الأخبار
2019/5/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الحزب الشيوعي الصيني و "أصينة" الأيديولوجيا.. بقلم:د.طارق ليساوي

تاريخ النشر : 2019-04-24
الحزب الشيوعي الصيني و "أصينة" الأيديولوجيا.. بقلم:د.طارق ليساوي
الحزب الشيوعي الصيني و "أصينة" الأيديولوجيا.. 

د.طارق ليساوي

أشرنا في مقال "التجربة التنموية الصينية:الدولة "معلم الرأسمالية" و "حامي المجتمع" إلى بعض المفارقات التي تطبع الدولة / الحزب في الصين، فالدولة الصينية تمارس وظيفتين في غاية التناقض: فهي من جهة "معلم للرأسمالية"، ومن جهة أخرى "حام للمجتمع".. و هذا المقال استكمال لذات التحليل، و سيحاول توضيح خصوصية التجربة السياسية والإصلاحية في الصين من خلال التركيز على الحزب الشيوعي الصيني CCP، نشأته و بنيته الأيديولوجية، و دوره في الحياة السياسية لجمهورية الصين الشعبية...

أولا- الإيديولوجية بخصائص صينية:

إذا كان الانتقال إلى اقتصاد السوق في بلدان المعسكر الاشتراكي السابق، قد  اقترن باندحار الأحزاب الشيوعية وميلاد التعددية الحزبية والتراجع عن ديكتاتورية البروليتاريا، والارتماء في أحضان الليبرالية السياسية والاقتصادية. فان من مفارقات التجربة الصينية أن الانتقال إلى اقتصاد السوق تم بتخطيط وتوجيه من الحزب الشيوعي الصيني. بل إن هذا التحول قوى من موقع الحزب، وأكسبه شرعية جديدة تمثلت في "شرعية النمو الاقتصادي .

فهذا الحزب الذي كان من أشد الأحزاب الشيوعية تمسكا بالأيديولوجية الماركسية اللينينة، أصبح مع مطلع الثمانينات من أكثر الأحزاب انفتاحا على  تجربة الليبرالية الاقتصادية. فقد تمكن هذا الأخير من صياغة مراجعات مذهبية، وإدخال تعديلات على الفكر الماركسي اللينيني و الفكر الليبرالي، كمحاولة منه  لرسم طريق ثالث يمزج بين محاسن كلا الفكرين. وهذا التوجه  الغرض منه  تأمين استمرارية الدولة من جهة ، و خلق اقتصاد ناضج Mature Economy من جهة ثانية.

وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرا، عن المنهج التوفيقي الذي تبناه "ماوتسي تونغ" حينما جعل من الريف قاعدة للثورة الشيوعية الصينية. خلافا  لما نادى به "كارل ماركس"، حينما اعتبر أن طبقة العمال بالمدن هي المعول الذي سيهدم "الإقطاعية والبرجوازية المتعفنة ". ونتيجة لذلك، فإن الثورة الشيوعية التي قادها الحزب الشيوعي الصيني، انطلقت من الأرياف لتتجه نحو محاصرة المدن والإطاحة بحكم "الكوميتانغ"، و هو عكس ما حصل في الثورة الروسية . 

وبنفس المنهج تمكن "Deng Xiaoping" من تكييف القاعدة السياسية والأيديولوجية للحزب والدولة والمجتمع، مع مفهوم "اقتصاد السوق الاشتراكي" فالعقائد الأيديولوجية باختلافاتها وتناقضاتها، لابد وأن تمر من مصفاة "الخصائص الصينية "you zhongguo tese". 

ثانيا: رحلة بداخل الحزب - الدولة

الحزب في المفهوم الماركسي يرتبط بالإطار الشامل للإيديولوجية الماركسية، فالحزب أحد عناصر "البناء العلوي" السياسي للمجتمع، وهو يعبر عن مصالح طبقة اجتماعية. ووفقا لهذا المفهوم فالحزب يعبر عن مجموعة من الناس تربطها مصالح اقتصادية في المحل الأول. وتحاول أن تصل إلى الحكم عن طريق الإصلاح أو الثورة.. فالحزب في التصور الماركسي اللينيني هو "طليعة الطبقة العاملة ويستوعب خير عناصرها"، و "الكتيبة المنظمة في تلك الطبقة". وهو بتلك الخصائص أداة لدكتاتورية البروليتاريا، سواء لتحقيق هذه الدكتاتورية أو لتكريسها بعد تحققها. 

تأسس CCP في يوليو  1921، وكان "ماوتسي تونغ" واحدا من 12 عضو مؤسس للحزب ب"شانغهاي"، ومن 1921 إلى 1949 قاد الحزب الشيوعي الصيني الشعب الصيني في حرب طويلة أفضت إلى دحر الاحتلال الياباني، والسيطرة على السلطة السياسية بعد الانتصار على "الكومتانع" ،وتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949..

وبإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية  انتهت المهمة الأولى للحزب وهي تحرير وتوحيد البلاد، لينتقل إلى مرحلة البناء الاشتراكي. غير أن الحماسة الثورية للجناح المتطرف بداخل الحزب،  فضلت أسلوب "القفزة الكبرى للأمام" بدلا من التدرج فكانت القفزة الكبرى للوراء، وتعثر هذه القفزة دفع بجناح الاعتدال إلى  الأمام، لكن سرعان ما سيعود الجناح المتطرف بثورة ثقافية لم تنتهي إلا بوفاة قائدها  "ماوتسي تونغ"،  و صراع حاد على السلطة كانت الغلبة فيه مجددا لجناح الاعتدال بقيادة  "Deng Xiaoping " ..

ويبلغ حاليا عدد أعضاء الحزب الشيوعي الصيني نحو 90 مليونا حاليا، وحوالي 78% من الأعضاء الجدد  (14 مليون) انخرطوا مابين 1991و 2004، وهؤلاء الوافدين الجدد على الحزب يتوفرون على مستوى تعليمي يتعدى البكالوريا.كما أن الحزب يتوفر على نحو   3,4 ملايين منظمة قاعدية، ولم يعد الحزب حكرا على الفلاحين وطبقة البروليتاريا، بل انفتح على رجال الأعمال والمنظمين، وهو ما مثل تحولا جذريا في فلسفة الحزب الشيوعي.

و الحديث عن جمهورية الصين الشعبية لا يستقيم دون الحديث عن الحزب الشيوعي  CCP ، ولايمكن تناول هذا الأخير دون التعرض لتركته السياسية، فسياساته في الصين أثارت الكثير من الجدل، فبدءا من نجاحه في تحرير البلاد من نير الاستعمار، مرورا بسياسة القفزة الكبرى إلى الأمام وسياسة الثورة الثقافية، تم سياسة الإصلاح والانفتاح ... 

غير أن الأمر الأكثر أهمية في تجربة هذا الحزب، هو استمراره في السلطة رغم أن سياساته السابقة عن 1978، قد ألحقت أضرر كبيرة بشعب يفوق تعداده أنداك نصف مليار نسمة.. ولعل حكمة الصينيون وإيمانهم بفكرة التعلم بالممارسة، هو ما جعل هذا الحزب يفجر ثورته الرابعة. والتي استطاع من خلالها إخراج البلاد من دوامة الفقر والاضطهاد والعنف المنظم، إلى وضع أحسن من مختلف النواحي.

ولم يكن بإمكان هذا الحزب تنفيذ سياساته المتتالية، لو لم يؤمن الشعب الصيني بان سياسات الحزب الراديكالية  صاغها جناح متطرف، وتمت تحث معارضة جناح  أصيل معتدل بداخل الحزب. ومثل الجناح المعتدل طيلة تاريخ الحزب، مخرجا من دوامة الفشل والنكوص. فكانت بذلك، محطات الفشل السياسي المتعاقبة، فرصة لتقوية جناح الاعتدال بداخل الحزب. وهو ما أعطى للحزب قدرة على التجديد الذاتي  وتجاوز الصعاب. ليتمكن مع مطلع 1978 من تغليب كفة الاعتدال ونبذ "الأصولية والتطرف المذهبي "، إحداث انقلاب أيديولوجي بتبنيه لليبرالية اقتصادية تحث ستار "اشتراكية بخصائص صينية" .

ونظرا لأهمية هذا الحزب في الحياة السياسية الصينية، وفي صياغة مختلف السياسات العمومية. فإننا سنخصص إن شاء الله ،  مقالا إضافيا نحاول من خلاله  تناول عملية التحديث الأيديولوجي التي شهدها الحزب لننتقل بعد ذلك، في رحلة بداخل هياكله لنختم رحلتنا، بفك شفرة المزاوجة بين الشيوعية في تدبير الحكم وتقييد الحريات المدنية من جهة ، وقيم الليبرالية في تدبير شؤون الاقتصاد من جهة ثانية ...و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ...

*إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق أسيوي، أستاذ للعلوم السياسية..
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف