الأخبار
كيف جاءت نتائج عرض الرو؟5 نجوم لتعويض رحيل "جريزمان" عن الأتليتيصحفي مغربي يُهاجم مرتضى منصور وخالد الغندور بضراوة.. ماذا قال؟طالع.. القصة التاريخية لصلاة التراويح80 ألفاً يؤدون صلاتي العشاء والتراويح في رحاب الأقصىكرينبول يلتقى رؤوساء اللجان الشعبيةالاحتلال يقضي بالحبس المنزلي والإبعاد على أربعة مقدسييناليمن: وزير التربية يتلقى توضيحا من اليونيسف حول المنحة السعودية الاماراتيةاللواء صلاح شديد يلتقي رئيس الوزراء الفلسطينيالأصدقاء يُحققون لقب البطولة الرمضانية لمركز طارق بن زياد المجتمعيجولات ميدانية لدائرة التنمية الصناعية على مصانع الحلويات الشرقية بخانيونسضبط واتلاف كميات العصير والشوكولاتة منهية الصلاحية برفحجولة تفتيشية على مخازن المواد الغذائية بمحافظة رفحاليمن: رئيس جامعة عدن يناقش اللائحة التنظيمية لبرنامج السنة التحضيريةلجنة الرقابة الغذائية بخانيونس تنظم زيارة على مخازن المواد الغذائية والتموينية
2019/5/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

وجع البعاد بقلم: محمد محمود عمارة

تاريخ النشر : 2019-04-24
وجع البعاد بقلم: محمد محمود عمارة
كان مرحاً خفيف الظل ، و كانوا ينظرون إليه على أنه حكيم شقتهم الواجب طاعته و اتباع قواعده و إرشاداته للغربة :
1- اغتربت من أجل تحسين دخلك ، فاقتصد ، و اصرف القليل و حول الكثير لتقصر أيام غربتك ، وتنعم بما حولت حين تغادر مستقيلاً بعد تحقيق أهدافك .
2- اقصر أثاثك على مرتبة و غطاء ليسهل عليك الانتقال من سكن إلى أخر فلا تتحمل عناء نقل أو تتكلف مصاريف فك ونقل و تركيب .
3- قميصان و بنطلونان يكفيانك للصيف ، و بلوفران يكفيانك في الشتاء.
4- المعدة لا تفرق بين ولائم الأغنياء و طعام الفقراء ، و في كلتا الحالتين لن تشكرك ، فاقتصد في طعامك.
و على الرغم من هذه المبادئ العجيبة ، إلا أن شقتهم لم تكن تخلوا من المرح و البهجة طوال الوقت ، و كان من يزورهم يسعد بصحبتهم ، إلى أن جاء يوم لم يكن في الحسبان ، توفى الحكيم بدون مقدمات بأزمة قلبية حادة ... فساد الحزن و الذهول .
طلب منهم ابن صديقهم تجهيز أوراق زيارة ليتولى إنهاء متعلقات والده . انتظروه على أحر من الجمر و هم في حيرة كيف سيخففون عنه . في الموعد المحدد دق جرس الباب فأسرعوا جميعا و اصطفوا ليكونوا في استقبال ابن الغالي بعدما جهزوا الغرفة التي سيبيت فيها ... دخل شاب تبدو عليه أثار النعمة و الوجاهة ، فالعطر الذي سبق دخوله و فاح و عبأ الشقة ، و النظارة الشمسية الماركة ، و الملابس الفخمة الأنيقة ، و الحذاء المصنوع من أجود أنواع الجلود الطبيعية ، كلها تشير إلى شخص يستحيل أن يكون ابن مرشدهم و قدوتهم.
طلب منهم دخول غرفة والده ، فأخذوا يهونون عليه ببعض العبارات حتى لا تتملكه ذكريات و ألم الفراق حين يلمس أغراض والده و ملابسه ؛ لكنهم صدموا حين أمسك أغراض أبيه البالية بطرف أصابعه متأففاً ، و أخذ يقلب فيها حتى وجد مجموعة من الأوراق و الوثائق الرسمية. حين أخبروه أنهم أعدوا له غرفة أبيه ليبيت فيها لينعم ببعض الذكريات ، اعتذر لهم و أخبرهم أنه حجز غرفة في الفندق الخمس نجوم القريب منهم ، و طلب منهم التخلص من باقي أغراض والده ثم انصرف تاركاً إياهم بين مذهول و غير مصدق ، كانوا ينظرون و لسان حالهم يسأل : أحقاً هذا ابن ذاك ؟
ما سبق قصة حقيقية ، شخوصها حقيقون و هم من قصوها بعدما استوعبوا الدرس جيداً.
أعرف أناساً توفوا و لم يكتشف أحد وفاتهم إلا بعد أن تحللت جثثهم و خرجت رائحتها فأزعجت جيرانهم ، و لولا ذلك ما شعر أحد بوفاتهم أو حتى غيابهم ، ففي الغربة الكل مشغول بنفسه و همومه ، و الأهل اعتادوا غيابه فأصبح تواجده بينهم كضيف يحل فترة ثم يرحل ، و لأنهم اعتادواغيابه فهم لم يشعروا به حين اختفى و لم يفكر أحدهم بالاطمئنان عليه ... سيتلقون نبأ وفاته مثلهم مثل الغريب و سيكون حزنهم صوري و شكلي من أجل كلام الناس ، و حين تنفض مراسم العزاء سيجلسون من أجل المهم : تخليص مستحقاته في غربته و توزيع الميراث .
في بداية غربتك ستكرر الجملة المعهودة : "سأحقق أهدافي في بضع سنوات ثم أعود". لكن ستكتشف متأخراً أن قطار العمر مضى بك و لم يصل لمحطتك المنشودة ، فالأهداف زادت مع زيادة المسئوليات ، و الأعباء زادت مع زيادة من تعول. فالنادر القليل من اغترب ثم ترك غربته بإرادته بعد سنوات قليلة ، دون أن يندم على هذا القرار.
الغربة ليست اختيار في ظل ظروف معيشية صعبة ، هي اضطرار لأن تعيش و تتعايش مع وضع ثقيل على نفسك يسرق منك شبابك و صحتك من أجل أن توفر حياة كريمة لمن تعول. و أيام الغربة و أعوامها تختلف عن أيام الأخرين ، فأيام الأخرين تُحسب باليوم و الشهر و السنة ، أما أيام الغربة فتحسب بمناسبتين: العطلة السنوية ، و استلام الراتب الشهري ، غير ذلك تتشابه الأيام و لا أهمية لمعرفة التواريخ ، فكلها متشابهة و لا جديد فيها ، لذلك ستنتبه فجأة حين تتأمل نفسك في المرآة لتكتشف الشعر الأبيض الذي غزا رأسك و لحيتك في صمت ، التجاعيد التي ملأت وجهك ، ثم تكتشف عمرك الذي نسيته بين أوراق سفرك فتكتشف أنك أصبحت كهلاً أو عجوزاً غير ذلك الشاب الذي عرفته بداية الاغتراب.
الغربة كربة ، فإن كُتبت عليك فاجعل لنفسك الأولوية و الأهمية ، دلل نفسك و احن عليها ، فالأبناء سينشغلون عنك ، و الزوجة ستنشغل بالأبناء و لن يبق لك حيز في ذاكرتها ، و الأصدقاء سيتلاشون عاماً بعد عام حتى لا يبق منهم أحد. في غربتك ستمرض لكن لن تجد يد حانية تمتد إليك لتخفف عنك ألامك سوى لطف الله و رحمته ، ثم نفسك .. فهون عليها و لا تحملها ما لا تطيق مما يؤذي النفس و البدن ، فلا أحد يستحق اهتمامك سواها ثم ليأتي بعد ذلك من يأت ، فلا أحد يستحق.
اللهم خفف عن كل مغترب غربته و فرج عن كل مكروب كربته و اشف كل صاحب مرض. اللهم أمين
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف