الأخبار
2019/10/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ترانيم الحب والوطنية قراءة نقدية في ديوان لن تهون للشاعرة هدى النواجحة

تاريخ النشر : 2019-07-11
ترانيم الحب والوطنية
قراءة نقدية في ديوان لن تهون للشاعرة هدى النواجحة
بقلم د/ انتصار علي أبو شاويش

من يتفحص ديوان (لن تهون) للشاعرة هدى النواجحة يجد أن نصوص الديوان تتقاطع وتتفاعل لتجسد تجربة الشاعرة الملتهبة بحب الأرض والإنسان والحياة، والوطنية المفعمة بالقومية العربية ونضالاتها، تلك التجربة التي تماهت مع واقعنا الفلسطيني والعربي، وما يشهده من تمزقات وخيبات وتطلعات، فهي تكتب حاضرها المأزوم وذاكرتها النازفة، وتستشرف المستقبل المشرق لشعبها وأمتها العربية جمعاء، ويمكننا أن نقف على عتبات متعددة لهذا الديوان:
1-لوحة الغلاف: التي تعد من المعطيات الدلالية المهمة، فهي رسالة بصرية لا كتابية للنص، وهي تشي بما يحمله الديوان في متنه من دلالات وأفكار وانفعالات، وهي لوحة للفنان فتحي غبن، وتعبر عن تجذر الفلسطيني بأرضه، ووقوف الكل الفلسطيني لحماية أسوار القدس، وفيها بعض ألوان التطريز الفلسطيني الجميل، وفيها من الشموخ والكبرياء والعنفوان ما يجعل المتلقي لأول وهلة يشعر بالعزة والفخار، مهما ادلهمت الخطوب.
2- عنوان الديوان(لن تهون): وهو عتبة استباقية أولى للديوان لا يمكن تجاوزها، تكثف دلالة الديوان وتختزل مضمونه، وتحدد توقعات المتلقي، وهذا العنوان مكون من حرف النفي لن (للحاضر والمستقبل) والفعل المضارع(تهون) الذي يشي بالاستمرار والتجدد، فهذا الوطن لا ولن يهون يوماً على مر السنين، تقول الشاعرة: في الروابي/ في الأعالي والقمم/ في السهول الخضر مابين الكروم/ وطني حبي بقلبي لن يهون/ لا/ لن تهون.
يضم هذا الديوان(31) قصيدة متنوعة في موضوعاتها: العاطفية الحزينة، والوطنية الثائرة، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم، بيد أن الرؤية العامة في هذا الديوان تتألف من بعدين أساسيين هما: البعد العاطفي والبعد الوطني، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً؛ الأمر الذي ضمن لهما درجة عالية من النضج والعمق والتكامل، ومن القصائد التي اشتمل عليها الديوان(لم التعالي سيدي، ليل وغضب، لمت قلبي، مع الخالدين، مصرع فارس العرب، كأني أودعكم، مع القمر......).
3-النهج الشعري:
زاوجت الشاعرة في ديوان(لن تهون) بين الشكل الموسيقي التراثي والشكل المعاصر، إذ اشتمل الديوان على عدد من القصائد الحرة، وأخرى من القصائد الخليلية على البحور(البسيط، الكامل، الوافر ..) ومجزوءات البحور ذات الموسيقى الراقصة، العذبة.
والشاعرة تمتلك نفسَا شعرياً منسابًا متهادياً، وهي مشدودة إلى المنهج التقليدي، ومنبهرة بما تحمله القصيدة التقليدية من موسيقا خارجية رنانة متمثلة في بحرها الشعري، وقافيتها الجميلة، وألفاظها الخطابية المتوهجة؛ ولذلك نجدها في كثير من الأحيان قد تمزج في قصيدة التفعيلة بين النمطين، حيث تنهي قصيدتها بأسطر موزونة ومقفاة، ففي قصيدة ليل وغضب تقول:
خذوا مُناكم من كنوزِ الشام / تتبعُها العراق / وحضارةُ اليمن السعيد
لبيك يا شامَ العروبة يا ترابَ الخالدين
لبيك بغدادَ الحضارةِ والأسودِ الزاهدين (ص18)
4-محور الحب والرومانسية:
الشاعرة مرهفة الإحساس، جياشة العواطف، تفيض ألفاظها رقة وشاعرية وعذوبة، تنظم قوافيها من لهيب الليالي، وخواء الأيام، وتبعث الهمس الحنون بين ثنايا الديوان، تعشق العودة للطبيعة الحالمة وما فيها من حب وأشجان وسهر، تقول:
أحببتُ فيكَ الروحَ والقسماتِوالقدَّ والعينين واللفتاتِ
أحببت فيك جداولاً من عنبر أحببت منك نداك والبسماتص27

وهذه المشاعر الفياضة، والأحاسيس الملتهبة تجعلها توجه اللوم والعتاب لقلبها الذي ما دق لولا حبها لأمها:
ورحت أرمي الهوى باللوم لا أنت ولا أرى خجلاً في قول أهواك
أنتِ القريبةُ من نفسي ومن روحي أمي الحنونةَ جُـــــلَّ مثـــــــواكِ ص53

والديوان يعجُ بحب الوطن، ويفجر في دواخلنا كوامن الجراح التي ما تلبث أن تلتئم حتى تتفتق من جديد، تقول:
فلسطينُ يا أغلى وطن فردوسُنا والملتقى
يا حبُّنـــــا باسمِ القسم سنصونُ نجمّكِ والثرىص57
وقد يمتزج حب الوطن بالبوح الحزين، حيث نلمس تلك المشاعر الجياشة والثورة العارمة التي تجتاح الشاعرة نتيجة لما تعانيه وشعبها الفلسطيني من ظلم واضطهادومآسٍ وجوع وحرمان، تقول:
يجنُّ الليلُ يا أقصى علينا ونحنُ ببابِ قُدسكَ واقفين
ويقسوا الظالمونَ عليكَ غدراً ومن يسمع بُكانا والأنين ص53
وتنزف مفردات الشاعرة أسى وألم لما آل إليه الشعب الفلسطيني، تقول:
أرأيتِ سوسنةً تموتُ في مهدها؟
أسمعتِ مِقصلةً تُهيأ للرضيعِ؟
هنا في بلادِ الطهر/ أفواجٌ تُساق
حيثُ المقاصلُ والمذابحُ والمحارقُ/ والرمادُ ص45
5-محور القومية العربية:
وقد تتجاوز الشاعرة في بعض قصائدها الهم الفلسطيني، لتعالج الهم القومي، فتصور بصدق مأساة الإنسان العربي وعذاباته وضياعه وهوانه على أيدي حكامه، وما ألم به من هزيمة وانكسار، تقول:
أدمشقُ أشكوكِ الهوى أم أشتكي ظلمَ النوى؟
أدمشقُ أعجزني المُصاب وهدَّ قلبي ما أصاب ص50
6-توظيف التراث العربي والعالمي(التناص):
تحمل الشاعرة أبياتها على إيقاع الموروث الديني والشعبي والتاريخي(العربي والإسلامي) المعبق بالأزمنة والأمكنة، حيث تحملنا إلى تخوم الشام، ونعمان العرب، وضياع الأندلس، والشاعرة ولادة بنت المستكفي، وصقر قريش، ومراكب الفتح لطارق بن زياد، وزرقاء اليمامة، وعشتار إلهة الحب والجمال عند الكنعانيين، تقول:
تهديكَ زرقاءُ اليمامةِ نورَ عينيها العجيب
لتقرأَ الآهاتِ والحاجاتِ في كلِّ الوجوه
تتفرسُ الأوجاعَ في يومٍ عبوس
فتطيرُ إشراقًا لإحياءِ النفوس ص8
7-القص الشعري:
امتلكت الشاعرة ناصية القص الشعري باقتدار، وطوعت المفردة والصورة الشعرية، تقول:
كان للحطاب قلبٌ يحتمي فيه السباع
كيف بالوادِ المقدسِ يُستباح
حمل الفأسَ بيمناهُ وفي اليسرى علم
ثم زمجر/ أنا روحي للوطن ص62
وفي الختام، فإن الشاعرة هدى النواجحة في ديوان(لن تهون) عزفت في ترانيمها على شغاف القلوب، وتباريح الحب الرومانسي والوطني والقومي.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف