الأخبار
2019/12/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟ بقلم: سامح عسكر

تاريخ النشر : 2019-07-19
لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟ بقلم: سامح عسكر
منذ 40 عاما ولم تتغير سياسة العرب وأمريكا ضد إيران تحديدا منذ اندلاع ثورة الخوميني ، بدأوها بغزو عراقي للأراضي الإيرانية أدى لحرب 8 سنوات واتفاق سلام بين الدولتين..كانت هذه الثمانية سنوات كافية للخوميني في ترسيخ شعبيته والقضاء تماما على خصومه في الليبراليين واليسار ورجال الأعمال الكبار، أي لو لم تكن هذه الحرب العراقية معه لكانت إيران في وضع مختلف مما هي عليه الآن بمظاهرات يسارية وتواجد ليبرالي قوي في الشارع، إنما الذي سارع في إنجاح الثورة هو التدخل الأجنبي الذي حشد المشاعر القومية الإيرانية جميعها وراء الخوميني فنجح في صد أول هجمة عربية أمريكية عليه خلقت واقعا للشرق الأوسط مختلف تماما عن ما كان في عصر الشاه.

سبب أصيل لفشل العرب وأمريكا في التواصل مع إيران أو القضاء على ثورتها الدينية في المهد هو جهلهم بطبيعة الشعب الإيراني وثقافته التي يغلب عليها الجانب القومي الآري لا الديني، وتلخيصهم كل سبل مقاومة الثورة في الحشد والتجييش الديني والقومي مما ساعد في ترسيخ شعبية النظام أكثر..لكن هذه المرة من ناحية دينية شيعية إضافة للجانب القومي، أستثني مدة عامين في الاتفاق النووي كانت العلاقات بين إيران والغرب شبه طبيعية لكنها ظلت مقطوعة مع العرب الذي أقصد بهم عرب الخليج تحديدا لا سائر المتحدثين باللغة العربية.

نفس الخطأ الأمريكي في فيتنام عندما جهلوا قدرة الشيوعيين على حشد الفيتناميين من الجانب القومي فطالت الحرب وأدت لهزيمة أمريكا وحلفائها في النهاية.

منذ فترة قلت أن البراجماتية الأمريكية تعاني من قصور ثقافي عظيم في تناولهم لشعوب ومشاكل الشرق الأوسط، قصورا دفعهم للتورط في دعم كيان صهيوني عنصري لديه رؤية طبقية واستعلائية على الغير منذ آلاف السنين، جهلا تحمّلوا فيه جرائم هذا الكيان في فلسطين ولبنان وغيرها حتى بات إسم أمريكا لصيقا بكل جريمة في الشرق الأوسط ومبعثا لخصوم الرأسمالية في الحشد..مما شجّع القوى اليسارية في العالم على الحركة واستنبات نموذجا اشتراكيا جديدا خالي من أخطاء وجرائم الماضي، وبالفعل نجح الاشتراكيون في الصعود المتدرج لتهديد عرش الرأسمالية في عرينها الأمريكي مما حدا البيت الأبيض للشعور بالخطر وتصريح ترامب لأول مرة أن أمريكا ستبقى رأسمالية وعلى الاشتراكيين أن يرحلوا، ولو ما صعد اليسار في أمريكا ما كان لترامب أن يشعر بالخطر والرجل ممثلا أقبح نُظُم الرأسمالية العنصرية الطبقية ونماذجها المؤلمة في التاريخ.

حتى أبسط وسائل الدبلوماسية فشل فيها العرب وأمريكا عبر تصنيف الدول والحكومات لإصلاحية ومحافظة أو انفتاحية ومتشددة، فتعاملوا مع نظام روحاني المعتدل كما يتعاملون مع نجّاد المتشدد، لاسيما أن روحاني يعاني من تسلط رجال الدين ضده مما حدا بهم لتحريك مظاهرات الوقود منذ أكثر من عام، حتى جواد ظريف المعتدل الذي عاش في أمريكا عشرات السنين ليتعلم فيها عاملوه كما يعاملون حسن نصر الله وشرعت أمريكا في عقوبات ضده كما لو كان الرجل إرهابيا لا دبلوماسيا..!!

يرجى العلم أنه ولولا جواد ظريف بالذات ما نجح الاتفاق النووي، نظرا لرفض الجناج المتشدد الإيراني الصفقة مع أوباما، لاسيما أن الشعور القومي والديني كان شائعا ومتفشيا بضرورة صنع قنبلة نووية تكن رادعا لإسرائيل ومكافئة لها في القوة، وقد عانى ظريف الأمرّين في إقناع الداخل الإيراني المتشدد بالصفقة..وعلى مدار سنوات التقى فيها جون كيري عشرات المرات مما يمثل خطا أحمر للمتشددين الذين يصفون فيه أمريكا بالشيطان الأعظم، فالرجل الذي يمثلهم يجلس مع الشيطان ليعقد صفقة تجارية تتخلى فيها إيران عن تكاليف وأرباح البرنامج النووي بالكامل بما فيه جوانبه السلمية..إنه لأمر عظيم تعرض فيه ظريف للاتهام بالخيانة، فنشط رجال الدين ونجحوا في تحريك مظاهرات الوقود بعد إتمام الاتفاق فسرها العرب بغباء وقلة عقل على أنها ثورة إيرانية ضد النظام الإسلامي..!!

على العرب والأمريكيين إذا أرادوا التواصل مع الإيرانيين بالفعل وتجنب الحرب أن يُنمّوا علاقاتهم مع الجانب المعتدل الذي يمسك بزمام الحكم حاليا، سيساهم ذلك في عزل المتطرفين الشيعة ورجال الدين المتسلطين والتيار القومي المتطرف ضد كل ما هو عربي وأمريكي، إنما الذي يحدث هو مخاطرة قد تكون مقصودة أو مدفوع لها أطرافها عن جهل، ومنذ فترة كتبت أن التصعيد العربي الأمريكي ضد إيران قد يكون خطة روسية أو صينية لإشغال منافسيهم في حروب وأزمات أكبر منهم خصوصا في اليمن، وقد توقعت منذ إعلان قرار مجلس الأمن بشأن حرب اليمن أن هناك خطة روسية لتوريط المملكة في اليمن تهدف لأمرين اثنين:

الأول: إشغال عدوهم المعلن ومنافسيهم بمعركة جانبية في اليمن عن معركة سوريا مما يسهل للروس حسم الحرب السورية بسرعة ودون خسائر كبيرة، وبالفعل رأى العالم كيف أنه ومنذ اندلاع حرب اليمن بدأت حلب ودرعا وريف دمشق في التساقط تباعا في يد الجيش السوري، وبرغم تكوين الغرب حلفا عسكريا في سوريا لكنه لم يكن بنفس الفاعلية الروسية والانتشار السوري في السيطرة وتحرير الأراضي من الوسط والشرق إلى الساحل الغربي.

الثاني: الفوز بورقة رابحة ضد أمريكا والسعودية تدينهم بانتهاك حقوق الإنسان مما يخفض من مزاعم الغرب لروسيا بانتهاك حق الإنسان، وبالفعل منذ اندلاع حرب اليمن وظهور جرائمها للعلن واهتمام الرأي العام الدولي بها انخفضت بل انعدمت أي اتهامات غربية للروس بانتهاك حقوق الإنسان، وهذا الأمر بالذات لم يكن ليتحقق لولا نجاح الروس في تحويل حرب اليمن من قضية مشروعة لإعادة شرعية مفقودة إلى أزمة إنسانية تستوجب تدخل العالم بطريقة مختلفة.

في نفس هذا السياق ما الذي يمنع من دفع الروس لترامب ودعمه للصدام مع إيران وتوريطه وإشغاله عن روسيا؟..كذلك ما الذي يمنع من دفع الروس لبن سلمان بالتورط أكثر لإلهائه عن ملفات سوريا ولبنان بوصفهم مصلحة روسية عليا هذا التوقيت؟ لاسيما أن صور بوتين وبن سلمان في قمم العشرين قد يقرأها البعض بطريقة مختلفة لكنها تحمل في مضمونها دعما نفسيا من الروس لهذا الشاب الذي لا يشكون قيد أنمله بحماقته وقلة باعه في أمور السياسة..وبالتالي على خصوم روسيا في الغرب أن يترجموا هذا الدعم على أنه صداقة (بوتينية سلمانية) ضد مصالحهم فيتورطوا أكثر في تهديد بن سلمان وابتزازه والربح من موقعه قدر الاستطاعة.

كذلك من أسباب فشل هذا التواصل مع إيران هو اعتماد سياسة الاتهام الأمريكية ضد حكام طهران دائما، فيتهموهم بالقمع وسلب حرية النساء ودعم الميلشيات المتطرفة والتدخل في شئون الدول..بينما كل هذه الاتهامات تنطبق على السعودية أيضا حليفة ترامب الإقليمية الثانية بعد إسرائيل..مما أدى لإفراغ تلك الاتهامات من مضامينها الحقيقية وتحولها لساحة معارك دبلوماسية وتصعيد سياسي هو المسيطر منذ أعوام، ناهيك عن الإنفاق الأمريكي العربي المهول على السلاح أصبح في نظر الرأي العام الدولي تشجيعا على الحرب بوصف هذا الانفاق على أنه (هجومي) لا (دفاعي) كما هو يفترض في ثقافة الحكومات السلمية، ساعد ذلك تصرفات إسرائيل في فلسطين وذبحها للشباب المتظاهر والسلمي يوميا وارتكاب خطايا عنصرية وصلت لحد إعلان إسرائيل دولة يهودية من قمة الهرم الحكومي، وتصريحات ليبرمان الأخيرة باستحالة فصل الدين عن الدولة في إسرائيل..

كل هذا أفرغ اتهامات الغرب لإيران من مضمونها، فحتى ملف اضطهاد الأقليات وقعت فيه إسرائيل باضطهاد الفلاشا الأثيوبيين مؤخرا، فما وجاهة اتهام إيران إذن بقمع السنة أو البلوش أو الكورد كما هو شائع في الغرب ومنطقة الخليج؟..خصوصا مع حفلة الإعدامات السعودية لشيعة الأحساء بوصفهم إرهابيين على جرائم لا تمثل في القانون الدولي إدانة "كالتظاهر السلمي والمقالات الصحفية في الجرائد والسوشال ميديا"

أخيرا: على العرب وأمريكا التعامل مع إيران كقوة إقليمية طموحة ليست أقل منهم ، سيهتدوا حينها لأفكار إيجابية كتقاسم النفوذ والتبادل التجاري خصوصا لما تمتلكه إيران من موارد وقدرات استثمارية هائلة، سيؤدي ذلك لحصار المتطرفين الشيعة والقوميين في إيران وكسر شوكتهم بالانفتاح وتغيير قناعاتهم مع الزمن، أما أسلوب الصدام والتصعيد والحشد لن يتضرر منه سوى العرب بمكوناتهم المذهبية وأمريكا بحشد اليسار العالمي أكثر ضد طموحها الإمبريالي، خصوصا وقد فطن أوباما في أواخر حُكمه إلى خطورة سياسة بلاده الإمبريالية وقرر بكل جرأة وقف التدخل السلبي في شئون الدول وانتهاء عصر تغيير الأنظمة بالقوة، ولولا جرأة أوباما هذه - مع كل أخطائه - ما صنع رأيا عاما أمريكيا رافضا للحرب مع إيران ويساهم الآن في عزل ترامب إلى أن يتم التخلص منه في الانتخابات القادمة أو تدجينه وتوجيهه حسب نفس القاعدة الأوبامية الخالدة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف