الأخبار
مجدلاني: (أوسلو) مات وكفناه واضطررنا له بسبب تصرفات حماس عام 1987السادة: "ذا تالنت" أول منصة الكترونية للبحث عن مواهب الوطن العربي الحقيقيينجامعة فلسطين تفتتح عيادة التغذية المجانية الأولى في فلسطين"التربية" تنظم حلقة نقاش حول مؤشرات دراسات التقويم الوطنيطلبة جامعة بيرزيت يحتجون على إجراءات الاحتلال بحق أساتذتهمالفلسطينية لرعاية مرضى السرطان توزع حقائب مدرسية على الأطفال المرضىاشتية: لا نُعوّل على نتائج الانتخابات الإسرائيليةفيديو نادر.. بليغ حمدي يحكي سبب عصبية أم كلثوم بحفل "ألف ليلة وليلة"دار الكلمة الجامعية تطلق برنامجين وفقاً لنظام التعليم التكامليكلاسيك بارتنرشيب تفوز بعقد إعلانات هيئة كهرباء ومياه دبيمركز د. حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية يحيي الذكرى المئوية لميلادهجامعة الاستقلال تبحث سبل التعاون مع الضابطة الجمركيةالزق يُطالب باستمرار عمل وتجديد وكالة (أونروا) وإعادة تفويضهاطليق سونغول أودان يتحدث عن خيانتها له خلال تصوير مسلسل "نور": لدي أدلةسوق الأدوية في السعودية جزء رئيسي من "رؤية المملكة 2030"
2019/9/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التحدي السيزيفي في شخصيات المجموعة القصصية "سيزيف الأخير" لـ وداد الحبيب

تاريخ النشر : 2019-07-21
التحدي السيزيفي في شخصيات المجموعة القصصية "سيزيف الأخير" لـ وداد الحبيب
التحدي السيزيفي في شخصيات المجموعة القصصية

" سيزيف الأخير "

للكاتبة وداد الحبيب

بقلم: الهادي عرجون


  يقول ألبير كامو " المثابرة في حد ذاتها ... كافية لتملأ قلب الإنسان. على المرء أن يتصور سيزيف سعيدا".

   بين طقوس على باب العزيز تغترب الكاتبة وداد الحبيب في رقعة شطرنج مجموعتها القصصية في غمامات لا واعية و هي في صراع بين سعادة و تعاسة تصنعها بقلمها للخلاص من وجع الكتابة في آن ما استطاعت إليه سبيلا لترتكب غواية الكتابة لتطل علينا بمجموعتها القصصية الجديدة " سيزيف الأخير" الصادرة عن دار ورقة للنشر و التوزيع في 112 صفحة من الحجم المتوسط وتعتبر هذه المجموعة الإصدار الرّابع للأديبة التونسيّة بعد " ثرثرة أنثى " ، " أنا العاشقة " و " خيال المرايا ".

   و الملفت للانتباه أن عبارة " سيزيف الأخير " باعتبارها عنوانا للمجموعة فإنها لا تحوي بين قصصها قصة واحدة بهذا العنوان فسيزيف كما تعرفه الأسطورة بأنه تجاوز وخرق بشكل لا تخطئه العين حدوده لأنه اعتبر نفسه ندا للآلهة حتى يٌبلغ عن حماقاتهم وطيشهم ونزقهم. وكنتيجة لذلك، أظهر زيوس ذكاءه الخاص بأن ربط سيزيف بعقوبة وحيرة أبدية بحمل الجلمود لأعلى التل، و ما أن يفعل تتدحرج الصخرة إلى الأسفل فيعود سيزيف و يحملها من جديد و هكذا دواليك إلى ما لانهاية له. وطبقا لذلك فإن الأنشطة عديمة الهدف أو اللامتناهية توصف بأنها سيزيفية. وقد كان سيزيف وقصته يشكلان موضوعا شائعا للكتاب القدامى و لكن أين سيزيف من كل هذا في هذه المجموعة القصصية؟

   و لكن المتأمل في نصوص المجموعة يلاحظ نوعا من التحدي: (الواقع – السلطة – المجتمع – العائلة...) ذلك التحدي الذي برز في الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث هذه الشخصية المحكومة بعذاب يشبه ألم سيزيف، لنكتشف أن الجزء الأول من المجموعة هو في الحقيقة مجرد رواية أو جزء من رواية لم تكتمل خاصة مع تواتر أحداثها من نص إلى آخر و كذلك لاستمرار حضور الشخصيات التي استمرت في توالد الأحداث.

    والأديبة التونسيّة وداد الحبيب تضعنا في سيزيف الأخير أمام نوع من التحدي، تحد مختلف ربما يراه البعض تحديا عاديا بقدر ما هو تحد يستحق أن يناضل و يكابد الإنسان من أجله خاصة إذا ما تعلق الأمر بحرية شخصية (ارتداء الحجاب) " كانت سنة الباكالوريا و كنت الفتاة المحجبة الوحيدة بالمعهد..."(ص15).

    لينطلق التحدي بلعبة الكر و الفر بين رغبة الفتاة التي وصفتها القاصة بأنها فتاة خجولة، كثيرة الصمت حد الريبة و لكنها في الآن نفسه تقف فجأة في مواجهة المدير و ليس أي مدير " ... وسط كل ذلك تسلل بداخلي إحساس آخر غريب تعجز الكلمات عن وصفه سأقول أنه يشبه الإحساس بالانتشاء و بالانتصار  قبل بدء المعركة و كأنني مشعل الإيمان يواجه سراديب الظلام"(ص16)، و سلطة العائلة المتمثلة في:

-  الأب: الذي صار متدينا و يرى من حق ابنته أن ترتدي الحجاب بعد أن كان يداعب خصلات شعر زوجته :" سكت أبي و قد بدا الهم واضحا على وجهه أما أمي فعلقت قائلة: لا يوجد ما هو أسهل من الكلام. هذا ما كان ينقصني". عندها نهض أبي و قد تثاقلت خطواته يتمتم " استغفر الله... استغفر الله..." توضأ و صلى ثم استسلم للنوم"(ص19).

- الأم: التي كانت متحررة قبل أن ترتدي الحجاب و التي ترى أن ابنتها لابد لها من أن تعيش حياتها قبل ارتداء الحجاب: " من جاراتنا من تضع الحجاب منذ أن أدركت الليل و النهار و لم أقارن يوما بينهن و بين أمي التي تعشق وضع الحناء بشعرها الأسود المسدول على كتفيها و ابتسامات والدي لها و مداعباته لخصلات شعرها بعد كل زيارة لمصفف الشعر"(ص12).

   و تصارع كذلك سلطة المعهد المتمثلة في ( السيد حازم ) و من اسمه جاء الحزم و الشدة " مواجهة مدير و ليس أي مدير فالسيد حازم رجل صعب المراس، قليل الكلام، كثير الأوامر. وجهه الأحمر يزداد احمرارا كلما لمح ظل شخص قادم من بعيد. هو متهيئ منذ نشأته للنبش عن أسوء ما فيك و المضي في استفزاز مشاعرك ..."(ص16).

    و لكنه في الآن نفسه رجل لين الطبع طيب القلب " بعد جدال طويل اتفقنا على أن تدخلي للمعهد من الباب الخلفي قبل الوقت بخمس دقائق إلى القسم مباشرة و دون أن تتحدثي إلى أي شخص و قبل نهاية وقت الاختبار بعشر دقائق تغادرين من نفس الباب الخلفي. ستجدين الباب شبه مفتوح. سيحاول أن لا يتواجد في قاعة الاختبار، سيتجنبك ما استطاع..."(ص20-21) و السلطة المتمثلة في ( الوالي)" دخل علينا حارس المعهد مذعورا لا ندري أي مصيبة خطفت لون وجهه. صرخ في" أنت بسرعة بسرعة هيا سأخبئك. من أي مصيبة حللت علينا. و الله حرام عليك. " لم نفهم شيئا. قلت و الامتحان؟ أجاب ممتعضا: " أي امتحان و الوالي هنا " اصفر وجه المدرس الذي يراقبنا و هرول نحوي يجمع أدواتي و يرمي بها في محفظتي..."(ص28).

  ليبرز سيزيف الأخير ذلك القلق الوجودي الوجدانيّ الذي وشح أفكار و تصرفات شخصية يمكن اعتبارها شخصية محورية في المجموعة مع شخصيات أخرى كان لها أثر في هذا الصراع الوجودي، كشخصية عزيز المتقلبة و المتهكمة و الذي كان يعرف بعزيز المعتوه داخل المعهد وخارجه و بتأليف الأكاذيب و الإشاعات و السخرية من الحجاب " عزيز الذي كان لا يمر بجانب فتاة إلا و يلمس مؤخرتها... عزيز الذي كان يفضل الذكور و يقول ليس للرجال إلا الرجل يفهمني و أفهمه فلم أزعج نفسي بالجنس الآخر"(ص25-26) هذه الشخصية المتهكمة و الباحثة عن نفسها رغم ما يحوم حولها من مرح و سخرية و بث الفوضى و استفزاز و سخرية ( ألست آية من آياته و معجزة من معجزاته؟) و يعيش حياته كما يحلو له  ينقلب داعشيا " و لعل من أغرب ما سمعت و من الأخبار التي جعلتني أدرك كيف تضحك حد البكاء. بكاء مريرا مؤلما ينبثق كالشوك من بين الأضلع خبر سفر عزيز المعتوه للجهاد في سورية و استشهاده هناك"(ص25).

   كما برز ذلك في مختلف النصوص ذلك التحد سواء كان تحديا نفسيا أو بيولوجيا او روحيا ... و لكن في هذا الباب اخترت الحديث عن أهم ما تميزت به بعض الشخصيات و المواضيع التي شكلت عنصرا من العناصر التي اجتمع حولها عديد الكتاب و الذين تطرقوا لها بطرق مختلفة كما كان الاختلاف عند الكاتبة وداد الحبيب في مسألة الحجاب و كذلك الإرهاب فالموضوع واحد و لكن كيفية طرح الموضوع فيها من الاختلاف الشيء الكثير.

   فالكاتبة وداد الحبيب بتطرقها لعديد المواضيع ( مسألة الحجاب – الفساد – الجهاد في سورية ) و غيرها من المواضيع الأخرى، تكتب بجرأة، فهي تقلب منعطفات و منعرجات المجتمع الذي تسكنه المتناقضات بنبش المسكوت عنه وتبثه بطريقة نقدية ساخرة تارة وجدية تارة أخرى ليبرز ذلك الخيط الفاصل بين الجد و الهزل و تكشف عن آراء فكرية وحالات نفسية تعبر عن حقائق مجتمعية و قيم إنسانية و قضايا وجودية في المجتمع التونسي لنكتشف مع كل ذلك الحضور الإبداعي الذي ساهم في كشف أسلوب الكاتبة وصورة الكتابة التي تعكس فكرها و شخصيتها التي تنوء بثقل الواقع المعيش و بأفكار مجتمعها.

   و هذه الأفكار و الآراء التي تحملها عبرت عنها في حوارها الذي أجراه معها أيمن دراوشة بصحيفة الزمان العراقية بقولها " الكتابة الأدبية حياة من نوع خاص، إنّها مكابدة لذيذة ووجع جميل. عندما أكتب أكون في مناخات مختلفة وكون خاص أعبر خلاله إلى دنيا الوجود السرمديّ … دنيا المشاعر الشّفيفة…أكتب من نفسي لكلّ الذين يقفون على ضفّة الانتظار… انتظار ميلاد جديد وفجر متجدّد… أكتب للإنسان الذي يكابد من أجل أن يعيش ..للمرأة التي تبحث عن كيانها المفقود ..العاشقة التي تُذبَحُ مشاعرها على خشبة النسيان والقهر .. للطفلة الحالمة فيّ… للمقهورين في زمن الجحود … للمنسيين من موعد الفرح… لكلّ الذين تُدينهم قوانين الظلم وشرائع الفساد… أكتب عندما يتملّكني التمرّد ويجتاحني الوجع ويرحل بي طائر الفينيق لأحترق معه…"

    و في الختام يمكن القول أن الكاتبة وداد الحبيب التي لا ترتهن لجنس واحد من الكتابة الإبداعية تنطلق من الواقع لتعود إليه لتنتصر لقضايا الإنسان و الواقع و المجتمع فهي لم تجانب الواقع و لم تدر ظهر نصوصها للواقع بل تستقي منه فالقصة عموما من الفنون التي تحتكم لأبجديات الواقع ولعتبات الحقيقة التي نعيشها و نحياها لتنقل لنا الحقيقة و تعريها و تكشف فسيفساء المجتمع بكل ما فيه من متناقضات و أفكار. و هو ما يجعنا نرقب أمواج نصوصها التي تفردت بخصوصية خدمت النص و ميزت لغته و طريقة طرح القضايا التي عبرت عن حالات فكرية و وجدانية لامست اليومي و عايشت الواقع.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف