الأخبار
فرانس فوتبول تكشف عن المرشحين لنيل جائزة الكرة الذهبيةشاهد: آرسنال يخسر من شيفيلد يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز(هآرتس): ثُلث العمال الفلسطينيين يُجبرون على الدفع للوسطاء للحصول على تصريح عمللليوم السادس.. بدء توافد المتظاهرين إلى ساحة "رياض الصلح" في بيروتبهجوم لـ"تنظيم الدولة".. مقتل اثنين من قوات الأمن العراقيةألمانيا تقترح منطقة أمنية في شمال سورياالرشق: فتح المجال للاحتلال لدخول دول الخليج محاولة يائسة لتلميع صورته القبيحةشاهد: آلاف المستوطنين يشاركون في طقوس ورقصات في مدينة القدسقوات الاحتلال تعتقل 10 مواطنين في الضفة الغربيةارتفاع طفيف على أسعار صرف العملات مقابل الشيكلالأوقاف بغزة تُوضح حقيقة رفع إيجار المحلات بسوق فراسالاحتلال يعتدي بالضرب على شاب ويُصيب آخر بحروق في العيسويةزخات متفرقة من الأمطار وعواصف رعدية حتى نهاية الأسبوعقيادي بالمنظمة يدعو لعدم تسييس القضاء والزج به بالخلافات السياسيةأول تعليق من القائمة المشتركة على إعادة نتنياهو لتكليف تشكيل الحكومة
2019/10/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

اعتذار من عمي الجزار بقلم:جهاد الدين رمضان

تاريخ النشر : 2019-06-17
اعتذار من عمي الجزار  بقلم:جهاد الدين رمضان
اعتذار من عمي الجزار

   صحيح أنني كنت في طفولتي شقياً، و لاسيما أيامي الجميلة في حارة دار شجرة زهر العنقود، حارتي القديمة في حي السكري الشعبي جنوب حلب، كذلك كان رفاقي من أولاد الحارة ، لكن معظم مقالبنا لم تتجاوز التسبب في كسر رجل "حمودة" ابن الجيران، و ذلك عندما دفعنا بعربة جارنا "أبو أمين" و هو عليها مع بعض الأولاد نزولاً باتجاه الشارع الرئيسي، و لمّا قفز من فوقها انكسرت ساقه ، أما الحيوانات التي كانت محل عنايتنا في التعذيب، فلم تتجاوز قتل بعض الذبابات و النملات و كثير من الصراصير، و رغم براعتي أنا و ابن عمي خالد - شريكي في المغامرات - في استخدام "الجطل" أو ما يسمى بالنقيفة أو الشُعب، و هو مقلاع خشبي على شكل حرف   Y يتخذ من غصن صغير لصيد العصافير، فإننا لم نتصيد به العصافير، كنا نستخدمه لرجم الأعداء من الحارات المجاورة لحارتنا، و أحياناً للانتقام من السمان "حج نجيب" أو "أبو بشير" الفوّال ، و بعض الأشرار .

في أحد الأيام طلب مني أبي – رحمه الله – أن أشتري كيلو لحمة "راس العصفور" من عند القصاب "أبو علاء" و كيلو كباب للشواء، استغربت طلب أبي ذلك اليوم – أول مرة اشتري فيها لحمة رأس العصفور – و قلت له :

• لماذا لحمة رأس العصفور فقط؟ و لماذا لا تكون لحم العصفور بأكمله؟ و هل تباع رؤوس العصافير مفصولة عن بدنها؟

قاطعني أبي و زجرني قائلاً :

• بلا كثرة أسئلة و فزلكة ، روح قل للقصاب مثل ما قلت لك تماماً و هو يعرف شغله.

أعطاني عشرة ورقات (ليرات) و قال لي :

• قل له أيضاً أن يعطيك شوية دهنة للشوي مع لحمة راس العصفور ، هيا خذ النقود و انصرف من وجهي.

أخذت النقود  منه و خرجت من الدار كالذاهب إلى النار، تباطأت في طريقي إلى محل العم ابي علاء (الجزار) و أنا أهجس بقصة العصافير و رؤوسها المقطوعة، قلت في نفسي : هل يكون ابن جيرانه "مصطفى" الشقي هو  من  يزوده برؤوس العصافير بعد أن يتصيدها بشِعبه الخطير؟ فقد شاهدته و معظم أولاد الحارة و قد ربط قطة مسكينة من رقبتها بحبلٍ طويل، و أخذ يلولح بها في الهواء على شكل دوائر تتسع و تكبر و ترتفع حتى زهقت روحها و انفصل جسدها عن رقبتها، قلت ربما يفعل بالعصافير مثل ما فعل بالقطة ! يقطع رؤوس العصافير، و يعطيها لجارهم أبي علاء الذي أيقنت أنه فعلاً "جزار" كما علمونا في المدرسة، و ليس "قصّاباً" كما نسميه في الحي ، و "الجزار" أبو علاء يبيعها لغريبي الأطوار مثل أبي "أبو ضياء" ..

دخلت إلى محل القصاب الجزار، و سلمت عليه بخوف و حذر ، و قلت له حرفياً ما قاله لي أبي، مع تحياته و السلام و العشر ليرات ، تناول العم أبو علاء – رحمه الله - مني النقود، و سألني :

• هل اللحمة للطبخ أم للشواء؟ و هل أفرمها قطعاً صغيرة كطلبكم المعتاد على "سيخ المعاش" ناعمة جداً، أم أقطعها قطعاً كبيرة بالسكين الصغيرة دون فرم على الدفّ ؟ 

• و الله ما بعرف يا عمي أبو علاء، بابا قال لي جيب كيلو كباب و كيلو راس العصفور و شوية دهنة للشوي مع رؤوس العصافير، و قال لي أن أقول لك ذلك و أنت تعرف شغلك. 

• طيب يا ابني روح اسأل أباك هل اللحمة الكباب للشوي أم للطبخ ريثما أجهز لك لحمة راس العصفور. 

حملت حالي و رجعت للبيت، و قطعت الطريق من رأس الحارة حتى منتصفها بأكثر من خمس دقائق، و هي لا تكلفني أكثر من دقيقة واحدة إذا ما  مشيتها بأقل من مهلي، كل هذا بسبب انشغال تفكيري بمجزرة العصافير، فقد شاهدت العم أبا علاء يذبح الخراف في وقفة عيد الأضحى المبارك، و رأيته كيف يحتفظ بالرؤوس و الأحشاء و المقادم و أحياناً الجلد بصوفه لنفسه كأجر الذبح، و خطر في بالي بأنه هو من يذبح العصافير التي يزوده بها ابن  جيرانه مصطفى الشرير، فيعطيه لحم أجساد العصافير، و يحتفظ  برؤوسها لنفسه كأجور كما يفعل حين يذبح الخراف للناس قبيل العيد ، وما طلب مني أن أعود إلى أبي وأسأله هذا السؤال إلا كي يبعدني عن مسرح الجريمة ، فلا أكشف هذا اللغز الذي يحيكه مع مصطفى الشرير! و لسوف يفعل ذلك لا محالة في غيابي، و هذا ما عزز اقتناعي بفكرة "الجزار" بدلاً من القصاب، فقتل العصافير و ذبحها للانتفاع برؤوسها هو حقاً مجزرة حقيقية و ليس مسرحية ، و من يفعل ذلك هو جزار حقيقي بكل معاني الإجرام . 

دخلت البيت و أنا أنظر إلى أبي نظرة إدانة و لوم غاضب ، كيف يستسيغ شيّ و أكل رؤوس العصافير المغردة بأجمل الألحان لإسكات زقزقة عصافير بطنه الجائعة ؟ نظرت في الأرض بأسى، و لم أرفع وجهي بمواجهته لخجلي من تصرفه المشين، و فوق هذا اختارني أنا لأكون رسوله إلى شريكه في الجريمة "أبو علاء" الجزار؟.. قلت له و أنا مطرق الرأس :

• أبو علاء يسلم عليك و يقول هل لحمة الكباب للطبخ أم للشوي؟ و هل تريدها ناعمة بدون دهن كالعادة، أم يجعلها مدهنة قليلاً و مناسبة للشيّ ؟

• أما قلت لك اللحمة للشوي؟ 

• اي نعم قلت لي لحمة راس العصفور مع قليل من الدهنة للشوي، و الكباب ما قلت لي لماذا هو، للطبخ أم للشوي مع الدهنة و رؤوس العصافير؟ 

• لك يا غشيم اللحمة كلها للشوي، و اسأل عمك القصاب أبا علاء إذا بقيان عنده "موزات" خلّهِ يعطيك بباقي العشر ليرات منها، و سلم لي عليه. 

• لكن يا بابا القصاب ما عنده موز، لا يكون قصدك اشتري الموزات من عند جاره الخضرجي "العجلة" الذي يبيع كل أنواع الفاكهة و الخضار؟ هذا البياع تجد عنده حتى البندورة عندما تختفي من سوق الخضار، فقد رأيت الموز و البندورة على بسطة العجلة قدام محل القصاب، لا في محل القصاب يا أبي . 

عندما سمع أبي مني هذا الجواب، ضحك من كل قلبه رغم عبوسه و غضبه الذي استقبلني به لدى عودتي بدون اللحم، و فهم أبي أن بيني و بينه سوء فهم واضح ، و فهم أنني ظننت موزات اللحم على أنها أصابع  فاكهة الموز المعروفة، و أنني فهمت لحمة راس العصفور على أنها رأس العصفور الطائر المغرد بذاته، و ليس مجرد اصطلاح في علم القصابة. 

مسح أبي دموعه التي سالت من كثرة الضحك، و قال لي و هو يغالب معاودة نوبة الضحك :

• لك يا ابني، يا روح قلبي، الموزات لحمة "هبرة" خالية من الدهن تكون على شكل أصابع الموز في عضلات الخروف، و راس العصفور لحمة مفرومة قطعاً  صغيرة بحجم رأس العصفور، و هي اللحمة "الشِقَف" التي تُشوى مع الدهن و البصل و البندورة إلى جانب الكباب ، روح ارجع لعند عمك أبي علاء و اطلب منه ما قلته لك، و شوف بعينك لحمة الموزات و راس العصفور. 

ابتسمت و أنا أرفع وجهي للنظر في وجه أبي بسرور طافح ، و بمزيد من الرضا و الحبور قلت له و أنا أخرج من البيت :

• تكرم يا أبي يا طيب يا حنون، دقائق و أعود بالمطلوب. 

وخرجت فرحاً مسروراً بعد أن زال الشكّ من عقلي حول ذبح العصافير و قطع رؤوسها و بيعها للناس الشواذ كما توهمت، و كم زاد فرحي و سروري عندما رأيت العم أبا علاء قد جهز لي كيلو لحمة من الهبر الذي يخالطه القليل من الدهن، على شكل حبات بحجم رأس العصفور، قائلاً لي :

• هي لحمة الشقف على قدّ راس العصفور كما طلبت ، ايش بدك بعد؟ 

...................................................................... 

   يا الله كم فرحت باكتشافي أن مجزرة العصافير مجرد وهم و خيال ، و أيقنت براءة المتهمين فيها من مصطفى ابن الجيران، مروراً بأبي علاء القصاب، و انتهاءً بأبي ضياء والدي الحبيب.. و كم خجلت من سوء ظني بجارنا القصاب أبي علاء، و إطلاقي تسمية الجزار عليه ، و عرفت بعدها أن الجزارة و لقب الجزار لا يليق به رغم ذبحه للخراف ، فهذه مهنته التي تزودنا بلحوم الحيوانات اللذيذة المرخص ذبحها بأمر الرب، و ليست قتلاً للإنسان بغير حق و لو زعموا العكس ، إنها مهنة "أبو حسين الجزار" الأديب الشاعر الذي قال :

لا تلمني يا سيدي شرف     الدين إذا ما رأيتني قصّابا 

  كيف لا أشكر الجزارة ما     عشت حفاظاً و أرفض الآدابا 

                     و بها أضحتْ الكلاب ترجوني     و بالشعر كنت أرجو الكلابا *

   نعم إنها لمهنة أشرف من مهن بعض الناس الذين يتخذون ألقاباً و أسماءاً براقة توحي بالإنسانية و اللطف و العطف، لكنهم جزارين مجرمين بالفعل، عرفت كثيراً منهم و أنا في هذا العمر، و اكتشفت أن كل المجازر التي ارتكبها عمي "أبو علاء" بحق النعاج و الخراف، لا تشكل نقطة في بحر مجازر أولئك الناس، الذين يبتسمون و يقهقهون و هم يذبحون أطفال بلادي على مرأى العالم المخصي الأصمّ ، و لعمي أبي علاء "الجزار" أُدين بالإعتذار ، و كل الاحترام . 

جهاد الدين رمضان 

        في فيينا ١٤ حزيران ٢٠١٩ 

*أبو الحسين الجزار شاعر و أديب معروف، اتخذ الجزارة مهنة يتكسب منها بدل الشعر، عاش في أواخر الدولة الأيوبية ، في عصر حاكم دمشق شرف الدين عيسى بن سيف الدين أحمد، و الأبيات المذكورة في النص قالها في معرض رده على لوم الحاكم شرف الدين ( و هو أديب يقرض الشعر و له كتاب في العروض) له لأنه هجر الشعر و تحول للقصابة . 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف