الأخبار
روح الأميرة ديانا تتجسد في جسد صبي.. وتكشف أسرارهامأساة امرأة خضعت للعلاج الكيميائي واستأصلت ثدييها بسبب تشخيص خاطئFace App يعيد شخصا لعائلته بعد 18 عاما على اختطافهلأول مرة.. هواوي تكشف سر خطير بشأن نظام التشغيل الخاص بهامصر: محافظ أسيوط : احتفالية كبرى بقصر ثقافة الزعيم جمال عبد الناصر3 شهور من القيء والغثيان بسبب خطأ في وجبة كنتاكيالاردن: مسرح عشتار ينظّم عرضاً مسرحياً وحلقة نقاش تربويةالسلمي: الملابس التي يتشارك فيها الرجال والنساء ليست من التشبه"جنرال موتورز" تكشف عن "كورفيه 2020" الجديدة كليًاالسفير طوباسي يؤكد عدم وقوع اية اصابات نتيجة الهزة الارضية التي ضربت اثينا"إعمار" تنظم دورة تدريبية حول الفحص الدماغي للسمع (ABR) بخان يونسإنفصال ممثلين سوريين بعد قصة حب و5 سنوات من الزواجالأسير المضرب عن الطعام لليوم (35) جعفر عزالدين يتقيأ أحماض مؤلمةنادين الراسي تفاجئ محبيها بالكشف عن هوية وصورة حبيبها المجهولالزراعة والسلامة الغذائية تنجز أكثر من 292 ألف معاملة للجمهور
2019/7/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التنمية الثقافية أو "أنسنة" مشاريع التنمية العربية../ قراءة سوسيو ثقافية بقلم: قلولي بن ساعد

تاريخ النشر : 2019-05-06
التنمية الثقافية أو "أنسنة" مشاريع التنمية العربية../ قراءة سوسيو ثقافية بقلم:
قلولي بن ساعد
التنمية الثقافية أو " أنسنة " مشاريع التنمية العربية../ قراءة سوسيو ثقافية   

قلولي بن ساعد / الجزائر  

بالمعنى التاريخي هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التغاضي عن إشعاعها الثقافي والعلمي على مر العصور والأزمنة ولا عن مكوناتها التاريخية والسوسيولوجية والإنتروبولوجية ناهيك عن تمثيلها الوجودي الموغل في أعماق التاريخ العربي   وللأسف الشديد أن هذا الكبرياء التاريخي  لهذه المدن  (قسنطينة / تلمسان الجزائر / عنابة / وهران ) على سبيل المثال  لا الحصر  سرعان ماتحولت  في وقتنا الراهن على صعيد الفعل الثقافي المدني إلى مجرد ظلال باهتة لم تعد موجودة إلا بين تجاويف كتب التاريخ والجغرافيا وبين طيات بعض الأعمال الروائية العربية  كنوع من " التقاطبات المكانية " بتعبير لوري لوتمان التي كان يود الروائي العربي  تفكيك أبنيتها وأسسها الزمانية المكانية و الرمزية و التاريخية والسوسيولوجية  و إستقراء آثار الانسان فيها وحتى  ولو حاولت بعض القرارات الصادرة عن بعض القمم العربية إختيار بعضها كعواصم للثقافة العربية والنتيجة طبعا كانت هزيلة ودون المستوى المنتظر منها ومن إرثها الحضاري والتاريخي وفي مقابل ذلك إنبثقت مدن  أخرى من العدم هي أشبه " بالقرى المنتفخة" حسب تعبيرالروائي الجزائري  الطاهر وطار  في الزمن الكولونيالي كانت مجرد قرى ومراكز عبور لثكنات عسكرية تحصنت بها قوات الإحتلال و لازالت لحد الساعة في طور التشكل والإنبناء وسواء تعلق الأمر بالمدينة الكولونيالية أم بالمدن الحديثة النشأة أو " المدن الصامتة " بتعبير غرامشي  فهي أي المدينة " قبل أن تكون بناء معماريا فارغا أو شكلا هندسيا باردا هي جملة من العلائق الديناميكية والأعراف المتطورة " (01) وليست مجرد " صحراء تكنولوجية " كما جاء في إحدى قصائد الشاعر المثير للجدل أدونيس ورغم ما عرفته من تنمية وعمرانية متزايدة خلال مرحلة ما بعد جلاء الإستعمار الأوربي عن بعض بلداننا العربية  فإن هذه التنمية العمرانية لم ترافقها بكل أسف تنمية قاعدية تختص ببناء الإنسان على الصعيد الثقافي والتربوي والحضاري لأنه لا يمكن من الناحية النظرية والثقافية التعويل على تنمية عمرانية دون "أنسنة " مشاريع التنمية العربية    وإعطائها البعد الثقافي  الأقصى الكفيل بإستدماج الفرد والمجتمع في قلب الحداثة والمعاصرة للفرار من إرادة الخطاب السياسي الرسمي المولع بلغة الأرقام الرسمية   ويتلميع و" مكيجة "واجهة مدينية  تخفي داخلها الكثير من الفجوات والنقائص المستفحلة لتجاوز ماسماه المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي  أزمة " فاعلية صورة العمران البشري ببعديه الفعلي والرمزي النظام السياسي والنظام التربوي وذروتهما الجهاز الأكاديمي والبحث العلمي " (02) والقطع نهائيا مع ما تولده آثار "صدمة المدينة "  على الصعيدين النفسي والسوسيولوجي في لاوعي الإنسان العربي الذي لاتجبره المدنية والسلوك المدني   على  التخلص من القيم الإيجابية لبداوته  ولكنها تفترض فيه ترقية حسه الحضاري للإنسجام مع وضعه المديني وصناعة محلول تنصهر في وجدانه عملية هي أشبه بالمطابقة القائمة بين البداوة والحضارة وبين قيم المدينة التي تتأسس عليها الأطر الكفيلة " بتبيئة" ما يسمى بالتعددية الثقافية  بوصفها " الفضاء الخصب لتشكل الأهواء والإرادات " (03) بما يعني " بنينة المدينة " بتعبير الباحث المغربي عبد العزيز بومسهولي أي " إعادة تشكيل علاقات القوى داخلها وفق ما سماه سيبونوزا  مقتضى العقل " (04) وإذن فنحن إزاء جغرافيا جديدة هي  "الجغرافيا الثقافية " كما تتردد صريحة في بعض أدبيات حقل الدراسات الثقافية أوالأقلمة  الثقافية إذ جاز لن أن نستخدم المفهوم الذي قام بنحته الباحث السوري عمر كوش بشيء من التعديل ونعنى بذلك ما يسميه بأقلمة المفاهيم عبر كتابه " أقلمة المفهاهيم تحولات المفهوم في إرتحاله " ولذلك لا ينبغي أن ينصرف الذهن إلى البحث عن " المدينة الفاضلة " كما حلم بها الفارابي أو " مدينة الشمس " كما تتجلى في منظور الفيلسوف الإيطالي توماسو كامبانيلا  بوصفها حلما هو أشبه بما سمته الدكتورة خالدة سعيد " يوتوبيا المدينة المثقفة " بقدر ما يعني أن إستفحال بعض الممارسات السلبية على أرض الواقع البعيدة عن أسباب التحضر والتمدن حتى بين نخب الأمة ومثقفيها وممثلي الواجهة السياسية في حواراتهم ولقاءاتهم الموسمية  نابع في تصورنا  من ذلك الغياب الفادح لسياسة ثقافية أو مشروع ثقافي وطني يعنى بالتنمية القاعدية وبالفلسفة التي تقوم عليها معظلة بناء الإنسان المشروع الذي لم تنجزه الحكومات المتعاقبة منذ لحظة الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية الكفيل بتحرير المشهد الثقافي والأدبي من مظهره الكرنفالي المناسباتي الموجه ومن الرقابة الرسمية والتوجيه الإيديولوجي المتناغم مع خطاب السلطة الذي هو ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه  وهنا أتذكر بأسف شديد مدونة مشروع ثقافي وطني كان قد تقدم بها سنة 1989 الباحث السوسيولوجي الجزائري المرحوم عمار بلحسن بوصفه في تلك الفترة عضوا في ما كان يسمى آنذاك المجلس الوطني الثقافة والفنون إلى حكومة مولود حمروش الإصلاحية، وذهب أثر ذلك المشروع الذي لم ينجز بذهاب حمروش وحكومته  هذا هو حال المؤسسة الثقافية الرسمية في كافة البلدان العربية وليست الجزائر إستثناء التي لها أجندتها ومسلماتها وسياسة عملها ولا تقبل مطلقا بأي اختراق لمفاهيم الثقافة النمطية التي أنشأتها السلطة لتسهيل مراقبتها  وتوجيه مساراتها وبالتالي فهي تختار نوعا خاصا من " المثقفين " وتحديدا تريد في صفوفها مثقفا تابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي  وممارساته وأن ماينتجه هذا المثقف / التابع  ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض وأن يتجنب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا " السلطة المرئية " بتعبير ميشيل فوكو أو " السلطة الرمزية " بمفهوم بيار بورديو التي تتشكل من كتاب ومثقفين تسكنهم "عقيدة " الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الإبن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو " الطغيان الميتافيزيقي " وفقا لأطروحة نيتشة محولا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي   بما يعني الإقتراب  من السقوط المذل في وحل " العبودية المختارة " كما وقف عليها  إيتيان دي لا بويسيه أو " الزواج النسقي " بتعبير الغذامي وفي كل زواج كما هو معروف عقد  وهذا العقد هو " العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة  الثقافية بذلك "(05) إن أراد أن يكون   تحت تصرف السلطة أو رهينة لها يجسد في مساره  وعي " المثقف المقاول " حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجهة يتقاضى مقابلها جوائزا موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له هذا هو "الإبداع العظيم" الذي تكرس له المؤسسات الثقافية الرسمية لدينا ومشتقاتها الجمعوية والمدنية إنطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية هي ثابت من ثوابت إستقطاب المثقف وتدجينه والذي هو في الأساس  تعبيرعن سلوك هيمني  يبرز إسما على آخر ويضاعف من مفعول " الطبقية الثقافية " بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي من خلال  إعادة فرز طبقات  المثقفين حسب درجة الولاء  والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السائد لا غير الأمر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى إبدال وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف و فقدان مشروعيته النقدية  كمنتج للقيم الرمزية و الفكرية طبقا لمفهوم المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي  "السلم الألسني  " وشتان بالطبع بين المثقف الحر وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا وعندما ينتقد المثقف الحر غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة وإحترام يقال له هذا من نتائج إنسحابك من الشأن السياسي  لقد كان المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كل حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع  وقبله كان  سارتر قد بشر بميلاد "المثقف المزعج الذي يدس أنفه " لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذودعن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الإجتماعي  ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ماتراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية  وهذا مأزق آخر أو "مأزق نسقي" بتعبير الغذامي يحد من إمكانية العمل بمنظور السوسيولوجي  المرحوم عمار بلحسن القاضية " بتثقيف السياسة " بدلا من "تسييس الثقافة " وتدجين المثقف والتعامل معه بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور ولا ينبغي هنا أن يغيب عن أذهاننا مطلقا إعتبار خصوصية التجربة التاريخية لبعض بلداننا العربية مثالا للتفهم ولإعادة بناء الثقة المفقودة أو " الإعتماد المتبادل " بمفهوم علي حرب أو " التفاوض " بالمفهوم الذي تقترحه الناقدة الهندية ما بعد الكولونيالية غياتري سبيفاك بين سلطتين سلطة فعلية وأخرى مرئية فقد  كان مفهوما ومبررا إعتبار الشأن الثقافي شأنا سياسيا أو هوجزء من السياسة في السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الكولونيالية بالنسبة لدول عربية حديثة العهد بالإستقلال وفي حاجة ماسة لطاقات جميع أبنائها ومن الأمثلة على ذلك أن المستشرق الروسي فلا ديمير ماكسيمنكو  ينقل عن ميرسكي ما يسميه " تآكل الأنتيلجانسيا من فوق " وهو تعبير غير دقيق لا يراعي خصوصية التحولات البنيوية للمجتمعات الحديثة العهد بالإستقلال أو تلك التي هي في طور البناء المؤسساتي وإذن فهو واجب يمكن التأشير له بمفهوم ماركس " الحتمية التاريخية " غير أن ميرسكي  نفسه يحذر مرة أخرى من "تآكل الأنتلجنسيا من تحت " أي بعد سنوات بناء مؤسسات الدولة وإستتباب الأوضاع وشيوع الفكر الديمقراطي إن تآكل الأنتلجانسيا من تحت معناه " بقرطة الوظيفة الفكرية المرتبطة بالإستعمال المنفعي للمهن الأنتلجانسية وتحويلها إلى مناصب مريحة " (06) كما هو الحال بالنسبة للمثقف الأكاديمي المنعزل داخل المخبر أو الجامعة غير مكترث بما يجري حوله من تحولات تشهدها الثقافات المعاصرة والمجتمعات السائرة نحو تجديد رؤيتها الثقافية وأنماط تجلياتها السياسية والإيديولوجية الأمر الذي حال دون بروز " كتلة تاريخية " بتعبير غرامشي أو على الأقل أنتلجانسيا  محدودة كما لاحظ ذلك  الدكتورعبد القادر جغلول الذي نفى وجود أنتلجانسيا بالمعنى الدقيق وكل ما هو موجود في نظره "مجموعة من الأفراد بدون أي نسيج فكري أو ثقافي يربط بينهم " (07) هذا ما جعل عمار بلحسن في كتابه الذي نسر بعد رحيله " كشف الغمة في ثقافة الأمة " يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو " صعلكة الأنتلجانسيا " على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة " الهامشية والذيلية " على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الإلتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو إلتحقوا متأخرين جدا فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية "عمليا  نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد إلتحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور  فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة " (08) وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان " الدكتور لمين دباغين المثقف والثورة " رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش " منظر حزب الشعب " كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا  أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والإنعتاق من نير العبودية والإستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والإبن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثوري  والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد ما بعد الكولونيالي بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي إنخرطت في معركة التحرير تحرير الأرض والإنسان  كل من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لماحصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها بإعتباره فرد من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والإستبداد من " ليل الإستعمار " بمفهوم فرحات عباس بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للإستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ  تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة والقطع مع رواسب القهر التي ميزت المجتمعات العربية الهشة أو "القابلة للإستعمار" بتعبير مالك بن نبي للحد من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد إمتدت إليها فعلا وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي " هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بنقيضه   ... ؟ " (09) لقد نسينا أو كدنا ننسى أن الفلاسفة والنقاد هم موظفو الإنسانية  على مايرى أدموند هوسرل الذين تقع عليهم مهمة بناء الإنسان بالمعنى الذي يمكن إستنتاجه  عندما يربط رولان بارت بين البناء اللغوي والثقافي بالإعتماد على الكلام الإجتماعي  لتجاوز أزمة " الكتابة في درجة الصفر" وخلق كتابة بيضاء متحررة من كل عبودية لنظام لغوي ملحوظ " (10) وبالطبع كان رولان بارت يتحدث عن ذلك البناء الثقافي والفكري  الذي ساهم في أرساء أسسه المفهومية مع غيره من النقاد الفرنسيين  الذين يعرفون بجماعة   telkil      المجلة الأدبية الفرنسية التي أخذت على عاتقها بناء خطوط المعرفة النقدية ضمن  معطيات المنظومة الثقافية السائدة في ذلك الزمن بالإعتماد على جهود عدد من النقاد والمنظرين على غرار تودوروف وكريستيفا وجيرارجينيت  وغيرهم  خارج السوربون الحصن العتيق للمأسسة الأكاديمية التي كان قد شبهها ميشيل فوكو بالعجوز البرجوازية في عصر هو العصر الذي عاش فيه بارت قبل أن يختطفه الموت إثر حادث سيارة أليم سنة 1980 ومابين عصر بارت وعصرنا مسافة طويلة وهي مسافة حضارية بالطبع لا يمكن أن تقاس فقط بعدد السنوات التي لم نحقق للأسف الشديد منها  شيئا فلا نحن شيدنا بناء  ثقافيا ولا نحن نجحنا على الأقل في التأسيس لبناء الإنسان كمقدمة ضرورية للبناء الثقافي المأمول والبناء الوحيد الذي لا يحق لنا أن نفخر به وحده هو بناء الجدران الصماء والهياكل الفارغة والمؤسسات الخاوية على عروشها  الخالية من فاعلية "  الرأس مال الرمزي" من حيث أن "العمل الذي يبذله الإنسان ليس فقط مجهودا عضليا لكنه أيضا قيمة ثقافية وتعبير عن ذهنية " (11) فلا يمكن يقول الدكتور سعيد يقطين  " تطويرالقيم الثقافية للمجتمع من دون إيلاء القضية الثقافية ما تستحق من المشاريع والإصلاحات الممكنة أو المحتملة " (12) ورغم أني لست متأكدا من وجود  مؤسسات للتنمية البشرية في العالم العربي ولو أن وجودها من عدمها سيان فبالنظر لحالات البؤس المعرفي  والثقافي السائدة بالعالم العربي فهي إن وجدت لا تقدم للمواطن العربي وللباحث العربي الأرقام الحقيقية بعيدا عن الحسابات الظرفية والحساسيات الرسمية للنخب السياسية الحاكمة في العالم العربي عدد الكتب الصادرة في الوطن العربي بتعداد سكانه الذي يفوق تعداد سكان  أكثر من ثلاث قارات في العالم  في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والتربوية لأنها ببساطة لا تعتبر التنمية الثقافية هي أساس التنمية البشرية وأساس بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات والهياكل المفرغة من جدواها وهذا أمر بالطبع  يعقد كثيرا من مهمة السوسيولوجيين وعلماء الإجتماع والخبراء المتخصصين في حقول سوسيولوجيا القراءة الباحثين عن حلول جادة لتنمية فعل القراءة في الأوساط الإجتماعية للوصول بها إلى آفاق بناء " مجتمعات القراءة " بل "مجتمعات المعرفة " التي تحيلنا لما أصبح يسمى " المواطنة الثقافية " الناجمة عن صدمة إكتشاف الحرية ودمقرطة الحياة السياسية والثقافية كمفهوم يتجاوز كل أشكال المواطنة  القانونية التي عادة ما تخنزلها السلطة في بعض الحقوق الضئيلة خاصة تلك المتعلقة ببعض المواعيد الإنتخابية وغيرها بوصفها أي المواطنة الثقافية على ما يرى أحد الباحثين " ممارسة دنيوية إطارها العام نظام ثقافي نشأت عنه  وتستمر بإستمراره   لكون  أن  الثقافة أسبق من السياسة والحكم هذا فصلا على أن جميع المؤسسات هي نتائج لدينامية إجتماعية "  (13)  وهو الأفق الذي وصلت إليه المجتمعات المتقدمة في الغرب ذات التقاليد الثقافية العريقة المؤمنة بأهمية وجدوى فعل القراءة في حياة الفرد والمجتمع  ولاعلاقة لذلك بعدد الهياكل الإدارية والمكتبية الخاوية على عروشها  والمؤسسات الجامعية المنتشرة في صحراء " الثلث الخالي " ولا بعدد الطلبة المتخرجين كل سنة بشهادات لا تعكس بالطبع المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه بناء الإنسان البناء الثقافي والحضاري الذي لا يزول   وبالطبع المهمة ليست سهلة ولا هينة بالنظرلعمق الفداحات القائمة في صلب المجتمع والثقافة والتربية والسياسة الناشئة عن سحر الخطاب الأحادي و"العنف الرمزي" بتعبير السوسيولوجي بيار بورديو والإستبداد السياسي والأبوي الذي هيمن طويلا على لاوعي الإنسان العربي منذ أن كان فردا في قبيلة الإنسان الحامل لجملة من المفاهيم والقيم المتوارثة للحياة والوجود والذود عن النظام الأبوي الرمزي المتمأسس مع أسئلة الكفاح والسلطة والتملك ولذلك تراكمات تاريخية وسوسيو ثقافية ليس من السهل إختراقها أو القفز عليها في الوقت الراهن مهما حاولنا التحرر منها ومن متعالياتها الضمنية منها أو المعلنة لكن من الممكن معالجة هذا القصور بمزيد من الحوار الفكري والتعلم والنهل من عيون المعرفة المعاصرة وتربية الأجيال الجديدة  على قيم القراءة والمعرفة وحثهم على عدم الإكتفاء بالمقررات المدرسية وكافة الآفاق المهنية البعدية لفعل القراءة لإعطائها بعدها الوظيفي لتهذيب الذوق وبناء الإنسان لتجاوز حالات الشلل الثقافي والذهني القائمة داخل فضاءاتنا التربوية والثقافية والجامعية  لكنها أيضا ليست مستحيلة إذ خلصت النوايا لقد كان " نبي العالم الثالث " فرانز فانون بحسب توصيف سارتر له و" وكيل الحقيقة المنتهكة" كما وصفه أيضا إدوارد سعيد يرى أن التحرير " هو بناء أرواح جديدة وليس مجرد إستبدال شرطي أبيض بآخر أسمر أو أصلاني " (14) وهي العبارة العزيزة جدا على المفكر الفلسطيني البارز أدوارد سعيد الذي ظل يكررها وبستشهد بها في عدد من كتبه التي خصصها للنقد الثقافي ما بعد الكولونيالي خاصة منها " الإستشراق " و" الثقافة والإمبريالية " لكون أن فرانز فانون قد وضع يده على كبد المعنى مثلما يقال بالنظر لكل ما حدث ويحدث من تراجعات لدى أغلب البلدان العربية التي تحررت من الإستعمار القديم لكنها لم تتحرر بعد من آثاره الباقية وعجزت كل مشاريع التنمية البشرية في أبعادها الثقافية والتربوية والإنسانية عن بناء الإنسان الجديد الذي بشرت به وبالمثل واليوتوبيا المفقودة كل أدبيات المقاومة والنضال العربي المحموم ضد كافة آليات السيطرة والهيمنة الغربية على مقدرات الشعوب الضعيفة الشعوب التي لا زالت تعيش عند عتبة الفقر وبلغة فرويد أنها لم تتجاوز "المرحلة الفمية للحضارة " وهي الحلقة المفقودة في مسار التحرر السياسي الذي لا زال ناقصا أو مبتورا ولا يستقيم دون وجهه الآخر الوجه القائم في حل معظلة بناء الإنسان الجديد كما تمناه الشهداء عندما قدموا أنفسهم ودمائهم فداء لأوطانهم كنتيجة طبيعية "لدولة الإستقلال السياسي " بحسب منظور الباحث السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن التي ظهرت كما يقول " أشبه بآلة لتحديث الإقتصاد و إدماج التكنولوجيا و أشكال التنظيم الصناعية و العصرية بدون حداثة الثقافة التي غيرت فقط المجتمع و قيمة الأخلاقية و الإجتماعية لكنها فككت أنماط عيشه و بنياته الرمزية و الدينية و الأنتروبولوجية بدون أن تسمح له ببناءها " (15)

إحالات 

01) مدخل إلى شعرية المدينة في الخطاب الشعري الحديث – قادة عقاق مجلة آمال وزارة الثقافة الجزائرص 95 العدد 64  سنة 1996

(02) أشياء من النقد والترجمة أبو يعرب المرزوقي – ص 15- دار جداول للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى بيروت 2012

03 )المدينة والمعرفة الفضاء المشترك لتدبير التفكير وفن العيش عبد العزيز بومسهولي مجلة أنفاس بتاريخ 18 / 12/ 2015

04)نفس المصدر المدينة والمعرفة الفضاء المشترك لتدبير التفكير وفن العيش

05) النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله محمد الغذامي – ص 194 – المركز الثقافي العربي الدر البيضاء – الطبعة الثالثة 2005

06) تسييس الأنتلجنسيا – فلا ديمير ماكسيمنكو – ترجمة عبد العزيز بوباكير – مجلة الثقافة السلسلة الجديدة – العدد رقم 01 – ص 23 الجزائر

  07)حوار مع عبد القادر جغلول أنتلجانسيا أم مثقفون أجرى الحوار محمد بلحي جريدة جزائر الأحداث أعاد نشره عمار بلحسن ضمن كتابه " أنتلجانسيا أم مثقفون في الجزائر – ص 54 دار الحداثة بيروت 1986

08 ) حول الأزمة خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي – علي الكنز – ص32 – دار بوشان – 1990 الجزائر 

09)الإيديولوجيا العربية المعاصرة صياغة جديدة –عبد الله العروي – ص 204 – المركز الثقافي العربي بيروت / الدار البيضاء – الطبعة الثانية 1999

10)الدرجة الصفر للكتابة – رولان بارت – ترجمة محمد برادة – ص 107 منشورا ت دار العين القاهرة 2009

  11) الأدب والمؤسسة والسلطة – سعيد يقطين – ص07 المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء / بيروت الطبعة الأولى 2000

12) نفس المصدر ص 07 

13) أنتروبولوجيا الهوية الدين والمواطنة الثقافية مبروك ديريدي –ص118 ضمن ملف بحثي جماعي بعنوان " الدين والهوية بين ضيق الإنتماء وسعة الإبداع " – مؤسسة مؤمنون بلا حدود ص 13 ماي 2016

14) الثقافة والإمبريالية – إدوارد سعيد ترجمة كمال أبوديب ص 09 دار الآداب بيروت الطبعة الرابعة 2014

 15) من تسييس الثقافة إلى تثقيف السياسة –عمار بلحسن- مجلة التبيين – ص07 .08- العدد الرابع -1991 – الجزائر
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف