الأخبار
2019/9/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

معالم التعليم الخفية بقلم د. محمود عبد المجيد عساف

تاريخ النشر : 2019-05-25
معالم التعليم الخفية بقلم د. محمود عبد المجيد عساف
معالم التعليم الخفية

بقلم/ د. محمود عبد المجيد عساف 

في واحد من أهم التناقضات التي تتداخل فيها الإجابات، وتتشعب فيها الأسباب، وتحتار فيها التفسيرات حول مشكلات هذا الجيل وما آل إليه حاله، رغم التقدم الكبير في أساليب التربية والتعليم على مستوى المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية.. يتساءل المخلصون من التربويين، لماذا لا يتفق العمل مع القول؟، رغم أننا نحاول جاهدين أن نصل بأبنائنا إلى أعلى المراتب العلمية والتربوية ونسعى لتوفير ما نستطيع أن نوفره من مستلزمات التعليم والتربية، إلا أن (المدخلات قد لا تتفق مع المخرجات). ببساطة الإجابة من النوع السهل الممتنع، وهي أننا اعتمدنا في التدريب والتعليم التنافسي على صك (العلم في القرطاس لا في الراس) حاصرناه في العلم محصور في الورقة والقلم (التعليم الأكاديمي)، وأهملنا أو قزمنا من قيمة التعليم المهني والتقني والفني من ناحية، ولم نرب أبنائنا على الصدق مع الذات والقبول بالإمكانات دون تزوير أو تجميل من ناحية أخرى، بل وخلطنا بين التحفيز والتزوير في علاقتنا معهم.

أي مفارقة هذه حول الحق في التعليم التي تصدرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العالمية عام 1948م في المادة (26) منه، وجاء التأكيد عليه في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والثقافية في المادة (13) منه، ونص عليه القانون الأساسي الفلسطيني في المادة(24) ونحن ننتهكه ضمنياً من خلال الإخلال تسويره بالامتحانات، وتحجيمه بالغرف الصفية المكتظة، ونحن نفتقد الشراكة المجتمعية في تحقيق أثر التعليم بمعنى ألا يهدم المجتمع ما تبنيه المؤسسة التربوية والعكس صحيح.

إن ما يحدث الآن لا يخرج عن أن الخطاب التربوي ينحو المنحنى اليوتيوبي في معالجة القضايا المجتمعية، والدعوة إلى الحوار والتسامح وقبول الآخر، والحفاظ على الصالح العام، فبينما يدعو إلى مجتمع نموذجي- المدنية الفاضلة- تذوب فيه الفوارق ويطبق فيه القانون والعدالة، وأن لكل مجتهد نصيب، وأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، نرى واقعاً يتناقض تماماً مع بيانات وتوجهات الخطاب التربوي.

وما يزيد الطين بله، هو أن استسلام المتعلمين في ظل تراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمعلم لمعلوماته ومعارفه بطريقة التلقين، أدى إلى تنامي ظاهرة النمطية في البحث والكلام، والحديث، وتقمص الشخصيات والتقليد، وهو ما نراه شاخصاً على مواقع التواصل الاجتماعي من القص واللصق وعدم التحري حول المعلومات.

من الناحية النظرية لو سألنا القائمين على التعليم في فلسطين سنجد إجابات شافية تشعرك بأننا قاب قوسين أو أدنى من التحرر، أو إطلاق المركبة الفضائية الأولى، لكن من الناحية العلمية فهي لا تحقق إلا الحد الأدنى المتفق عليه دولياً وهو مجانية التعليم الأساس من الصف (1-10). ولو عايشنا الميدان والمدارس لوجدنا جهود كثيرة تدور في دائرة مفرغة قلما تنتج الإبداع والمبدعين في إطار بنية تحتية مهترئة وبنية نفسية لا ترغب التعليم، وإقصاء للمعلم المجتهد، وتغليب عامل المصلحة بكل أشكالها.

هل التعليم المنشود الذي يدعو له كل من حمل لواء التربية والتعليم على أساس أن يكون محققاً للهوية، معززاً للكرامة، محافظاً على حقوق الأجيال القادمة، متطلعاً نحو المستقبل وليس تحقيق مستوى فقط من التعليم كمؤهل، ينفي لديك مشهد خروج الطلبة من المدرسة بمجرد قرع الجرس؟ وكأنهم يتنفسون الحرية من ويلات السجن.

صحيح جداً أن الميدان تربوي يفتقر إلى الكثير من المقومات اللوجستية المرتبطة بتعزيز اتجاهات الطلبة نحو التعليم مثل: القرطاسة، الملاعب ومستلزماتها، معززات التعلم والديمقراطية المدرسية، ويحتاج إلى دعم الشركاء المحليين والدوليين إلا أني أرى أن الحق في التعليم يجب ألا يرتبط بتوفير مستلزماته بقدر ما يجب أن يرتبط بوعي الأطراف بمعنى الحق والمتمثل في :-

1- التحول الثقافي مدلول التعليم وأثره باعتباره طريق التنمية.

2- التعلم نحو المواطنة وحقوق الإنسان .

3- التعليم والتربية على القانون الدولي الإنساني والكرامة الإنسانية أوقات النزاعات المسلحة والكوارث.

4- التربية على احترام العلم والعلماء وتعظيم أثر التعلم كمردود وليس كعملية فقط .

5- التعليم على حق الأجيال القادمة فيما تمتع به الجيل الحالي (التنمية المستدامة).

6- التعليم على التعايش السلمي وقبول الآخر واحترام الإبداع ودعمه وليس إقصاءه وتهميشه لأغراض نفسية ضيقة .

وهذا يستلزم الاجتهاد مع الشركاء والمكلفين للتأثير في ثقافة الجيل في الجوانب التالية :-

1- أن التعليم هو أداة المجتمع للتغير بمعنى أن المدرسة هي أداة المجتمع للفهم والاستيعاب واختيار الأفضل وليس لتوريث ثقافة المجتمع وعاداته.

2- أن الشهادة تدل على اجتياز المرحلة فقط ولا تعتبر صكاً لدخول سوق العمل، فالأصل أن التعليم في المؤسسات هو الحد الأدنى من التعليم .

3- المدرسة ليست وحدها المسؤولة عن تعديل السلوك، فالخطاب التربوي في الأصل يجب أن ينطوي على العقلانية وقبول الآخر وتشجيع الإبداع والمنافسة .

4- التنافسية يجب أن تكون قائمة على أساس أن النجاح لواحد هو قادم للغير .

5- أن الحقيقة ليست حكراً لأحد وأن الجميع شركاء ومكلفين في الوصول إليها .

6- أن المعلم ليس وحده المصدر الرئيس للمعلومات، وأن أصل التعلم هو البحث .

7- أن التربية على اللاعنف تأتي من لا عنف التربية، على أساس أن تحقيق النجاح والتقدم والتعلم يكون لذاتك لمكانتك لمستقبلك وليس لكي تهزم الآخرين، والاعتراف بحقوق الغير في التعليم وحرية الرأي، وأن كل منا معرض للخطأ، فالصواب ليس حكراً .

التوصيات:-

1- البحث عن شركاء حقيقيين لتأطير الحق في التعليم وتأصيل مدلولاته.

2- الترفع عن قبول مشاريع دعم التعليم لمجرد التمويل، والدفع باتجاه أصول الحق في التعليم معنوياً وثقافياً قبل أن يكون مادياً أو بالتوازي .

3- تفعيل دور وسائل الإعلام بما يكفل بتبصير الناس بحقيقة دور المؤسسات التربوية.

4- إعادة النظر في الإعداد الثقافي لمعلمي المستقبل من خلال كليات التربية التي أصبحت تتفنن في ابتداع استراتيجيات التدريس المستوردة من بيئة مختلفة .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف