الأخبار
حزب الشعب: نرفض بشدة المساس بحرية الرأيلبنان: مسرح إسطنبولي يناقش تداعيات أزمة (كورونا) على الثقافة رقمياًتفاصيل حالة الطقس في فلسطين حتى يوم السبتقدري أبو بكر: إسرائيل سلمت أموال المقاصة كاملة للسلطة عن شهري مارس وأبريلخبيرة التجميل رندا نصار في ضيافة تلفزيون الفجر الجديدالشيخ كمال الخطيب يدعو لليقظة وعدم الغفلة عن المسجد الأقصى(حماية) يدين سياسة الاحتلال بمدينة القدس ويدعو المجتمع الدولي للتدخل الفوريقوات الاحتلال تهدم خيمتين في نابلس وتخطر بهدم أخرى بالخليلفي عزّ (كورونا).. الكلاب المسعورة تجتاح أحياء الحسيمة والمجلس البلدي بدار غفلونحكومة الشارقة تضخ 4 مليار درهم من خلال صكوك قصيرة الأمدمصر تُسجّل 1152 إصابة و47 حالة وفاة بفيروس (كورونا)‫"جي أيه سي" تسلم 550.00 كمامة من تصنيعها لشركاء توزيع دوليين بـ26 دولةدراسة: 45% من الصينيين يرغبون بالسفر إلى الخارجبلاغ حول إحصائيات بطاقة الصحافة برسم سنة 2020شاهد: سلطات الاحتلال تُجبر مواطناً على هدم منزله في القدس
2020/6/2
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الكيلاني بقلم: طارق ناجـح

تاريخ النشر : 2019-06-09
عندما رآه ناجي لِأَوَّل مَرَّة في نهار يومٍ من أيام شتاء ٢٠٠٣ ، عَلِمْ أن وراءهُ سِرٌ كبير . فطريقة كلامه و مَظهَرَهُ و رائحة العِطر الذي يفوح من ملابسه الأنيقة يدل على أنه من طبقة إجتماعية أقرب للثراء منها إلى الفقر . و لكن ما الذي أتى به إلى هنا لِيُشاركهُ حُجرتهُ المتواضعة و الكائنة فوق سطح إحدي العمارات القديمة بأحد الأزقة المُتفرِّعَة من أحد شوارع عرب سلاّم بِمعْصَرَة حلوان .. و هي منطقة شعبية تبتعد خطوات عن شارع الترعة .. الشارع الرئيسي بالمعصرة . إسمه هادي الكيلاني .. صاحب وجه مُستدير وشارب أسود كثُّ ، و رأسه في طريقٍ إلى صَلَعٍ .. متوسط الطول و جسده يميل إلى البدانة و يمتلك " كِرشٌ " صغير . يبدو أنه قد تجاوز عِقَده الرابع بقليل . جاء به عم عبدالله السِّمسَار بناءا على طلب صاحب البيت بعد أن غادر أسامه ، صديقه و شريكه بالغرفة لسنوات بعد أَنْ أنهى دراسته بجامعة حلوان ، و إلتحق بقوات الدفاع الجوي ليؤدي خِدمته العسكرية . لِحق ناجي بعم عبدالله و هو يَهِّم بالنزول على السُلَّم . وضع يدَهُ على كَتِفِهُ و بادرهُ قائلا :-
- إيه الدنيا يا عم عبدالله ؟
- الدنيا تمام .
- طيب و الأستاذ هادي ؟؟
- ده راجل إبن حلال .. من عيلَّه محترمة زي ما أنت شايف كده .. بس معاه مشكلة كبيرة علشان كده مُضْطَر يبْعِد عن بيته شويّٓة لِحَد ما ربنا يسَهِّل و تتحَل .
لم يُزعِج نفسه بالسؤال عن ماهية المُشكَلَة ، لأنَّهُ يعلَم أَنَّ عم عبدالله لن يُفْضي إليه بهذا السر رغم علاقته الجيدة به . و إن كان يحترم فيه هذا المبدأ .
حاول هادي أن يبدو مُتماسِكاً في الشهور الأولى من مشاركته الغرفة ، و قد توطدت علاقته بناجي . بدأ يحكي له عن جُزءٍ مِنْ ماضيه . قال له أنه كان يعمل مُحاسباً بإحدى كُبْرَى الشركات في مجال المقاولات . تزوج من فتاة أنيقة من عائلة ثرية على الرغم مِنْ أنه يعتبر عائلته مِنْ الطبقة المتوسطة التي إنقرضت مع عصر الإنفتاح في السبعينيات من القرن الماضي . فوالده خرج على المعاش على درجة وكيل وزارة " بوزارة الشئون الإجتماعية " . لديه اخ و أخت أصغر منه .. الأخ مهندس ميكانيكي بإحدى شركات البترول ، و أخته دكتورة صيدلانية . رزقه الله بإبنة جميلة تبلغ من العمر الآن سبع سنوات . لديه شقة وسيارة حديثة الطراز . مَرَّت الأيام كئيبة و ثقيله على هادي إلى أن جاءه عم عبدالله ذات يون ليُخبِرهُ أنَّه سيلتحق بإحدى المستشفيات الخاصة القريبة للعمل بالوردية الليلية بالإستقبال . كان ناجي يذهب إليه تقريبا كل ليلة ليشرب معه الشاي و يُدَخِّن السجائر و يتبادلا أطراف الحديث مع الدكتور سعد " النبطشي " الذي يبدو أنه في منتصف عِقْدَه السادس . كان يحكي لهما عن عمله بمطلع شبابه في تونس . و كيف أنه أمضى ثلاثة سنوات مرّٓت عليه كالحلم بين المستشفى و الدار الذي منحته إياه إدارة المستشفى ليقطُن بِه لوحده . فلم يكن قد تزوج بَعد . و كان البحر يبعد حوالي كيلومتر عن منزله حيث كان يلتقي مع بعض من زملائه لتمضية السهرة أو الذهاب للسينما مع أحدهم .
عاد ناجي ذات يوم ليجد هادي جالساً على سريره و جسده يهتز مِن شدة البكاء .أسرع ناجي ناحيته محاولاً تهدِئته . جلس إلى جواره ، و هو يُرَبِّتَ على كَتِفُه قائلاً :-
- إيه اللي حصل يا أستاذ هادي .
- بِنتْي يا ناجي .. بنتي ..
- مالها كفى الله الشر ..
- وحَشِتني قوي .. و أنا مِشْ قادر أشوفها أو حَتَّى أسمع صوتها في التليفون .
- معلهش يا أستاذ هادي .. إن شاءالله كل حاجة هتبقى تمام .. قوم إغسل وِشَّكْ و إدعي و قول يا رَّبْ .
- يا رَّبْ .. أنا غلطت وبَصِّيت لفوق ، وكنت فاكر إن ما حدِّش يقدر يكشفني ..
- إحنا مِشْ ملايكَه يا أستاذ هادي .. إحنا بَشَرْ بنغلَط و نخطئ .. و ربنا رؤوف رحيم .. و إن شاءالله ترجع بيتك قُريِّبْ .
- يارَّب ، يا ناجي .. يارَّبْ ..
مَرَّتْ ثلاثة أَشْهُر على هذا الحوار قبل أَنْ يغادر ناجي القاهرة للعمل بإحدى فنادق الغردقة . وبعد مرور ثلاثة سنوات و في زيارة للقاهرة مَرَّ على المقهى الذي إعتاد عم عبدالله الجلوس عليه منذ عشرين عاماً . و بالفعل وجده جالساً يشرب الشاي بحليب و يُدَخِّن النَّارجِيلَه (الشيشة) . إستقبله بإبتسامة و حضن سائلاً عن ماذا فعلت به الدنيا في الثلاث سنوات الماضية .
- الحمد لله يا عم عبدالله على كل حال .. أهي ماشية ..
- الحمد لله يا ابني إنها ماشية .. علشان دي لمَّا بتُقَف بتبقى حاجة وحشة قوي ..
- جمال .. أخباره إيه ؟؟
- الحمد لله ربنا هداه بعد الجواز .. بَطَّل إستهتاره .. و بقي من البيت للشغل .. و ساب شِلِّة الهلس
- و يوسف .. عامل إيه ؟؟
- يوسف إشتغل سوَّاق في شركة أوراسكوم للمقاولات بِتَاعِة ناصف ساويرس .. إنت أكيد عارفه .. مِشْ إنت شَغَّال في الغردقة !!
ناجي ساخراً :-
- آه طبعاً .. دا صاحبي و بَقَضِّي الويك إند معاه على اليخت بتاعه في الجونه .. ههه . أعرفه مِنْ إين يا عم عبدالله !! أنا بسمع زي كل الناس ما بتسمع . المهم .. هوَّ الأستاذ هادي أخباره إيه ؟؟
- الأستاذ هادي مشكلته إتحلَّت بعد ما أنت مشيت بِسِتْ شهور .. و أخواته و مراته و بنته جُم لحد هنا و أخدوه .. بعدها بكام شهر .. جِه هو و مراته و بنته علشان يشكرني علشان وقفتي جنبه .. و قالي إنه إحتمال كبير يهاجر كندا و يبدأ حياته من جديد هناك .. و من وقتها لا إتصل ولا شفته .. شاكله عملها و سافر ..
- ربنا يوفَّقُه يا عم عبدالله .. هو في الحقيقة إبن حلال و طيب .. يمكن يكون ضعف قدام حاجه .. أجدع واحد فينا بيضعف قُدَّامهَا .. هي و الجنس اللطيف .. إنت أكيد عارفهم يا عم عبدالله .. هه هه ..!!
- قَصدَّك كنت عارفهم .. من عشرين .. تلاتين سنة ..ههه ؟؟
- ربنا يدِّيك الصحة يا عم عبدالله ..
ودَّع ناجي عم عبدالله الذى كان بالنسبة له الأب و السند على مدار ثمانية أعوام قضاها في القاهرة منذ أن قدِمَ من الصعيد ليُكمِل تعليمه الجامعي ، متمنياً أن يسعِده الحظ بلقاءه مرَّة أخرى قبل أَنْ يُبعِد القدر أحدهما عن الآخر .. بُعد السماء عن الأرض .. و الحياة عن الموت .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف