الأخبار
2019/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الصديقان الّلدودان بقلم: السفير منجد صالح

تاريخ النشر : 2019-06-22
الصديقان الّلدودان  بقلم: السفير منجد صالح
الصديقان الّلدودان

وضع "الغزال" الأوراق الخاصة به على الطاولة، تحت حجة أنّه يُريد أن يقصّها بالمسطرة الى أربعة أقسام. يحتاجها لتدوين طلبات الزبائن في مطعمه الشعبي المتواضع. حوّله حديثا من مقهى الى مطعم. "من مقهى متواضع الى مطعم متواضع". فلم يُصبح بعد مطعما ولا هو بقي مقهى. إنما مزيج بين "حانا ومانا". 

الطاولة تعج بأشياء أخرى. كوبا مليئا بالأقلام، بألوان وأحجام متعددة. وكوبا مليئا بالدبابيس وبكمّاشات الورق. وعدة علب جديدة، للبيع، تحوي ألواحا خاصة لمكافحة الناموس، بعد أن توضع في ماكينتها الخاصة. وثلاث أكواب كرتونية تشمُّ منها وفيها بقايا بقايا قهوة صُنعت من يومين أو ثلاثة. ومكتّة (منفضة) خشبية، بنية اللون، مليئة بأعقاب ورائحة لفافات التبغ. أعقابها متنافرة الطول والأنواع. وماكينة كهربائية حراريّة طويلة الشكل لتجليد الهويّات ورخص القيادة ووثائق أخرى بالبلاستيك. تدخل الماكينة عارية، وتخرج منها متدثّرة بلباس بلاستيكي متين، يحفظها سليمة من تبدّل الأيام والأزمنة عليها.

يجاور الماكينة، خيّاطة البلاستيك، رزمة من دعايات لشركة "مدى" للإنترنت. مربعة الشكل، بطول فتر وعرض فتر، من الكرتون القوي. يُقرؤ عليها بخط أحمر عريض منمّق " دلال غير شكل". و بخط أحمر رفيع، "إنترنت حدوده السما". تنافُس شركات الإنترنت لا حدود له. وربما يتعدّى حدود السماء، الى الفضاء الفسيح، الى طبقة الأوزون. فهم بالنهاية يبيعون هواء. ويجنون أموالا طائلة من بيع وتسويق الهواء. والناس والزبائن يتعلّقون بقشّة في حبال من الهواء.

صرخ حكيم على الغزال. يشعر بإستفزاز شديد:

- يا أخي خُذ أوراقك المكوّمة أمامي. هل ينقص الطاولة المزيد من الأشياء؟؟!! خُذها وقصّها على الطاولة الداخلية، هناك. وأشار بيده بعصبيّة واضحة.

- لكني لم أجد المسطرة لقصّها. أجاب الغزال ببعض من البرود والسماجة.

- خُذ. هذه المسطرة أمامك. لكني أُراهن أنّك لن تستطيع قصّها. كيف ستعمل مصلحة جديدة؟؟!! تفتح مطعما!! وهل فلحت في القديمة حتى تفلح في الجديدة؟؟!! هل فلحت في شغل المقهى؟؟!! وأنت لا تعرف أن تقص خمسة أوراق!! أردف حكيم قائلا، بكثير من الغضب، وأصابعه ويديه تهتزّ.  

- المسطرة معوجّة. أجاب الغزال بين الجد والهزل والإستفزاز.

- شكلك المعوجّ. يدك المعوجّة. أصابعك "القُفُش". "والله أنا مأ أنا عارف كيف صار عندك أربعة أطفال؟؟!!". إنت بتعرف تعمل شيء "مثل الخلق والناس" في حياتك؟؟!! أردف حكيم مزمجرا بمزيد من الغضب وهو يُلوّح بيديه الى الأعلى زيادة في التعصيب.

أدار الغزال ظهره وهو يبتسم بنوع من السخرية، وقليل من الإكتراث. وإتجه الى الباب، بخطوتين، وإذا به يقطع الشارع هابطا نحو مطعمه، مقهاه، وهو يُتمتم كلاما غير مفهوم. 

وقد ترك الأوراق، أوراقه، في مكانها على الطاولة، في مواجهة حكيم. لتزيد من غضبه وحنقه. تناولها بيده اليمنى بعصبية. إستدار نصف دورة وحذفها على الطاولة الداخلية من ورائه، وهو يّتمتم بصوت عالي، كلاما مفهوما.......؟؟!! 

وإستمر حكيم في تلبية طلبات الزبائن. أربعة أو خمسة منهم ما زالوا ينتظرون دورهم لتعبئة "كرت" جوّال أو وطنية. لتعبئة "كرت" كهرباء بالدفع المسبق، خوفا من أنقطاع التيّار الكهربائي وقضاء الليلة في ظلام دامس أو على نور شمعة. أو لشراء علبة أقلام تلوين لطفلة صغيرة في الصف الثاني الإبتدائي. 

وآخرهم، وهو أوّلهم في الحقيقة والواقع، الطالب الصغير الأسمر ذو الإثنى عشر ربيعا. يضع يده على خدّه كعلامة صبر وهدوء. لقد أمضى أكثر من ثلث ساعة جالسا على الكرسي العالي أمام الطاولة، طاولة المكتبة، المكتبة الصغيرة، مكتبة حكيم. حوّلها مع الوقت من "كافيه نت" الى مكتبة. متعددة المهام وتقديم الخدمات. 

ينتظر دوره أو بالأحرى ينتظر العم حكيم حتى يفرغ من الزبائن طالبي الخدمة السريعة أو "عديمي الصبر"، الذين وصلوا بعده، و"بصلتهم محروقة" أو قليلي الذوق الذين يكرهون النظام وإحترام الدور، ويؤمنون بكسر الدور بالعضلات المفتولة. كي يتفرّغ له ليُدير الكمبيوتر ويستخرج منه عدة طلبات يحتاجها للمدرسة، للصف السابع، الأوّل الإعدادي سابقا. 

أن يبحث له، عن طلبه، عن أماكن تاريخية وأثرية ودينية في العالم. معالم تاريخية وأثرية في المعمورة: دير جبل القرنطل في أريحا، مدينة القمر، وأقدم مدينة في التاريخ. مضى على إقامتها أكثر من عشرة آلاف عام، حيث تمّ الإحتفال عام 2010، في شهر عشرة، شهر تشرين أول، أُكتوبر، اليوم العاشر، الساعة العاشرة صباحا، في مدينة أريحا، مدينة القمر، ذاتها، بمرور عشرة آلاف عام على إنشائها. 

وتاج محل في الهند، إحدى عجائب الدنيا السبع، المبني والمصنوع من المرمر الخالص. وكنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة القيامة في القدس. وسور الصين العظيم. وأهرامات الجيزة وأبو الهول في مصر. وأهرامات الهنود الحمر الأستيك في المكسيك. 

وتمثال السيد المسيح الطويل الضخم الذي ينتصب على جبل يُشرف على شط بحر مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل. مهد ومسرح أهم وأجمل الكرنفالات في العالم. والأشهر دُوليّا بشواطئها. شواطي كوباكابانا الدافئة المنعشة المُغّرية، المزيّنة بالحسان، ألوان وألوان، وأشكال وأشكال، بملابس البحر ودون ملابس البحر. الحوريّات السمراوات والبيضاوات والشقراوات والزنجيّات والخُلاسيّات، الملفوفات والمبرومات والمتحوّرات، والنحيفات والمكتنزات، القشطة والسحلب والحليب والشوكو والشوكولاتة. 

وفي زيارة الى ريو دي جانيرو، قبل سنوات قليلة، لحضور مؤتمر ضخم، "ملتقى الحضارات". حضره حوالي سبعة آلاف مسؤول ومندوب ومشارك، من دول العالم قاطبة. 

وصل الوفد الى ريو دي جانيرو لحضور المؤتمر، بدعوة من وزير الخارجية البرازيلي سيلسيو أموريم. وزير خارجية الرئيس إغناسيو لولا دا سيلفا. الرئيس الذي نهض بالبرازيل وجعلها في مصاف الدول الصناعية الكبرى. تُصنّع حتى الطائرات المدنية. طائرة إمبراير، المباعة للملكية الاردنية. ذات الثمانين مقعدا. تقطع المسافة بين عمّان والقاهرة في ساعة وربع. وتمتاز بجمال مقاعدها الوثيرة، المصنوعة من الجلد بلونية : "البيج" والأحمر الفاقع. 

نزل الوفد في فندق ضخم في ريو دي جانيرو. الفندق يعجّ بالمسؤولين والشخصيات الدولية. على رأسهم كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة. ويعجُّ أيضا بالحراسات ورجال الأمن.

سألت موظفة الإستقبال البرازيلية، الزنجية السمينة جدا:

- لماذا كل هذه الحراسات في الفندق؟؟!! أعمل هنا منذ خمس سنوات ولم أرى قط مثل هذا العدد الكثيف من رجال الأمن.

- لأن الفندق مليء بالمسؤولين وبكوفي عنان. أجابها المسؤول الضيف.

- وماذا إذا كان هنا مسؤولين، أو هذا الذي تقول عنه، عنان؟؟!!

- الواجب تقديم الحماية . والحفاظ على سلامة الضيوف.

- ولكن نحن في ريو دي جانيرو. لماذا يلزمهم حماية؟؟!! من يهدّدهم في الريو؟؟!!

- ألم تسمعي أن هناك إرهابيين في كل مكان؟؟

- إرهابيّون؟؟!! هنا في الريو؟؟!! مستحيل. فلو كان هناك إرهابي قد أتى الى هنا. فإنه يغطس ويسبح في مياه شط الريو. ويشرب زجاجتين من البيرة. ويغطس في بحر من الحسان والحوريّات. وينسى أنه إرهابي!!! وينسى حتى من هي أمّه؟؟!!

لقد تبدّلت الأزمنة والزمان والموقف في البرازيل. من عهد الرئيس الصديق لياسر عرفات، الرئيس إيغناسيو لولا دا سيلفا، وخلفه الرئيسة الصديقة ديلما روسيف، التي رفضت على مدى ستة شهور ترشيح قائد سابق للمستوطنين، الإسرائيلي داني ديان. مرشح نتنياهو ليكون سفيرا في البرازيل. حتّى تخلّت إسرائيل عن مسعاها في فرض المستوطن، أمام الرفض البرازيلي الحازم. 

ولكن تم إسقاط الرئيسة التقدمية بحبكة يمينية صلفة بقيادة ميشيل تامر، نائبها "والحافر الحفرة لها"، بدعوى تجاوزات إقترفتها. بينما سجّل عهد تامر. الذي خلفها في الرئاسة. لبناني الأصل وزوج عارضة الأزياء الشابة الحسناء. جبلا من التجاوزات والفساد. 

والرئيس اللطيف "لولا"، باني مجد البرازيل ونهضتها الحديثة، مُكبّل الآن في السجن، بدعوى "الفساد". أي جنون هذا؟؟!! 

نتنياهو يسرح ويمرح في البرازيل، في عيد رأس السنة الميلادية الفارطة. حيث أمضى برفقة زوجته سارة ستة أيام في ربوع البرازيل الجميلة بطبيعتها وسهولها وخضرتها وشواطئها وكرنفالاتها وحسانها الممشوقات. إستضافه الرئيس الجديد جايير بولسنارو، كي يكون ضيفه المميّز على رأس السنة، وبعد أن أغبطه بتصريح نقل سفارة بلاده، من تل أبيب الى القدس.

الأزمنة والمواقف تتبدّل، مع الأسف الشديد، في دول أمريكا اللاتينية. مهد حركات التحرر الى جانب زميلتيها آسيا وأفريقيا. حيث كان أبو عمّار رحمه الله يربط بين حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. القارة التي إنبثق منها المحرر سيمون بوليفار، والتشي غيفارا، وفيدل كاسترو، وعمر توريّخوس، ولولا دا سيلفا، وكريستينا كيرشنر وخوزيه "بيبي" موخيكا وهوغو تشافيز. 

الآن تنقاد هذه الدول برؤساء يمينيين، محابون لإسرائيل، أصدقاء لأمريكا، في البرازيل والأرجنتين وكولمبيا والإكوادور والبيرو والبراغواي والتشيلي. بحر من الدول اليمينية التابعة لأمريكا تخنق الجزيرة التقدمية الوحيدة فيها، فنزويلا. 

هل تعود أمريكا اللاتينية برجليها وقدميها لتكون مرة أخرى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة؟ بعد أن كان الرئيس "لولا" قد فرض على المواطنين الأمريكان ضرورة الحصول على الفيزا البرازيلية، ندا بند. وحين وصولهم مطار ساو باولو، الإمتثال للصف مع مواطني الدول الأخرى.

الأبواب التي تمّ فتحها على مدى سنوات من الجهد والجد والعمل والعطاء مع دول القارة اللاتينية منذ الثمانينات من القرن الماضي. حيث فُتحت الأبواب على مصراعيها حبا لفلسطين وإنتصارا لشعبها المكافح. اليوم هذه الأبواب تبدو مواربه أو نصف مغلقه وحتى مغلقة تماما في وجه الفلسطيني ومفتوحة ومُشرّعة في وجه الإسرائيلي. كيف؟؟ ولماذا؟؟!!  

حكيم والغزال تعرّفا على بعضهما منذ خمسة عشر عاما. بالجيرة. جيران منذ أن وطأت قدما حكيم وعائلته أرض الحي الذي يسكن فيه الغزال وعائلته، في مدينة البيرة. منذ أوّل يوم تعارفا فيه على بعضهما كان بينهما "كيمياء متنافرة"، كيمياء سلبية. تماس كهربائي قوي. يبدو ذلك تطبيقا للقول المأثور: "ما صداقة إلا من بعد عداوة".

فتح حكيم محلا صغيرا، "كافيه نت"، يحوي أربعة كمبيوترات فقط، بجانب الشقة التي إستأجرها في الحي. المحل غرفة صغيرة محاذية لفيلا "دار الغزال". الغزال شاب "مُتفذّلك"، "غلباوي"، في بداية العشرينات من عمره. لا صنعة له. درس حتى السادس الإبتدائي فقط. بالكاد يفك الخط. يعيش على أمجاد عائلته الغابرة. أبوه كان في أمريكا وكوّن ثروة. بنى فيلا للعائلة في البيرة مثل العديد من المغتربين أترابه. لكنه بعد عودته لم يتّخذ له مشروعا. وصرف الثروة التي عاد بها، وفوقها ثمن قطعة أرض، ثمانين دونما، ورثها في القرية أين عاش جدّه. 

كان غزال يُرابط في الكافيه نت. فأين سيذهب وهو عاطل عن العمل؟؟ كان يطلب من حكيم أن يبحث له، في الكمبيوتر، عن فرص عمل، في الصفحات المخصصة لذلك. وكان حكيم يّلبّي طلبه.

 وفي يوم كانت الكمبيترات الأربعة مشغولة بالزبائن. عادي ومنطقي. فمن أجل ذلك فتح حكيم المحل "إكسترا"، كي "يتسبب" ويزيد من دخله. وهو دائما في خدمة الزبائن. لطيف في التعامل معهم. يُلبّي طلباتهم. 

غزال "كانت بصلته محروقة" كالعادة، وربما بزيادة ذلك اليوم. دخل الكافيه نت:

- حكيم، إفتح لي بسرعة على هذه الصفحة. فقد قالوا لي أنه يمكن إيجاد عمل فيها. مدّ الغزال بورقة مدوّن عليها عنوان الصفحة.

- لكن الكمبيترات الأربعة مشغولة كما ترى. رد حكيم بلطافة عليه.

- إدخل في واحد من الكمبيوترات. فأنا في عجلة من أمري!! أردف الغزال بإلحاح.

- لا أستتطيع الآن. الكمبيترات مشغولة. يجب إحترام الزبائن. أجاب حكيم بصبر بدأ ينفذ.

- أنا مستعّجل. خذ أي واحد من الكمبيوترات وإفتح لي على الصفحة. إستمر الغزال في الإلحاح "والتغويش" على الآخرين مستعملي الكمبيوترات بدورهم وحقّهم وفلوس جيوبهم.

- قلت لك مش ممكن الآن. صرخ حكيم على الغزال، الذي أخرجه عن طوره بإلحاحه. "وبعدين يا أخي منشان هالشيقل الذي ستدفعه تُريد أن تخرب علي وعلى الزبائن المحترمين. إذهب ولا تأتي الى المحل مطلقا".

- أتطردني من محلّك؟؟!! قال الغزال بإستنكار شديد.

- نعم. أطردك من محلّي. فأنت لا تُريد أن تفهم. أردف حكيم بعصبية.

- يبدو أنك لا تعرف من أنا؟؟ أنا يسمّوني "الغزال تقرير". لن تبقى في محلّك هذا. سترى؟؟!!

- روح. "بلّط البحر"، "وأعلى ما في خيلك إركبه".

وكانت "الطوشة" والقطيعة منذ البداية. بين الغزال وحكيم. بالكاد كانا قد تعرّفا على بعضهما.

غادر الغزال غاضبا ومزمجرا، فكيف يجرؤ هذا "الغريب" أن يعامله بهذه الطريقة. هو المدلل في حيّه. ذو العلاقات المتشعّبة، السريّة والعلنية، مع الأجهزة المتعددة.

سيحفر لحكيم حفرة يغرق فيها. لا أحد يجرؤ على معاملته هكذا. "باطل؟؟!! وين راحت المراجل؟؟!!".

بدأ الغزال بسلسلة طويلة من الإتصالات والتقصّي والبحث حول هذا "الحكيم". من هو؟ من أين أتى؟ في أيّ مياه يسبح. أيّ كتف له أو أي كتف يتّكؤ عليه؟ يُريد معلومات مفصّلة عنه، حتى يعرف أيّ "خازوق سيبشّمه له". لقد أهانه. ولا يمكنه أن يسكت على هذه الإهانه مُطلقا.

أستقصاؤه وبحثه وطلبه للمعلومات جاءت مخيّبة لآماله. أجمع كل من إتصل بهم أن حكيم شاب مستقيم. صحيح أنه يعمل ضابطا في أحد الأجهزة، ولكن الصحيح أيضا أنه من الصعب جدا إيقاعه في الخطأ أو "مسك زلّة عليه". فالرجل مستقيم لا إعوجاج فيه. الغزال أُسقط في يده. فلاذ بصمت مُطبق. "بلع لسانه".

مضت عدة أيّام على هذه القطيعة. الغزال لا يقترب من باب محل حكيم. يتفادى أن يمر من أمام الكافيه نت. إلتزم حدوده. أو ربما إبتلع حدوده مرغما. "إبتلع الموس على الحدّين".

بعد أكثر من أسبوع، مرّ الغزال مصادفة من باب الكافيه نت. لم يلتفت الى جهتها. رآه حكيم. كان في المحل زبونا واحدا. ناداه:

- غزال، تعال.

- أتتحدّث معي؟؟!! سأل الغزال مستغربا ومستهجنا.

- نعم أتحدّث معك. وهل هناك غزال آخر في هذه الديرة. أردف حكيم مبتسما.

- ماذا تُريد منّي؟؟

- أتساءل إذا ما كان عنوان الصفحة ما زال معك، حتى أبحث عنها في الكمبيوتر.

- عنوان الصفحة ما زال معي. خذ الورقة.

وهكذا خيّم السلام بين الرجلين. وعادت المياه الى مجاريها. أو حفرت المياه مجرى جديدا لها. ورفرفت رايات الصلح والود، خفّاقة في عنان السماء، معلنة عن قدوم فجر جديد، تتفتّح فيه أزهار القرنفل والجوري الأحمر والأبيض. وتصبغ التفاؤل والأمل بالعمر المديد. 

حكيم يكبر الغزال بنحو سبع سنوات. هاديء الطباع صبور. بعكس الغزال "سريع الإشتعال"، يدوس دائما بنزينه "على الصاجة"، فرامله دائما "على الحفّة". مع أنه لا يثبت في عمل."سبع صنايع والبخت ضايع". لكن لا مهنة محددة لديه. متسرّع، وسريع الغضب. لكن قلبه أبيض مثل "البفت". خدوم وكريم عندما يتوفّر في جيبه ملّيما أحمرا.

"راحت صحبة بينهما". من يومها تصادق الغزال وحكيم. تصادقت النار مع الماء. تصادق الجمر مع الرماد. تصادق الليل مع النهار. تصادق الشرق مع الغرب. تصادق النقيضان. سبحان الله، إنجذب قطبا المغناطيس المختلفان الى بعضهما. ففي قانون المغناطيس: " الأقطاب المختلفة تتجاذب والأقطاب المتشابهة تتنافر". هما مغناطيسان يمشيان على أربعة أقدام، يدا بيد. وكتفا بكتف. "ولله في خلقه شؤون".

لكن من المستحيل أن يكونا في حضرة بعضهما إلا ويتجادلان. مثل "ناقر ونقير". يكون الجو صاف بينهما وفجأة ودون مقدّمات تتلبد الغيوم في سمائهما. تبرق وترعد وتزبد وتهب العاصفة. يتكهّرب الجو ويحصل التماس الكهربائي. يُنكّدان على بعضهما البعض وعلى الحاضرين في الجلسة معهما. ثمّ يعودا الى رُشدهما وتنقشع السحب السوداء وتسطع الشمس ويهب النسيم العليل وكأنه لم يحصل شيء. 

بصراحة الموضوع لم يعُد يضايقهما، لأنّهما تعوّدا عليه. لكن ربما يضايق الحاضرين في جلسة معهما. فهما يتصرّفان مثل الإخوة الأعداء، مثل صديقين لدودين. 

حكيم متّزن في تصرّفاته بينما الغزال أرعن في تصرّفاته. حكيم هاديء الطباع والطبيعة بينما الغزال متسّرع زائد الشحنة دائما، "فولته عالي".

يبدو أن حكيم عاش منذ صغره في أجواء عائلية متواضعة، هادئة، منسجمة. يسودها الود والوئام. بينما الغزال أمضى طفولته في أجواء عائلية مضطربة، مشحونة، فيها محاباة وتفرقة بين الصغار. أجواء مرتاحة ماديّا، لكن مشحونة عاطفيا، وخاصة في ظلّ تسلّط الأم على الأب. وفي ظل محاباة الأم لبناتها الإناث وتفضيلهن على أبنائها الذكور. حيث كان الميزان مختل دائما ضد الغزال. لهذا فهو يكره تسلّط أمّه ويكره بنفس الدرجة خنوع والده. 

وهذا إنعكس تماما فيما بعد على حياته الزوجيّة. فزوجته قويّة الشخصيّة، تصل حد التسلّط والحدّة. ربما تُشبه أمّه في شخصيّتها. فهما قطبا مغناطيس متشابهتان متنافرتان. لا تتّفقان مطلقا. وهو يأبى، بكل قوّته وجوارحه، أن يكون نسخة عن أبيه. لذلك فهو دائم المشاحنات مع زوجته. يُريد أن يُظهر لها أنّه "زلمة"، بأنه فحل، بأنه هو من يلبس البنطلون في البيت. وزوجته يجب أن تلبس التنّورة، وليس البنطلون. 

وفي آخر "معركة" مع زوجته، رمى عليها يمين الطلاق، في فورة غضبه. يمين الطلاق الأوّل. الطلقة الأولى. البينونة الصغرى. ترجع زوجته له بفتوى شرعيّة، من قاضي دار الإفتاء، وبعد أن يدفع 500 شيقلا رسوما للفتوى. ومن أين له هذا المبلغ في مثل هذه الظروف. هو يلعن الساعة التي غضب فيها ورمى عليها يمين الطلاق، يقول:

- أنا دائما أتقاتل مع "المره"، ولكن لم ألفظ هذه الكلمة، كلمة "الطلاق"، ولا مرّة. لا أدري كيف قلتها؟؟ أكيد كنت في قمّة التعصيب!!!

والحقيقة والواقع كان هناك سببا وجيها لغضب الغزال وتعصيبه. كان قبل ثلاثة أشهر قد رُزق بطفله الرابع، ذكرا. لديه الآن ما شاء الله أربعة ذكور. "الواحد يدحل على الثاني"، لتقارب أعمارهم. 

أختاه المتزوّجتان، الّلتان تكبرانه عمرا، ووضعهما المادي "فوق الريح"، لم تزورانه للتهنئة بالمولود الجديد، لا في المستشفى ولا في البيت. إلا بعد أكثر من شهرين من قدومه. أحضرتا معهما 6 كيلو لحم خروف وعجل، وعشر دجاجات، "نقوط" للطفل. "وفُقدة رمضان"، حيث هلّ منذ عدة أيام الشهر الفضيل. لا حلو ولا شوكولاته ولا "ملبّس" ولا "كاش ناشف". 

أقام عزومة يتيمة لعائلة إبن عمته، الذي كان قد دعاه، بدوره، عدة مرات، قبل رمضان وفي رمضان. أراد أن يردّ بعض الجميل لإبن عمّته. أن يتصرّف معه "مثل البشر والناس". ودعا والديه، إحتراما لهما بالمناسبة، على فطور رمضان. 

أُمّه، بدل أن تأكل وتشكر، فقد أقامت الدنيا عليه ولم تقعدها. "فزّعت" الدنيا عليه. إتّهمته بأنّه "أبو العزايم". وإتّصلت بشقيقتيه، الّلتين كانتا أهديتا اللحم والدجاج. تزفّ لهما أخبار أخيهما "المسرف الباذخ". وبناء على تحشيد "الوالدة"، فإن زوج أخته، "المريّش"، ألغى موافقته بتغطية بعض الشيكات، متأخّرة السداد للبنك، عنه.

شعر وقتها أنّه مطعون في شرفه. مطعون في رجولته. أمّه سددت خنجرا مسموما إلى كيّنونته، هيبته. شعر بنفسه أشبه بناموسة فقدت نصف جناحيها، تحاول أن تطير، لكنها تزن وتزن وتدور حول نفسها في مكانها. من يتحدّث عن الطعام والكرم في رمضان؟؟!! هل ما زالت أمّه وأختاه تعتبرانه قاصرا؟؟!! أم أن "البز الكذّاب"، "اللهّاية" ما زالوا "يُلقّمونه" إيّاه في فمه. وأن إغلق فمك ولا تفتحه إلا بأمر منّا!!!. مشكلة غزال هي أمّه وأبيه. وأّختاه. هو لديه قناعة جازمة بذلك. ومن يستطيع أن يُجادله في ذلك؟؟ فقد كوّن هذا الإعتقاد مع الحليب الذي كان يرضعه.

زوجته، بدورها، لم تسكت، "فالمصائب" تأتي دفعة واحدة، لسّنت عليه وطوّلت لسانها عليه. قال لها:

- يا بنت الحلال. إستهدي بالله. "أسوق عليك ربنا". خذي مائة شيقل، وخذي الأطفال وإذهبي الى بيت أهلك. ألم تكن تريدي أن تزوري أهلك؟؟ إذهبي إذهبي.

لكنها لم تسمع كلامه. تمتّرست "بإيديها وبرجليها وبأسنانها" في البيت. أستمرت في "تلطيش" الكلام عليه. كأسه إمتلأت تماما. لا يلزمها إلّا نقطة واحدة حتى تفيض. وجاءت النقطة التي أفاضت الكأس، مثل الرصاصة، مثل "الطلق". قذفها بيمين الطلاق من فمه المستعر، اللاهب. فطلّقها، طلقة أولى. كان لديه مئة شيقل كي تذهب الى بيت أبيها "وتختصر". لكن من أين له الآن 500 شيقل، حتّى يردّها الى عصمته، بفتوى شرعيّة لردها؟؟!! 

في "فورة" غضبه وإشتعاله، حمل اللحم والدجاج، ال 6 كيلو لحم خروف وعجل وال 10 دجاجات، "هديّة" أختيه، بعد منتصف الليل. وقف على باب فيلا والديه. وحذف اللحم والدجاج على أرضية صالون بيت أبويّه. أمام ذهول ووجوم أمّه وأبيه. وهو ينّفُث صراخا، جمرا حاميا، ومن "تحت الزنّار". 

تصرُّف أم الغزال غير ودّي وغير منطقي وغير صحيح. أرعن وعشوائي وغير مبرر. خالي من العاطفة، ويحمل في طيّاته مراهقة ثانية. غير مفيد وغير ناضج. مُرّ وحامض "ومحمّض". يبعث على الإزدراء والإستهجان والتقيّء. غير مقبول لا في البر ولا في البحر ولا فيما بينهما. ينمّ عن تسرّع ضار لا منفعة فيه. مأساوي ومقيت. غريب وعجيب. ليس تصرّف أم، بل ربما تصرّف حماة أحيانا. 

أبو المنتصر كان حاضرا في جلسة كان فيها الغزال يتحدّث عن تجربته بمرارة. فمن أين له ال 500 شيقل رسوم فتوى رد زوجته؟؟!! علّق أبو المنتصر قائلا:

- يا جماعة. أصابع أيدي البشر ليست متساوية. هذه حالة. حالة والدة الغزال، تقابلها آلاف الحالات المختلفة، النقيضة، المتناقضة. أو ربما المتشابهه، المتطابقة. من يدري؟؟ لكن أكيد أن تصرُّف والدة أحمد الزاغب كان مختلفا تماما. كان أنموذجا يُحتذى. كان دستورا في الحب والمعزّة. كان نهرا متدفقا مياها عذبة من الحنان والأمومة.

ما زال أبو المنتصر، وبعد أكثر من أربعين عاما على ذلك الموقف، ذلك التاريخ، تلك الساعة، تلك اللحظات، لم ينساها، بل بقيت محفورة في كيانه، في ذاكرته، في أيّامه ولياليه.

أحمد الزاغب كان صديقا لأبي المنتصر، أيام الثانوية والتوجيهي، يكبره بعامين. كان أحمد طالبا مجتهدا، نجيبا، غاية في الذكاء والمثابرة. الى درجة أنّه حصل على المرتبة الأولى في التوجيهي، الفرع الأدبي، ذلك العام. وإلتحق للدراسة في الجامعة الأردنية، تخصص أدب إنجليزي.

كان شابا طويلا نحيلا يُزيّن وجهه النحيل المائل للشقار شاربان مميّزان شقراوان، معقوفان قليلا من طرفهما الى الأعلى. يتحدّث بصوت عميق جذّاب، أقرب الى الهمس. حصل على منحة من الجامعة الأردنية بحكم تفوّقه. كان قد مضى على إلتحاقه بالجامعة عامان، لم يستطع أن يغادر عمّان عائدا لزيارة عائلته.

زاره صديقه أبو المنتصر في الجامعة الأردنية، حين كان في زيارة للأردن. لقد حصل لتوّه على شهادة الثانوية العامة. كانت الجامعة الأردنية في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات جامعة جميلة ومميّزة. لم تكن الأردن بعد قد طوّرت هذا العدد الكبير من الجامعات والمعاهد، لتصبح مركزا تعليميا وطبيّا وعلميا في منطقة الشرق الأوسط. ربما كانت الجامعة الأردنية هي الوحيدة حينذاك. منارة للعلم والتعلّم. نافذة فريدة مشرّعة ينهل منها طلاب الأردن والضفة الغربية العلوم والمعرفة. كانت تعجُّ بالطالبات الحسناوات الورديّات أشكالا وألوانا. الورد الجوري والقرنفل والزنبق والياسمين. يسرّك أن تدخل الجامعة زائرا لترى عروضا من الأزياء والجمال، ربما ملكات الجمال. 

مكث أبو المنتصر يومين في ضيافة صديقه أحمد الزاغب، في عمّان، ثم عاد الى أرض الوطن، محمّلا بكثير من السلامات والأشواق من أحمد الى عائلته في إحدى قرى محافظة نابلس. وببعض الهدايا التي حملها الى عائلة صديقه الكريمة في القرية.

في اليوم التالي لوصوله شدّ الرحال، غير البعيدة، الى بيت أهل أحمد. كي يوصلهم سلاماته   وتحيّاته وهداياه. وصل بيتهم، المبني بحجر قديم، بعد منتصف النهار وصلاة الظهر. إستقبله والده، والد أحمد، بحفاوة على باب البيت. رجل خمسيني بشوش ذو شارب غزاه الشيب، يلبس زيّا تقليديا، قمباز. ويعتمر حطة (كوفيّة) فلسطينية مبرقعة، أسود وأبيض، يعلوها عقال "مبروم"، أسود سميك. 

دلفا معا الى داخل البيت. بيت متواضع. إستضافوه في صالون البيت. حجرة متوسطة الحجم. مفروشة بحصيرة يعلوها بعض الفرشات والأوسدة، مخدّات مكتنزة طويلة الشكل. محشوّة بصوف الخرفان المنجّد. 

جلس أبو المنتصر على الفرشة بعد أن كان نزع حذاءه على عتبة البيت. قعدة عربية بإمتياز. دخلت الحاجة أم أحمد الزاغب على الضيف وسلّمت علية بود وإحترام متناهيين. إمرأة نحيلة. ربما نحيلة جدا. رقيقة. تتحدّث همسا بصوت رخيم، عميق، وكأنه قادم من عبق التاريخ. في وجهها النحيل تقرأ تاريخ فلسطين منذ كنعان الى صلاح الدين. 

جلست بالقرب من أبي المنتصر. وبتهذيب شديد "رشّت" سيلا لا ينقطع من الاسئلة والإستفسارات عن أحمد.

- كيف حاله، كيف صحّته. هل يأكل جيدا. هل هو مرتاح في سكنه وجامعته. من يغسل له ملابسه. من يطبخ له. هل هو سمين أم ما زال نحيفا؟؟؟؟؟

لا يكاد أبو المنتصر أن يبدأ بالإجابة عن سؤال أو بعض سؤال، بجواب أو بعض جواب، إلّا ويداهمه سؤال آخر من أم أحمد، المتلهّفة لسماع اي شيء وكل شيء عن ولدها الغائب عنها منذ سنتين. سيل من الأسئلة يسبح في سيل من الحنان والحب والإشتياق لإبن بطنها وفلذة كبدها. الحنان والروعة والأمومة الحقة تتجلّى في هذه المرأة النحيلة، النحيلة جدا.

في لحظة ما وخلال شلّال أسئلتها الهادر، إقتربت قليلا من أبي المنتصر، وبحركة عفوية، جماليّة. عصارة من رحيق الامومة المتدفق. لامست بكف يدها، برفق متناهي، كتف وذراع أبي المنتصر، وقالت:

- يا إبني لا تؤاخذني، فأنت مثل أحمد إبني. أنا ألمس كتفك وذراعك لانّه من المؤكّد أن كتفك وذراعك قد لامسا كتف وذراع أحمد إبني خلال سيركما أو جلوسكما معا في عمّان!!! لهذا كأنني ألمس كتف وذراع أحمد. "لا تواخذني يا بنيّ".

يا الله!!! يا للروعة!!! ما هذا الحنان المتدفّق؟؟ ما هذا العسل الجبلي في شمعه؟؟ ما هذه القصيدة العذريّة العذبة؟؟؟ قصيدة من قصائد قيس بن المُلّوح، أو جميل بن معمّر، أو نزار قبّابي. 

في هذه اللحظات الجميلة البديعة، المشحونة والمتدفّقة بالعاطفة والحنان، يفهم المرؤ كيف أنّ أحمد، الشاب القروي، الذي تعيش عائلته حياة ريفية متواضعة، قد إستطاع أن يُنجز هذا الإنجاز، وأن يحصل بجدارة على المرتبة الأولى في الثانوية العامة. "وراء كل عظيم إمرأة". فكيف إذا كانت هذه المرأة هي الأم!!! 

في هذه الجلسة. الجلسة التي كان يتحدّث فيها الغزال، كالغزال الذي يُسابق الريح عدوا وقفزا حين يهاجمه نمر مفترس. لا يضع لا فواصل ولا نقاط. وكأنّه رشاش "دوشكا" ذو مخزن طويل عريض لا تنضب رصاصاته. كان ممقوتا. "يضرب أخماسا في أسداس". من أين له 500 شيقل رسوم فتوى كي يرد بواسطتها زوجته، بعد أن كان، برعونته المعهودة، قد رمى عليها قنبلة لاهبة، يمين الطلاق.

تدّخّل حكيم، صديقه اللدود، من أجل أن يخفف عنه. من أجل أن يُدلي بدلوه في الحديث الدائر، المستعر، المتشعّب، ذو الشجون. وقال:

- يا جماعة الخير. الله يمسّيكم بالخير. الدنيا هذه مليانة قصص وحكايات وروايات. ما في بيت أو عائلة بتخلى من هكذا قصص. فنحن بشر نمشي على الارض، ولسنا ملا ئكة في السماء. وكل من يمشي على أديم هذه البسيطة خطّاء. لا أحد معصوم عن الخطأ. لكن لكل حالة ظروفها وأبطالها.

وأورد حكيم قصة أحد معارفه. لديه قصة مشابهه لقصة غزال مع أختيه. مشابهه من حيث الفكرة. من حيث جوهر الأمور. من حيث أسس التعامل بين الأقارب. وربما ليست مشابهة تماما في التفاصيل. في السرد "والنرد".

لديه أختان. دخلتا على بيته مثل "ستان وبران"، "السمين والنحيف"، (الممثلان الكوميدييان البريطانيّان)، (بالابيض والاسود). مثل "الفيلة والسلقة"، "الفيلة" قادمة من بعيد، من الخليج، حيث تعمل وتسكن منذ سنوات. و"السلقة" قادمة من قريب. هكذا فجأة ودون موعد ولا ميعاد. وبعد إنقطاع نحو العام. دخلتا "ترُطّان بأيديهما" بكل صفاقة وقلة ذوق "وجحشنة". لم يكن لديهما المفهومية ولا الذوق لجلب لوح من الشوكولاتة أو كيس من "الكراميل" لإبنة أخيهم ذات الأربع سنوات. فضّلتا أن تدخلا بيدين نظيفتينن، فبالنهاية فان قدومهما كان، عرضا، صدفة، نزوة، للسلام فقط. 

لقد كانتا في المسجد الاقصى للصلاة. ومن المفروغ أنهما كانتا على وضوء. وإذا ما حملتا، لمستا، هدية ولو صغيرة فمن الممكن أن "ينقض" وضوءهما. وانهما ستُشغلا أيديهما ولا تستطيعا السلام الذي أتيتا من أجله فقط. أو ربما أن تغليفة الشوكولاتة يُمكن أن تكون متخمة بالجراثيم. ولا تريدان ان تتسخ أيديهما بهذه الجراثيم وان تضّطرا لاستخدام الديتول المركز لتطهير أيديهما. ففضّلتا عدم شراء شيء. والدخول بأيادي نظيفة بيضاء تلمع كالخنجر. تلمع كالسّراب.

فبحسب قوانين الغزال وحُكمه، ومفهومة وتفكيرة، فإن مثل هاتان الأختان تستحقان ليس أكثر ولا أقل من "الّلط بالصرماية"، "الضرب بالجزمة". ربما الصرماية القديمة. "الجزمة القديمة" كما يقول المصريين، في أرض الكنانة.

خرج غزال من هذه الجلسة مع أصدقائه بعد منتصف الليل. مشوّش الأفكار. لا يجد مخرجا لما هو فيه، بالرغم من بساطة المخرج ووضوحه. 500 شيقل عدّا ونقدا رسوم الفتوى، وتعود له زوجته. تعود المياه الى مجاريها. وتزقزق العصافير على أغصانها من جديد. ويصيح الديك كل صباح كالمنبّه المبرّمج الساعة الخامسة صباحا.

أدار مفتاح الباب في باب بيته. فتح الباب. لمس مفتاح الكهرباء المُلاصق للباب. المفتاح ميّت. لا حرارة ولا كهرباء. زوجته كانت قد غادرت البيت بعد إصابتها بالطلق. عُذرا الطلاق وليس الطلق. وأخذت معها الأطفال الى بيت أبيها. الظلام دامس في البيت. "كرت" الكهرباء كان قد نفذ. وإستهلك حتى الإحتياط. 

أخذ جوّاله بيده يهاتف حكيم كي ينقذه ويُعبأ له كرت الكهرباء بالدفع المسبق. لكن جوّال حكيم لا يُجيب. خرج مسرعا ليُدرك حكيم في المكتبه، لكنه كان قد غادرها، وبابها الحديدي الثقيل موصد تماما بقفلين كبيرين ثقيلين. 

بدا متضايقا تماما. حياته قاتمة. وضعه مع زوجته يحتاج 500 شيقل حتى يتم تسويته. لا يوجد كهرباء في بيته. غضب. بدأ يشتم. لكن يشتم من؟؟ يشتم ماذا؟؟ هل يشتم الظلام؟؟؟ تذكّر أن صديقا قال له مرّة في ظرف مشابه، مثلا صينيّا. "خير لك أن تُنير شمعة من أن تلعن الظلام". إبّتسم. ضحك. إنفرجت أساريه. زال عنه غمّه. شعر بالإغتباط. نسمة لطيفة تُداعب محيّاه. شعر بالإنتعاش. ذهب الى سوبرماركت قريب يُداوم 24 ساعة. إشترى علبة من الشمع. عُلبة كاملة من الشمع. رجع الى بيته. "أنار شمعة". دسّ نفسه في سريره. ونام نوما عميقا على ضوء الشمعة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف