الأخبار
2019/5/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

شوارع المخيم بقلم سليم النجار

تاريخ النشر : 2019-04-23
# شوارع المخيم
في المخيم ومنذ نعومة اظافرنا ادمنا رؤية صور وبوسترات الشهداء تعلوا جدران المخيم وتزين الشوارع؛ لم تتزين شوارع المخيم إلا بصورهم وببضعة شعارات تتوعد بالثأر لهم.
كبُرنا وكثرت صور الشهداء التي أبلاها الزمن واكلت من جنباتها حبات المطر.

مع الايام اصبحت صور هؤلاء الشهداء تحدد هي والشعارات الثورية التي خُطت على جدران المخيم الطريقة وتحدد الاسلوب وتبين ما هو مطلوب وما هو العمل؟

هذه الشوارع وتلك الجدران كانت دالتنا الاولى في المخيم نحو الانتماء الوطني وساهمت اكثر واكثر في انغراسنا بالفعل الثوري حتى قادتنا حبا وطواعية نحو الانتصار لدماء الشهداء وهذه الدماء بدورها قادتنا نحو الانتماء لفتح بوصفها الطريق الاجمل والاصدق الى فلسطين.

فيما بعد عرفنا انها الطريق الاجمل لانها وطنية حتى النخاع؛ ولان طينتها من طينة ابنائها ولان افكارها من بنات افكار هذا الشعب ومن رحمه ولانها تجود بالدم عندما يعطش التراب وتصون الروح عندما تهب العاصفة وتبذلها عندما تحين مواسم الزرع.

هذه الشوارع تنمو بينك وبينها علاقة تكبر و تتطور بحسب تطور قدرتك على تتبع الخطوات وتلمس الانفاس وبحسب مقدرتك على الاستماع والانصات للجمل والكلمات التي يحملها سكون الليل وجراح الثكالى وانين الجياع والاهم الحنين الى الوطن.

هذه الشوارع تكبر وتتسع لكل احلامك وتستوعب كل خطواتك بشرط ان تكبر انت ايضا، كأن تصغي مثلا لصوت حبات المطر وازيز الرصاص او صوت خطوات من ساروا مع الفجر بإتجاه النهر وعبرو وغنو للوطن والعلم فعادو وقد تركو بعضهم هناك غربي النهر واقيم العرس هنا شرقي النهر فعرفنا حينها معنى الشهيد.

هذه الشوارع في الليل يسودها الصمت ولا يخدشه إلا همس العشاق والمحبين وهمس آخر لأناس آخرين عرفنا فيما بعد انهم فدائيون.

هذه الشوارع علّمت خطواتنا فيها وذهبنا وبقيت خطواتنا وخطوات من ساروا قبلنا، فقد كنا نحن واياهم نمشي لأجمل رحلة في الافاق ولم نحزن ولم نجزع ولم تزعل اقدامنا من الاشواك ولم ترجف قلوبنا من الأفاك ولم تثنيها الآفات، فيها تعلمنا الكثير وغمرت خطواتنا بالذكرى والوفاء، وعندما ملأت الخفافيش الشوارع بقيت خطواتنا تزينها شمس لا تغيب، وبقيت ارواح من ساروا وعبروا عنوانا لحب المخيم، وبقيت الشوارع واخذت اسماء من لم يسيروا عليها طويلا...

في شوارع المخيم إن انصّت تسمع الكثير ، وان ابصرت جيدا ترى أكثر، في شوارع المخيم ان وقفت على رأس الشارع تحملق حولك الكثير، وان دار حديث الوطن بادر احدهم على عجالة بأنه يجب ان نكسر لمبة الاضاءة التي تعتلي عامود الكهرباء، إعتقدت بداية بأنها تسمعنا لكن عرفت فيما بعد بأن هذه العتمة لأجل السرية ولكي لا ترصدنا عيون الاخوة الاعداء واجهزة الامن وسياراتهم كثيرة الضوضاء والتي تشترك معنا في اشياء كثيرة منها قلة الاضواء ..

من يومها لا احب السير إلا في الشوارع المعتمة وافرح أكثر للمسير تحت اللمبات المكسورة وأبطيء الخطوات وارخي السمع وأجول بالنظرات في كل شارع تغطي جدرانه الشعارات وتزين عمدانه الصور وتعلوه الرايات...

في شوارع المخيم تتجول في الزقاق فتنشأ بينك وبين عدد منها ألفة لا مثيل لها إلا أُلفة العاشقين، تجيء وتذهب الخطوات فتسمع الهمسات المنطلقة من الشفاة وتسمع الوشوشات المنطلقة من الراديو، احيانا كثيرة كنا لا نميز بين الصوت القادم من الراديو وبين الصوت القادم من فم انسان، فالمفردات واحدة والكلمات واحدة والبيانات واحدة وحتى الاهازيج والاغاني والاسامي، فيما بعد عرفنا ان لغة الراديو والانسان في ذلك الشارع متوحدة ومنسجمة مع ذاتها، حينها فقط عرفنا انها لغة الثورة..

في شوارع المخيم إن علت الاصوات فعلم ان هناك حدث جلل، وان تمترس الشباب في الشوارع وتوشحو بالسواد فعلم انه استنفار ، في المخيم ان علا هدير قادم من خلف الجبهات فعلم ان اهل المخيم يتعاطون بالشيفرات، في المخيم ان زالت المحاذير وعلا صوت الراديو فعلم انك بلغت المرام وانك بدأت تلتقط موجات الاثير، في المخيم ان سمعت زمجرة وصخرة وصولجان وهتاف ودعاء الى النفير العام ورسائل وصلت واخرى ذهبت فعلم انك انت والآخرين تستمعون لاذاعة صوت العاصفة صوت الثورة الفسطينية...

في المخيم كل اصوات الراديو واحدة، فهم متوحدون في كل شيء حتى في موجة الراديو فكلها ترقب الشوارع وتنصت لأثير اذاعة صوت العاصفة وتأتمر باثيرها وتلتزم بذبذاتها وتنفذ تعليماتها...

في المخيم ما ان تسمع عبر أثير الاذاعة هنا العاصفة تتبعها مارشات عسكرية حتى يهتز كيانك فخرا ويقشعر بدنك لان الذبذبات واحدة ولان من يتحدث عبر الاثير وبعد ان يقول هنا العاصفة جائنا الان مايلي تعلم ان ما سيقوله يستحوذ على آذان الجميع فتلتقط الانفس ويتهيأ الجميع للتحملق وسماع المذيع، اجواء جميلة تحتضنها الالفة والبسمة ويعتليها الترقب،
فيما بعد، وبعد ان تكون تلك الكلمات كافية بأن يسري حظر التجول في المخيم عرفنا انها عملية فدائية.

في المخيم كبرنا كثيرا كي ننال حق الاستماع للمذياع وكبرنا أكثر ليكون لنا الحق ان نضع مؤشر الراديو على اذاعة صوت العاصفة ..كنا ما ان نسمع تلك المارشات تتبعها تلك النداءات حتى تستفيق فينا فلسطين كل فلسطين..كنا ما ان نلتقط تلك الموجة نغمض الاعين وننزل الملجأ ونمتشق البندقية ونقلبها يمينا وشمالا ونحضنها تارة ونقبلها تارة اخرى بها نزهو ونعرف انها عنوان ما سيأتي ذكره في اذاعة العاصفة ...

هنا العاصفة ، تلك الإذاعات محدودة البث لساعات قصيرة على ترددات الإذاعات العربية الشقيقة ببرامجها الموجهة لجماهير الأرض المحتلة في فلـسطين ، حيث كانت تفتتح بــشارة موحدة لكل إذاعة على حِــدة فكانت اشارتها كسلام وطني يعزف صبيحة يوم النصر وكهتاف قادم من ليل القهر وعذابات السنيين، فكانت إشارتها تزأر قاطعة سكون الذل والخنوع كانت الشارة تقول:" صوت فلسطين ، صوت الثورة الفلسطينية ، يحيكم ويلتقى بكم ، مؤكدا عهده معكم ، على مواصلة مسيرة النضال ، بالكلمة الأمينة ، المعبرة عن الطلقة الشجاعة ، من أجل تحرير كامل الوطن المحتل ، بالجماهير العربية معبأة ، ومنظمة ، ومسلحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوبا ، وبالكفاح المسلح وسيلة ، حتى تحرير فلسطين ، كل فلسطين .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف