الأخبار
بعد سعد الحريري.. كلمة مرتقبة للرئيس اللبناني ميشال عونانعقاد الجمع العام العادي لتجديد التنسيقية المحلية لمنتدى حقوق الإنسانجامعة القدس وكلية لندن للتجارة تبرمان شراكة لتأسيس ماجستير ادارةاللواء كميل يلتقي القطاع النسوي بمحافظة سلفيتفلسطين تفوز بمنصب نائب رئيس المنظمة الاستشارية القانونية الآسيوية الإفريقيةإنطلاق مهرجان حسناوات العرب في العالم بدورته الرابعةدرس افتتاحي لماستر التدبير الاستراتيجي للسياسات العمومية الأمنية بتطواناليمن: مؤسسة الأمل للتنمية تقدم دعماً لطلاب البدو الرحل بمديرية بروم ميفعاللجنة الشعبية للاجئين بمخيم الشاطئ تستقبل وفدًا من حركة فتحمحافظ طولكرم يستقبل رئيس الوزراءالاردن: أمسية ثقافية في رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرشايلياء للتنمية والثقافة والفنون تنظم فعالية لقطف الزيتونمدير تربية قلقيلية يلتقي البرلمان الطلابي في مدرسة أبو علي إياد‫ملبورن تشهد نصف ماراثون مُذهل للخطوط "السريلانكية"إنعقاد المنتدى الوطني للمناظرات بقيادة الشباب في فلسطين
2019/10/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

موضوع أمني بقلم:جهاد الدين رمضان

تاريخ النشر : 2019-07-10
موضوع أمني بقلم:جهاد الدين رمضان
موضوع أمني 

    في أحد أيام ربيع عام ١٩٨٢ الدافئة جلس مدير ثانوية الشهداء (١) بحلب في مكتبه الوثير مطمئن البال مرتاح الضمير، راضياً عن سير العملية التربوية و التعليمية في مدرسته بعد أن نالت سمعة طيبة في اوساط مديرية التربية والتعليم في محافظة حلب، صحيح أنها ليست بمكانة و سمعة الثانويات العريقة في مدينة حلب، لكنها خرَّجت تلامذة بمعدلات منافسة لتلك المدارس، و مع زيادة أعداد التلاميذ الذين خضعوا لدورات المظليون و الصاعقة (٢) ستكون نسبة المتفوقين هذا العام الدراسي أكثر لأن هذه الدورات العسكرية تمنح المنتسبين لها العديد من المزايا، و منها دخول الجامعات و المعاهد بسهولة و يسر، بحيث يستثنون من شرط إحراز العلامات المطلوبة للمفاضلة العامة . 

و بينما كان غارقاً في حساباته و أحلامه، اخترقت أذنيه أصوات صراخ و ضجيج مبهم لتقطع عليه استرساله في عالم الأحلام و التمني، و تعيده إلى عالم الواقع و الحقيقة المرّة ، و سرعان ما استدعى الآذن (٣) أبو حميد طالباً منه التوجه إلى مصدر الصوت لاستطلاع الأمر و معرفة الصفّ الذي تصدر عنه هذه الأصوات. خرج الآذن أبو حميد بسرعة لكنه لم يعد أبداً ، و زادت الأصوات علّواً و الصخب بدأ يتجلّى و يتضح : إنها أصوات ضرب بالعصي مثل صوت الفلقة ، و أصوات صفعات و لكمات و ركلات، و عبارات شتم و سباب و تحقير ، و ميّز من بين كل هذه الأصوات صوت رجل مستغيث يتوسل للآخرين، فهرع من مكانه باتجاه مصدر الصوت الذي قاده إلى غرفة الشبيبة القريبة من غرفته في الطابق الأرضي، هناك وجد الآذن واققاً أمام الباب يقرعه بشدة و يتوسل لمن بداخلها ، قائلاً :

- بس يا شباب، دخيل الله افتحوا لي الباب قبل ما يجي المدير. 

و بذات الوقت بدأ بعض التلاميذ من صفي بالتجمهر أمام الباب متوسلين هم الآخرين مع الآذن ليفتح الرفاق الباب ، لكن لا حياة لمن تنادي و لا حياء ، فالرفاق منهمكون في عملية التربية الحديثة لمعلم الجغرافية و التاريخ الأستاذ سالم المسكين!. و حضرة المدير الأستاذ غسان بحكم منصبه و بكبريائه المعتادة ، أراد أن يعرف ماذا يجري في مدرسته تحت ناظريه بدون علمه، فسأل أبو حميد الآذن :

- ماذا يجري بالداخل؟

- و الله يا استاذ ما بعرف ، بس سمعت الرفاق يضربون الاستاذ سالم معلم الجغرافية و التاريخ في الصف الثالث الأدبي . 

هنا ثارت حمية المدير، فدفع الآذن و التلاميذ جانباً مزهواً كالديك الرومي،  قائلاً :

- ابتعدوا عن الباب و دعوني أتصرف بمعرفتي . 

ثم شمّر عن ساعديه و أخذ يقرع الباب قائلاً بلطف و تهذيب :

- يا شباب يا ابنائي افتحوا لي الباب و دعوني أتولّى الأمر ، هيك ما بصير ، عيب عليكم . 

رد عليه أحد الرفاق من الداخل بأدب غليظ :

- استاذ انت ما دخلك في هذا الأمر، الأمر من اختصاصنا و ليس شغلك.

رد المدير بنزق :

- لك يا ابني كيف ما هو شغلي؟ أنا المدير و أنا المسؤول عن كل شي بصير في المدرسة، و هادا استاذ له مقامه و احترامه فكيف تضربوه؟.

- استاذ الله يخليك، خليك في غرفتك أحسن لك، قلنا لك إنو الموضوع ليس من اختصاصك، الموضوع أمني.

- يا شباب يا رفاق خلّوني أدخل و أشوف، و إذا الموضوع أمني أنا أطلب لكم الأمن.

رد عليه كبير الرفاق "علي" من خلف الباب الموصد جيداً بنبرة غضب حادة و قلة أدب :

- لك شو شغلتنا يا فهيم؟ ما نحن هون الأمن، شغلتنا تطبيق الأمن و شغلتك تقعد ورا مكتبك ساكت و ما تفتح تمّك بكلمة، فهمت و إلا أفهمك بالذوق (٤) متل اللي جوا؟

حالما سمع المدير هذا التهديد الذي زعزع مكانته و قلل من شأنه، قال :

- إذا كان الموضوع أمني شوفوا شغلكم، الله يعطيكم العافية و يسلم أيديكم. 

قال المدير قوله ذاك و انسحب بصمت و هدوء متوجهاً إلى غرفته، تاركاً مسألة تطبيق الأمن للرفاق البعثيين الحريصين على سلامة الوطن، بقدر حرصه على سلامته من وعيد الرفاق الصريح الوقح .

……………………………………………. 

   بعد برهة من الألم و الصمت، استفاق السيد المدير من هول الموقف، و قرر معرفة الحقيقة لعله يستبق نتائج الواقعة الوخيمة و يثأر لكرامته المجروحة. استدعانا واحداً تلو الآخر للاستجواب المهذب اللطيف، و كنا نخاف اطلاعه على حقيقة الأمر خوفاً من بطش الرفاق و حرصاً على حفظ أواصر المودة بيننا و بينهم ، غير أن واحداً منا وشى  بالحقيقة في آخر الأمر، و عرف المدير بأن أستاذنا المسكين مدرس الجغرافية و التاريخ الاستاذ سالم، قرر إجراء اختبار خطي لنا في مادة التاريخ يوم السبت من الاسبوع الماضي، و كان قد أنذر الجميع بمنح علامة (صفر) لمن سيتغيب يوم الاختبار رغم اعتراض الرفاق على قراره الجائر - لأنهم سيتغيبون كعادتهم في كل يوم - و بقراره الظالم هذا سيحرمهم من لعب الورق في غرفة الشبيبة أو لعب الطابة في الباحة (٥) ، أو سيحرم بعضهم من أكل الفول في مطعم المعلم ( بربور) (٦) خلف السور. لكن معلمنا استاذ التاريخ - و يشهد له التاريخ - كان شجاعاً جَسوراً ، فما اهتزت له شعرة و لا اهتمّ بما قالوا و هددوا بسوء العقاب، و أجرى الاختبار في موعده المقرر بعد أن نفد صبره من كثرة التأجيل بناءاً على طلب الرفاق، و وفّى بوعده و منح الرفاق و سواهم من المتغيبين علامة ( صفر) و هو شامخ الرأس مسرور، و يا لها من ثقة و سعادة لا تغني و لا تطول، فها هو يأكل نصيبه من كل أنواع الضرب و البهدلة على أيدي تلاميذه ، و لم يستطع أحد تخليصه من أيدي الجهلة الظلّام. 

الاستاذ غسان مدير الثانوية كذّب زميلنا عمر التلميذ الواشي، و طرده من مكتبه شر طردة، قائلاً له :

"بدك أصدق واحد فاسودي مثلك، و أكذّب عشرة من رفقاتك الشرفاء (٧) ؟ ولك شوف شو عامل الاستاذ سالم - لا سلّمه الله - ضد الوطن، لحتى كشفوه الرفاق و علموه أصول التربية و الولاء للوطن و قائد الوطن !. روح انقلع من وجهي يا حقير" . 

لم تقتصر حصة زميلنا عمر على هذا التوبيخ الشديد من حضرة المدير، فالرفيق علي كبير الرفاق المظلي الوحيد المسلح بمسدس عيار ٩ ملم ، صاحب البزة العسكرية المبرقعة المهابة التي يرتديها في المدرسة متمنطقاً بمسدسه الحربي على خصره ، عرف اسم و هوية الواشي زميلنا عمر، فهدده بأن لا يحضر إلى المدرسة في اليوم الثاني و إلا سوف ينال نصيبه هو الآخر مثل ما نال الاستاذ سالم و زيادة، و سيكون آخر يوم له يرى فيه الشمس.! 

احتار عمر في أمره و هل يرضخ لتهديد الرفيق علي أم يتحداه ؟ و لكونه قروي عنيد و صاحب شجاعة و مروءة، و بفضل حكمة الله و تدبيره، حضر إلى المدرسة في اليوم التالي متحدياً تهديد الرفيق علي و ليكن ما سيكون، و لحسن حظه و لطف الله به لم يحضر الرفيق علي إلى المدرسة في ذلك اليوم و لا بعده، و علمنا أنه تعرض لمحاولة اغتيال في مدخل العمارة التي يسكنها في محلة بستان القصر، فكان حضور عمر للمدرسة في يوم تعرض علي لمحاولة القتل، دليلاً قوياً على براءته من هذه الجريمة الخطيرة الأبعاد، و بحضوره المدرسة أمام مئات الشهود لا يمكن إلصاق التهمة به. 

……………………………………………….. 

   بعد ذلك العام الدراسي الأخير لي في ثانوية الشهداء، علمت بأن السيد المدير الاستاذ غسان كوفئ بتعيينه مديراً للتربية و التعليم في محافظة حلب، تقديراً له على حرصه على سلامة الوطن، و اخلاصه لسيد الوطن و قائده المفدى، و صدق ولائه له .

أما الرفيق علي الذي سلم من محاولة اغتيال فاشلة دبرها له أعداء الوطن الاخوان المسلمين، تم قبوله في عداد الناجحين رغم مرضه و عدم قدرته على حضور الامتحان النهائي، و كوفئ أيضاً بتعيينه ملحقاً عسكرياً في إحدى سفارات الجمهورية العربية السورية في أفريقيا، فقد دفع بعض دمه فداء الوطن و سيد الوطن الرفيق القائد المفدى سيادة الرئيس. 

و خائب الرجاء سيء الحظ الزميل عمر لم يكمل تعليمه ، و ترك المدرسة قبل الامتحان من شدة مخاوفه، و سوء وساوسه من انتقام الرفيق علي ، فآثر السلامة على العلم، و اقتنع بالعمل في المستقبل كنجار باطون (٨) في قريته الجبلية البعيدة عن علي و رفاقه .  

و الأستاذ سالم و إن سلم بجلده من السجن أو الاعتقال، فقد سلّم العملية التربوية و التعليمية لأبناء جيل الصاعقة و شبيبة الثورة و مظلّيي البعث، و ترك الدرس و المدارس و التدريس، و عاد إلى قريته يحرث الأرض و يزرعها، و يربي الدجاج و الخراف و الماعز و البقر... فهذا أشرف له من تربية و تعليم البشر... 

انتهت 

جهاد الدين رمضان 

في فيينا ٧ نيسان ٢٠١٨

الهوامش :

١ – ثانوية الشهداء مدرستي الثانوية في الصف الأول و الثالث، مدرسة حكومية لعامة أبناء الشعب الفقراء ، و ليست من مدارس أبناء الشهداء المعروفة ، تقع في حي الفردوس الشعبي شرقي حلب .

٢ - دورات المظلي و الصاعقة دورات عسكرية تدريبية قاسية على القفز بالمظلة (المظليون) و تعلم فنون القتال و استخدام السلاح، مدتها أقل من شهر يجريها التلاميذ في المرحلة الثانوية المنتسبون لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم ، ظهرت في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد بعد نشوب حوادث الاخوان المسلمين في آخر عام ١٩٧٩ ، الهدف منها مساعدة الدولة في استعادة الأمن من حيث المبدأ، لكنها وسيلة فعالة في إرهاب الناس و تخويفهم ، و الأهم من هذا و ذاك كانت تمنح من يجريها مزايا عديدة ، و علامات إضافية من عشرين إلى ستين علامة فوق مجموع علامات الامتحان النهائي .

٣ - الآذن هو المستخدم أو الحاجب ( الفراش بلهجة مصر) المسؤول عن نظافة المدرسة و تأمين طلبات المدير و المعلمين و طاقم الإدارة . درجت مديرية التربية و التعليم على غض النظر عن بيعه بعض المأكولات و السكاكر و العلكة ( والسكائر في الخفاء) كنوع من الدعم لزيادة دخله الشحيح. و الآذن "أبو حميد" كان شخصاً مرحاً ذا نكتة و ضحكة دائمة، و الجميع يحبه على حدٍّ سواء.

٤ - التفهيم بالذوق تعبير دارج في لهجة حلب يحمل عكس المعنى الظاهري له، فلا يستخدم الذوق و اللطف فيه بل القوة مع قلة الأدب، و يعني التفهيم بالضرب و الشتم و التحقير، و تعرض من يخضع له لكل أنواع الإذلال و الإهانة.

٥ - لعب الورق و يسمى ورق الشَدّة في حلب، و ألعاب الورق كثيرة و متنوعة في كل البلاد، اشتهرت منها في حلب آنذاك لعبة ( التركس )، كان الرفاق يهربون من الدرس و يلعبونها في غرفة الشبيبة المخصصة للاجتماعات و المحاضرات في مبادئ الحزب و أهدافه. و لعب الطابة اللعب بالكرات الرياضية مثل كرة القدم و السلة، كان الرفاق يحتكرونها لأنفسهم من غرفة الرياضة.

٦ – مطعم بربور مطعم شعبي في حي المغاير القريب من مدرستنا، صاحبه اسمه ( البربور) كريم و محبوب، مطعمه حقير المنظر غني المأكل، يختص ببيع الفول و الحمص، كان يصلّح الطبق للزبون حتى الشبع، و يجهز اباريق الشاي على بوابير الكاز ( مواقد قديمة من النحاس تعمل على زيت الكاز ) لتكون جاهزة و ساخنة في انتظار الزبون، يشرب منها ما يشاء و بالمجان. كان أغلب تلاميذ المدرسة من زبائنه طوال اليوم، قبل دوام المدرسة و خلاله و بعده.

٧ - الفاسودي هو الواشي بغيره من الزملاء أو الرفقة، و يعتبر خائناً للعهد في نظر من وشى به و من تلقى الوشاية منه بذات الوقت، و كنا صغاراً نلف و ندور حول الفاسودي، و نقول : يا فاسودي، انت كلب يهودي، ثم  نبصق في وجهه انتقاماً منه. و يقصد المدير بالعشرة الشرفاء الرفاق العشرة المنتسبون لدورات (المظليون و الصاعقة ) و الأعضاء العاملين في الحزب الحاكم و منظمة شبيبة الثورة ، كان عددهم في صفي عشرة تلاميذ بالتساوي مع عدد التلاميذ غير المنتسبين للحزب. 

٨ - نجار الباطون هو العامل في أعمال البيتون المسلح، يقوم بصب الإسمنت المخلوط بالرمل و الحصى و الماء في قوالب خشبية تشتبك فيها قضبان الحديد لبناء أسقف العمارات و البيوت، و المعلم في هذه الصنعة يدعى هكذا في حلب و عموم سوريا. 

تلميذ يخضع لعقوبة الفلقة في المدرسة 
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف