الأخبار
2019/9/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

النص الرقمي وإبدالات النقل المعرفي بقلم:حواس محمود

تاريخ النشر : 2019-06-13
هل كان القرن العشرون هو (عصر النص ) بامتياز ، باعتبار أن بدايات هذا العصر كانت بانهيار الفلسفات الكبرى القائمة على الأنساق الفكرية المغلقة بكل ما توسلت به هذه الفلسفات من أطر نظرية ومن حتميات وقطعيات وتفسيرات أيديولوجية ، وما كان لهذا الإبدال المعرفي أن يتحقق لولا كشوفات الدرس الألسني وما رسخه من بدائل منهجية ، هذا ما يعالجه كتاب " النص الرقمي وإبدالات النقل المعرفي " لمؤلفه الدكتور محمد مريني

من خلال تعرضه للنص الذي سيعرف تنويعات عدة لمفهومه ، بعد ارتباطه بعالم المعلوميات والفضاء الشبكي ، ولهذا فإن المحور الأساس الذي يشتغل عليه المؤلف في كتابه هو النص الرقمي .

يسلط المؤلف الضوء أولا على مفهوم النص عند العرب والغربيين ويصل إلى معالجة مفهوم النص المتشعب الذي يجده التجسيد الأمثل للنص الرقمي .

إنتاج النص المتشعب ما هو إلا ثمرة لمباحث ودراسات متنوعة ، وذلك في سياق فكرة (التناظم بين المعارف) التي مفادها أن هناك تناغما وتداخلا بين الحقول المعرفية المختلفة ، لذلك لن يكون مقبولا ألا نأخذ في حسابنا ما توصل إليه علم النفس المعرفي ، ليس فقط فيما يتعلق بطريقة الإدراك والفهم والتحليل ، بل أيضا الطريقة التي نختار وننظم من خلالها المعلومات ، يمكن البحث عن أصول النص المتشعب من خلال ثلاثة مصادر أساسية : التناص والسبيرنطيقيا والأبحاث السيكولوجية حول الذاكرة ، الجانب الأساس الذي يركز عليه المؤلف في حديثه عن النص المتشعب بهذه المصادر الثلاثة هو (فكرة الترابط ) ولا شك في أن الدراسات التي أنجزت ضمن المباحث الثلاثة السابقة تثير بشكل أساس هذه الفكرة ، فقد قامت السيبرينطيقيا أساسا على الفكرة التي ترى أن الترابط سمة أساسية للعلاقات التي تنهض بين مختلف المكونات والمجزوءات كما صاغت تصورا جديدا لعلاقات الربط بين العناصر بصورة تلغي ( العلاقة الخطية ) لتفسح المجال لما يسمى ( السببية الدورية ) ، من جهة أخرى ظهرت بعض الأبحاث السيكولوجية التجريبية التي اشتغلت على طريقة اشتغال الدماغ الانساني ، وكان التركيز على عمليات ربط المعلومات في الذاكرة الانسانية في مستوياتها المختلفة ، أما في مبحث (التناص ) فكان الرهان هو البحث عن عن أشكال ومستويات ترابط وتعالق النصوص ، لقد استعمل كل من الناقد الأدبي " جيرار جينيت " والباحث الاعلامي " طيد نيلسون " مصطلح : hypertexte ( النص المتشعب ) في وقت متقارب ، استعمله الأول للدلالة على مستويات الترابط بين النصوص ، واستعمله الثاني للدلالة على نوع من النصوص الالكترونية .

النص المتشعب : كما يراه المؤلف هو نص الكتروني قائم على خاصية الترابط والتفاعل بين النصوص ، مستفيدا من الامكانيات التي اتاحها تطور الاعلاميات ، وما كان في الامكان أن يظهر النص المتشعب لولا الكشوفات التي قدمتها النظريات البنيوية والسميائية الحديثة ، التي سلطت الضوء على أهم خاصية يمتاز بها النص والمتمثلة في تعالقه وتفاعله مع نصوص أخرى سابقة ومعاصرة له، وقد نبهت هذه النظريات إلى أن النص لا يتعالق مع لسانية فقط ، بل قد يدمج ضمن نظامه الخاص علامات غير لسانية ( مرئية أو مسموعة ... ) ولم يعمل النص المتشعب إلا على استغلال هذه المكتسبات إلى ابعد حد ممكن .

وبدايات التعرف على النص المتشعب كانت مع" فانيفار بوش " الذي فكر في طريقة لتخزين واسترجاع وتعديل البيانات المختلفة التي كانت تصل إلى المكاتب الحكومية ، كان ذلك في كتابه الأول الذي نشره بعنوان " كما قد نتصور " لقد كان " بوش" يضع اللمسات الأولى على ما سيعرف فيما بعد ب ( مفهوم الأرشيف الالكتروني ) الذي يسعف على تبادل البيانات اللاورقية ، في عام 1954 سينشر " بوش " بحثه الشهير الذي طرح فيه تخليه لجهاز مكتبي اسماه عشوائيا memex يصور فيه جهازا يقوم بنسخ صور الصفحات - نصا وصوتا - ثم حفظها واسترجاعها بطلب من المستخدم الذي بوسعه أن يقدم على محتواها تعديلات وملاحظات وتعليقات خاصة ، ليتم ادراجها أيضا ضمن المادة المحفوظة ، وقد أعطى " بوش " لهذا الجهاز المتخيل القدرة على إعادة عرض الكتب والوثائق عبر آلات تصوير مدمجة في الجهاز ، لقد انطلق " نيلسون " من فكرة ( الرابط ) التي بلورتها الأبحاث التي اشتغلت على الذاكرة الانسانية ، وحاول أن يطابق بين طريقتي اشتغال الذهن البشري والحاسوب .

وفيما بعد ينطلق " ط نيلسون " الذي كان رائدا في الاعلاميات - وفي الحساب الآلي - من جهود سابقيه ، ويحاول تجاوزها ، ونجح في استثمار أعمال أسلافه وتقديمها من خلال نظام الحاسوب الذي اخترعه تحت اسم x nadu وقد استوحاه من قصيدة لكوليردج بعنوان " قصر الأحلام " يربط هذا النظام بين عناصر أجزاء متعددة من المعطيات والبيانات ، كما يسمح بتسجيل الأفكار المصاحبة لمستعمليها في المستقبل وقد اقترح ( نيلسون ) سنة 1965 مصطلحا تأسيسيا هو hypertexte مكونا من مصادر بيانات مختلفة ومتعددة ، مع وجود إمكانات للربط بينها ، وقد عرف هذا المصطلح انتشارا واسعا ، ارتبط بالاستخدامات المتعددة لجهاز الحاسوب في الحياة العلمية والعامة ، كما عرف المصطلح المذكور تطورات تقنية ونظرية مهمة ، مرتبطة بطرق تشغيله وتوظيفه في الصناعات الالكترونية المختلفة .

ويرى المؤلف أن سمات النص المتشعب تتجلى فيما يلي :

1- اللاخطية : في المطبوعة الورقية ينتقل القارئ من سطر إلى سطر ومن صفحة إلى التي يليها ، وهكذا حتى النهاية ، ولكن خلافا لهذه النصوص الورقية فإن قراءة النص المتشعب لا تتم بالطريقة نفسها ، وإنما تتم بطريقة غير خطية ، هكذا يمكن للقارئ أن ينتقل هرميا أو شجريا إلى نصوص أخرى .

تستند عملية القراءة هنا إلى فكرة مركزية مفادها أن النص المتشعب مزود بوصلات تسعف في تنشيط عملية القراءة ، والإنتقال إلى الشذرات النصية المختلفة ، التي يمكن الوصول إليها من خلال النقر على ( الفأرة ) ، النصوص الورقية تبنى على أساس آلية التسلسل في ترتيب النصوص ، بينما النص المتشعب فيبنى على أساس التراكم ، بحيث تتفرع النوافذ حاملة رؤى جديدة لموضوع واحد .

2- التفاعلية : التفاعلية هي واحدة من أهم سمات النص المتشعب ، حيث تقوم بين النص المتشعب وقارئه علاقة تناظرية وغير أحادية ، بمعنى أن عملية التواصل لا تكون باتجاه واحد ، وإنما في اتجاهين ، فخلافا للنص الورقي التقليدي ، هناك تفاعل حقيقي بين النص المتشعب وقارئه ، الذي يستطيع على سبيل المثال ، أن يخط لنفسه طريقا خاصا في قراءة الوثيقة ، يمكنه استبعاد قسم من النص ، أو عدم مشاهدة مشهد ما ، كما يمكنه الذهاب رأسا إلى مايعتبره أساسيا ، وبالتالي إسقاط جانب من الجوانب ، وهذا يفترض أن يكون المتلقي على وعي بالعلامات المعتمدة في التعامل مع النص المتشعب الذي يمتلك لغته الخاصة .

3- الافتراضية : على عكس النص الورقي الذي يتسم بوجود مادي ثابت ومقيد ، يتميز النص المتشعب بطابعه الافتراضي ، ذلك أن النص الذي نراه على شاشة الحاسوب له طابع خيالي ، وهو مخزن في الذاكرة الصلبة للحاسوب بعلامات مباشرة مع العلامات المرسومة على السطح الظاهر ، وبالتالي يمكن القول أن النص المتشعب هو وثيقة ( مجردة ) وليست ( عالقة ) بسندها المادي كما هو الحال في النص الورقي .

4- تعدد الوسائط : يستغل النص المتشعب كل الإمكانيات والبرامج التي يوفرها الحاسوب وشبكة الإنترنت ، وهي إمكانيات تخضع للتطور المستمر ، وتتراوح عموما بين أنواع الخط المختلفة الأشكال ، والصور الثابتة والمتحركة ، والأصوات الحية وغير الحية ، والأشكال الجرافيكية والألوان المختلفة ، وأهم ما يميز النص المتشعب في هذا الإطار هو تعدد أنظمة العلامات التي يوظفها ، لقد ارتبط النص الورقي بالحروف والألفاظ ، قد يحمل هذا النص صورا ، لكنه لا يمكنه أن يحمل العناصر الصوتية ، وهذا كان يحد من قدراته التواصلية والتفاعلية ، إن هذا التنوع في الوسائط لا يوازيه إلا التعدد في عرض وجهات النظر التي يمكن أن تقدم حول موضوع واحد ، والمضاعفة اللانهائية لوجهات النظر حول مفهوم أو موضوع بحيث يمكن للقارئ أن يستوعب المفاهيم والموضوعات من منظورات ومواقف متباينة .
عرض / حواس محمود 

هامش : الكتاب من إصدار المجلة العربية ( السعودية ) - الرياض - ، 111 صفحة قطع متوسط ، تأليف الدكتور محمد مريني

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف