الأخبار
كتلة الوحدة الطلابية تهنئ الناجحين في امتحانات الانجاز للثانوية العامةالعلوم والتكنولوجيا تناقش مشاريع تخرج طلبة قسم الحاسوباقتحامات استفزازية جديدة وصلوات تلمودية في المسجد الأقصىالمالكي يُودع القنصل الفرنسي بمناسبة انتهاء مهامه الرسمية لدى دولة فلسطينالأحمد: يجب المحافظة على الحوار الفلسطيني اللبنانيافتتاح معرض صور بعنوان "احكيلي عن فلسطين" في مدينة اسطنبولفلسطينيو 48: أين وصل ملف "داء الكلب" في كفر كنا؟الشبيبة الفتحاوية: لجان ارشادنا على أتم الاستعداد لاستقبال الطلبة الجددالتجمع الإعلامي الديمقراطي يهنئ الطلبة الناجحين في الثانوية العامةمنعا للإحراج.. حيلة بسيطة لمنع ظهور العرق على الملابسمصر: جامعة داغستان الروسية تستضيف وفد طلابي من جامعة أسيوطبعد تفوقهن اقتصاديُا.. عاصمتان عربيتان من بين المدن الأكثر أمانًا بالعالمفرحة النجاح بالثانوية العامة تغمر منازل الأسرى والشهداءالحاصلة على المرتبة الاولى برام الله: ختمت المنهاج بالتجريبي وراجعته بالوزاري‫مايندتري تحقق نموًا في الأرباح السنوية بنسبة 10,3%
2019/7/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة لا عنوان لها ترجمة/ بقلم : حماد صبح

تاريخ النشر : 2019-05-05
قصة لا عنوان لها ترجمة : حماد صبح
في القرن الخامس ، أشرقت الشمس كل صباح ، وغربت كل مساء ، مثلما تشرق وتغرب في زماننا هذا . وفي كل صباح في ذلك القرن السحيق ، كانت الأرض تعود إلى الحياة حين تقبل أشعة الشمس الباكرة الندى ، وكانت أصوات الجذل والأمل تفعم الأثير . أما في المساء ، فكانت نفس الأرض تهجع ساكنة ، وتغور في ظلمة داجية . كان كل نهار يشبه الآخر ، وكل ليلة تشبه الأخرى . وبين حين وحين ، كانت تنطلق سحابة عاصفة ، ويهزج رعد غضوب ، أو يهوي نجم مهمل من السماء ، أو يركض كاهن نحو إخوانه وينبئهم أنه أبصر نمرا قرب الدير . هذا كل ما كان يحدث في ذلك القرن ، وهكذا كانت الأيام والليالي تتوالى متشابهة . كان الكهان يعملون ويتعبدون ، وكان أبوهم الأكبر يعزف على الأرغن ، وينظم الأشعار اللاتينية ، ويصوغ الألحان الموسيقية ؛ فذلك الشيخ العجيب موهوب موهبة لا نظير لها . إنه يعزف على الأرغن ببراعة فنية فريدة تبكي حتى الكهان المسنين _ الذين أصاب شيء من الوَقْر آذانهم قبيل انتهاء أعمارهم _ حين يسمعون ألحان أرغنه تنبعث من قبوه . وكانوا لا يستطيعون إلا أن يصيخوا إليه باسمين أو ناحبين إذا تحدث عن أي شيء حتى عن أكثر الأشياء إيغالا في عاديتها ، كأن يتحدث عن الشجر أو ضاري الوحش أو البحر . وكان يظهر حين يعزف على الأرغن أن أوتار الأرغن نفسها تهتز في روحه .وإذا ما أحنقه أحد ، أو استسلم هو إلى فرح عارم ، أو شرع يتحدث عن أمر مرعب أو جلل ؛ يستولي على روحه إلهام الوجد ، وتفيض الدموع من عينيه البراقتين ، ويحمر وجهه ، ويرعد صوته ، ويحس الكهان إذ يصيخون إليه أن إلهاما ما استبد بأرواحهم ، وعندئذ ، في هاتيك اللحظات الرائعات العجيبات ، يصبح سلطانه عليهم مطلقا ، ولو أمرهم بقذف أنفسهم في لجج البحر لأرقلوا كلهم دون استثناء لإنفاذ أمره . وكانت موسيقاه وصوته ، وشعره الذي يمجد فيه الله _ تمجدت ذاته وصفاته_ والسموات والأرضين مصدر بهجة لا ينضب لأولئك الكهان ؛ إذ يقع أحيانا أن رتوب حياتهم يجعلهم يسأمون الشجر والزهر والربيع والخريف . وسئمت أسماعهم صوت البحر ، وبدا لهم شدو الطير مسئما ، أما مواهب أبيهم الأكبر فكانت لهم في ضرورة وحيوية خبزهم اليومي . وتوالت عشرات السنين ، وأشبه كل نهار سابقه ، وأشبهت كل ليلة بارحتها ، ولم يدنُ من الدير سوى الطير وضاريات الوحش .
وكان أقرب وجود إنساني منه على بعد كبير ، والوصول إليه من الدير ، أو إلى الدير منه يعني قطع رحلة تربو على سبعين ميلا في الفلاة التي لم يجسر على جوزها سوى الذين ازدروا الحياة ونبذوها منكرين لها ، والذين جاؤوا إلى الدير ليقبروا فيه . ومن ثم اندهش الكهان حين طرق بابهم ذات ليلة رجل آتٍ من المدينة يعد من أشد الخطاة حبا للحياة ، وسألهم خمرا وطعاما قبل أن يصلي ، وقبل أن يسأل الأب الأكبر مباركته لروحه ، وأجاب سؤالهم له عن كيفية جوزه الفلاةَ إلى المدينة بحكاية مسهبة عن القنص . لقد خرج بنية القنص ، وأكثر من شرب الخمر ، فضل الطريق ، وقال لهم باسما حين اقترحوا عليه دخول الدير إنقاذا لروحه : " لست صاحبا يليق بكم " . وبعد أن طعم وشرب تطلع إلى وجوه الكهان الذين قدموا له ما طعم وما شرب ، وهز برأسه مؤنبا لهم : " أنتم لا تفعلون شيئا يا معشر الكهنة ، ولا تصلحون إلا للمأكل والمشرب ! أهذه طريقتكم في إنقاذ أرواح الناس ؟! فكروا فحسب في ما سأقوله لكم ! بينما تجلسون هنا سالمين ناعمين ، وتطعمون وتشربون ، وتحلمون بالسعادة ، يهلك جيرانكم ويمضون إلى السعير . يجب أن تروا ما يقع في المدينة . بعض الناس فيها يموتون سغبا ، وآخرون من الذين يجهلون ماذا يفعلون بمالهم الكثير يغورون في حمأ التهتك ، ويهلكون هلكة الذباب الذي يغرق في العسل . لا إيمان ولا مراعاة للحق بين الناس ، فمن الذي مهمته إنقاذهم ؟! من مهمته عظتهم ؟! لست أنا الخمران من مطلع الشمس حتى مغربها . وهل العقل الحليم والقلب الرحيم والإيمان بالله _ سبحانه _ التي حُبيت كلها لكم إنما حبيت لتقبعوا هنا بين أربعة جدر لا تفعلون شيئا ؟! " . كانت كلماته فظة لا لياقة فيها إلا أنها أثرت تأثيرا غريبا عجيبا في الأب الأكبر ، فتداول النظرات مع كهانه ، وشحب وجهه ، وقال : " أي إخواني ! تعلمون أنه يقول الحق . حقا إن الناس البؤساء في وهنهم ونقص فهمهم يهلكون رذيلة وكفرا بينما لا نحرك نحن ساكنا كأن حالهم لا تهمنا . لم لا أذهب بنفسي وأذكرهم بالمسيح _ عليه السلام _ الذي نسوه ؟! " . ونأت كلمات ابن المدينة بالشيخ ، ففي اليوم التالي ، حمل منسأته ، وودع إخوانه ، وانطلق إلى المدينة ، فلبث الكهان بعده دون موسيقاه وخطبه وأشعاره ، فقضوا شهرا غاما موحشا ، وثانيا ، ولم يؤب الشيخ . وأخيرا ، بعد ثلاثة أشهر ، سمع الكهان وقع منسأته ، فركضوا للقائه ، وأمطروه بالأسئلة ، ولكنه بكى مريرا بدل أن يفرح بلقائهم ، ولم ينطق ولو بيتيمة ، ولحظ الكهان أنه شاخ كثيرا ، وازداد نحافة ، وبدا محياه مضنى ، يغشاه أسى عميق ، وكان بكاؤه بكاء إنسان انتهكت حرمته . وبكى الكهان بدورهم ، وراحوا يسألونه حادبين عليه عن موجب بكائه ، وشحوب وجهه واكتئابه إلا أنه أوصد بابه قبوه لا يفوه بكلمة . ولبث في القبو أسبوعا لا يأكل ولا يشرب ، ويبكي ولا يعزف على الأرغن ، وكان الصمت الموصول جوابه لطرقات الكهان على بابه وتوسلاتهم إليه بالخروج ومقاسمتهم أساه . وأخيرا خرج ، وجمعهم حوله ، وراح يحدثهم والدمع يبلل وجهه ، والأسى والحنق يسمان نبرات صوته ، عما وقع له في الأشهر الثلاثة . وفجأة هدأ صوته ، وابتسمت عيناه حين راح يصف لهم رحلته من الدير إلى المدينة . قال إن الطير غنت له في طريقه ، وإن الجداول أسمعته صوت ترقرقها ، وإن الآمال الجديدة العذاب هاجت روحَه ، وإنه واصل في تلك الأجواء البهيجة رحلته شاعرا أنه جندي يقصد معركة واثقا من انتصاره فيها ، وإنه سار حالما ينظم القصيد والنشيد حتى انتهت رحلته دون أن يشعر بنهايتها ، بيد أن صوته ارتجف ، وبرقت عيناه ، وزخر غضبا حين راح يتحدث عن المدينة وأهلها . فما سلف له في حياته أن شهد أو حتى تجرأ على تخيل ما شهده حين دخلها . عند دخولها فحسب ، ولأول مرة في حياته ، وفي شيخوخته العالية هذه ، شهد ووعى مدى قوة إبليس ، ومدى كبر الشر ، ومدى وهن الناس وضآلة قيمتهم . ولرداءة الحظ ، كان أول منزل دخله فيها منزل رذيلة وجد فيه قرابة خمسين شخصا ثريا جدا يسرفون في الأكل وفي شرب الخمر . وبعد أن أنشتهم الخمر أخذوا يغنون ، ويفوهون بكلمات مرعبة عنيفة لا يجرؤ من يتقي الله _ سبحانه _ على الفوه بها . وإذ شعروا بحريتهم طليقةً وبالثقة في أنفسهم فائضةً فإنهم ما اتقوا الله _ سبحانه _ وما حذِروا إبليس ، ولا الموت ، بل قالوا وفعلوا ما أرادوا ، واندفعوا إلى حيث اقتادتهم شهواتهم . ولابد أن خمرهم التي كانت في صفاء الكهرمان ، ويلمع حببها الذهبي شررا ناريا ، كانت لذيذة عطرة الريح بحال لا تقاوم ؛ لأن كل من شربها منهم ابتسم مبتهجا ، وطلب مزيدها ، وردت هي على مبتسمهم بابتسامة ، وأشرقت بهيجة حين شربوها كأنها كانت تعرف ما في لذتها من سحر إبليسي خفي . واستأنف الشيخ متزايد النحيب حنقا ، متزايد الشعور بعبق البخور ، وصف ما شهد ، فقال : " وقفت آثمة نصف عارية فوق نضد يتوسط السكارى القاصفين ، وإنه لعزيز نزير أن تتخيل أو تلقى في الطبيعة أكثر سحرا وفتنة منها . فبوقاحة ودون أي حياء جلت الأفعى ، الشابة ، المديدة الشعر ، السمراء ، السوداء العينين ، الممتلئة الشفتين ؛ أسنانها التي تشبه حب البرد بياضا ، وابتسمت كأنها تقول : " انظروا كم أنا وقحة ، ورائعة الجمال ! " ، وسال شعرها الحريري المقصب غدائر فتانة على منكبيها إلا أن جمالها الطاغي لم يخف نفسه تحت ثيابها ، وأبان نفسه جريئا من ثنايا تلك الثياب بيان عشب الأرض الغض في الربيع . وشربت الوقاحُ خمرا وغنت ، وأباحت نفسها لكل من اشتهاها منهم " . ولوح الشيخ الغاضب بذراعيه يصف سباق الخيل ، ومصارعة الثيران ، والمسارح ، ومراسم الرسامين التي يرسمون فيها النساء عاريات ، أو يشكلوهن من الصلصال . تكلم تكلمَ الملهم ، وفي جمال جلي ، كأنه كان يعزف على أوتار خفية بينا كان الكهان متجمدين يشربون كلماته في نهم ، ويلهثون جذلا . ولعن إبليس ، واستدار وأوصد باب قبوه على نفسه بعد أن وصف فتن إبليس ، وفتنة الشر ، وفتنة المرأة المرعبة الخلابة الرشاقة . وحين خرج من قبوه صبحا لم يجد في الدير أي كاهن . طاروا جميعا سراعا إلى المدينة .
*للكاتب الروسي أنطون تشيكوف ( 1860 _ 1904 ) .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف