الأخبار
قافلة طبية متعددة الإختصاصات بالمجان لفائدة ساكنة العوامة بطنجةاللجنة الشعبية للاجئين ونقابة المحامين تبحثان سبل تعزيز العلاقات والتعاون المشتركبدء استقبال طلبات السعوديين لجائزة خليفةمركز الميزان: تراجع أوضاع الصيادين الاقتصادية بشكل خطيرمصر: النائب الجمال ينهى مشكلة مرضى التأمين الصحيوفد فلسطيني ينهي الزيارة العلمية إلى كيبيكجامعة فلسطين الأهلية تعقد ورشة عمل بعنوان "المخدرات وعلاقتها بالانتحار"الجالية التونسية في غزة تحتفل بعيد الجلاءعقد محاضرة حول مشروع التعرفة المرورية في إمارة أبوظبيفلسطينيو 48: جريمة جديدة في الـ 48.. مجهولون يقتلون "إغبارية" في أم الفحمبن سلمان يجتمع مع رئيس وزراء جمهورية باكستانرئيس بلدية دورا يختتم زيارته الرسمية لجمهورية المانيا الاتحاديةاللواء كميل يؤكد على أهمية دور "العلاقات العامة والاعلام" بالمؤسسات الرسميةجمعية نساء من أجل الحياة تنظم لقاءات توعية بسرطان الثدي"ريل فروت" تعلن عن توفر وظائف جديدة
2019/10/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

تل القمر بقلم:سفيان توفيق

تاريخ النشر : 2019-07-20
تل القمر بقلم:سفيان توفيق
تل القمر
سفيان توفيق

[email protected]

لم يغب عن ذهنه قرار اعادة تعيينه طوال الثلاثة اشهر التي مرت  ضمن العطلة الصيفية على كل اهل القرية ممتلئة بضجيج وصخب اطفال المدارس الذين شذّت رعرعتهم الان ولمدة ثلاثة اشهر فقط في الشوارع والمقاهي ، قبل ان يعودوا الى المكان الذي يتعبرونه سجنا ممثلا بمدرستهم . لكنهم ومع ذلك ولقلة اهتمامهم فلم يتنامى الى مسامعهم خبر اعادة تعيين ابو عماد مديرا جديدا لمدرستهم ، مع ان الشائعات انتشرت لدى الطلاب بأن هنالك مديرا جديدا سيباشر عمله مع بداية العام الدراسي الجديد ، الا ان السؤال عن هويته لم يشغل احد ، فالخبر الرئيسي كاف بالنسبة لهم واما تفريعاته وتفاصيله فهي جانبية .

شكلت هذه المدرسة بمبانيها المهترئة والدهان المنسلخ عن الجدران الداخلية والخارجية وما رافقها من دورات مياه عفنة وزجاج مكسور وغرف ضيقة عبئا جديدا يضاف على كاهل ابو عماد في خطته الصارمة لإعادة اعمار هذه المدرسة من بعد خرابها على يد المدير "الديمقراطي الضعيف السخيف"-على حد تعبير ابو عماد- السابق ، والذي تولى رعاية المدرسة لمدة ثلاث سنوات شهدت فيها هذه القرية اسوأ اجيال قد خرجتهم الى الشارع، تحت شعارات الديمقراطية لا سيما من بعد قرار "عدم الضرب" الذي تم اصداره من قبل الوزارة ، والذي لم يتوانى ابو عماد عند استلامه له وشروعه بقراءة الرسالة عن البصق على القرار ، ثم ضمه بكلتا يديه ورميه بقوة بعيدا عن السلة .

-         خير ، ماذا حصل ، ولماذا انت متضايق هكذا . سأل مساعده .

-         يريدون ان يدمروا كل ما بنيناه .

-         من هم ؟

-         فلينشغلوا بالاقتصاد ، بالسياسة ، بالزراعة ،الصناعة ، اما التعليم فليتركوه لنا ، ليتركوه لأهله .

-         قل لي ماذا حصل ، وماذا في الورقة التي قرأتها . وهنا همّ المساعد بفتح الورقة من بعد التقاطها عن الأرض ، وبدأ يقرأ .

تابع المدير مساعده بنظراته وهو يقرأ ، ثم همّ بالقول : ليتركوا اهل القرى وشأنهم ، ليعطوا قرارتهم هذه الى اهل المدن ، نحن لا نطيق ذرعا بهم ولا بقراراتهم ، اخذو منا كل شيء ، اخذو مالنا وكرامتنا ، لا رفاهية لنا ولا عيش رغد ، ولا مشاركة لنا في ادنى المشاريع ، لكن ان يصل بهم الحال الى ان يسرقوا ابنائنا فهذا مرفوض .

-         لا تزعج نفسك ، هذا القرار لن تطبقه ولا اي مدرسة .

-         انظر-وهنا امسك ابو عماد بالجريدة الموضوعة على طاولة مكتبه- انظر الى الخبر الرئيسي بالخطوط العريضة " وزارة التربية تصدر قانون عدم الضرب وتطلب تنفيذه مباشرة استجابة للأوامر الملكية".

أمسك المساعد بالجريدة ، بينما همّ مديره بإشعال سيجارة من علبة سجائره من بعد رشفة كبيرة من فنجان القهوة من امامه ، ثم قال بتنهد : من اين للنساء بعقول ذكية  ،اجزم ان الله قد جمع ما تبقى من الطين الذي خلق الله به الذكور وما تبقى من فضلات ، ثم خلق منها الانثى كي لا يكون هنالك اي تبذير منه .

نظر اليه المساعد بتحسر ، ثم قال له منوها الى ضرورة ان لا يسمعه احد يتحدث هكذا ، فما كان من المدير الا ان قال : فليسمعني من يسمعني ، لتذهب نسائهم ولتطبق قوانين الغرب السخيفة هناك ، بعيدا عنا ، انظر أنظر ، الاسبوع الماضي جاءت من بلجيكا ، وفي كل رحلة لها تظن نفسها الذكاء فتجلب مشروعا جديدا لنا ، تجلب كما تسميه دواء لنا. اتعلم ماذا يشبه هذا ، هذا يشبه ان تهم بتحويل الاسود من اكلة اللحوم الى اكلة الاعشاب ، وان تصدر هذا القرار بين ليلة وضحاها ، وفي الصباح بدل ان تعطي الاسد فخذة خروف تعطيه كيلو بندورة وكيلو خيار . سخف وايما سخف .

وهنا انتبه المدير الى اشارات المساعد الذي نبهه الى وجود الاستاذ محمود على باب غرفة الادارة ، وعليه فقد رضخ المدير خوفا وجزعا من مرأى الاستاذ ، ولكنه تظاهر بالشجاعة حتى بعدما رأى نظرات الاستاذ محمود وحواسه تجمع بين كلمات سخف والقرار الموضوع بيد المساعد والصورة التي على الجريدة .

سرت شائعات الخبر الذي تم اطلاقه ليلة الامس على شاشات التلفاز بين طلاب المدرسة ، وما تبعه في اليوم التالي لحظة زيارة وفد من المديرية للإشراف على تنفيذ بنود تطبيق القرار ، وما تم تأكيد الأمر للطلبة حين تم التوزيع عليهم في اثناء الطابور الصباحي من كروت حمراء وصفراء تحمل صورة عصا موضوعه داخل دائرة واشارة اكس باللغة الانجليزية ، وعلى الوجه الاخر صورة لمعلم وطالب يمشون سويا في الشارع يدا بيد .

خطب رئيس الوفد بالطلاب ، ثم أشار إلى المرشد الاجتماعي للإيضاح للطلاب عن نص القرار وما يتبعه ، وحين اشار المرشد الى المدير ابو عماد برفعه للميكرفون كإشارة له بالتحدث ان كان يريد التحدث ، فاعتذر المدير بإشارة منه ايضا ان لا ، وعليه بوادر الحنق .

لم يلحظ الطلاب كلهم ذلك ، سوى طلاب المرحلة الثانوية الذين عندما تنظر اليهم لا ترى سوى اللحى الكثة والملابس الغريبة المختلفة ، واسعة من الاسفل وضيقة من الاعلى من عند خصورهم ، وهم على امتدادهم في طوابيرهم المنفصلة عن طلاب المرحلة الأساسية ناضجون الى ابعد احد ، لاسيما وان الآمال معقودة عليهم ، اذ تبدأ منذ بداية هذه المرحلة عندهم مسألة التنافس مع المدارس الأخرى في امتحانات الثانوية العامة التي تجمعهم .

***

تثاقلت خطى المدير وهو يلقي خطبته العصماء امام الاساتذة في الاجتماع الذي أمر بعقده في نهاية الدوام المدرسي من يوم  الخميس من بعد ثلاثة ايام من صدور القرار ، وعلى اثره تم الغاء كافة الحصص الدراسية من بعد الساعة الثانية عشرة ظهرا ، مستغلا المدير قرار الاجتماع المفاجئ من بعد تفحصه لقائمة حضور المعلمين على الجدول الموضوع على باب غرفته ، وفرحه وسروره لحظة رؤيته لإسم الاستاذ محمود ضمن قائمة المعتذرين عن الدوام ، فكان امره السريع لمساعده بضرورة عقد اجتماع مفاجئ لأعضاء الهيئة التدريسية في الساعة الثانية عشرة ظهرا ونصف .

-         لا نملك من امرنا شيئا . قال احد الاساتذة في معرض رده على المدير الذي طلب عدم التقيد بتنفيذ القرار الذي يقضي بعدم الضرب .

-         وماذا تقصد من ذلك . رد المدير .

-         يقصد ان اللجان العليا في التربية اذا علمت بأمرنا ورفضنا لتنفيذ القرار ستكون عاقبتنا وخيمة معهم . استاذ ثان

-          انا سأتحمل العقوبة كاملة . المدير  

-         ابو عماد-هم الشيخ عبدالقادر بالتحدث ، وكان يخاطب المدير باسمه او بكنيته لعلاقته الودية القديمة معه فهو من اترابه وجمعهما صف مشترك من قبل وجامعة واحدة وقسم واحد- الامر اننا لا نرضى لك ايما عقوبة ، هذا مع رفضنا لهذا القرار ، مثلنا مثلك .

-         المدير - مخاطبا صديقه الشيخ عبدالله- : طيب وما الحل برأيك شيخ ؟.

-         الشيخ عبدالقادر : نتقدم باقتراح لمنع صدور القرار ، وعدم مناسبته لأوضاعنا .

-         المدير : القرار طلع ، طلع من مرحلة مشروع قرار وصار قرار فعلي حقيقي .

-         استاذ اخر : طيب ، نتقدم بطلب استثناء .

-         المدير : القرار بقضي بالتعميم بدون استثنائات ، هكذا اجابني احد اعضاء وفد التربية الذين جائونا الاسبوع الماضي.

وهنا حدثت جلجلة وبلبلة بعد انعدام المحور القائد ، وبعد نهوض الشيخ عبدالقادر من مكانه ووقوفه الى جانب ابو عماد ومساعده للتشاور ، ولكن يبدو ان الحوار كان عقيما خاصة بعد ان عاد الشيخ عبدالقادر الى مكانه و ابتعد المساعد الى يسار المدير متكئا على حافة الطاولة القريبة منه . فأعرب المدير عما في نفسه مباشرة بقوله : لن اسمح لهم بأن يخترقوا حصون قلعتنا هذه التي شيدناها بعرقنا ، مدرسة قدمها بقدم اقدم وزير ، خرجت اجيالا رفعوا رأس القرية ورأس اللواء امام غيره ، مهندسين ودكاترة وعلماء خرجوا من هنا ، ثم يأتينا اخرق لا يعلم من امرنا شيئا ويبيح لنفسه ان يتخذ قرار بشأننا يمس صلب ثقافتنا ومحور نهضتنا .

تجاوز عدد من حضر من المعلمين قرابة الخمسة عشر معلما ، مجتمعين في "غرفة المعلمين" التي شكلت قاعة رسمية للاجتماعات لكبرها ، وهي ملفوفة بطاولات تمشي مع جدران الغرفة الكبيرة المستطيلة بمساحات فاصلة بينها وبين الجدران حتى يتسنى للمعلمين الجلوس ، وفيها ثلاث صوبات فوجكا موضوعة الى جانب الباب املا منها ان تعطي دفئا ولا تعطي روائح . وجلس المعلمون كل الى طاولته ، مرتبين تحت معيار الاقدمية بالنسبة لمزاولة هذه المهنة ، فيما كان الحديث ايضا حتى في اجتماعاتهم العادية اثناء اوقات الاستراحة تنبع من هذا المعيار .

تدخل استاذ مادة الحاسوب جديد بقوله : حضرة المدير ، وما المانع من تطبيق هذا القرار ، كل حقوق الانسان والديمقراطية تنادي بعدم الضرب في المدارس ، كل الدول الغربية الان يمنع فيها الضرب للطفل لا في المدرسة ولا في البيت ، ومع ذلك وتبعا له اطفالهم احسن من اطفالنا ومدارسهم احسن من مدارسنا وجامعاتهم احسن من جامعاتنا .

لن ننسى ان نذكر ان في هذه القرية مدرسين دخلاء جدد  ، تم رميهم في هذه القرية من المدينة ، ورغم محاولاتهم المتكررة و الواسطات التي تقدموا بها للانتقال من هذه المدرسة ، الا انهم قد عجزوا عن ذلك بسبب حاجة المدرسة الى معلمين لهذه المواد التي هنالك نقص فيها ، ومنهم استاذ الحاسوب الذي تكلم قبل قليل

-         استاذ التاريخ : حتى وصل الغرب الى هذه المرحلة كان قد مر بمنعطفات كاسرة في حياته ، ابتداء من عهد الحروب الدينية وانتهاء باخر صراع بين القطبين العالميين . الامر لم يأتي نتيجة قرار تم اتخاذه في مطعم خمس نجوم .

-         الاستاذ الشاب : دعنا نجرب ذلك ، ولم لا ؟

-         المدير : نجرب ماذا ،، اتعلم ما هي اهمية الديكتاتورية بالنسبة لنا ، نفعها الاكبر في انها تستر عيوبنا وتمنعنا من نضح شرورنا الى الخارج لوجود عقاب حقيقي صارم معلن عنه . اما الديمقراطية الخرقاء التي تنادون بها فهي بالفعل نتاج اهمال ودعوات مقرفة للنهوض على اعباء امور سامية ترفضونها .


******

حظي ابو عماد بمكانة بارزة لدى اهل القرية ، بشعره الاشيب الذي ينسدل على صدغية ، واذناه الكبيرتان وانفه المعقوف ، فيما قد اخذت ملابسه بلونها وشكلها قطعة من جسده يصعب تغييره ، ببنطال رمادي اللون وسترة هي له على مدار الفصول الاربع ، وحذاء طبي اجبره الطبيب على ارتدائه بعد مسامير اللحم التي عانى منها لفترة طويلة جراء ووقوفه المستمر .

وكما كان كذلك بهيبته وسطوته في المدرسة كان في المنزل كذلك ايضا ، صاحب شكيمة وبأس ، على الرغم من المحاولات المستمرة لجمال زوجته بفرض سيطرته عليه ، الا انه لم ينصع لاي مبرر لكسر هيبته ، فاحتفظ لنفسه ببأس لا يقوى عليه .

شعر ابو عماد بخيبة أمل له وهو يفكر بما سبق ، تخللت طفرة صغيره افقدته ابتسامته التي رسمها في نفسها وهي تتخلل مونولجه الداخلي حين تذكر ابنه سامر الذي عجز صندوق الادوية لدى ابيه عن علاجه وردعه عن تمرده، فصمّ الأب شفتاه وتنهد قليلا ثم زفر زفرة خفيفة تبين معها انه لم يصل الى علاج محدد، وانما كانت زفرة نغصة خفيفة من مما شكله له ابنه من متاعب .

يذكر عن سامر انه قال بعد وفاة ابيه ، وعيناه تفيضان بقليل من الكبر على حالة الصياع التي اكتسبها في حديث له مع القاضي حسين ذات مرة ان : ان غشيني الشعور بالندم ، فانه لا ينفك عن ان يجلب معه الشعور بفقد الحنان مع موت والدي ، الحنان له والشوق لضربات سوطه ، والندم على ما فرطت من ضربات ذهبت سدى وانا اهرب منه . لكنه مع ذلك ، كان بذكائه الكبير ، وما تخلل قسمات وجهه من شقرة البشرة ، وعينان عسليتان ، وشعر مرفوع الى الاعلى مدبب ومجبول بأمانة مع لحسات الجل والكريم الذي اضفى عليه الثبات رغم ما يعصف به . وكان جل ما يدور بينه وبين ابيه من مشاكل حول الهيئة التي يظهر فيها ابنه دائما ، وبنطاله المنزلق الى الجرف الواقع في اسفل مؤخرته بحيث افقد الحزام وظيفته في القدرة على حمله والامساك به ضمن الخطوط الحمراء الموضوعة له ، وايضا في طوق الفضة المربوط على رقبة ابنه ، وعلبة سجائره التي لا ينفك سامر عن حملها في يده ، والذي لا ينفك والده عن اللحاق به كلما رآه كذلك .

تمتم ابو عماد بضع كلمات متأوها من حال ابنه ، وحالة الانحدار التي وصل اليها ابنه متمثلة لديه بعدم الاهتمام بدراسته وما يتبع عنها كذلك . اسند كوعا يديه على حافة الشرفة المطلة  على الشارع ، ثم فكر كيف ان الناس هنا الان يذمونه وينسون كفاحه وماضيه العريق حالما يرون هيئة ابنه ، وكيف بنى قصورا وقلاع صمدت في وجه كل تغيير سلبي ساذج يحاول ان ينهمر على ابنائه الممثلين بطلابه ، فيما عجز عن ان يبلور قطعة صلصال صغيرة تمثلت بابنه . فكر الاب كذلك ثم قال : الإبن الصايع لا يجلب لأهله إلا الهوان .

تبعثر افراد الهيئة التدريسية الى منازلهم ، وكأن القرار لم يصدر ، وكما انهم لم يجتمعوا اصلا مع مديرهم ، وكأن شيئا لم يحدث ، وساهم بعد القرية التي تقع على تلة كبيرة منفصلة عما حولها ، وتربطها فقط بالعالم الخارجي لها طريقان رئيسيان ، الاولى من جهة الشمال والتي يبغ طولها حوالي الثماني كيلومترات حتى تصافح اول بيت من بيوت المدينة الصغيرة التي يمكن اعتبارها عاصمة اللواء ، والممتلئ هذا الطريق بتعرجات وانحنائات كبيرة جدا قد عملت بشكل ما على زيادة حجم القطيعة بين هذا البلد والعالم الخارجي .

اما الطريق الاخر فهو من جهة الجنوب ، وهو ايضا من السوء بحيث ننسيه افراد القرية والتزموا بطريق الشمال ،فيما كانت جهتا الشرق والغرب عبارة عن وديان مليئة بالأشجار الحرجية ، وهي انهار في الشتاء وجنات في الصيف وملاذ للحطابين .

اكمل ابو عماد سيره بينما وقف الشيخ عبدالقادر ليقطف زهرة حمراء راها وهو سائر على عادته في الرحلة الدورية من عصر كل يوم جمعه ، وهم يتحدثون في شتى الامور ، فيما ينضم اليهم احيانا حسين الذي كان يعمل فيما سبق كقاضي في المحكمة الاقتصادية ، والذي تم تسريحه من الخدمة على خلفية اعتراضه على توقيع ملف قضية يقضي بتبرئة احد المسؤولين المتهمين بقضية فساد اقتصادية كبيرة ، كما ينضم اليهم الاستاذ خالد الذي هو من اتراب كل من ابو عماد والشيخ عبدالقادر ، ولكنه اثر العمل كمعلم في مدرسة خارج قريته تبعد حوالي عشرة كيلومترات عنه بسبب مسائل العشائرية والقربى اللتان تمنعانه من اداء وظيفته على وجه حق .

-         اسمعت بأن تل القمر قد تم بيعه هذا الاسبوع . سال اشيخ عبدالله ابو عماد بعدما وجده ناظرا الى عائلة قد حملت اغراضها في نزهة شواء على سفح الجبل الموازي لهم .

-         ومن اشتراه ؟

-         خليجي .

-         تبا-لحظة صمت- وكيف تم بيعه وهو مشترك بين قرابة عشرة عائلات .

-         اسأل القاضي . قالها الشيخ عبدالقادر حين رأى القاضي حسين بسيارته ورائهما مباشرة .

ترجل القاضي من سيارته ، وانزل عدة الشاي والقهوة من مؤخرة السيارة ، وهم ابو عماد بترتيب فرش الارضية تحت شجرة حملت منذ القدم اسم القرية ، فيما قام الشيخ عبدالقادر بجمع الحطب لإعداد الشاي  .

فقد القاضي منزلته لدى اهالي قريته بعد تسريحه من خدمته ، ولم يعطي احد ما ايما اعتبار لأمانته ونزاهته اللتان فرضتا عليه عدم التوقيع ، ولا حتى زوجته التي سقط زوجها من عينها مائة وثمانين مترا الى القاع ، وعلى ذلك فقد فقد نفوذه وسيطرته حتى على اولاده ايضا .

كما فقد القاضي رغبته في الحديث التي كانت فيما سبق عامرة لديه ، وعلى ذلك فان نصاب كلامه ظل مرافقا لنصاب احترامه لدى من يجده فيه ، فها هو يجيب على سؤال ابو عماد .

-         القوانين الجديدة تقضي بأن المستثمر الاجنبي يحق له شراء وامتلاك الاراضي والعقارات .

-         الشيخ عبدالقادر معلقا وسط ذهول المدير : يريدون بيع كل شيئ للأجانب .

-         القاضي : وقوانين أخرى كثيرة تقضي بأن يتحول هذا الوطن الى وطن للاديمة ، الفساد يتغلغل والواسطة والمحسوبية ، تذكرون قصتي وكيف تم تسريحي ، عندما رجائني احد المسؤولين ...

يشرع القاضي السابق المسرح من خدمته بالحديث دائما مستغلا ايما موضوع سياسي او اقتصادي او اخلاقي ، حتى الديني منه والتربوي ليعرج بالحديث على قضيته ، وكأنّما يمن على العالم كله انه كان شريفا ، صحيح ان قصته هذه قد لاقت احتراما من قبل كل من ابو عماد والشيخ عبدالقادر ، الا انه احس في الآونة الاخيرة ضيقهما من تكرار تلكم القصة .

سال ابو عماد مستوضحا بعد انهاء القاضي لقصة تسريحه : تمشي هذه الدولة بعكس غيرها ، العالم كله يكره الرئيس الالماني هتلر ، يقولون هو من اشعل الحرب الثانية ، ولكنهم يننسون ان المانيا قد مرت منذ استلامه بمرحلة نمو اقتصادي لم تشهداه من قبل ، وخلص دولته من القيود التي فرضت عليه في الحرب الاولى ، كما صعد بدولته سياسيا وعسكريا ليصبح قطبا محركا وفاعلا  .

الشيخ عبدالقادر : لكن هذا لا بغفر له قتل عشرات الملايين بإشعاله لهذه الحرب .

ابو عماد : هو لم يقتل احدا ، هم ماتوا لوحدهم ، كل طرف في الحرب قد مات لأجل قضية يحملها ، مات الالمان من اجل رفع راية النازية ، ومات غيرهم ممن واجهوا الالمان وهم يحملون راية صد العدوان الخارجي ..

القاضي : ولكن النازية كحركة مكروهة  واقرب للإرهاب .

ابو عماد : بل تستحق الاحترام ، ولو كان هتلر امامي الان لرفعت قبعتي له التي لا البسها احتراما له ، شاهد بلده ينهار ، واليهود يسيطرون على اقتصاد البلد ومن بعده على سياسته ، عرق طفيلي نجس دخيل على كل شيء ، كورم سرطاني خبيث ، افالا يسعى الى استئصاله .

كم سيكون وجهه اكثر سوادا بالنسبة لكم لو انه رك البلد تلك على حالها ، لما وجد هنالك عرق الماني صافي الان ، ولغدت المانيا مثل بلدنا الان ، مثل الاردن ، يعيث فيها الجميع ، الخليجي والعراقي والسوري والفلسطيني واليمني وغيرهم . لكن اين الاردني من هذا كله ، انه يقف على الرف .

اثارت هذه الكلمات ضجة في كل من الشيخ عبدالقادر والقاضي ، وحتى يخفف الشيخ عبدالقادر من حدة الحديث لجأ الى تغيير الموضوع ، فعاد موجها السؤال الى القاضي : جائنا قبل حوالي اسبوع قرار من المديرية يقضي بعدم الضرب في المدارس .

القاضي مقاطعا : سمعت به .

الشيخ : هل يمكن الاعتراض عليه او تقديم طلب استثناء .

القاضي : طبعا لا ، دخل الان مرحلة التنفيذ ، والجميع ملزم به .

حل الصمت بعدها ، ووجه ابو عماد حانق من ذلك فيما تتردد في نفسه جملة  : لن اسمح بمروره حتى ولو فقدت وظيفتي ، لن اسمح ، لن اسمح ..

مضى شهر على صدور القرار ، ولم يعطي اي منهم اي اعتبار ، خاصة وان المدرسة بعيدة عن الرقاب من قبل لجان المديرية ، لكن الاستاذ محمود كان قد طبق القرار من اول يوم ، وحرض المدرسين الاخرين على تطبيقه حتى يفلتوا من العقاب القادم على المدرسة من بعد شكاويه المتكررة للدائرة الرئيسية .

-         الاستاذ محمود اخذنا على المختبر . اجاب الطالب المدير عند سؤاله لكوم الطلاب المتجه الى المبنى الواقع الى اقصى يسار المدرسة .

-         ومن اعطاه الامر بذلك ، اجب المدير بتحسر ، ثم رفع عصاه مشيرا للطلاب بالرجوع الى الصف ، وعند عدم الاستجابة منهم ورؤيته لمعركة كبيرة بين اللاب ببعضهم البعض اشهر عصاه في وجوههم ضاربا اجنابهم ، حتى قام احد الطلاب برفع الكرت الاصفر في وجه المدير ، لتسقط عشرات العصي على ظهر الطالب وليمسك المدير الكرت الاصفر ويمزقه ثم يدوسه حاقدا ، ثم قام بجمع كل الكروت الصفراء والحمراء من طلبة المدرسة كلهم عبر الامر الذي وجهه الى مساعده .

-         تملك الغيض والفرح الاستاذ محمود ، فها هو الان قد باشر بتحقيق هدفه بإزاحة المدر ، الامر الذي يعني تسلمه لمنصب مساعد المدير من بعد رفع المساعد الحالي الى رتبة مدير .

********

تعج غرفة القاضي حسين بملفات لقضايا سابقة احتفظ بها كذكرى من بعد تسريحه ، وها هو في كل لحظة غضب تعاصره جراء خرق زوجته لجدار هيبته واحترامه الذي بناه وهو يشغل وظيفته السابقة ، وما بعد حالات الفقر التي رافقته جراء تبديد زوجته لثروته التي جمعها في منصبه السابق .

يراودنا الشك حين نقول ان القاضي السابق قد ندم على زواجه التقليدي من ابنة قريته ، مع ان ذكريات شبابه تحتشد بسرعة كلما دخل الى غرفته حانقا غاضبا ، فتارة يستذكر كيف طغت خلفيته الاجتماعية والثقافية – وهي بالأحرى خلفية اهله الذي لم يستطع التخلص منها على وضعه الجديد كقاضي- وكيف تخيل فرصا كثيرة قد واتته ولكنه ضيعها ، استرجع في ذهنه الدكتورة رشا وخلق له حالة حب وهمي بينهما ، لكن الطيار علي اصطادها وهي طائرة-على حد تعبيره- . فيما خلق الذهن مرة أخرى حالات حب عجيبة لدية ، خاصة بعد مواقفه المفترضة لديه ، فقد التقى بالطيار صدفة ذات مرة وزوجته معه في المحكمة ، على خلفية قضية مرفوعة من احد المرضى على زوجة الطيار ، وتخيل له ان الفضل الاكبر كان له بحل القضية ، ابتسم قليلا  و إزدادت شرايين الحب تدفقا لديه وهو يتذكر حين بادرت الدكتورة بعزيمته على العشاء امام زوجها كنوع من الامتنان له ، ولكن القاضي وقتها ادرك ان هذه العزيمة هي كعزيمة كراسي الكراجات الموضوعة على الرصيف في الحر لركاب الباصات ، واعتذر عنها وذهب في طريقه .

مازال القاضي يحتفظ بريحة هفيفة من رائحة الهيبة والاحترام لدى اهل زوجته ، فأمها تقدره وتحترمه ، وكذلك اخواتها ، اما اخوتها الذكور فقد انكسر لديهم احد الرماح الذين كانوا يستندون عليها في غرورهم ، ولكنهم على ذلك بقوا امامه يكنزون له بعض الاحترام ، صحيح انهم في مناسباتهم الرسمية كانوا يأخذونه معهم ولكنه كان يمشي في مؤخرة الركب ، وعند وصولهم يكون اخر  الواقفين في طابور التحيات والترحيب ، ولدى جلوسهم يكون مقعده في صدر الغرفة ، ولكن في اقصى الجانب الايسر الذي احس ذات مرة انه ملازم له اينما ذهب . وعند بدء اي حديث لا يهم بالمبادرة بالمشاركة ، كان يخشى من ان يهم اصغر اولاد عمه من اخوة زوجته من ان يقطع حديثه ، او ينهره بالسكوت ، كما تباطأ مستوى حديثه حين ادرك انه لا بد ان يعي عن ماذا يتحدثون ، وانما يضحك وقت ضحكهم ، ويحزن عند حزنهم ، حتى اضحى به الحال ان اوقف اذناه عن السمع ، وانما شغل عيماه للنظر فقط الى وجوه الحاضرين جملة ليتسنى له ليس معرفة عما يدور الحديث فلا يهمه ذلك ، وانما لمعرفة انه سيضحك او سيحزن عند اكمال الشخص المتحدث الان وانهائه لحديثه ام لا .

وصلت القاضي رسالة اليوم من قبل المحكمة تقضي فيها بوجوب مراجعة المحكمة لتبرئة ذمته واستلام مستحقاته ، وغاضه ما ارتسم على وجه زوجته من ابتسامة لعوب ، فقد مدت له الرسالة بيدها وقد فتحتها قائلة له : اعتقد ان هذه الرسالة من المحكمة ، ثم صمتت قليلا قبل ان تتبع : بخصوص انهاء الخدمة واستلام بدل تقاعد .

قال القاضي في نفسه : لم يصب تولستوي حين قال : كل شيء يصحح نفسه بنفسه .

لم يمض على خروج القاضي من منزله سوى عشرة دقائق ، مر فيها على صاحب الدكان المجاور له ليتناول علبة سجائره المعتادة ، ووقف شارد الذهن حين امسك بجريدة اليوم الموضوعة على سلة الجرائد المعلقة خارج الدكان على الحائط ، تمهل كثيرا قبل ان ينزلها عن السلة ، فقد انخرط مباشرة في قراءة الخبر الموضوع اسفل صورة صديق سابق له يعرفه كان يعمل تحت امرته ، تحركت شفاهه تقرا الخبر مرات كثيرة ، بسرعة ببطئ بسرعة ببطئ : تعيين منور الثابت رئيسا للمحكمة الاقتصادية اليوم .

لم يعره احد الموجودين اهتماما ، مع انتظاره في غمرة ضيقه السلام من احد الناس الذين ساعدهم سابقا وكان له فضل عليه ، الا ان ذهنه الان بدأ يتحرك بين خيبتين : خيبة ترشح صديقه لهذا المنصب بعدما كان هذا الصديق تدور حوله ايضا عدة شائعات حول تورطه في قضايا فساد كبيره عن طريق ابن عم له ، وخيبة ثانيه من هذا الواقف الذي لم يبادر بتقديم الاحترام لقاض كبير مثله ، حتى وان كان قاضيا سابقا ، والخيبة الثالثة التي قضت على الاثنتين حين رفض التاجر اعطاءه علبة سجائر بالدين .

وجد القاضي نفسه امام بيت صديق له هو عميد متقاعد من القوات المسلحة ، برأس كبير وانف افطس وجسم ضخم خرج اليه صديقه من بعد طرق القاضي للباب .

اثارت هذه الخيبة الرابعة النار في نفس القاضي ، واحس بنوع من الذل بعد عدم المبادرة بدعوته لحضور هذه السهرة ، وانما انه لولا القدر الذي رمى به الشارع وهو يفكر حزينا بما جرى له وما تعرض له من اهانة ، ورؤية الغرفة العليا من ناحية الشارع في منزل العميد مضاءة لما عرف ان الاصدقاء كلهم مجتمعون هنا . والشيء الاخر الاكثر حزازة واكثر استخفاف ورميا للقاضي بسهام التجاهل والاستصغار هو في عدم اشراكه في لعب الورق .

كان منزل العميد المتقاعد مكونا من طابقين اثنين وساحة خلفية واخرى امامية ، يتقدم هذا المنزل الى الامام من الجهة اليمنى غرفة كبيرة منفصلة عن المنزل ، تحيط بها اشجار الزيتون من كل جانب تقريبا . لم يغفل العميد عما سيحصل له من بعد تقاعده ، فهم الى بناء هذه الغرفة لتكون مسرحا له ولأصدقائه من بعد تقاعده . يجتمعون كل ليلة للعب الورق حتى الساعة الثانية صباحا. لكن ما اغاظ القاضي اكثر واكثر انه كان عنصرا اساسيا في كل سهراتهم السابقة ، ويسرع الاخرون ويتسابقون للاتصال به فقط لإعلامه عن مكان السهرة اليوم وموعدها وعن ابرز ما يمكن ان يحدث ، من عشاء مفاجئ سيقومون به ، او تغيير اللعبة اليوم من لعبة الورق الى ال"خويتمة" التي كان يضحك فيها القاضي بحيث تصل اصوات حنجرته الى الشارع .

 احتل ابن العميد المتقاعد استاذ الرياضيات الشاب عمار مكان القاضي هذه المرة ، ولم يبادر بإبدال القاضي مكانه حين جلوسه ، وهو ما كان ينتظره القاضي ان لم يكن لأجل مكانته السابقة كقاضي للمحكمة الاقتصادية ، فلأجل سنه الذي لا يسمح لمثل عمار بان يحتل مكانه في هذه اللعبة التي كانت تشكل لدى لقاضي حياة أخرى ينسى فيها اولاده وزوجته والمحكمة وقضاياه  ،حتى انه ينسى فيها قصة تسريحه ، وينغمس في عد  ورق اللعب بالكامل ،  ينظر الى عيني العميد شريكه في اللعب ويعلم من الرمية السابقة له ان شيخ الكبة في يده على شفا حفرة من السقوط ، ويبادر بالتحكم في ورق اللعب بالكامل ، فلا يسمح لأحد منهم بالحراك او حتى مجرد اتخاذ اية حركة مخطط لها من قبل اعداءه ، حتى يرمي في النهاية ورقة "دوة" البستوني على الارض مخاطبا عدوه وغامزا بعينه اليسرى شريكه ان : خذ هالتطبيلة ، الورق كله الان . ثم يمسك ورقة الحسابات التي لا يمكن ان تكون الا في يده وهو يحسب لنفسه ماذا ربح بينما يكون الاخرون ومنهم شريكه العميد يحاولون فهم ماذا فعل القاضي وكيف ربح ، وحتى ان ربح ام لا .

اعتذر القاضي عن اكمال سهرته ، خرج الى الشارع المجاور مقتربا من منزله ، وصيحات البؤس تقطر منه ، تذكر كيف كان في السابق واين هو الان ، الجاه والسلطة والمال الذي كان بحوزته ، كان كل ذلك من ابقاه حيا الى الان ، قال في نفسه هي مظاهر واوهام  ، ولكن هذه المظاهر والاوهام هي من خلقت القاضي حسين ، هي من ابدعته ، هي من جعلت انفي الطويل قصيرا في عيني كل من راني ، هي من جعلت شعري الابيض ونصف الصلع الموجود في منتصف رأسي دلالة على الهيبة والوقار ، وجسمي القصير السمين هو الجسم المثالي لكل من راني في السابق . اما الان ، حتى عيناي السوداوان اللتان تغنى بهم الجميع من قبل صارتا الان احدى رموز الذبول والتسريح من الخدمة ، عندما ينظرون الى شعري الاشيب يتبادر في ذهنهم مباشرة شعر اشيب لقاضي مسرح من خدمته ، انف طويل لقاضي مسرح من خدمته ، حتى وان وضعوا صورة وجهي على احدى الجرائد الرسمية دون ادنى خبر عني  ،فسيقولون ايضا عن الصلع الموجود على قمة رأسي هو نصف صلع لقاضي مسرح من خدمته ، وجسم قصير سمين مقرف لقاضي مسرح من خدمته ، واسنان صفراء لقاضي لم يهتم بمنظره في السابق وهو الان مسرح من خدمته ، حتى وان اخطأ احد لاعبي الورق ورمى فتاة الديناري فوق لطش البستوني الذي اكله شريكه ، سيقولون عنه هذا خطأ يعادل خطأ قاضي سابق .

امضى القاض من بعد ذلك اسبوعا كاملا جالسا في منزله معتزلا في غرفته ، ينظر فقط في القضايا السابقة التي مرقت عليه طيلة خدمته السابق ، وتذكر كيف انتقل بسرعة كبيرة وترفع في منصبه من فرخ محام صغير طرق ابوابا شتى للتدريب فقط وبدون اجر ، صعودا الى محام شهير واكمال دراساته العليا وصولا الى منصب القاضي الذي كان يتذكر وهو جالس على كرسي العرش خاصته وهو ينظر الى تبدل جهة الاستناد من القدم اليسرى الى اليمنى وبالعكس بالنسبة للمحامين الواقفين امامه والمدعي والمدعى عليه .

تذكر مرة كيف انه نادى على الحارس الواقف قبالة الباب منتظرا وبشدة اي امر منه ، كيف امره بزج محام اساء الادب في حضوره ، ومرة أخرى تذكر كيف لاطفته حسناء عمّانية للطف بزوجها الذي كان واقف امام رهن اشارة منه تقضي اما بالإفراج عنه او بزجه في السجن . تذكر كيف داعبت الحسناء بيدها وجنتيه وما قامت به من اغراء له ، ثم احس ببرود يقف على حافة ذقنه من وهم البصق الذي رماه الان الى الاسفل حين لا نفسه كيف  انه لم يعفو عن ذلكم الرجل وكيف فوت على نفسه فرصة النوم الى جوار حسناء هي بكل شيء احسن من فضية واروع واجمل وابرع .

تركت فضية صحن الطعام على الطاولة المجاورة له وهو ممدد على الفراش بدون ادنى حركة ، فطرف بعينيه ليرى ماذا اعدت اليوم من غداء ، ولعجزه عن اكتشاف ذلك رغم معرفة طبق اليوم من رائحته الا انه استشعر بأن حاسة الشم قد خانته ، فهذه هي وجبة "العدس" التي كانت محرمة على زوجته ان تطبخها لأنه لا يطيقها ، فهذه الوجبة ولقبها القائل بانها "لحم الفقراء" وهيئتها التي بدون اتجاه محدد وبدون موقف ولا زوايا ، ولتاريخها وتاريخه الماسيان سويا كاسمه ، كان قد منع طبخها منذ زمن بعيد في بيته ، لكنه الان في قعر الجحيم ، وهي مستعدة لان تخرج قيحها وتطعمه اياه سخرية واذلالا وتعذيبا له .

خرج القاضي من غرفته ببزته الرسمية  ،وهال اولاده منظر ابوهم الى جانب زوجته التي عجزت عن التفوه بأية كلمه ، لم تصدق ما رأته ولكنها احست بأن شيئا ما حدث لا سيما وانها قد سمعت زوجها يجري اتصالا هاتفيا من غرفته لم تسمع محتواه ولكنها الان فهمت ان زوجها فد عاد الى منصبه .

فضية : الى اين انت ذاهب ؟

القاضي : اخرسي ، هذا لا يعنيكي .

لم تعلم فضية ما انتابها الان ، اهو شعور بالمذلة مما قاله بضرورة سكوتها عن الكلام وما لحق بها من مهانة ، ولكنها كانت تعيس تحت سقف هذه الكلمة منذ زمن ، ام من سعادتها التي ظهرت فجأة حين ربطت هذه الكلمة بمنصبه السابق فتأكد لها الحال الان من ان زوجها القاضي قد عاد من جديد قاضيا .

ربط القاضي حذاءة الاسود الطويل ، ثم قال وهو يحمل حقيبته ممسكا بمفتاح سيارته التي لم يتنازل ويركب بها منذ تسريحه ، فقد عصي عليه ان يستعمل وسيلة النقل هذه التي صرفت له وهي على رأس عمله ، اما الان فهو خارج المهنة وبالتالي هي محرمة عليه .

قال القاضي مخاطبا زوجته : اعدي لنا طبخة الاوزي ، واكثري من اللحم . ثم اضاف مقاطعا لسان الزوجة الذي ينوي ان يقول : لا يوجد لدينا لحم بقوله : سابعث اللحم وغيره مع اللحام .

******

ربما تكره هذه القرية حديثنا عنها ، وتكره منا ابراز مزاياها وخلبتها وعظمتها ، حتى لا تصيبها لعنات الثورة الصناعية فتفقد صوتها وتختنق انفاسها تحت لعنات دخان المصانع ، وضجيج المحركات الذي يعصف بسكونها ، ويؤرقها فلا يسمح لها بالغفو ، كما كان ابو عماد وصديقاه يكرهان منا ايضا ابرازهما وابراز اهل القرية والحديث عنهما الى الاخرين من الاجانب على حد وصفهما لكل ما هو خارج قريتهما ، فحتى زهرة النرجس التي زلفت عند نبتها حدود قريتهم هي اجنبية عنهم ، وحتى ذرات الاكسجين والهيدروجين اللواتي قبعن في الاسفل هن انقص واقل شأنا مما صعد اليهم من غازات أخر تسامت حتى ارتفعت اليهم ، وعليه فان اهل هذه القرية قد حاولوا مرارا ، او ان اللقب "اهل القمر"-دلالة على ارتفاع قريتهم عن غيرها مما حولها ، كان هذا اللقب قد غرس خنجره في نفوسهم فرفع فيهم هرمونات الكبرياء والكرامة والعزة بالنفس ، وعلى امجاد من سبقهم في هذه القرية التي اعلنت ذات مساء وقوفها في وجه العائلات الجديدة التي جاءت لتحكمها ، فما كان الرد الا بدبابات وقفت على الجهة المقابلة لها حتى تم كسر رقبتها .

اطلت نهاية السنة الثالثة من لحظة سقوط المدير تحت سطوة قرار النقل التأديبي ، وهو ما لم يهز به اطول شعرة منه ، بل على العكس فقد سعد أنه لم ولن يرضخ لأحد ، وها هم زملائه الان في ضيافته في منزله .

ابتدأ المدير الحديث بقوله : ذكرني ما حصل لي بقصة قرأتها ذات مرة في الجريدة المحلية المسماة سابقا ب"الغصن الاحمر" قبل ان يتم اغلاقها ، حول قصة هزلية حملت عنوان "فرج ماكر" وقد ذكر القاص الذي اعرفه شخصيا قصة غابة صغيرة الكل فيها مشغول ، وكان يعيش فيها الجميع بتواد وتراحم مصطنع ، و بدون اي سيطرة تذكر ،  فلا قائد لهم ، وكبيرهم الذي كان الاسد كانت جنحانه مقصوصة ، وهو وحيد بعد رحيل كل افراد قبيلته ، فهو بلا لبؤة ، وهو عاجز عن اتخاذ أيما قرار ، خاصة وان الثعالب كانت تمسك بأسراره كعنصر قوة بيدها ، ومن اسراره انهم وجدوه يمارس الجنس مع أنثى كلب ، ومع انثى خنزير ـ وبعد قلة سيطرته استشرى فساد الثعالب حتى وجد الاسد نفسه مرهونا لهم ، فضاق ذرعا من اسره هذا الذي بلا قضبان ومن حرمانه من صلاحياته ، وصار يتجول وحيدا مبعدا عن الغابة ، حتى وجد انثى حمار تشرب من الماء القريب منه ، فأغراها بنفسه و تزوجها سريعا ، وسرت الشائعات ان اسدا تزوج حمارة ، وكان في اعلان ذلك علنا من الاسد ضربة قاضية للثعالب الذين عجزوا من الان وصاعدا عن امساك اي سر على الاسد وخاصة بعد سرد الاسد لزوجته تاريخ مغامراته الاسدية مع اناث الثعالب والخنازير وغيرها ، وامسكت زوجته زمام السلطة في الغابة ، ولكنها من الغباء بحيث اصبحت تفرض قوانينها كعقل مدبر والاسد كقوة تنفيذية ، هذا بعد ارسال الهدهد لجلب كل افراد ضيعتها من الحمير الى الغاب ، كمما فرضت قوانينها الصارمة ، ففرضت على الخلد بوجوب فتح عينيه والصعود خارجا حتى يبقى تحت انظارها ، كما فرضت على العصافير ان تلد بدل ان تبيض ، حتى لا يكون هنالك اختلاف بين الحيوانات في اي شيء ، وعلى النحل ان يفرز سما حتى تقتل به من يعارضها ، كما فرضت ان يكون الصوت الموحد لكل الحيوانات هو بالنهيق فقط ، فالنهيق هو ما يوحدنا ، ،،لكن ثعلبا ماكرا اوقعها في غرامه ، فاضحت اسيرة لمكرها بعد تهديدها بفضح السر امام كل حيوانات الغابة .

قهقه الشيخ عبدالقادر، وتبعه في الضحك كل الحضور الموجودين ، كما سيطر على حالة الضحك هذه ارتفاع قهقهة القاضي الذي كان يجلس في صدر الغرفة هذه المرة .

قاطع احد الاساتذة حالة الصمت التي حلت حين جلب سامر الشاي وبدأ يطوف به موزعا على الضيوف ، بسؤاله مخاطبا القاضي : سمعنا انك عدت الى عملك ؟ . وقبل الاجابة عن ذلك ، حملت ابتسامة ابو عماد في وجه ابنه حينما تناول مما يحمل كاسة الشاي واضعا اياها امامه ، ثم اشار له بالجلوس معهم بعد الانتهاء من الطواف عليهم بما يحمل ، وهو ما شاركه الشيخ عبدالقادر به حين اومأ لأبو عماد انه فهم حالة العودة القسرية لسامر من معتقله  حسب تعبير ابو عماد ، ومن غربته حسب تعبير الشيخ عبدالقادر ، وما اتفق عليه كلاهما ان العصا كانت هي السبب .

انتظر القاضي السؤال السابق منذ مجيئه الى هنا، لا بل حتى من اللحظة التي اتصل فيها الشيخ عبدالقادر به معلما اياه عن اجتماعهم اليوم عند المدير ابو عماد ، وعلى صورته في المرآه التي جعل يصفف فيها شعره كان يحاول استشعار كيف سيكون استقباله لهم ، وقد اطلق وجوب تحقق فرضية ان يتم سؤاله : سمعنا انك قد عدت الى عملك كقاضي ؟ ، وحاول ان يتنبأ من يكون القائل ، اهو الشيخ عبدالقادر، ولكن الشيخ يعلم اني قد عدت الى عملي ، وابو عماد كذلك ، والاستاذ اكرم ، تمام تمام ، المهم ان يطرح احدهم السؤال ايما ما يكن .

عدل القاضي من جلسته ، فاشبك قدميه ببعضهما متخذا بهذه الوضعية حيزا اكبر ، ثم اسند ظهره الى الوراء قبل ان يجيب : نعم صحيح ، صحيح ما سمعتم ، قبل اسبوع عدت لتسلم مهامي في وظيفتي السابقة كرئيس بقسم الشعبة الاقتصادية .

لم يبادر اي من الجالسين بالسؤال عن الطريقة التي عاد فيها القاضي الى منصبه ، مع ان السؤال قد جال في خاطر الجميع ، الا ان احدا منهم لم يجرؤ احتراما له-من وجهة نظره- على سؤاله كيف عاد الى وظيفته ؟ . فكر في نفسه : حين سقطت كلهم سألوني كيف سقطت ولماذا؟ اما حين عاد رأسي يصل الى القمة فلم يسألني احد كيف ذلك . تطغى هالة القمم كثيرا على  الوضع والكيفية التي اصبحت بها قمة ، المهم انها قمة في النهاية .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف