الأخبار
2019/10/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

تقرير ساخن بقلم:جهاد الدين رمضان

تاريخ النشر : 2019-06-25
تقرير ساخن بقلم:جهاد الدين رمضان
تقرير ساخن 

   في عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، درجت دوائر الأمن السري ( المخابرات) على ندب مجموعات من  عناصرها لحضور خطبة صلاة  الجمعة في كل الجوامع، فكانت تطلب إليهم أن يوافوها بتقارير خطية  حول مكنون الخطبة و تأثيرها في جموع المصلين ، و من مقتضيات تحري الحقيقة الخالصة لوجه الله و عيني الأب القائد، كانت فروع الأمن تندب أكثر من مخبر مدني بهذه المهمة السامية لنفس الجامع، فتستطيع معرفة الحقيقة من خلال تقاطع المعلومات بين التقارير المتعددة بدون علم كاتبيها ، و تضمن ألّا يحيد عناصرها عن الالتزام بتعليمات المهمة المكلفين بها، أو التهاون في تنفيذها في سبيل قضاء الوقت المخصص لها مع العائلة و الأصدقاء، فقد كان بعض العناصر لا يحضر خطبة الجمعة في الجامع المحدد، و يجازف بكتابة تقرير وهمي من نسج خياله يحبكه كما سار عليه نهج الشيخ الخطيب في السابق، إضافة للمعلومات المسبقة عن الخطبة التي تزود بها وزارة الأوقاف دوائر الأمن قبل يوم الجمعة، و هكذا يسلم عنصر الأمن من عقوبة تخلفه عن أداء مهمته.

لم أكن أعلم هذه المعلومات مثل الكثير من غيري من المواطنين المسالمين، و كنت في غفلة عما يدور في مكاتب و فروع الأمن من حرصٍ بالغٍ على استتباب الأمن والأمان، و لا أدرك ما يدور على ألسنة المشايخ الخطباء في أيام الجمع الغراء، إلا من خلال السماع الإجباري عبر مذياع الوطن أو أشرطة الكاسيت المحببة لدى سائقي التكسي اللطفاء، حضرت بعض الخطب بمحض إرادتي في حالات إيمان عابرة و لم يعلق في ذهني منها سوى بضع كلمات، و مرة واحدة فقط حضرت إحداها مجاملة مني لمضيفي في أحد الأرياف، وقد كانت من بعدها القطيعة النهائية ما بيني وبين خطب أيام  الجمعة.

علمت بذلك من صديقي و موكلي "عين" الذي كان متطوعاً في الأمن العسكري لسنوات طويلة، و تم تسريحه من الخدمة بسبب سخط الرؤساء من أدائه الضعيف، سألته في أحد الأيام :

- كيف يتم تسريحك بعدما أفنيت زهرة العمر في صفوفهم، و كدت أن تخسر عمرك كله في إحدى المهمات؟

 شهق بعمق و تنهد بحسرة و أجابني :

- هل تعلم أنني حين تطوعت في الأمن العسكري لم يكن شعر لحيتي و شاربي قد نبت بعد؟ و بالكاد ظهرت بعض الشعرات على عانتي ( أعزك الله و أعانك) مما جعلني مثار سخرية زملائي البالغين و تندرهم علي بنعتي بالولد؟

- أعرف بأنك تطوعت بالأمن بعدما أنهيت الصف التاسع (الثالث الإعدادي).

- بل قبل صدور النتائج، تطوعت بشرط الحصول على الشهادة الإعدادية بعد إلتحاقي بدورة الأغرار تحت طائلة الفصل من السلك إذا لم أحصل عليها.

- إذاً أنت غامرتَ بشهور من العذاب الجسدي و النفسي في الدورة التدريبية لحين صدور نتائج الامتحان ؟ 

- تنهد ثانية وقال: 

- نعم كانت مجازفة خطيرة لولا ثقتي من نجاحي في الشهادة الإعدادية.

- و ما قصة ضعف الأداء التي تم تسريحك بموجبها رغم أنك بذلت روحك فدى الأمن بتلك المهمة الخطيرة التي خلّفَتْ عجزاً بالغاً في جسدك؟

- ضعف الأداء كان ذريعة رؤسائي للتخلص من خدماتي و مصاريف علاجي، و السبب الحقيقي لصرفي من الخدمة لا يتعلق بعجزي الناتج عن تنفيذ تلك المهمة الخطرة التي استشهد فيها واحد من دوريتنا، كلنا تعرضنا لخطر الموت و أصبنا بعاهات في أجسادنا، و حينها قيل لنا أن سيادة الرئيس حافظ الأسد أعطى أوامره لرئيس فرع الأمن العسكري بأن يتم علاجنا في أفضل مستشفيات روسيا على حساب الوطن، و أن يحتفظوا بنا حتى مع عجزنا الدائم، و لم يسرحوا سواي .

- إذن ما هو السبب الحقيقي لتسريحك بعد مرور أكثر من خمس عشرة عاماً على تلك الحادثة المميتة؟

- السبب هو تقرير ساخن من تحت الزنار كتبته في إمام جامع الفرقان!

- إمام جامع الفرقان المشهور ما غيره؟

- نعم هو بذاته و خبزاته الشيخ أديب حسون.

- اف، و كيف تجرأت عليه؟ هادا مرشح لحيازة منصب مفتي حلب!

- الله يخزي الشيطان كيف لعب بعقلاتي ما بعرف، اللي بعرفه إني قبل يوم الجمعة دعاني زميل مفروز على فندق أمية في شارع بارون خلف السياحي على سهرة حمراء مع كروب روسي بطيّر العقل، بنات شقراوات جميلات و نحيفات،  حين تراهن  تقول  أنهن نازلات من الجنة، كم رأيت نسوان؟  مثلهن ما رأيت ولا خبرت  ولا ذقت، كان زميلي متواعداً مع بعضهن خارج الاوتيل في شقة مفروشة خاصة، و قد دعاني للسهرة بصحبتهن مع غيري من الزملاء، و كانت زوجتي مسافرة إلى بيت أهلها في الضيعة قبل يومين، و كانت فرصة ذهبية بالنسبة لي أن آخذ راحتي في السهرة الخمرية الحمراء، و بذات الوقت أكمل متعتي مع حصتي من أولئك الفتيات الروسيات في بيتي دونما خوف ولا رقيب، لا أعرف كم شربت من أنواع المسكرات، اصطحبت صاحبتي الشقراء مع ليتر فودكا أصلي إلى بيتي، و هناك أكملت معها في الغميق حتى عجزت و خارت قواي كالغريق، لم أحسب حساب مهمتي الروتينية في اليوم الثاني، و لا أعرف كيف و متى نمت و نامت و نام، كانت ليلة من ليالي العمر لم أكترث بما سيليها من مستجدات، و بالكاد استيقظت ثاني يوم قبل صلاة الجمعة بمعونة ساعة المنبه و تلفون الزميل المضيف، فقد وعدته بأن أعيد فتاة الليل إلى الفندق قبل الظهيرة لأن مهمتي تبدأ مع صلاة الظهر، و طلبت منه أن يوقظني باكراً على الهاتف لأتمكن من الوفاء بوعدي و تنفيذ مهمتي في الوقت المحدد، لعن الله الفودكا شو بتعمل في البني آدم يا استاذ، رحت على الجامع بسرعة و تركت البنت نائمة و أقفلت عليها الباب، دخلت الجامع و قد بدأت صلاة الجماعة، لا أعرف كيف سجدت و ركعت و أنا استذكر ركوعي و سجودي أمام  مفاتن وجمال فتاتي، أميل مع صف المصلين إلى اليسار و اليمين عند التشهد من ثقل رأسي لا من شدة الإيمان، ثم جلست استمع للشيخ حسون، كأنني أسمع صوتها العذب كشدو البلبل و الحسّون، و عندما بدأ بوصف محاسن حور العين الموعودة في الجنة، رأيتها في فراشي كأنها واحدة منهن نزلت في ليلة القدر، و كلما زاد الشيخ في وصفهن زادت رغبتي في العودة إلى بيت الرغبات، عندما يحرك يديه و وجهه أراها ترقص أمامي، في كل حركة و كلمة من الشيخ كنت أراها ماثلة بكامل فتنتها و سحرها...

قاطعته ممازحاً :

- شو حضرتك رايح تحضر خطبة الجمعة، ولّا خطبة عروس في حمام النسوان؟

- اي والله يا صديقي، هالخطبة حوّلها الشيطان في رأسي إلى فيلم حامي مثير ، حتى رئيسي لما رأى  تقريري في اليوم الثاني، قال لي : العمى نحن ندبناك على جامع الفرقان أم ملهى " المونتانا " يا ابني؟ ( جامع الفرقان كان ملهى ليلي يحمل اسم " المونتانا "  قبل تحويله إلى مسجد جامع )

- و الله معه حق، عم توصف سهرة حمراء أشد احمراراً من ليالي "الطاحونة الحمراء".

- الله يخزي الشيطان، و يلعن أبو الفودكا الروسية، و يقصف عمر بنات الليل مثل ما قصفوا مستقبلي و قضوا على وظيفتي.!

- لكن لم تقل لي ماذا كتبت في تقريرك "الساخن" حتى تسبب في فصلك من السلك؟ 

صمت موكلي "عين" لبرهة وبدا كأنه ينظر إلى مكان بعيد، وقال وهو لا يزال ساهماً:  

- قد تتعجب إذا أخبرتك الحقيقة...  إنني - والله – حتى هذا اليوم لا أعرف أني كتبت في تقريري إلا الصدق! 

سألته، وقد تملكني العجب : 

- كيف؟ هل تعني أن تقريرك لم يكن كيدياً ؟ 

- نعم، كان تقريري صحيحاً و صادقاً مية بالمية، عندما كان الشيخ حسون يصور فتيات الجنة الحسان، حسبت أنه رأى الفتيات الروسيات الفاتنات، وبالأخص فتاتي التي كنت قد تركتها في البيت منذ ساعة تقريباً.. وقد جعلني هذا أصدق وأؤمن أن ما سمعته منه صحيح، فقد سمعته يذكر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، و سمعته يذكر أحد الصحابة رضوان الله عليهم، ثم ذكر سيادة الرئيس المفدى قدس الله سره، و ذكر الحركة التصحيحية المباركة بكل فخر، وقال : أن من أهم منجزاتها بناء قلعة حلب و الكعبة المشرفة وإقامة سد تشرين وتحرير القدس.. ربما الوعد بتحرير القدس بعد تحرير القنيطرة، لست اذكر بالضبط !  

- معناها كنت كتير مشوش ، و الفودكا عملت عمايلها فيك ؟ 

- ليش بس الفودكا ؟ وين راح العرق و الويسكي و الكونياك؟ ما تركنا صنف مشروب إلا و جربناه في السهرة الحلم... 

- مليح منك عرفت تصلي في الجامع و تلقط كلام الخطيب ! 

- أنت تعرف يا استاذ ان الشيخ أديب حسون له شطحات في مديح و تمجيد الأب القائد و قيادته الحكيمة للبلد، فبالإضافة إلى شطحات خيالي في وصفه لحوريات الجنة بتأثير الليلة الماضية، حسبت أنه قال في الخطبة بأن بناء سد الفرات العظيم و الكعبة المشرفة من منجزات الحركة التصحيحية ، و أن تحرير القنيطرة و فتح مكة المكرمة من انتصارات حرب تشرين التحريرية المجيدة، و لحد اليوم ما بعرف شو كتبت في تقريري! 

- و الله هيك تقرير لا يستوجب التسريح فحسب ، بل يلزمه إحالة على المحكمة العسكرية أيضاً، مليح اكتفوا بتسريحك و بس!. 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف