر ومعهم أطفالهم، وعلى غير المعتاد قد كان معهم كلبهم.كلب من بلد بارد ثلجي اللون أزرق العينين جميل المنظر والمخبر يضحك ضحكا ويطير فرحا ويتحرك طربا.دخل على زرياب الكلب في منزله فلم يستأذن حيث يجلس أو يقف وإنما في لحظة كالبرق جاب البيوت والأماكن من مكان لمكان لا يكاد يلحق به ولا يمسك به،لأنه في تصوره يعتبر أن الجميع يرحب به والكل يقبل زيارته ولم لا لمسه ،لكنه لا يكتفي باللمس وإنما يسعى إلى اللحس والشم كعادته وطبعه ،إذ حبه أقوى من حب صاحبه وتعبيره أعمق من تعبير مقتنيه.فهو لا يجامل ولا يسلم تسليم العائف والمتكلف ولا يبدي أنيابه إلا لمن هو له مهدد أو مخوف.

زرياب لم يستطع أن يتمالك نفسه وفي حضرة صاحب الكلب حتى صاح:- أبعدوا عني الكلب ولا تتركوه يقترب مني.أبعدوه ثم أبعدوه فلا أريد أن ألمسه ولا أطيق أن يلحسني، فقد ينجس ثوبي وأنا مقبل على الصلاة فيبطلها.

أجابه زائره ،كأخ عزيز عليه ،بعفوية وأريحية: لا عليك فقد لا يؤذيك ،بل هو فرح بك.

رد زرياب :- وإن يكن، فليس لي حاجة في الكلاب ولدي وسواس النظافة ،فكلما شمني أو لمسني فقد أذهب  لغسل يدي أو بقعة من الثوب حيث حاذى بأنفه شيئا مني.

عقب صاحبه:يا أخي إن هذا الكلب قد وجدت معه نشاطا وسرورا كبيرا ،وقد أدخل علينا الفرحة ،كما أنه يزيل الكآبة،هكذا يقال ...

توقف زرياب قليلا ثم عقب:ولكن الكلاب فيها نجاسة وتسبب أمراضا كثيرة قد يقال لها الدودة الشريطية وأمراضا أخرى يعاني منها الغربيون ومن في حكمهم ممن يقتنون الكلاب ويسكنونها معهم في المنازل.

هكذا جرى الحديث بين زرياب وصاحبه في مناظرة أخوية وضحك وسرور لم يعهداه ولم يعهده أهل البيتين من قبل، بالرغم من قرابتهم الوثيقة.مناظرة فيها أخذ ورد هذا يصف صاحبه بالوسواس والآخر يعتبره مهملا ومفرّطا في حكم الشرع بخصوص الكلاب والنظافة ،ومع هذا فهما متفاهمان لأنهما رأيا فرح أطفالهما بما لم يعهدوه من قبل ولم يستطع قريب أو بعيد أن يهبهم هذه الفرصة للتنفيس وتغيير المناخ.

مناخ قد كان جله ضيق وقمع وإسكات وسين وجيم ...لكنه الآن تغير إلى مشاركة جماعية في الحوار واللعب مع الكلب والجري وراءه والهروب منه ولعب الغُمَّيضة معه،وإرسال الكرة عالية وبعيدة فيسرع لقطفها في الهواء ثم العودة بها فرحا مبتهجا، ليس له إلا هذا ولا يعرف للكآبة والغم والهم وحسابات ولا للمجاملة الزائفة والتكلف طريقا إلى نفسه.

مر الكلب الثلجي من بيت زرياب عابرا ومخلفا وراءه ذكريات ومباهج وانتعاشا في عطلة صيفيةلم تكن تمر سوى بالزفير وشدة الحرارة وما يشبه الغم والاكتئاب ،إذ فرص الاستجمام قليلة في تلك المنطقة التي قد تختلف عما هي عليه حالة المدينة الأولى، بالرغم من كآبتها ورطوبتها وضغطها الجوي الذي يولد الكسل وينمي الرغبة في العنف والعبوس والجدل العقيم ،وما يتبعه من سوء تفاهم ليس له من سبب سوى المناخ وما حوى ونوع الماء الذي به يرتوى.

ولم يكن العيب في المناخ ولا في الماء ولا الموقع ،ولكن العيب كان في زرياب الذي أبى على نفسه سوى الاكتئاب بمبررات سيندم عليها فيما تقدم من عمره وسيرته.فحرم نفسه وأهله من مباهج الحياة وضيق عليهم في وقت الاستجمام والسفر والعطل ،وخاصة عطلة الصيف التي لا تليق سوى بالتنقل من بلد إلى بلد وتغيير المناخ إلى آخر عكسه حتى يتم تجديد الطاقة وتجديد خلايا المخ والعلاج بالمضادات المناخية والجوية والمائية .

فلم يكن يرتاد البحر ،سواء في النهار أو في المساء، بالرغم من قربه للمدينة التي كان يقطنها على بعد كيلومترات قد تعد على أصابع اليد الواحدة، وذلك بمبرر عدم جدوى الانخراط في وسط العري والاختلاط وما إلى ذلك كغيرة والتزام ،هذا مع ما كان يتذرع به من أن الميزانية قد لا تسمح والظروف غير مواتية...،وهذا حق ومعقول في بعض منه ،ولكن كان لا بد من البحث عن البديل وإلا فالموت البطيء هو المنتظر حينما يسافر كل الناس وتبقى أنت وأهلك بين أربع حيطان آجورية تلهب مخك ومخهم ،وتضيّق صدرك وصدرهم، وتقطع نفسك ونفسهم، فينعكس ذلك على سلوكك وسلوكهم بالسلب والتوتر وتبادل اللوم وامتداد الاحتقان الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الانفجار وتقرير زيارة طبيب الأعصاب ،ولم لا طلب الاستضافة في مستشفى الحمّاق (الأمراض العقلية والنفسية)!. ولم ينتبه زرياب لهذا الخطر المحدق به والمنغص للعيش والنفس إلا بعد فوات الأوان بالرغم من ذوقه الفني واستحلائه للغناء وحبه لجمال المنظر والإيقاع الذي اكتسبه بالقرية السابق ذكرها. 

فلقد كانت زيارة الكلب الثلجي كأنها جاءت على موعد مع طبيب، في حين ستكون موازية لبعض الانفتاح الذي بدأ يعرفه زرياب بخصوص توفير فرص الترفيه لأهله وتغيير أسلوب التعامل مع المحيط والمتوسط ،بحيث سيخطو خطوات محتشمة نحو ارتياد بعض أماكن الاستجمام العامة والتي كان يفضل هو وأهله أن تكون مصطافات غابوية لأنها أقل إحراجا من البحر ومذاهبه ووساوسه.

لكن ،بعد الملاحظة وبعض استراق للنظر سيجد أن الأمر يكاد يكون سيان، ولايوجد الفرق إلا في نوعية الماء المستحم به ،هذا عذب بارد سائغ للشاربين وذاك مالح أجاج فاتر ينعش العظام ويغسل الأعين ويحمر الأجسام لحد السمرة أو الحرقة مع إعادة الكرة تلو الكرة.فتذكر حينها زرياب قصة أو لنقل نكتة شعبية مستوحاة من ثقافة أهل الجبل والبادية،وذلك أن أحدهم سمع صاحبه يتلو قول الله تعالى"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"،فأجابه للتو: بل حتى عندنا في الجبل !.أي أنه قد توهم بأن الآية ربما تكون قد أغفلت الجبل بالاسم من هذا الحكم وذلك لما بدأ يتساوى فيه أهل الحاضرة مع أهل البادية من سلوك ومظاهر بسبب التطور وسرعة التواصل.

لكن زرياب قد كان واعيا بهذا التغير ولكنه كان يغالب الأمر ويعاند الواقع أملا في أن يحدث يوما تغير وتطور ،ويتم تنظيم هذه المصطافات وتخصيص ما هو للحرية وما هو للمقيد عند مسئولي البلد ،وهذا توهم واستئناس لحرق الزمن وغصة ضيقه ونغصه. 

فهو ليس لنفسه ،ولو كان الأمر كذلك لبقي في بيته وعزلته مختبئا ومنزويا في ركنه قد تعود على هذا الحال واستمرأه ،بل سبب له خوافا وارتعابا من الخروج والابتعاد عن دائرة مدينته ولم لا حتى حيه وزقاقه حيث يقيم.وكأنه هنا يعيش ذكريات المدينة في زمن الصبّانة والمزرعة والخوف من قطاع الطرق ومباغتة الكلاب وعفاريت الوادي.

لكن وفي فترة من فترات الصيف كان زرياب بمعية إحدى بناته ،ابنته الصغرى، يتنزه بين الأشجار بحديقة عمومية بالمدينة التي سكنها في آخر مطافه ،وهي تبعد عن الأولى مئات الكيلومترات وتختلف كما قلنا بيئة وثقافة ومناخا وأيضا  هضابا وكلابا.

فإذا بهذه البنت النجيبة تجول به جولة في نواحي الحديقة ،وفي نيتها قصد ما، ثم تلح على أن تبحث عن نادي سمعت بأنه خاص بركوب الخيل .كعادته فقد استبعد زرياب وجود هذا النادي ،بل حاول بكل ما أوتي من أسلوب في أن يصرف بنته عن التفكير في هذا الأمر ،هذا مع اعتباره أن ركوب الخيل ليس من بالمناسب للفتيات كما هو ليس من حظ الطبقة الفقيرة مثله ومن في شاكلته أو أقل منها ،لأن المعروف والمشهور هو أن رياضة ركوب الخيل هي رياضة الملوك وما دخل الغوغاء والدهماء بل حتى العلماء في هذا الشأن؟

لكن عزيمة البنت قد كانت أشد من عزيمة أبيها ،وإرادتها أقوى من إرادته ،وطموحها أبعد من طموحه ! فلم يكن بد من أن يجاريها ويستجيب لطلبها في البحث حتى عثرا على مقر النادي والذي كان خاليا في صيف محرق ومرهق .إذ الخيول كانت تستجيب للراحة في هذه الفترة ،فلا ركوض ولا قفز على الحواجز ولا استعراض.

كان زرياب مستبعدا كل البعد أن يسجل بنته في هذا النادي نظرا للأحكام المسبقة التي كان يخزنها في ذهنه المقوقع وخارج التغطية.يستبعد من حيث اعتبار القبول بسبب الانتماء الطبقي، ويستبعد بحسب المصاريف التي ستكلفه للتسجيل والانخراط،فقدم رجلا وأخر أخرى، لكن الرجل التي تقدمت هي التي غلبت وذلك لغلبة إرادة بنته وقرة عينه وفاتحة أمل التغيير في حياته وحياة البيت كله.

فما أن تقدم للسؤال عن إجراءات الانخراط في النادي حتى فوجئ بأن التكاليف جد زهيدة وأن الأمر لا يعدو سوى بعض الدراهم قد تدفع رمزيا كدعم لبعض أمور الصيانة.وبسرعة تم التسجيل وتحقق الحلم وبدأت الفرحة تدخل البيت بفعل حضور حصص التدريب الذي كان يتم بانضباط تام والتزام ،ويحمل الطابع العسكري دقة واحتراما وصرامة.

فلقد كان المدربون في أغلبهم من أجود الناس خلقا وتواضعا وصبرا وحرصا على تدريب من يتولون تدريبه مما شجع وحبب لزرياب وأهله الحضور شبه يوميا لرؤية حصص التدريب والتباري بالقفز على الحواجز وكل ما تقتضيه رياضة ركوب الخيل،فكان يلتقي في بعض الأحيان مع رجال وأطر من درجات عليا في صف الجيش يشرفون على تسيير النادي فلا يرى في غالبيتهم سوى التواضع وحسن الخلق والمعاملة والتشجيع ،فكان أن تغيرت نظرة زرياب إلى رجال جيش في بلده وحماة الديار من أمته، على عكس ما كان يتوهم ويسبق إلى ذهنه من سوء ظن وتوقع خشونة وكبر مترسخ ...فتولدت بينه وبينهم صداقة واحترام متبادل فتح باب الأمل لديه بأن البلد قد يكون بخير ما دام مثل هؤلاء من يتولون حمايته.

بدأت الرحلة مع الخيول وتنوعت الأنشطة وزالت كثير من العقد والأحكام الزائفة المسبقة ،فكان زرياب يفرح كثيرا حينما يرى بنته الصغرى وهي تستيقظ مبكرا  ،والفرح والسرور يعلو محياها، فتستحضر معها ما يلزم من أدوات ولباس خاص بركوب الخيل ،هذا مع ما يتطلبه الأمر من علاقة ود بين الفارس وفرسه والذي يعجبه كثيرا طعم الجزر وبعض المرطبات من الخضر.فكانت تأخذ معها ما أمكن من تلك الفواكه إرضاء للخيل وإرضاء للضمير وتسلية ما بعدها من تسلية.إذ "الخيل معقود  في نواصيها الخير".

فلقد كانت عزيمة البنت وإرادتها قوية وكان طموحها أن تحصل على الدرجات الأولى في التباري منذ البداية ،وفعلا تحقق لها ذلك جزئيا فنالت جوائز رمزية محدودة طبعا بحسب سنها ومستوى التباري في ناديها ،ولكن ذلك شجعها في دراستها وتكريس طموحها نحو المراتب العلى وركوب مطايا العلوم وارتياد أصعبها وأشدها على النفوس دقة وصرامة وتعقيدا.

ومع كل هذا وما قدمه الخيل من تحفيز نحو الطموح فقد بقيت ذكريات الكلب تطفو بين وقت وآخر على حديث البنت ،خاصة وأن أبناء الخالة الصغار كانوا قد أرغموا والدهم على أن يعوضهم عن ذاك الكلب الثلجي بآخر  مباشرة ،بعد موته بشكل مفاجئ وبسبب إهمال بعض المروضين له إما من نقص نظافة أو بسبب شرب ماء أو طعام مسموم لم يكتشف حينها سبب موته.

فكانت هذه الحادثة صدمة لأولئك الأطفال وذويهم ومعهم حتى أهل زرياب، لغاية أن بكوا عليه وانتحبوا.فكان يأخذه العجب وربما يلومهم على هذا الحزن الذي يراه من منظوره الضيق نحو الكلاب بأنه مبالغ فيه وأنها لا تستحق حتى أن يحزن عليها فما بالك بأن تصير مبكى ومأتما.

هذه الأحداث والتواصل عبر الهواتف واستخبار حال الكلاب جعلت من بنت زرياب هي الأخرى أن مهتمة بها كاهتمامها بالخيول أو أكثر ،فبدأت بين فينة وأخرى تحاول أن تستدرجه نحو سوق يعرف بسوق الكلاب بالمدينة لمجرد الاطلاع على أشكالها والتعرف على أنواعها وأصولها ،فكان في بعض الأحيان يجاريها ويمر معها بالسوق بعد الفراغ من ركوب الخيل حتى جاء الموعد المحتوم وتبدأ الرحلة بما فيها من أبطال ونجوم.

ولقد كانت البنت بهذا المسعى للجمع بين رياضة الخيول واقتناء الكلاب تعبر من حيث قصدت أو لم تقصد عن قاعدة فلسفية وأخلاقية سلوكية جد عميقة،إذ كما هو معروف في فلسفة أفلاطون أن قوى النفس الإنسانية تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:القوة العاقلة والقوة الشهوية والقوة الغضبية.ولتحقيق التوازن النفسي والضبط السلوكي فلابد من أن تكون القوة العاقلة متحكمة في القوتين بالتوازي وفي آن واحد.ومن هنا فقد يرمز كثير من فلاسفة النفس والأخلاق إلى هذه العملية براكب ،وهو القوة العاقلة،يمتطي عند الصيد وفي مكان أخضر متنوع الكلأ حصانا وهو القوة الشهوية، وبيده اليمنى يتحكم في سرعته بلجامه ، وباليد اليسرى يشد إليه بربطة عنق أو حبل كلبا وهو القوة الغضبية فيمنعه من النباح والتهديد بالعض والهجوم.فكلما جمح الحصان رده بالكلب نبحا وكلما جره الكلب وأكثر النباح والإثارة أوقفه من خلال الحصان قوة ورسوخا،إذ الشهوة تسكن الغضب والغضب يحد من جموحها .أما إذا ترك الحصان يركض من غير لجام والكلب ينبح من غير  شد حبل أو حزام فقد يكون ذلك سبب سقوط الفارس شر سقطة.بحيث إن النباح يهيج الحصان وفي هياجه يزيد من نباح الكلب فلا تتهذب النفس الغضبية ولا النفس الشهوية وتضيع معها النفس العاقلة.إذن فلا بد من التلازم  والتوازن بين الحصان والكلب والفارس حتى يتم السلوك بأمان وسلام !!! 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف