الأخبار
2019/5/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

اللغات غير العربية في السودان بقلم عز الدين المناصرة

تاريخ النشر : 2019-04-23
اللغات غير العربية في السودان بقلم عز الدين المناصرة
اللغات غير العربية في السودان

·        البروفيسورعز الدين المناصرة

·       - يتكلم (اللغة العربية) ما نسبته (60%) من سكان السودان، بصفتها (لغة أولى)، وما نسبته (80%) بصفتها لغة أولى وثانية وثالثة.

·       ترددت أرقام مختلفة لعدد اللغات في السودان منها (177، 132، 117)، وفي كل الأحوال توجد ( أكثر من مئة لغة) إذا ميزنا بين اللهجة واللغة.

·       يستأثر (جنوب السودان، وجبال النوبة) ب (70%) من لغات السودان، بينما لا نجد في أقصى شمال السودان أكثر من (ثلاث لغات)، ونجد (لغتين) في الشرق هما: (البجاوية/ والتقري).

·       أُحصيت (53 لغة) في مساحة قدرها (8كم2) فقط، بـ (حي التكامل) بمنطقة الحاج يوسف ( الخرطوم بحري )، وذلك عام 1992.

·       كُتبتْ في الخمسينات اللغات: (الدينكا، الزاندي، الباريا، المورو، اللاتوكا، الشلك، النوير، المورلي، الأنواك)، (بالحرف العربي).

·       كلمة (النوبة) من المصرية القديمة (نب بمعنى الذهب)، أو (نبت بمعنى أصحاب الشعر المصفوف).

***

مقدمة:

أخذ (السودان) اسمه من لقب أطلقه عليه علماء الجغرافيا العرب في القرون الوسطى، أي (بلاد السودان)، حيث ميزوا أربع جماعات عرقية من النصف الشمالي من السودان، هي : [النوبيون، العرب، البجا، والسود]. أما قبائل (الدينكا، والشلك) فيقولون بأن اسم الخرطوم مستمد من لغتهم، بمعنى ( الفروع المتشابكة ). وكانت قد أقيمت في وادي النيل عدة حضارات هي: [مملكة كرمة، مملكة نبته، مملكة مروي، والممالك المسيحية الثلاث]. وقد وجد في (صاي) قبر عمره أكثر من ربع مليون سنة. وانتشر الإنسان شمال السودان بحلول العصر الحجري الأوسط قبل (9500 سنة)، وكشفت آثار صائدي الأسماك. وابتدعت جماعات صحراوية أواني فخارية راقية بين عامي 4900 ق.م و3000 ق.م. وتأسست (مملكة كوش)، أول مملكة إفريقية سوداء عظيمة، التي حكمت في الفترة ما بين (2500 ق.م – 1500 ق.م) مساحة امتدت (1200 ميلاً) على طول النيل من الشلال الخامس إلى الشلال الأول، ومع اقتراب القرن (11 ق. م)، أعطت مملكة كوش فرعونا لمصر. وظل مركز (مملكة نبتة) المتجددة عاصمة لدولة استعارت بكثافة من الثقافة المصرية، وامتد حكمها لفترة وجيزة من إلى الحدود الغربية لفلسطين وحتى (ملتقى النيلين): الأزرق والأبيض. ثم نقلت (أسرة كوش) عاصمتها جنوبا في (مروي) نحو عام (300 ق.م).  وتقع مملكة مروي بين الشلاّلين الخامس والسادس. وقد أنتجت (امبراطوية كوش)، ثلاث ممالك مسيحية هي: (المقرة، نوباديا، علوة).

ثم وقع أول احتكاك لهؤلاء النوبة المسيحيين مع الإسلام في القرن السابع الميلادي عبر (اتفاقية البقط)، وفي عام (1323م) تربع (مسلمٌ) على عرش (مملكة المقرة)، في دنقلا العجوز.

        - تقسم ( سامية بشير دفع الله) السودان إلى أربعة أقسام أساسية هي:

1.             وادي النيل: ينبع (النيل الأبيض) من بحيرة فكتوريا عند أوغندا ويقترن بالنيل الأزرق (ملتقى النهرين) عند الخرطوم. أما النيل الأزرق  فينبع من (بحيرة تانا) في أواسط أثيوبيا. ثمَّ يجري نحو (سنار) شمالاً ليلتقي بالنيل الأبيض عند الخرطوم. بعد أن يتوحد الفرعان، يتجه النيل شمالا، بعد أن يلتقي نهر عطبرة، حتى يصل إلى (أسوان) بمصر. وتعترض مجرى النيل ستة شلالات كبيرة هي: (أسوان، وادي حلفا، حنك، الأدرمية، وادي الحمار، السبلوقة)، والشلال هو عبارة عن مجموعة صخور تعترض مجرى النيل، وتنمو على ضفاف النيل، أشجار: (النخيل، الدوم، الصفصاف، السنط). ومن ثروات وادي النيل الطبيعية: [الأسماك، النحاس، الذهب، الحجارة].

2.             شرق السودان: أي ولايات: البحر الأحمر، كسلا، القضارف والبطانة.

3.             غرب السودان: (دارفور وكردفان): شمال دارفور ( الفاشر وكتم)- جنوب دارفور (نيالا)- القوز (النهود، الأبيض، كوستي، بارا) – جبال النوبا – شبه الصحراء (شمال القوز وغرب كردفان). أما الزراعة هنا، فهي: السمسم، الفول السوداني،  البامية، القطن، الذرة، الخضروات، التبغ، البصل، شجرة الهشاب (الصمغ العربي).

4.             وسط السودان: الخرطوم، وشمال الخرطوم حتى الشلال السادس، و(الجزيرة). وأهم مدن الوسط هي: (الخرطوم، ود مدني، سنار، سنجة). أهم محاصيلها: القطن، قصب السكر، الذرة، اللوبيا، الفواكه والخضروات.

- وتتكون العاصمة (الخرطوم الكبرى) من ثلاثة أقسام: الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان، وتحتوي (صحراء النوبة) على معدن (الذهب) حيث ينتج كل (60 مليون طن من الصخر) ما يعادل خمسة أطنان من الذهب – ويحدّ السودان، شمالا: مصر. وجنوبا: كينيا وأوغندا، والكونغو الديموقراطية. وشرقا: إريتريا، وأثيوبيا. وغربا: تشاد، وليبيا، وإفريقيا الوسطى. كما يحدّها البحر الأحمر من جهة الشمال الشرقي. ويضم السودان مجموعات إثنية يصل عددها إلى (50 مجموعة عرقية)، تنقسم إلى أكثر من (600 مجموعة صغيرة). وتصل مساحة السودان إلى (مليون ميل مربع)، أما مساحة (جنوب السودان) فهي تصل إلى (600 ألف كم2).

وكان يسكن (جنوب السودان) – ( 5.271.296 نسمة) حسب إحصاء 1983. وتعيش في (جنوب السودان) أكثر من (60 قبيلة) تنقسم إلى أربع مجموعات هي:

1.    المجموعة النيلية: الدينكا، النوير، الشُلك.

2.    القبائل الحامية: الأنواك، الأشولي.   

3.    القبائل القادمة من غرب إفريقيا: الزاندي.

4.    قبائل الحدود: اللاتوكا، الأنواك، الكاكوا، الأشول.

- تشكَّل (السودان الحديث)، حسب (محمد سعيد القدال) اعتبارا من (1821م) من تكوينات سياسية وإقليميةهي:

1.        مملكة الفونج (1504 – 1821م): تسمى مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء، وهي تمتد من الشلال  الثالث حتى حدود أثيوبيا جنوبا،  ومن الصحراء الشرقية حتى كردفان غربا.

2.        قبائل البجة في الشرق: مركزهم مدينة (سواكن).

3.        مملكة كردفان: عاصمتها (الأبيض)، وتقع بين مملكة الفونج ومملكة الفور.

4.        مملكة الفور (1660- 1874): عاصمتها (الفاشر) تمتد حدودها من  (وادي) غربا حتى حدود كردفان، ويحدها من الجنوب بحر الغزال.

5.        القبائل الزنجية في الجنوب: الدينكا، النوير، الزاندي.

- وكانت صادرات السودان في (القرن 18) هي: الرقيق، الذهب، الجمال، الصمغ العربي، العاج، ريش النعام، وسن الفيل. وعندما تم تعيين (غوردون) البريطاني حاكما لمديرية (الاستوائية) عام 1874م- احتكرت الحكومة البريطانية (تجارة الرقيق، وسن الفيل)، وعينت الحكومة البريطانية، (أبو السعود) مساعداً لغوردون، رغم معرفتها بأنه من كبار تجار الرقيق في الاستوائية. وقد ألُغيت تجارة الرقيق بعد الثورة المهدية.

- وشهد القرن (16) الميلادي، بزوغ أول سلطنة عربية إسلامية قوية وسط وادي النيل على طول النيل الأزرق، هي (سلطنة الفونج)، التي حكمت كل الأقاليم الواقعة من كردفان غربا إلى (سواكن) على ساحل البحر الأحمر حتى عام 1821م.  وشكلت دولة عربية إسلامية أخرى هي (دارفور). ثم استولى ( محمد علي- والي مصر) على السودان عام (1820م)، وأصبحت السودان تحت (الحكم الثنائي التركي- المصري) (1820- 1885). ثم حدثت (الثورة المهدية) – (1885- 1898). ثم وقعت السودان، تحت (الحكم الثنائي البريطاني- المصري) في الفترة (1899-1955). وحصل السودان على استقلاله في (1/1/ 1956).

- وقد قاوم السودانيون الاستعمار التركي، مثلما قاوموا الاستعمار البريطاني، فقد أقامت (الحركة المهدية) دولة في السودان، بقيادة محمد أحمد عبدالله (المهدي)، المولود عام 1844م، في (جزيرة لبب)، التي تقع في منطقة (دنقلة) لأسرة تعمل في صناعة المراكب النهرية، واتجهت أسرته جنوبا حوالي عام 1850م هربا من ظلم الحكم العثماني، واستقرت في (كرري) شمال الخرطوم، ثم انتقلت إلى حي شعبي، هو (حي سلامة باشا). تأثر المهدي بالطريقة السمانية الصوفية، والتفت حوله قبيلتا: كنانة، ودغيم، وكان شيخا زاهدا ذا شخصية كاريزمية. هاجم الخرطوم في (26/1/1885)، وحاصر (غوردون) حاكم السودان الاستعماري وقتله. وتوفي المهدي في (22/6/1885) بعد أن أسس (أم درمان). وكان المهدي هو أول من أصدر (عملة وطنية موحدة) في فبراير 1985، وتولى قيادة الدولة المهدية بعد وفاة المهدي خليفته (عبدالله التعايشي) من دارفور، الذي خاض عدة معارك ضد الانجليز. لكن اللورد (كتشنر)، حاكم مصر الاستعماري، هاجم دولة المهدية وهزمها، و[نسف قبَّة المهدي، ونبش قبره، وبعثر هيكله، وبعث بجمجمته إلى المتحف البريطاني انتقاما لمقتل غوردون]. وانتهت الدولة المهدية عام 1898م – أما (سلطنة دارفور) فقد ظلت مستقلة حتى أعادها الحكم الثنائي (البريطاني- المصري) (عام 1916) إلى نفوذه. وقاوم (علي دينار) آخر سلاطين دارفور، الاستعمار البريطاني، لكن القوات البريطانية المعززة بالطائرات هاجمت دارفور واحتلها وقتلت علي دينار في نوفمبر 1916.

- أصبح (عبد الرحمن) بن محمد أحمد المهدي زعيماً للأنصار، عام 1914، وأسس (حزب الأمة) وتوفي عام (1956).  وبالمقابل، كانت قد نشأت في القرن التاسع عشر، الطريقة الختمية (المرغنية)، التي نشأ منها لاحقاً  (الحزب الوطني الاتحادي). وأنشأ الجنوبيون (الحزب الليبرالي) عام 1951، لكن عام 1955، شهد تمردا في (حامية توريت) التي أطلقت أول مرحلة في الحرب الأهلية. فاز حزب الأمة بقيادة (الصادق المهدي) في انتخابات 1958، لكن (الفريق إبراهيم عبود) قاد انقلابا عسكريا ضد الحكومة المدنية. وفي (اكتوبر 1964) قامت ثورة شعبية ضد (عبود) وأسقطته. وفي (عام 1969)، قاد (العقيد جعفر النميري) انقلابا عسكريا واستولى على السلطة ومنح نفسه رتبة (لواء)، وبقي في الحكم حتى عام 1985. وشنت قوات النميري هجوما بالطائرات ضد أنصار حزب الأمة، فقتلت الآلاف منهم، وغادر الصادق المهدي عام 1970 السودان إلى المنفى. وفي عام 1971، قاد النميري حفلة إعدامات ضد قيادة الحزب الشيوعي السوداني. وفي عام (1972) عقدت إتفاقية أديس أبابا بين الحكومة السودانية والقيادات الجنوبية، وفي عام 1983 فرض النميري قانون الشريعة الإسلامية على كل السودان، فانفجرت ثورة ( العقيد جون قرانق) ضد النظام، مؤسسة لحركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب. لكن (عبد الرحمن سوار الذهب) قائد الجيش السوداني، قام بانقلاب أبيض، حيث وعد بتسليم السلطة بعد عام للمدنيين، وهرب النميري إلى مصر السادات. وقد أوفى عبد الرحمن سوار الذهب بوعده، حيث فاز (الصادق المهدي) بمعظم المقاعد في إنتخابات إبريل 1985. لكن انقلابا عسكريا رابعاً قادة (العميد عمر حسن البشير)، تم في (30/7/1989). وفي (9/1/2005)، وقع (جون قرنق مابيور) – (جنوب السودان) إتفاق السلام في (نيروبي) مع علي عثمان طه النائب الأول لرئيس جمهورية السودان عمر حسن البشير يدعو إلى ست سنوات من الحكم الانتقالي. وتوفي (قرنق)، نائب رئيس الجمهورية في (9/7/2005) في كارثة جوية (بسبب رداءة الطقس!!). وفي (11/8/2005) خلفه (سلفاكير ميادريت)، نائباً لرئيس الجمهورية، الذي أصبح عام 2011، أول رئيس لدولة (جنوب السودان)، بعد الانفصال، وعاصمتها (جوبا). وكانت الإدارة الاستعمارية البريطانية قد بذلت مجهودات كبيرة لفرض اللغة الانجليزية في (الجنوب)، وبذلت جهود لتوحيد اللغات المحلية توجته بـ(مؤتمر الرجاف، 1928)، إلا أن أثر اللغة العربية لا يزال مستمراً خاصة اللغة الدارجة (عربية جوبا). أما الديانة الغالبة فهي (المعتقدات الإفريقية القديمة). ويعتبر (الاسلام) أول دين سماوي يصل إلى قبائل الجنوب، ولكن قبل أن تكتمل حركة ( الأسلمة)، جاء الاستعمار البريطاني بالبعثات التبشيرية التي شجعت التنصير في إطار توجه مسيحي. وأدى احتكار الإرساليات الأجنبية للتعليم في جنوب السودان إلى حرمان ابناء المسلمين الجنبويين من التعليم. وقام المبشرون المسيحيون بطرد أبناء المسلمين من مدارسهم الكنسية. بل فرض الاستعمار على الجنوبيين تغيير أسمائهم. وكانت الإدارة الاستعمارية قد أصدرت (قانون المناطق المقفولة، 1929) لمنع اتصال الشمال بالجنوب. أما أسباب انفصال ( الجنوب) فهي كثيرة، وقد أجرى (ضيو مطوك)، وهو أكاديمي من الجنوب دراسة ميدانية حول سبب الصراع بين قبليتي: ( دينكا ملوال)، و (الرزيقات)، وخرج بالخلاصة التالية:

- تتمثل خطورة استخدام العرق والهوية والدين كوسائل للوصول إلى السلطة في الفتنة المترتبة على الاستغلال السياسي والايدولوجي للمكونات الإثنية والدينية والثقافية، التي هي من نوع الفتن التي قد لا تنجح الاتفاقات والمعاهدات في إخمادها، وهي من فصيلة الفتن التي تتوارثها الأجيال (ص:5).

وحسب (ضيو مطوك)، فإن سبب النزاع الممتد بين قبيلتي (دينكا ملوال) في شمال بحر الغزال، و(الرزيقات) جنوب دارفور هو الصراع حول (موارد الرعي ومصادر المياه) في منطقة بحر العرب (كير نهر). وقد أخذت الحرب طابعاً خطيراً باستخدام عنصري العرق والدين لتحقيق الأغراض السياسية في البلاد – ومع تراكم سلبيات الحروب الأهلية وانتهاك حقوق الإنسان واختطاف الأطفال والنساء، خرج الصراع من إطاره المحلي إلى الإطار الدولي، وأصبح عنصراً مهماً في تدخل ما يسمى بـ(المجتمع الدولي) في قضايا السودان الداخلية واستهداف النظام الإسلامي الذي استولى على السلطة في السودان عام 1989 – (ص14) وساهمت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم في تأجيج الصراع القائم بين القبيلتين – (ص 73).

- كذلك لعبت (إسرائيل) دوراً خطيراً في إشعال الفتن بين الشمال والجنوب، وقد زار (سلفاكير- رئيس دولة جنوب السودان)، (إسرائيل) بتاريخ (20/2/2011) تقديراً لدورها في تخريب علاقات الجنوب بالشمال. أما هدف إسرائيل الجوهري فهو اغتصاب (مياه النيل)، فقد تغلغلت إسرائيل في  (دول منابع النيل) في إفريقيا: أثيوبيا، كينيا، أوغندا، لأنها تحتاج إلى (أربعة مليارات متر مكعب) عام 2020، ولأن حجم العجز المائي الحالي هو (170 مليون م3) في العام.

- وصل (هرتزل) إلى القاهرة 23/3/1903 وقابل اللورد كرومر الحاكم البريطاني لمصر، وكتب هرتزل في مذكراته: (سوف نحتاج إلى الماء من النيل، وقد أعطيت كرومر مخططنا) – (ص17). وقابل هرتزل (بطرس غالي) وزير خارجية مصر آنذاك وأطلعه على مخطط مشروع الري لمشروع (دولة شبه جزيرة سيناء الإسرائيلية!!). وصرح الرئيس (السادات) في 16/12/1979 لمجلة اكتوبر المصرية بأنه قد أمر بعمل دراسة كاملة عن مسألة (توصيل مياه النيل إلى القدس عبر النقب).

لغات السودان

تناول (الأمين أبومنقة محمد)، و(كمال محمد جاد الله) في كتابهما المشترك: (لغات السودان - مقدمة تعريفية) عامة جاء فيه ما يلي:

أولاً: يوجد في السودان (مئة لغة) تتداخل مع بعضها البعض، وتنتظم ثلاثا من الأسر اللغوية الأربع في أفريقيا حسب تصنيف (جوزيف غرينبيرغ) الشهير مع ملاحظة سيادة الثنائية اللغوية على الخريطة اللغوية السودانية.

ثانياً: إذا تحدث شخصان ولم يفهم أحدهما كلام الآخر، فإنهما يتحدثان لغتين مختلفتين، فالنوبية والبجاوية، والدينكا والنوير....الخ، كلها: (لغات). واللغة هي مجموعة اللهجات المكونة لها. فاللهجة حسب (إبراهيم أنيس): هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع. وتلك البيئة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها بـ(اللغة). وبسبب صعوبة التفريق بين اللغة واللهجة في السودان، ظهرت الفوارق في إحصاءات اللغات السودانية، ففي أحد الإحصاءات كانت في السودان (113 لغة)، وفي آخر (132 لغة). وحسب تصنيف (غرينبرغ)، فإن العائلات اللغوية الإفريقية أربع هي: 1. الأفرو آسيوية. 2. النيجركردفانية. 3. النيلية الصحراوية. 4. الكويسانية. وهكذا تتوزع (اللغات السودانية) في ثلاث من أربع أسر لغوية أي باستثناء (الكويسانية). وهناك (16) من بين (18 فرعا) لهذه العائلات الثلاث ممثلة في الخريطة السودانية.

ثالثاً: يستأثر النصف الجنوبي من السودان بحوالي (70%) من مجمل لغات السودان، لا سيما جنوب السودان وجبال النوبة، بينما لا نجد في أقصى شمال السودان أكثر من (ثلاث لغات)، ونجد (لغتين فقط) في الشرق هما (البجاوية/ والتقري – بني عامر).

رابعاً: اعترى الخريطة اللغوية السودانية في الثلاثين عاماً الماضية، تغير كبير من ناحيتين: 1. التوزيع الجغرافي في اللغات. 2. درجة استخدام (اللغات المحلية)، بسبب الهجرات من الريف إلى المدن، والنزوح الناتج عن الحروب الأهلية في الجنوب وجبال النوبة، إضافة إلى الجفاف والمجاعات. وهناك تحول متسارع من استخدام (اللغات المحلية) نحو استخدام (اللغة العربية) للأسباب التالية:

1.           الوزن الديموغرافي والثقافي والديني للغة العربية.

2.           دعم الدولة للغة العربية دون اللغات المحلية.

3.           عدم تمتع اللغات المحلية بمقومات الانتشار أو حتى البقاء.

4.           هجرة اللغات المحلية نحو مناطق سيادة اللغة العربية.       

- ويستنتج (المؤلفان) بأن النتائج المترتبة على هذا الوضع هي: (زيادة درجة تهديد اللغات المحلية بالانقراض).

خامساً: يشترك السودان في لغتين على الأقل مع كل دولة مجاورة، حيث أحصى (كمال جاد الله) ما يقرب من (50 لغة حدودية). وتأتي (تشاد) في مقدمة البلاد المجاورة من حيث كثرة اللغات المشتركة، وتليها (أثيوبيا).

سادساً: وجود (لغات مهاجرة) في السودان، أي لغات كبرى الأمم الإسلامية في غرب إفريقيا: [الفولانية، الهوسا، والكانورية] التي استقر متحدثوها منذ قرون في السودان وأصبحوا جزءاً من التركيبة السكانية السودان. وتتمتع (الفولانية، والهوسا) بوزن ديمغرافي كبير في السودان، حيث وردتا في قائمة اللغات الأربع عشرة الكبرى في السودان.

سابعاً: (اللغة العربية) ما نسبته (60%) من سكان السودان بصفتها (لغة أولى)، وما نسبته (80%) بصفتها، لغة أولى وثانية وثالثة- أما (اللغة البجاوية)، فهي اللغة الثالثة بعد (العربية والدينكا)، ويقدم (المؤلفان) – (قائمة هيرمان بيل، وسيد حامد حريز) لعام 1975 حسب عدد المتحدثين للغات السودانية الكبرى حسب الجدول التالي:

اللغة نسبة المتحدثين بها
العربية 51.1
الدينكا 10.6
البجا 4.6
النوير 4.5
الفور 2.6
الزاندي 2.5
الباريا 1.6
المساليت 1.6
الفولاني 1.5
الكواليب 1.5
التبوسا 1.2
الهوسا 1.1
اللاتوكا 1.1
الشلك 0.9


- وهذا يعني أن عدد من يتكلمون (اللغات الكبرى) بالنسبة لعدد السكان هو:

اللغة أو اللغات نسبة المتحدثين
اللغة العربية 51.1%
ألـ 13 لغة رئيسة 35.3%
92 لغة 13.6%

- دخلت (اللغة العربية)، إلى السودان في الفترة ما بين القرنين السابع، والسادس عشر الميلاديين عبر بلاد النوبة، وبلاد البجا. وقد استقر هؤلاء العرب وتزاوجوا مع سكان وادي النيل الأصليين. وتمت إقامة السلطنات الإسلامية (الفور، والمسبعات، وتقلى، والفونج). وبدأ اتنشار اللغة العربية كلغة ثانية، أي دون التخلي عن اللغات المحلية في المرحلة الأولى. ويعود انتشار اللغة العربية في القرن التاسع عشر (1821- 1881)، مع الفتوحات العثمانية، حيث تأسست (دولة مركزية في السودان)، ضمت الأقاليم الجنوبية، وأقيمت (الزرائب التجارية)، فاستعملت (العربية الهجين – Pidgin Arabic) كوسيلة سريعة للتواصل (عربي منقلا أو عربي جوبا). أما (اللهجات العربية) في السودان فهي: لهجة الشايقية في الشمال، ولهجة الجعليين والمناصرة في الوسط، ولهجة البقارة في الغرب. وقد احتفظت اللهجات العربية المهاجرة إلى السودان بالعناصر المميزة لها حتى في المهجر مثل:

1.        إبدال الحاء بالهاء (حسن - هسن) في كردفان بقابل لهجة بني سعد.

2.        اقتطاع اللفظ قبل تمامة (القطعة) عند الرباطاب، والمناصرة (أديتو الكتا، وسمعت الكلا، .... بدلا من الكتاب والكلام)، وهي لهجة طي.

3.        بعض القبائل في كردفان تقول في (أعطى) – (أنطى - الاستنطاء). وهي لهجة سعد بن بكر وهذيل.

4.        استبدال الحروف العربية المفخمة (التاء والسين والدال والزاي)، حيث نسمع: تاه بدلاً من طه – سيام بدلا من صيام، ألي بدلاً من علي، هكومة بدلاً من حكومة، وفي (عربية دارفور) يستبدل حرف الغين (غنم) بالخاء (خَنَمْ).

5.        عدم مراعاة التذكير والتأنيث، فنسمع: [ فاطنة جا- مُهَّمَد جات].

6.        أما العرب الذين جاءوا من الصحراء إلى السودان في القرن الثامن الميلادي فقد اقترضوا ألفاظا زراعية من (اللغة النوبية) مثل: [الإنقابة، التقنت، المسور، الكوريق، الواسوق، السلوكة، العرديب، الماريق، التبش]، وأسماء بعض الأدوات المنزلية مثل [الكابدلو، التقروقة]، وأسماء بعض الحيوانات والطيور مثل: الكديس، والعبلانج والككو، وغيرها. أما (الألفاظ البجاوية) التي دخلت العامية السودانية، فهي: [المرفعين، البعشوم، العنقريب، الكركب، الفندك، السكسك، الكرورية، القنقر، العنكوليب]. ودخلت في العامية السوادنية (ألفاظ تركية) مثل: شفخانة، أجزخانة، أدب خانة، واستقرضت من (الفارسية): الباسطة، الدندرمة، واستقرضت من (الإنجليزية أو الفرنسية) كلمات مثل: ورشة، راديو، تلفزيون...الخ.

ترتيب اللغات السودانية في مجموعات:

1. أسرة اللغات الأفرو – آسيوية:

‌أ.         الكنعانية: اللغة العربية، ولغة التقري (بنو عامر)، وتنتشر في مناطق: كسلا، وخشم القربة، وتمتد شرقا داخل الأراضي الاريتيرية حيث تشكل لغة الأغلبية، كذلك اللغة البجاوية، واللغة الأمازيغية الطوارقية في (الفاشر)، ولغة الهوسا.

‌ب.    الكوشية: البجاوية – تسود في شرق السودان، وتتألف من ثلاث لهجات رئيسة هي: (لهجة البشاريين) المنتشرة بمحاذاة البحر الأحمر من الحواف الشمالية لأرياف (بورتسودان) شمالا حتى (حلايب، وشلاتين) وتمتد داخل الحدود المصرية. ثم (لهجة الأمرأر) السائدة في مناطق [بورتسودان، وسنكات]. ثم (لهجة الهدندوة) جنوبا في مناطق (خوربركة، ودلتا القاش)، وحتى مشارف (كسلا).

‌ج.      التشادية: الهوسا (الفلاتة) في معظم المدن الكبرى الواقعة بين (الجنينة، وبورتسودان)، و[الحواتة، والقضاريف، وكسلا]، إضافة إلى العاصمة، وبعض قرى (الجزيرة المروية). ويتحدث بها أهلها في عدد من القرى على ضفتي النيل الأزرق من (سنار) جنوبا حتى جنوب (الروصيرص) نحو حدود أثيوبيا.

2. أسرة اللغات النيجر – كونغو: 

أولاً: لغات النيجر – كونغو:

‌أ.        غرب أطلسية: (فلفلدي أو فولاني): جنوب دارفور، وفي عدد من القرى الواقعة على ضفتي النيل الأزرق من (سنار) جنوبا حتى (الروصيرص، والدمازين). وكذلك في شرق (القضاريف) حتى الحدود الأثيوبية. هذا إضافة إلى فولانيين البادية (الأمبرورو) بجنوب دارفور وجنوب النيل الأزرق.

‌ب.   بنوي- كنغو (البانتوية): (بودو، هوما، كاري، بانغلا) – أعداد المتحدثين بها قلة بنحصرون في (ولاية الاستوائية) على الحدود مع الكونغو وأوغندا.

‌ج.    آدماوا – أوبانغي: [قولو، زاندي، بامبيا، اندقو، موندو، سيرى، فيروقي، انديري، منغايا، تغويو، تابو، باي، فيري، بندا، سنغو]. أهمها من حيث عدد المتحدثين هي (لغة الزاندي). ويقع موطنها غرب الاستوائية (أنزارا، مريدي، بامبيو). أما بقية  اللغات فينتشر أغلبها على الشريط المحاذي للحدود مع إفريقيا الوسطى وتحسب ضمن ما يعرف بـ (لغات غرب بحر الغزال).

ثانياً: قسم اللغات الكردفانية:

كواليب، مودو، تيرا، لارو، تمالى، أوريق، تلودي، لفوفا، اليري، الأميرا، مساكين، جبال مورو، كادقلي، كرونغو، ميري، اتشا، توليشي، تمتم، توما، كيغا، كتلا، تيما، وهذه اللغات تمثل أكبر مجموعة لغوية في جبال النوبة. وينبغي التمييز بينها وبين مجموعة اللغات النوبية في هذه المنطقة.

3. أسرة اللغات النيلية الصحراوية:   

‌أ.       صنغي: لغة مهاجرة من غرب إفريقيا (مالي، والنيجر). يوجد متحدثوها في خمس قرى على النيل الأزرق بالقرب من (سنار)، وعدد من القرى غرب وسرق (القضارف).

‌ب.  صحراوية: (لغة الزغاوة) في شمال شرق دارفور وفي كردفان، وتنتشر في تشاد وليبيا. ولغة  (الكانوري) وتعرف بلغة (البرنو)، وتمثل مدينة (منواشي) حاضرة البرنو في دارفور، رغم أن البرنو يتحدثون العربية. وما تزال لغة ( الكانوري) موجودة في جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق القضاريف. وهناك أيضاً (لغة البرتي).

‌ج.   مبا: لغة المبا، ورونقا، وميما، أهمها (لغة المبا) وتعرف في السودان بلغة (البرقو)، ويتمركز متحدثوها في دارفور، والجزيرة المروية، وسنار، والنيل الأزرق، والقضاريف.

‌د.     الفور: تشكل فرعاً مستقلاً وتحتل المركز الأول بين لغات دارفور من حيث عدد المتحدثين.

هـ. شاري- نايل: وتنقسم إلى مجموعتين هما:   

1.           السودانوية الشرقية: (اللغات النوبية)، وهي: [محس، دنقلاوية، كدرو، داير، غلفان، الحجيرات، دلنج، كركو، والي، ميدوب، برقد، ديدينغا، مورلي، أو دوك، نيمانج، أفيتي، تيمين، تاما، محاريت، سنغر، داجو] – أما (اللغات النيلية) فهي: [شُلك، دينكا، أنواك، أشولي، باري، لاتوكا، أتوات، منداري، تبوسا، جور، الور، لنغو، كاكوا، تيوسو]. وهذه اللغات تغطي كل أقاليم السودان.

       - تنتشر (اللغات النوبية) في شمال السودان، وتشمل لغة نوبيين (المحس، السكون، الفادجا)- (والكنزية/ الدنقلاوية): وهما لهجتان للغة واحدة (أسوان). وتوجد لغات نوبية في جنوب كردفان، في الجبال الشمالية من جبال النوبة (مجموعة لغات الأجانج: (الدلنج، الكدرو، الغلفان)....الخ). ثم لغتا: (البرقد والميدوب) في دارفور. أما (اللغات النيلية) فهي (غربية) مثل: الدينكا والنوير والشلك والأشولي... وتعتبر (الدينكا)، ثاني أكبر لغة سودانية من حيث عدد المتحدثين بعد اللغة العربية. وفي (الجنوب) تتركز اللغات النيلية الغربية في ولايتي (بحر الغزال، وأعالي النيل). وتمتد (لغة النوير) داخل الحدود الإثيوبيو. أما (لغة الأشولي) فتوجد في الأطراف الجنوبية للولاية الاستوائية. أما اللغات (النيلية الشرقية) فتنتشر في الولاية الاستوائية، وتضم لغات مثل: [الباري، اللاتوكا، المورلي، التبوسا].

2.           السودانوية الوسطى: بنغو، بكا، كريش، بنغا، يولو، كرا، باقدي، مورو، مادي، أفوكايا، لوقبارا، لوقو، كاليكو، وتعرف بلغات (غرب بحر الغزال).

و. لغات كوما أو الكوماوية: إنقسنا، برتا، قمز، قنزا- مجموعة لغات جنوب النيل الأزرق غرب وجنوب وشرق الدمازين والروصيرص.

- ويرى (المؤلفان) أن (أسرة اللغات الأفرو- آسيوية)... تتفوق على أسرة اللغات النيلية الصحراوية من حيث عدد المتحدثين، على الرغم من قلة لغاتها.

السياسات اللغوية في السودان

يتناول (الأمين بومنقة محمد)، و[يوسف الخليفة أبو بكر] في كتابهما المشترك [أوضاع اللغة في السودان]، السياسات اللغوية، وفيما يلي نقرأ الكتاب قراءة مونتاجية:

أولاً: هنا في السودان (150 لغة) – يقول (المؤلفان) في هذا الكتاب، ويرى المؤلفان أن من سمات السياسات اللغوية بين عامي (1898 – 1972م) انعكاس نوع من الصراع بين اللغة العربية من جهة، واللغات المحلية (معظمها في جنوب السودان) ومعها اللغة الإنجليزية من جهة أخرى. أما فترة (1972 - 1989)، فكانت السياسات اللغوية موجهة نحو (الجنوب) دون الالتفات إلى ضرورة التخطيط للقطر كله. ويشيران إلى أن (اللغة النوبية) المنتشرة في أقصى شمال السودان نالت قدراً كبيراً من الاهتمام العلمي. ولعل مرد ذلك يعود إلى إرتباطها بعلم (المصريات - Egyptology)، والحضارة المروية والممالك النوبية المسيحية- حيث كتبت بالحرف اليوناني والقبطي. ويرجع أقدم نص (نوبي) إلى عام (795 ق.م). ويرجح (المؤلفان) أن منطقة (جبال النوبة)، هي مصدر الهجرات النوبية إلى شمال السودان.

ثانياً: يتميز الوضع اللغوي في السودان بالتعددية والتباين اللغويين، وعدم التكافؤ من حيث التوزيع الجغرافي وعدم الاستقرار على حال في بلد (عدد سكانه 25 مليون) حسب إحصاء 1993 ومساحته ( 967,000) ميل مربع، ويجاور تسع دول إفريقية، ويتكلم أكثر من (مئة لغة). إضافة لحرب أهلية امتدت منذ 1955، وأصيب بمجاعة في فترتين (1983 و1985)، أضف إلى ذلك مجيء أعداد كبيرة من البشر من الدول المجاورة (يوغندا، إثيوبيا، إريتريا، تشاد) إلى السودان نتيجة الحروب الأهلية والمجاعات. وهناك من أشار إلى أن عدد اللغات السودانية هو (177 لغة).

ثالثاً: رصد (الأمين أبو منقة، وكاترين ميلر) في بحث ميداني بـ(حي التكامل) بمنطقة الحاج يوسف (الخرطوم بحري) – (53 لغة) في مساحة قدرها (8 كم2) فقط. وكان ذلك عام (1992).

رابعاً: (المرحلة الأولى): تتمثل في السياسات اللغوية الاستعمارية في عهد الحكم الثنائي حتى الحرب العالمية الثانية (1898م – 1945م). وكان هدفها تحجيم انتشار اللغة العربية في السودان، واستئصالها من (جنوب السودان) بشكل خاص. وكانت الدوافع تبشرية دينية استعمارية. وكانت الإجراءات تهدف إلى جعل اللغة الإنجليزية، لغة رسمية في الشمال والجنوب، واختيار عدد من اللغات المحلية وتطويرها واستخدامها لجميع الأغراض التربوية والإدارية والتعليمية في (الجنوب)، بدلاً من اللغة العربية، وتمثل ذلك في (مؤتمر الرجاف، 1928)، الذي عقد تحت إشراف (المنظمات الكنسية)، و(الحكومة الاستعمارية)، و( المعهد العالمي الإفريقي الاستعماري في لندن)، حيث صدر (مرسوم المناطق المقفولة، 1929)، و(مرسوم السياسة التعليمية لجبال النوبة، 1930).

خامساً: (المرحلة الثانية): 1945 – 1972: بعد تبني خيار دمج الجنوب في الشمال، كان لزاماً على السلطات البريطانية الحاكمة فتح المجال لانتشار اللغة العربية. فكان أن سعت (الحكومات الوطنية) إلى بسط اللغة العربية في الجنوب عن طريق العملية التعليمية، بنفس الحدة التي حجبت بها في الماضي عن تلك المنطقة:

-         دون اعتبار للغات الأخرى وثقافات أهلها ومعتقداتهم الروحية.

-         دون مراعاة لمشكلة المناهج وأهمية ارتباطها ببيئة التلميذ.

-         دون اعتبار لحقيقة أن التلميذ الجنوبي حتى ذلك الحين، كان يتلقى تعليمه على وفق منهج مخالف تماماً ( باللغات المحلية، وبالحروف اللاتينية).

-         دون تدريب خاص للمعلم الذي يعمل بالجنوب على تعليم العربية للناطقين بغيرها.

فكان أن تعثرت العملية التعليمية بالمناهج الجديدة، وتعطلت تماماً بتفاقم الحرب الأهلية الأولى عام 1955، ثم تمرد عام 1983.

سادساً: المرحلة الثالثة: (1972- 1989): ينص البند الخاص باللغة العربية في إتفاقية أديس أبابا (1972) على أن: [اللغة العربية هي اللغة الرسمية للسودان، والإنجليزية هي اللغة الأساسية للأقاليم الجنوبية، دون مساس باستخدام أية لغة أو لغات محلية قد تخدم ضرورة عملية]. إلا أنه في مكان آخر، تنص الاتفاقية بأنه من بين صلاحيات مجلس الشعب الإقليمي، إنشاء وتسيير وإدارة المدارس في كل المراحل التعليمية، بما يتفق والخطة القومية للتعليم، [وكذلك تطوير اللغات والثقافات المحلية]. وكان الخطأ في السياسات اللغوية حتى عام 1972 هو صراع اللغة العربية مع اللغات المحلية ومعها اللغة الإنجليزية. أما السياسات اللغوية حتى عام 1989، فقد كان الخطأ هو أن هذه السياسات كانت تعنى بالجنوب بصورة خاصة في وجه الشمال دون الانتباه إلى حساسية مشكلة اللغات وضرورة التخطيط للسودان كلها. خصوصاً مناطق التداخل اللغوي في شمال السودان.

الاحتياجات والبدائل:

في ضوء المشاكل اللغوية والاحتياجات، يقترح المؤلفان (أبو منقة وأبو بكر) ما يلي:

1.    لغة التواصل في المستوى القومي: (وتعتبر اللغة الرسمية): هذا الدور تقوم به (اللغة العربية) بلا منازع. فهي تمثل (لغة أُمًّا) لأكثر من نصف السكان، وتمثل (لغة ثانية) لكل راشد من بقية السكان. ويجب أن ينظر إليها من هذا المنظور بعيداً عن الحساسيات العرقية أو الدينية أو الإديولوجية. 

2.    لغة الاتصال بالعالم الخارجي: تربطنا اللغة العربية بالعالم العربي، أما (بقية العالم) فتقوم (الإنجليزية) بالتواصل معه.

3.    اللغات الإقيلمية: يتطلب الأمر اختيار عدد من اللغات السودانية المهمة ذات الوزن الديموغرافي أو التاريخي في أماكن سيادتها وتطويرها وتنميتها وتوظيفها في إيصال المعلومة إلى متحدثيها في الأماكن النائية. ومن اللغات المقترحة: [المحس في شمال السودان. والبجا في شرق السودان. والفور في غرب السودان. وإحدى لغات الأجانح أو النيمانج أو الكواليب في جبال النوبة. والباري في الاستوائية. والدينكا في بحر الغزال. والشُلك والنوير في أعالي النيل] – لأن أغلبية هذه اللغات قد قطع شوطا في التدوين.

4.    لغات تدرس لأغراض ثقافية وأكاديمية: وتشمل جميع اللغات التي لا تجد لها دوراً في الأدوار السابقة، فيجب تسجيلها وتوثيقها للاستفادة مما تحمله من موروثات ثقافية.

إشكالات تاريخية:

هناك تباين عرقي وثقافي في السودان، حيث هناك المجموعات المنحدرة من أصول عربية وتتكلم اللغة العربية، وتعتنق الإسلام ديناً. وهناك المجموعات المنحدرة من أصول إفريقية أو حامية، وتتكلم بلغات غير عربية وتدين بدين الإسلام. وهناك المجموعات التي تنحدر من أصول إفريقية، وتتكلم بلغات غير عربية وتدين بأديان إفريقية محلية وثنية، أو تدين بالدين المسيحي. وقد تداخلت هذه العناصر البشرية وامتزجت عرقيا وثقافياً ولغوياً. ومنذ (1989م) كانت السياسة اللغوية يرسمها الحكام الإداريون البريطانيون، ولم يكن للشركاء المصريين دور كبير في رسم هذه السياسة. وقد فتح البريطانيون الباب لدخول ( المؤسسات التبشيرية المسيحية) التي نشروها في الشمال والجنوب. وتم تقسيم الجنوب بين الإرساليات المسيحية المختلفة البريطانية والأمريكية والأوروبية (البروتستانتية، والكاثوليكية). وكانت هذه الإرساليات تعمل على إحلال الإنجليزية محل العربية في الجنوب. وكانت نسبة الناطقين بغير العربية عام (1956) هي (48,6%). وبالنسبة للشمال، لم يكن هناك خلاف بين الوطنيين والمستعمرين في جعل لغة التعليم في المرحلة الأولية والمتوسطة هي (العربية). أما في المرحلة الثانوية فقد كانت لغة التعليم هي ( الإنجليزية) حتى عام 1965. أما في (الجنوب) فقد كانت العربية الدارجة (عربية جوبا) هي اللغة السائدة بين السكان. ومن المشكلات التي كانت تواجه إحلال اللغة الإنجليزية محل العربية في التعليم في المديريات الجنوبية، (رجال الإرساليات) الذين كانوا من أصل غير بريطاني، ولا يفقهون اللغة الإنجليزية، فقد كان هؤلاء يفضلون أن يكون التعليم باللغة العربية التي يفهمها الناس.

- بعد ( مؤتمر الرجاف، 1928): انتهى مؤتمر الرجاف اللغوي الاستعماري إلى اختيار (ست لغات) من لغات  الجنوب لتكون لغات للتعليم في جنوب السودان. هذه اللغات هي: [الدينكا، الشُلك، النوير، الزاندي، الباريا، اللاتوكا] وأضيف لها لغات (المورو، الأندوقو، المادي، التبوسا، المورلي)،

وبعد ذلك المؤتمر رسمت سياسات اللغة في التعليم على النحو التالي:

1.        تعليم الأطفال في المرحلة الأولى ( الصف الأول والثاني ) باللغات المحلية.

2.        تعليم اللغة الإنجليزية كمادة في الصفين الأول والثاني من المرحلة الأولية.

3.         تكون الإنجليزية هي لغة التعليم ابتداءً من الصف الثالث من المرحلة الأولية.

4.        تستمر اللغة الإنجليزية لغة التعليم في المراحل التعليمية الأعلى (المتوسطة، والثانوية، وفي المدارس الصناعية).

5.        إبعاد (اللغة العربية) من الاستعمال في التخاطب والتعليم والمعاملات الرسمية.

6.        توفير أعداد من العاملين من غير المتكلمين (باللغة العربية) ليعلموا في الإدارة والأعمال الفنية والكتابية في الجنوب.

7.        إبعاد الموظفين الذين يتكلمون العربية من الجنوب، سواءٌ أكانوا من العرب أم من الزنوج، وإحلال الموظفين من أبناء المنطقة محلهم ممن يتكلون الإنجليزية.

8.        إبعاد التجار الشماليين والفلاته من الجنوب.

9.        حذرت مذكرة وزير الداخلية المبنية على تعليمات الحاكم البريطاني العام للسودان (25/1/1930)، رجال الإدارة البريطانية من التحدث مع الأهالي باللغة العربية، وحثتهم على التحدث معهم باللغات المحلية. ونصح الحاكم العام بفتح فصول لتعليم اللغة الإنجليزية. وتفضل المذكرة استخدام (الترجمة) من الإنجليزية إلى اللغة المحلية وليس إلى اللغة العربية.

- السياسة اللغوية بعد عام 1945: بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت بريطانيا الاستعمارية بتغيير سياستها في (جنوب السودان) نحو ثلاثة احتمالات هي:

‌أ.     دمج الجنوب في الشمال.

‌ب.    دمج الجنوب في دول إفريقيا.

‌ج. دمج أجزاء من الجنوب في شمال السودان، وأجزاء أخرى في شرق إفريقيا.

- وهنا حددت بريطانيا الاحتمال الأول، وظلت (الإنجليزية) هي اللغة الرسمية، ولغة التعليم في المراحل الثانوية، والعالية ولغة الإدارة. ومنذ (المؤتمر الإداري بالسودان)، أوصى المؤتمر باتباع (سياسة تعليمية موحدة في الشمال والجنوب، وأوصى بتعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب). وهنا عملت (وزارة المعارف السودانية) منذ (1947)، وحتى (1972) على تعميم (اللغة العربية) كلغة تعليم في المرحلتين: الأولية، والمتوسطة.

- كتابات اللغات المحلية بالحرف العربي: استدعت وزارة المعارف السودانية خبيرا لغويا من جامعة القاهرة (خليل محمود عساكر)، وطلبت منه ومن مساعديه السودانيين (أحدهم: يوسف الخليفة أبو بكر)- كتابة لغات الجنوب بالحروف العربية بدلاً من اللاتينية. وقد ركز الخبير ومساعدوه على لغات: (الدينكا، الزاندي، الباريا، المورو، اللاتوكا). وبمساعدة هذا الفريق من السودانيين تم تدريب (800 معلم جنوبي) على كتابة لغاتهم بالحرف العربي . وهكذا نجحت هذه التجربة، حيث تلتها محاولة كتابة لغات أعالي النيل بالحروف العربية (الشُلك، النوير، المورلي، الأنواك). وكان ذلك في الخمسينيات من القرن العشرين. ولاحقاً أنجرت (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو)، حتى عام (2004) كتابة (21 لغة إفريقية بالحرف العربي)، هي: 1. التماشق. 2. البولار، فلفدي. 3. الهوسا. 4. السوننكي. 5. الماندنكة. 6. السوسو. 7. الكانوري. 8. (الصنغي/ زرما). 9. الولوف. 10. اليوروبا. 11.السواحلية. 12. الدينكا. 13. القمرية. 14. الأرومو. 15. اللوغندة. 16. اللكبارة. 17. التجرينية. 18. النوبية. 19. الصومالية. 20. الزغاوية. 21. (المبا/ وداي).

السياسة اللغوية (1969 - 1989):

انعقد مؤتمر قومي للتعليم في الخرطوم في (يونيو 1969)، وخرج المؤتمر بتوصيات منها:

1.           يبدأ التدريس في مدارس المديريات الجنوبية في المدن والأماكن التي تتعدد فيها اللهجات (أي اللغات المحلية) باللغة العربية رأساً.

2.           تستعمل في الأماكن الأخرى (الأرياف) إلى جانب اللغة العربية، اللغات المحلية السائدة في المنطقة في السنتين الأولى والثانية بالمدرسة الابتدائية على أن تكتب بأحرف عربية.

3.           إجراء دراسات في اللغات المحلية بغرض تنميتها لتزيد من إثراء التراث الشعبي.

4.           أن يعمل على دمج التلاميذ والطلاب في المراحل المتقدمة على أساس القطر كله.

5.           أن يكون الانتقال إلى اللغة العربية في المراحل المتقدمة تدريجياً حتى لا تهتز الفصول التي تستعمل اللغة الإنجليزية.

6.           تشجيع المواطنين في المناطق المقتدرة من الأقاليم الجنوبية على المساهمة في مجهودات التعليم وتعليم الكبار.

7.           مضاعفة الجهود لإعداد المعلمين المؤهلين لتدريس اللغة العربية من أبناء الجنوب، وذلك بتوفير مراكز تدريب خاصة.                

- وفي عام (1972)، كانت امتحانات الثانوية موحدة باللغة العربية في الشمال والجنوب، حيث جاءت (إتفاقية أديس أبابا) بسياسة لغوية جديدة للجنوب. وقد جاء فيها ما يلي: [اللغة العربية هي اللغة الرسمية للسودان، والإنجليزية هي اللغة الأساسية للإقليم الجنوبي، دون مساس باستعمال أية لغة أو لغات قد تخدم ضرورة عملية لأداء مهام الإقليم التنفيذية أو الإدارية بكفاءة أفضل]. وقد برزت مشكلة العائدين الجنوبيين الذين عادوا بأبنائهم من الدول المجاورة للسودان، ذلك أن أبناء العائدين كان منهم من بدأ دراسته في (يوغند باللغة الإنجليزية)، ومنهم من درس في (زائير باللغة الفرنسية). ومنهم من بدأ دراسته في (أثيوبيا باللغة الأمهرية). وكان (يوسف الخليفة أبو بكر) قد اقترح حلاً خلاصته أن يكون هناك ثلاثة أنماط للتعليم في الجنوب مؤقتاً: الأول: يسير على وفق النمط القومي ( باللغة العربية من أول الصف الابتدائي)، وهو ما تسير عليه غالبية المدارس الجنوبية. وفي النمط الثاني والثالث، يبدأ التعليم في الصف الأول والثاني الابتدائي باللغة المحلية. وفي الوقت ذاته- في النمط (الثاني): يتعلم التلاميذ اللغة العربية لتكون لغة التعليم ابتداءً من الصف الثالث وتستمر هكذا إلى نهاية المرحلة المتوسطة على أن تدخل اللغة الانجليزية ابتداءً من الصف الخامس الابتدائي. وفي النمط (الثالث): يتعلم الأطفال الانجليزية ابتداءً من الصف الأول كمادة لتكون لغة التعليم ابتداءً من الصف الثالث على أن يبدأ تعلم (العربية) من الصف الرابع كمادة إلى نهاية المرحلة المتوسطة. وفي المرحلة الثانوية يخير التلميذ بين الالتحاق بالمدرسة الثانوية التي تعلم باللغة العربية أو التي تعلم بالإنجليزية. غير أن (المجلس التنفيذي العالي للجنوب)، قدم حلاً توفيقياً يقضي بأن يكون التعليم في مدارس المدن باللغة العربية بدءاً بالصف الأول ابتدائي حتى نهاية المرحلة المتوسطة على أن يبدأ تدريس (الإنجيزية) ابتداء من الصف الرابع. أما في مدارس الأرياف فيبدأ التعليم باللغة (المحلية) في الصف الأول والثاني والثالث. الابتدائي، ويدرس التلاميذ اللغة العربية كمادة لكي تكون لغة التعليم ابتداءً من الصف الرابع الابتدائي. أما في المرحلة الثانوية فيكون التعليم كله باللغة الانجليزية.

السياسات اللغوية (1989 - 2011):

أوصى (مؤتمر الحوار الوطني لقضايا السلام، اكتوبر 1989) بما يلي:

-         أهمية اللغة العربية باعتبارها (اللغة الأم)، ولغة تفاهم الجماعة السودانية الكبيرة، ولغة رسمية للبلاد منذ الاستقلال.

-         أهمية اللغة الإنجليزية بالنسبة للجنوب، باعتبارها لغة تواصل مع العالم الخارجي.

-         لزوم أن يبدأ التعليم باللغات المحلية.

- ثم جاءت (اتفاقية نيفاشا، 2005) التي نصت على أن كل (اللغات السودانية الأصلية) تعتبر لغات قومية يجب تطويرها وترقيتها. واعتمدت (العربية والإنجليزية) لغتين رسميتين للحكومة القومية.  ويمكن للحكومات (الولائية) اختيار وتبني أية لغة قومية محلية واستخدامها للأغراض الرسمية والعملية في المستوى المحلي. وقد تم اعتماد هذه السياسة في الدستور الانتقالي لعام 2005، وقد جاءت هذه البنود مفصلة في [قانون مجلس تطوير وترقية اللغات القومية، 2008]، لتحقيق الأهداف التالية:

1)      تخطيط ومتابعة السياسات اللغوية في إطار الدستور القومي الانتقالي لعام 2005، واتفاقية السلام تعزيزا للوحدة الوطنية.

2)      العمل على حماية اللغات القومية وتدوينها.

3)      تطوير اللغات القومية وتشجيع المبادرات من متحدثيها لتصبح أدوات للتفكير والإبداع والتعبير.

4)      ترقية وتدوين اللغات القومية المهددة بالاندثار، وحماية تراثها الثقافي.

5)      تشجيع ترجمة وكتابة التراث السوداني الشفوي من اللغات القومية المختلفة مع التركيز على المضامين والتقاليد التي تعزز الوجدان المشترك.

6)      العمل على تطوير كل اللغات المتحدث بها في جنوب السودان  دون تمييز.

7)      تشجيع ترجمة الإنتاج الفكري من اللغات القومية وإليها.

8)      تقديم المشورة والرأي الفني لحكومات الولايات بشأن استخدام اللغات القومية السودانية.

9)      إعطاء أهمية لدور اللغات القومية في التعليم والإعلام والتواصل الثقافي مع عدم الإخلال باستعمال (العربية والإنجليزية كلغتين رسميتين). 

-  وهكذا صدر القرار الجمهوري (41) في فبراير 2009 بتكوين [مجلس تطوير وترقية اللغات القومية].

اللغات النوبية:

          يعزو (أبو منقة، وأبو بكر) أسباب الاهتمام باللغة النوبية إلى ثلاثة أسباب:

-         ارتباط اللغة النوبية (على النيل) بعلم المصريات، باعتبار بلاد النوبة امتداداً للحضارة الفرعونية.

-         قيام ممالك مسيحية في بلاد النوبة في وقت مبكر.

-         الاكتشاف المبكر لنصوص باللغة النوبية حيث يرجع أقدم نص نوبي إلى (795م) في (وادي الصبوا) في الجزء المصري من بلاد النوبة. واكتشاف العلاقة بين اللغة النوبية على النيل، ولغات أخرى بنفس الاسم في كردفان ودارفور، وتبين أنها من أصل واحد. وترى (سامية بشير دفع الله ) أنه من الضروري (التمييز بين المدلول العرقي، والدلول اللغوي لكلمة (النوبة). وهناك من يعتقد بأن (كلمة نوبة) جاءت من المصرية القديمة (نب بمعنى الذهب)، أو (نبت – بمعنى أصحاب الشعر المصفوف)، وترى (سامية بشير دفع الله) أن هذا الرأي ضعيف، وترى أن اللغة النوبية جاءت على وادي النيل من (جهة الغرب) مع الهجرات النوبية.

-         أما (عوض أحمد حسين شبَّه) في كتابه (اللغة النوبية)، فيقول بأنه بعد سقوط (مملكة مروي) في منتصف القرن الرابع الميلادي، أخذت اللغة النوبية تحل محل اللغة المروية حتى صارت هي اللغة الرسمية للممالك النوبية في القرن السادس الميلادي. وكتبت اللغة النوبية بأبجدية يونانية ذات طابع قبطي، واستمرت الكتابة بها بصورة واضحة حتى القرن الثالث عشر الميلادي. وتنقسم اللهجات النوبية حسب (عوض شبه) إلى ثلاثة أقسام هي: 1. اللهجات النيلية. 2. اللهجات النوبية في جبال النوبة. 3. اللهجات النوبية بـ (دارفور).

1. اللهجات النوبية النيلية: تمتد الأوطان الحالية للنوبيين من مدينة (أسوان) المصرية في الشمال إلى (مدينة الدبة) السودانية.

وينقسم النوبيون اليوم إلى خمس مجموعات رئيسة وهي: [الكنوز، الفديجة، السكوت، المحس، والدناقلة]. ويحتل الدناقلة المنطقة الممتدة من ( الدبة) جنوبا، وحتى ( أبي فاطمة) شمالا.

أما (المحس) فتتخلل مناطقهم جنادل الشلاَّل الثالث، وفيها يضيق مجرى النهر بحيث لا يسمح بالزراعة إلا بمقدار ضئيل. ويعتبر (السكوت) أصغر المجموعات النوبية، وتنتهي مناطقهم إلى الجنوب من وادي حلفا. وبذلك تكون مناطق المجموعات الثلاث [الدناقلة، المحس، والسكوت] داخل حدود السودان الحالية. أما (الفديجة) فيسكنون في المنطقة مابين وادي حلفا، وبلدة كرسكو. أما (الكنوز) فيعيشون داخل الحدود المصرية حتى مدينة أسوان. وبعد الهجرات (العربية)، انتشرت (اللغة العربية) في بلاد النوبة انتشاراً كبيراً، إلا أن (اللغة النوبية) في سودان وادي النيل ما تزال باقية في المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والرابع. وقد انتقلت إلى (اللغة العربية السودانية) بعض الخصائص الصوتية من اللغة النوبية، كما اقترضت العربية من النوبية كثيرا من الألفاظ الزراعية. أما (الإطار الجغرافي) لـ(اللهجات النوبية النيلية)، فهو كالتالي، حسب ( مختار خليل كبارة):

1.                

الأول: الكنزي- الدنقلاوي- (أوشكير)

الثاني: المحسي- السكوت- الفديجة، (نوبين)

-       الأول: ( لهجة نوبين): تمتد المساحة التي تشملها من شمال الشلال الثاني حتى (مدينة كرمة) جنوبا.

-       الثاني: (لهجة أوشكير): من أسوان جنوب مصر وحتى شمال مدينة الدبة بشمال السودان.

2.    اللهجات النوبية الجبلية:  يقدر عدد (جبال النوبة) بـ(99 جبلاً) تمتد جنوبا وشرقا إلى النيل الأبيض، وغربا إلى دارفور، وتأخذ شكل سلسلة عنقودية. ولا يمثل (النوبة) كيانا قبلياً واحدا، وإنما يتشكل من (عشر مجموعات): متباينة لا تربطها أية صلات رحمية ولا لغوية. وتتحدث هذه المجموعات (عشر لهجات!) رئيسة، إضافة إلى اللغة العربية المتداولة. وتتفرع هذه اللهجات إلى (أكثر من 45 لهجة). وقد قسم الدارسون هذه اللهجات إلى ثلاث مجموعات لغوية: (السودانية، البانتوية، النوبية). وتمثل المجموعة اللغوية الثالثة، مجموعة (قبائل الأجانج) وتضم: [كرورو، شرورو، كافير، كودجي، دبانة، كاركو، غلفان، والي، فندة، كاشا، طبق، أبو جنوك، الدلنج، الكدرو، الشفر، داير]. وتنحصر مناطقهم في الجزء الشمال الغربي من جبال النوبة. أما لغويا، فقد قسمهم (خليفة جبر الدار) إلى سبع مجموعات هي:

1.       مجموعة الدلنج: وتشمل الدلنح، والكدرو.

2.       مجموعة الكركو: وتشمل: الكركو، الفندة، كجورية، شفر، كاشا.

3.       مجموعة والي وطبق.

4.       مجموعة الجبال الستة: كدرو، كارتلا، كرورو، كافير، كودجي، دبانة.

5.       مجموعة الغلفان: الغلفان، دابري.

6.       مجموعة الحجيرات: الحجيرات، وأبو جنوك.

7.       مجموعة الضباب.

- يكاد يكون التفاهم بين متحدثي هذه اللهجات، حسب (خليفة جبر الدار) – بنسبة (90%). كما أن هذه اللهجات وثيقة الصلة باللهجة الدنقلاوية (أوشكير). وتعتبر (لغة الحرازة المنقرضة)، لغة قريبة من ( لغات الأجانج). على الرغم من أن (لهجة الحرازة) تصنف كلهجة نوبية مستقلة – (عوض أحمد حسين شبه- ص: 28 + 29).

3. اللهجات النوبية في (دافور): هي أكبر أقاليم السودان مساحة. تحدها من الشمال الصحراء الكبرى، ومن الجنوب، بحر العرب. وتفصلها عن كردفان كثبان رملية. ويتصل بإقليم دارفور من جهة الغرب، تشاد وإفريقيا الوسطى:

1. الميدوب:  اسم جبل يقع في الركن الشمالي الشرقي من دارفور على بعد (400 ميل) من مدينة الخرطوم. ويبلغ أقصى ارتفاع لجبال الميدوب حوالي (6000 قدم) فوق سطح البحر، وهي سلسلة من الجبال البركانية. يتحدث (الميدوب) بلهجة كبيرة الصلة باللهجات النوبية النيلية، ويتكون الميدوب من ثلاث مجموعات رئيسة: المجموعة الأولى (الأورتي) في الشمال. المجموعة الثانية (الشلكوتا) في الجنوب الغربي. المجموعة الثالثة (التورتي) في الوسط. ومن عادات الميدوب أنه [إذا مات الملك، يخلفه في الحكم (ابن ابنته) وليس الإبن].

2. البرقد: تقع ديارهم بجنوب دارفور، ويعتبر (جبل مسكو)، المركز الرئيس للبرقد، وهم مجموعات عرقية متعددة، وأكبر المجموعات بعد (الفور والزغاوة). ومعنى (البرقد) في لهجتهم (المنقرضة) هو: [الشيء المتعدد الألوان]، وهم ينقسمون إلى قسمين كبيرين (كجار، ودالي). ولهجتهم أقرب إلى لهجة أوشكير. أما (لهجة الميدوب)، فتتميز عن غيرها من اللهجات النوبية (بسرعة النطق).

ويصل (عوض شبّه) مؤلف كتاب اللغة النوبية إلى خاتمة يقول فيها: [صلة اللهجة الدنقلاوية الكنزية (أوشكير)، أقوى ببقية اللهجات النوبية في جبال النوبة ودارفور من صلة اللهجة المحسية (نوبين) بهذه اللجهات]. ويعتقد [الأمين أبو منقة، وأبو بكر] أن (اللهجة الكنزية) نشأت كنتاج طبيعي للتزاوج بين (قبيلة بني كنز العربية)، والنوبة في (مملكة المقرة)، وقد اعتلى (كنز الدولة) العرش عام (1323) كأول ملك مسلم في (دنقلا المسيحية). وبما أن العرب في ذلك الوقت كانوا أقلية، فقد تراجع استخدام اللغة العربية في وسطهم من مرتبة (اللغة الأم) إلى مستوى (اللغة الثانية)، وبمرور الزمن تحولت المجموعة العربية لغوياً إلى (النوبية الدنقلاوية). ويعود (عوض شبَّه) إلى تأويل جديد لمعنى كلمة (نوبة)، وهو: [تعني بلهجة أوشكير: الخليط أو الهجين].

- وحسب (الأمين أبو منقة، وكمال جاه الله)، 2011، فإن لغات (دارفور) هي:

اللغة عدد المتحدثين بها كلغة أم
1.    الفور 500.000
2.    الداجو 143.000
3.    المساليت 137.000
4.    الزغاوة 102.000


- وتعتبر (دارفور) معقلا أساسياً لأسرة اللغات النيلية الصحراوية: [الفور، الكانوري (البرنو)، البرتي (منقرضة)، الزغاوة، البديات، المبا، الميما(منقرضة)، المساليت، الداجو، التاما، المراريت] . و[تتحدث في (دارفور) لغات تنتمي إلى أسرة اللغات الأفرور آسيوية: (العربية) التي لعبت دوراً مشتركاً في المنطقة (البقارة)، وأشهر قبائلهم: (الرزيقات)، و[التعايشة، بني هلبة، والهبابنة، والمعاليا]. ومن اللغات في دارفور أيضاً: (الطوارقية الامازيغية)، ويعرف الطوارق في دارفور باسم: [الكناين = بني كنعان – جاءوا من فلسطين – ع.م]، ولهم حي مشهور في مدينة (الفاشر)، كما أن لهم قرية شرق الفاشر، تسمى (سولنقا)، بالإضافة إلى عدد من القرى بالقرب من (مدينة كتم). وهناك لغات أخرى في دارفور مثل: الهوسا، والفولانية.


لغة نوبين (المحسيَّة):

يقول (محمد جلال أحمد هاشم) في كتابه (لغة النوبين) ما يلي:

يتحدث بهذه اللغة ثلاث مجموعات في المنطقة النوبية النيلية هم: (المحس، السكوت، الفاديحا). وتنقسم مجموعة (الفاديحا) ما بين السودان ومصر. ويعرفون في السودان بـ(الحلفاويين)، وعاصمتهم (وادي حلفا). هناك لغتان شقيقتان تقعان في إقليم الشمال النيلي هما: لغة نوبين (المحسية)، والدنقلاوية (أوشكين). أما في شرق السودان بمنطقة (البطانة) فقد أصبحت لغة نوبين تتواجد منذ 1964 عندما تم ترحيل المتأثرين (50 ألف نسمة) بقيام (السد العالي) إلى منطقة (خشم القربة). وتوجد في إقليم كردفان لغتان نوبيتان لهما صلة قرابة بلغة نوبين، ولغة أوشكين وهما: (لغة الحرازة) في أقصى شمال كردفان وقد انقرضت، ويؤكد (محمد جلال أحمد هاشم) مؤلف كتاب (لغة نوبين) بأننا [لا نعرف من لغة الحرازة سوى 35 كلمة]، بينما لا يزال يحتفظ أهلها بوعي تام بهويتهم النوبية ولو خسروا لغتهم وتحولوا نحو العربية. أما اللغة الموجودة في أقصى جنوب كردفان، فتقع في جبال النوبة وتسمى (لغة الأجانق)، وتشمل عدداً من اللهجات (13 لهجة).

- ويضيف (محمد جلال أحمد هاشم): تعتبر لغة مملكة نوباتيا القديمة، هي اللغة الأم للغة (نوبين). ومن المؤكد أن اللغة العربية أصبحت أكثر تأثراً وتأثيراً باللغة النوبية بعد سقوط مملكة سوبا في 1505م، وقيام (السلطنة الزرقاء)، التي تحولت إلى الإسلام من المسيحية، وجعلت من اللغة العربية لغة رسمية. كما بلغ تأثير اللغة العربية في اللغة النوبية (نوبين على وجه التحديد) لدرجة إحداث تغييرات كبيرة في نظامها الصوتي. ومن خصائص (لغة نوبين):

- تبدأ الجملة الفعلية بالفاعل ثم يليه المفعول به. ثمّ أخيراً يجيئ (الفعل).

- تتميز بما يعرف بنظام (الزوائد – Affixes)، وهو عبارة عن إضافات تلحق بجذع الكلمة فعلاً أكانت أم اسماً. وهي تُعتمد على اللواحق (Suffix) فقط.

 

لغة الزغاوة

في كتابه (لغة الزغاوة) يقول (عصام عبدالله علي) ما يلي: يقع (إقليم دارفور) بولاياته الثلاث في أقصى غرب السودان، يحدُّه من الشمال الغربي، ليبيا، ومن الغرب، تشاد. ومن الجنوب الغربي، إفريقيا الوسطى. ومن الجنوب، شمال وغرب بحر الغزال. ومن الشرق، ولايات شمال وجنوب كردفان، والولاية الشمالية. مساحة دارفور، (196 ميلاً مربعاً) يقطنها خمسة ملايين نسمة، كلهم مسلمون. وقد اعتاد أهل دارفور على [تسمية المناطق القبلية بـِ: دار]، ومنها جاءت تسمية: دارفور، دار المساليت، دار الزغاوة. وتسود في دارفور، [اللغة العربية] كلغة تخاطب. وتفضل جماعة الزغاوة اسم [ر ي]. والزغاوة الذين أسسوا (مملكة كانم) في القرن الثامن الميلادي، هم من الزغاوة النوبيين أو الكوشيين، وأن الزغاوة الذين نقلوا (مملكة كانم) من الوثنية إلى الإسلام هم [السيفيون]. وذهب البعض إلى أن أصل الزغاوة من الأمازيغ. ويصفهم (ابن خلدون) بـِ(الملثَّمين). ويضيف المؤلف (عصام عبد الله علي) بأن (الزغاوة) شعب مستقل جمع بين السمات الزنجية والحامية والعربية. وتتكون (دار الزغاوة) من أربع مقاطعات إدارية هي: محلية الطينة، ومحلية كرنوي، ومحلية أمبرو، ومنطقة الدور (تابعة لمحلية كتم). ويبلغ عدد الزغاوة (حسب 1982) – حوالي (102 ألف نسمة). وتنقسم قبيلة الزغاوة إلى ثلاثة أقسام هي:

1.    وقي: أكبر فروع الزغاوة. وحاضرتها: كرنوي.

2.    كوبرا: وقفوا سدّاً منيعاً ضد الفرنسيين، مما أدى إلى تقسيمهم إلى قسمين: قسم في السودان، وقسم في تشاد.

3.    توباء: (البديات): يقول (عون الشريف قاسم) [هي قبيلة في غرب دارفور مكانها بين (الزغاوة والقرعان) ولعلها البادية. ويُظن أنهم هاجروا من ليبيا]. وتعد أكثر قبائل الزغاوة ترحالا، ولها إدارة واحدة في منطقة كارو (زبد). وهناك قسم رابع من (الزغاوة)، اسمه: [كجمر]= عرب الزغاوة، فهم يتحدثون العربية. ويتكلم معظم الزغاوة، اللغة العربية إلى جانب لغتهم الأصلية، وهي (التيبو). وتحتوي لغة الزغاوة على (19 حرفاً، وتسع حركات). ويقول (عصام عبدالله علي) بأن عدد المتحدثين بلغة الزغاوة، هم (مئة وستون ألف نسمة). اختلط العرب والزغاوة منذ أقدم العصور بالتزاوج، والتداخل في مناطق الرعي. ويقول [عشاري أحمد محمود] بأن: [انتشار اللغة العربية، وانحسار اللغات المحلية هما وجهان لعملة واحدة]. كما نشأت علاقات تاريخية بين (الفور والزغاوة). وقد أدى هذا إلى استيطان بعض الزغاوة في مناطق الفور، ونتج عنه ما يعرف بـ[زغاوة الفور]، الذين عرفوا فيما بعد بإسم [كيتنقا].

- خصائص (لغة الزغاوة):

أولاً: من الناحية الصوتية لها ثلاثة حروف وست حركات غير موجودة في اللغة العربية. وتخلو من بعض الحروف العربية وهي: [ث، ح، خ، ز، ذ، ع، غ، ص، ض، ق، ط، ظ]، فنتج عن ذلك بعض الظواهر الصوتية منها التبدُّل الصوتي جعل الكاف مكان القاف= (ليلة القدر = ليلة الكَدْر). والهاء مكان الغين (غنم = هنم). والباء مكان الميم (مريم= برم). والتاء مكان الدال: (أحمد = أمت). والهمزة مكان العين: [عيسى= إيسى]. والتاء مكان الطاء (طاهر = تاير). والسين مكان الزاين (زينب = سنب). والدال مكان الضاد (ضُهُر (ظهر) = دُهُر).

ثانياً: تعتبر لغة الزغاوة، لغة نغمية، والنغمة تؤدي إلى تغيير المعنى.

ثالثاً:تتكون الكلمة في لغة الزغاوة من الناحية النحوية والصرفية من مقطع واحد أو مقطعين.

رابعاً: وتتميز لغة الزغاوة بالخصائص التالية:

-      بعض الأصوات لا تأتي في أول الكلمة وهي [ر، و، ف].

-      خالية من أداة التعريف (ال): الشمس (شمس).

-      تقوم قاعدة تركيب الجملة في اللغة على أن الفاعل يأتي قبل الفعل [سيف الدين إلى السوق ذهب].

-      التصرف في لغة الزغاوة لا يتقيد بالعدد أو الجنس، ولا توجد أدوات تأنيث.

-      يأتي المضاف إليه قبل المضاف.

-      يأتي حرف النداء (يا) قبل المنادى: (محمديا= تعني يا محمد).

 

لغة الفور

يقول (إدريس يوسف أحمد) في كتابه (لغة الفور)، ما يلي:

أولاً: كل قبائل الفور يكتبون بالأحرف العربية لأنهم مسلمون وهناك صلات بين (لغة الفور)، واللغات: الفارسية، والأوردو، والتركية، لغة الفراعنة، ولغات قبائل السودان النيلية مثل: الدناقلة والمحس، والنوبيين والحلفاويين، وجبال النوبة. والمشكلة الأساسية التي تواجه كتابة لغة الفور بالأحرف الانجليزية هي ضرورة تعلم اللغة الانجليزية ودراستها بعمق ليتحقق ذلك، لكن يمكن بسهولة تامة كتابة أو تعليم لغة الفور بالأحرف العربية مع إدخال الحروف الجديدة المقترحة، وهي: (نيـ) وج وب (نق)، والإبقاء على الحرف (ق) كما هو، وذلك للتمكن من استخدام حروف لوحات الطباعة المعتمدة عالمياً أو إقليمياً في أجهزة الطباعة والحواسيب، ولكن عند الكتابة باليد يمكن تنقيط حرف الجيم بثلاث نقاط تحت حرف (الجيم العربية)، وكذلك ثلاث نقاط تحت (الباء) العربية. كما يمكن استخدام حروف الألف والواو والياء وألف المدّ كحروف إضافية تساعد في التشكيل إضافة وعوضاً عن الفتحة أو الضمة أو الكسرة أو المد للتمكن من الفرز بين الكلمات المتقاربة في النطق في لغة الفور.

ثانياً: الضمائر في لغة الفور هي ضمائر تعبر عن المفرد والجمع للأشياء أو الإنسان أو الحيوان، وهي تؤثر في الجمل الفعلية فتكيفها وفقاً للفعل أمراً أكان أم مضارعاً أم ماضياً. وتعبر الضمائر أيضاً عن الفاعل والمفعول به وضمائر الامتلاك للمالك المفرد أو الجمع أو للممتلك الواحد أو الممتلكات الكثيرة. كما أن لغة الفور ليست بها مذكر أو مؤنث في المخاطبة، ويكون الجمع للاثنين فما فوق ولكن يمكن ذكر المذكر أو المؤنث بمفردات دالة على ذلك.

ثالثاً: يلاحظ أنه ليست هناك مفردات تفرز بين مخاطبة المذكر هي نفس المخاطبات بالنسبة لجميع الجمل الفعلية، كما أنه ليست هناك ضمائر تخصص للمذكر أو المؤنث. أي أنها تتشابه مع الانجليزية.

رابعاً: ليس هناك مثنى للأشياء في لغة الفور، فإنَّ الاثنين وأكثر منه يجمع بنفس الصيغة. كما أن (الأسماء) التي تنتهي بحروف الألف والواو والياء عند تجمع يضاف إلى الاسم في نهاية الكلمة، الحروف (نقا) لتكون جمعاً. أما (الأسماء) التي تنتهي مفرداتها بالحروف الأخرى (ص، ب، ت، ج، د، ر، ز، ك، ل، س، م، ن، هـ، ق) فيضاف إلى نهاية مفردات الاسم الحرف (الألف) فقط ليكون المفرد جمعاً. أما بعض الأسماء التي تبدأ بالحرف (د) فيكون الجمع في بعض الأحيان بمفردات تبدأ بالحرف (د). ذلك كله للأسماء التي تنتهي بالحروف (أ، و، ي).

خامساً: ليست هناك أسماء للفواكة بلغة الفور، مما يدل أن الفواكة حديثة الزراعة في أرض الفور، وهي في الأصل من أشجار البحر الأبيض المتوسط: (ليمون، جوافه، برتقال، مانقا، تفاح). أما أسماء الأمكنة فلها معاني مثل: (جوبا= محاطة بالجبال)، (مصر= مكان به جريان ماء كثير)، (الفاشر= بساط السلطان، أو جلسة الصلح)، (كردفان= القائد كور، رجل فالح). كذلك الوقت مثل: (سني= سنة)، (سا = ساعة).

سادساً: نختار بعض الكلمات تدلل على (التداخل مع اللغة الانجليزية):

(الفور) (العربية) (الانجليزية)
كُو بقرة Cow
دِكُو أسود Dark
كَمَلْ جَمَلْ Camel
رًو وادي River
تبُو رأس Top
بوْس شجيرات قصيرة Bush
فولي يقع Fall
دَدا أخت كبيرة Dada
أنيا عمَّة Aunt


- وهذه عينة من تداخل الفور مع (اللغة العربية):

سُورو= الثرى. تُربا= القبر. كُلْ= كُلْ. رُيْ=  مزرعة مروية. داري= زريبة دائرية. لُوْن= ليل. سُوم= صومعة، مكان للتعبد. سقَنْ= سخّان. دكُو= أسود داكن. موْن= ماعون. أُرُم= بيت، إرم ذات العماد. بكي= يضيف (بكة المكرمة). كروكرو= طائر الكروان. جَميَّل= جميل. سورِنقا= سورة. ميني= محنة. مجِر= مهاجر. نيل= أرض طينية، نيل. مَسِرِي= مصر، مكان به ماء كثير.

- وهناك تداخل بين لغة الفور، و(اللغة الفرعونية):

اللغة الفرعونية المعنى بالفور المصطلح بالفور
أبو الهول أبو الحيوانات أبا وُول
خوفو نافخ الهواء (الروح) كُوُو فُوُو
أبو سُمْبُل الأبانوس أبو سَمْبلا
أسوان انتظر الصفارة أُسوآن
جيزا صنعتُه لك جيسيسْ آه


 

لغات (جنوب السودان):

يقول (حسن مكي محمد أحمد) مؤلف كتاب [السياسة التعليمية والثقافة العربية في جنوب السودان، 1983]، ما يلي:

أولاً: مساحة (جنوب السودان) هي (ربع مليون ميل)، أي ربع مساحة السوادان. أما عدد سكان الجنوب فهو (5.271.296 مليون نسمة). ويسكن في الجنوب (60 قبيلة)، وأكبرها هي قبيلة (الدينكا)، حيث بلغ (مليون نسمة). وتسود [العامية العربية الركيكة] كلغة تخاطب بين مختلف قبائل الجنوب، وهي لغة (90%) من شعب الجنوب. أما (الانجليزية)، فهي لغة الطبقة الحاكمة ولغة الإدارة الرسمية. وقد تزامن دخول (جنوب السودان) في إطار [دولة وادي النيل] مع الفتح العثماني للسودان عام (1821)، ومع الحملات الثلاث لاكتشاف منابع النيل. وقد مرَّ توزيع وانتشار اللغة العربية في خمس مراحل:

1.       قبل 1850: أدت إلى إضافة واقع لغوي جديد، وهو اللغة العربية التي أصبحت واقعاً في الجنوب.

2.       فترة التفاعل اللغوي (1850 – 1885م): أقبل الجنوبيون على تعلم العربية لمصلحة حركة تجارتهم. وكان للفلاته والدارفوريين دور في نشر اللغة العربية. كما لعب المجندون (12 ألف عسكري) الجنوبيون دوراً مهما في نشر اللغة العربية.

3.       المرحلة الثالثة، (1900 – 1955).

4.       المرحلة الرابعة، (1956 – 1973).

5.       المرحلة الخامسة، (1973 – 1983).

- ثمَّ فتحت أول مدرسة في جنوب السودان، هي (مدرسة واو، 1903) لتدريس أبناء الجنود والإداريين، وضمَّتها للكنيسة الكاثوليكية عام 1905، عندما عرفت حكومة الاحتلال أن تلاميذها (29 طالباً) كلهم مسلمون.

ثانياً: أدى احتكار الكنيسة للتعليم في الجنوب إلى مشاكل منها:

1.  إسناد التعليم إلى المؤسسات التبشيرية حرم أبناء المسلمين من التعليم، إذ تخوف الآباء من تنصير أبنائهم، كما تم طرد بعض أبناء المسلمين من المدارس.

2.  كان القائمون على أمور المؤسسات التبشيرية، ألماناً وإيطاليين ونمساويين. وكان الأهالي عازفين عن تعلم اللغة الانجليزية، وصرحوا عن خشيتهم أن يؤدي تعلم اللغة العربية إلى انتشار الإسلام، وعندما جاءت ثلاثينات القرن العشرين كان طلاب الكنيسة الكاثوليكية يُعدّون بالآلاف، تليها الأمريكية، بينما بقيت الانجليزية في ذيل القائمة. وفي (25/1/1930) أصدرت حكومة الاحتلال البريطاني توجيهات حول السياسة التعليمية للجنوب في إطار فكرة فصل الجنوب عن الشمال وجاء فيها.

-    نقل جميع الموظفين الشماليين.

-    حرمان الشماليين من الرخص التجارية وتشجيع الاغريق والسوريين.

-    إجلاء الشماليين المسلمين من الجنوب.

-    إلغاء تدريس اللغة العربية.

-    منع استعمال (العربية الركيكة، وتحريم لبس الأزياء العربية، ومنع التسمي بالأسماء العربية.

-    إخماد الديانة الإسلامية.

-    استخدام (الانجليزية واللهجات المحلية) في التعليم والإدارة وتوظيف من يتعلمونها. وهكذا بدأت سياسة فصل الجنوب عن الشمال منذ صدور (قانون المناطق المقفولة، 1925.

-    وانعقد (مؤتمر الرجاف اللغوي) عام 1928، وهو مؤتمر عالمي عقد تحت إشراف الاحتلال الانجليزي وناقش مشكلة بتوحيد الحروف التي تكتب بها لغات الجنوب للتعليم. كما ناقش المؤتمر موضوع تدريس اللغة العربية، وانتهى الأمر إلى تدريس اللغة العربية إذا كان ضرورياً، فيجب أن [تدرّس اللغة العربية مكتوبة بالحروف اللاتينية]. والهدف من ذلك هو عزل من يتعلم اللغة العربية بهذه الطريقة من مصادر الثقافة العربية المكتوبة باللغة العربية والحروف العربي. وحتى عام (1954)، اقتصر التحول في اللغة العربية كلغة تدريس على مدارس الحكومة بينما تم إدخال اللغة العربية في المدارس التبشيرية على درجات متفاوتة، بحيث حدث تأثير في بعضها بينما كان التأثير شكليا في البقية.

ثالثاً: ومنذ (1955) بدأت عملية كتابة لغات (الدينكا، الزاندي، الباري، المورو، اللاتوكا) الجنوبية بالحرف العربي بدلاً من الحرف اللاتيني. وتم تدريب (800 معلم) على تدريس كتب المطالعة المكتوبة بالحرف العربي في مدارس القوى. وتشكلت (لجنة خبراء دولية) مكونة من ـربعة انجليز، واثنين من المصريين، ورئيساها كان هندياً – أوصت بأن (التعليم التبشيري) لا يُراعي حاجات (الجنوب)، فأوصت بـِ [السودنة والتعريب في مجال التعليم الثانوي]. وأوصت بأن تكون اللغة العربية، لغة التدريس في كل مدارس الجنوب. وأنه من العبث إضاعة الوقت في تعليم أبناء الجنوب، (اللغات المحلية). كما أوصت بكتابة لغات أعالي النيل [الشلك، النوير، المورلي، الأنواك] بالحرف العربي.

رابعاً: في عام 1960 – 1961، كان هناك (55 طالباً جنوبيا) من أصل (1583 طالباً سودانياً) بجامعة الخرطوم، علماً بأن سكان الجنوب يعادلون 20% من سكان السودان. وقد أدت (الحرب) إلى خلو الريف من الشماليين، مما قوّى نفوذ الكنيسة وأضعف اللغة العربية. لكن الفترة (1965 – 1972) شهدت وقف الدراسة باللهجات المحلية والانجليزية في مدارس الجنوب الاولية الجديدة، كما بدأت مدارس البنات في الاستوائية، وبحر الغزال، دراسة مكثفة في اللغة العربية. وتنفيذاً (لاتفاقية أديس أبابا، 1972) صدر قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية، ومما جاء فيه: [اللغة الرسمية هي اللغة العربية، وتعتبر اللغة الانجليزية لغة رئيسية لإقليم (جنوب السودان].

خامساً: ارتفع عدد الطلاب في الجنوب من (40 ألف) قبل اتفاقية أديس أبابا إلى (150 ألف بعد الاتفاقية، وتم تعيين (890 معلماً جديداً)، وفتح (334 مدرسة ابتدائية). لكن وبدعم من [الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية]، بدأ الإعداد لمناهج المدارس على أساس (اللهجات المحلية) من أجل إضعاف اللغة العربية، مما أحدث فوضى تعليمية (الانجليزية، اللغات المحلية، والعربية)، وأدى إلى صراع بين العربية والانجليزية، اللغات المحلية، والعربية)، وأدى إلى صراع بين العربية والانجليزية، وأصبح الواقع عام (1983) كالتالي: [معظم المدارس الثانوية العليا، تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس، والبقية التي تستخدم العربية في طريق التحول التدريجي. أما المدارس المتوسطة، فتستخدم اللغتين (العربية والانجليزية). وفي المناطق الريفية، تستخدم اللهجات المحلية، وقليل من الانجليزية والعربية. أما مدارس القرى، فتستخدم اللهجات المحلية]. ويصف المؤلف (حسن مكي محمد أحمد، 1983)، الوضع كالتالي: [اللغة العربية اليوم، هي أقوى عامل تعليمي في الجنوب، وتكاد تسود في بحر الغزل، وأعالي النيل، والبحيرات، وجونقلي، بينما الغلبة للانجليزية في شرق وغرب مديرية الاستوائية. ولا تكمن قوة الانجليزية في الجنوب في مدى انتشارها، بل في قوة المتكلمين بها، حيث أنها لغة الطبقة الحاكمة التي ترفض الثقافة العربية. وفي الخلاصة، فإن السياسة التعليمية في الجنوب اليوم (1983) – (تعمل ضد اللغة العربية)، رغم أن (61%) من السكان في الجنوب يستعملون العربية كلغة ثانية.

سادساً: يقول (حسن مكي) أيضاً بأنه ليس كل الشمال عربياً ومسلماً إذ هناك مجموعات إفريقية متعددة في الشمال. كما توجد فيه (أقليات مسيحية) على امتداد مدنه. كما يوجد في الشمال (جماعات إفريقية وثنية) كقبائل (الأنقسنا، وجبال النوبة، والقرعان، والامبرور]، لم تجد نفسها في تعارض مع الجماعات المسلمة في الشمال. إذْ هناك شماليون وثنيون أو شبه وثنيين، وهناك في الشمال جنوبيون مسلمون، وهناك شماليون لهم بشرة أشد سواداً من الجنوبيين، وهناك قبائل في الشمال، تعاني من الحرمان والتخلف الذي يعاني منه قبائل الجنوب.


المراجع:

1.        تيموثي كارني، وفكتوريا بتلر: (السودان: الأرض والشعب، ترجمة: محجوب التجاني، تقديم: الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، (طبع في الصين)، (د.ت).

2.        سامية بشير دفع الله: تاريخ الحضارات السودانية القديمة، ط2، دار جامعة السودان المفتوحة للطباعة، الخرطوم، 2011.

3.        محمد سعيد القدال: تاريخ السودان الحديث (1820 - 1955)، منشورات مركز عبد الكريم ميرغني، ط2، الخرطوم، 2002.

4.        محمد محجوب حضرة: ما بين الصهيونية والأديان، المطبعة العسكرية، الخرطوم،2001.

5.        الثقافة الإفريقية، (ملتقى الجزائر، 1969)، الشركة الوطنية، الجزائر.

6.        عبد العزيز التويجري: مستقبل اللغة العربية، منشورات إيسيسكو، المغرب، 2004.

7.        ضيو مطوك: سياسة التمييز الإثني في السودان ( مبررات انفصال الجنوب)، ترجمة: مهدي السيد، وجمال غلاب، مكتبة الشريف الأكاديمية، الخرطوم، 2010.

8.        Al- Amin Abu- Manga and Catherine Miller: Language change and national integration – Rural Migrants in Khartoum, Khartoum university press, 1992.

9.        الأمين أبو منقة محمد، ويوسف الخليفة أبو بكر: أوضاع اللغة في السودان، مطبعة جامعة الخرطوم، 2006.

10.    عبد العزيز خالد فضل الله: جنوب السودان إلى أين، الخرطوم، 2005.

11.    عبد العزيز خالد فضل الله: إسرائيل والسودان: الأطماع في مياه النيل، مؤسسة صالحاني، دمشق، 2011. 

12.    حسن مكي محمد أحمد: السياسة التعليمية والثقافة العربية في (جنوب السودان)، المركز الإسلامي الإفريقي، الخرطوم، 1983.

13.    عوض أحمد حسين شبه: اللغة النوبية، ط2، شركة مطابع السودان، 2009.

14.    الأمين أبو منقة محمد، وكمال محمد جاه الله: لغات السودان مقدمة تعريفية، مجلس تطوير وترقية اللغات القومية، الخرطوم، 2011.

15.    إدريس يوسف أحمد: لغة الفور، ط1، نيوستار للطباعة، الخرطوم، 2000.

16.    عصام عبدالله علي: لغة الزغاوة، مجلس تطوير وترقية اللغات القومية، الخرطوم، 2011.

17.    محمد جلال أحمد هاشم: لغة نوبين (اللغة المحسية)، مجلس تطوير وترقية اللغات القومية، الخرطوم، 2011.

18.    -عزالدين المناصرة: الهويات والتعددية اللغوية ، دار مجدلاوي ،2004 + دار الصايل  - عماّن ،2013 .

19.    – ملاحظة : زرتُ السودان مرَّة واحدة ، حيث شاركت ُ في مهرجان ( ملتقى النيلين الشعري الثاني ) ، الخرطوم ، ( 2012- (عزالدين المناصرة ) .وقدالتقيت عالم اللغات السودانية ( البروفيسور الأمين أبو منقة في جامعة الخرطوم) .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف