الأخبار
2019/5/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كُن أبيضَ اللون بقلم: مرح بهائي شراب

تاريخ النشر : 2019-04-21
لا يُمكنني إحتكارَ حُبّي للَونٍ واحدٍ فقط؛
أقدرُ أنْ أقولَ أنّي أكرهُ اللونَ (الكمّوني المُصفّر) وحده،
لكن لا، لا أستطيعُ القولَ بحُبّ اللونِ الأسود، أو الزهريّ، أو الأحمر وحده مثلاً..
حصرُ الكُرهِ أمرٌ محمود،
تسييجُ شيءٍ واحد فقط بملامحِ الكُره، ضِمنَ مجموعةٍ كثيرة الشّعب شيءٌ جيّد،
أمّا تقييدُ الحُبّ بإتجاهٍ مُعيّن، هذا مما لا أقدرُ عليه بالطبع..
..
(اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الْطَّيِّبَاتُ) المائدة:آية ٥
ربُّنا أحلّ لنا الطيبات، أل الإستغراقية هنا، تفيدُ الإستغراق والعموم، أي أنّ تلكَ اللفظةَ عامةٌ لا خُصوصَ فيها،
كُلّ طيّبٍ = حلال
ثمّ في موضِعٍ آخر، ذُكِرَ أنّ الخبائثَ حُرّمت.
(وُيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِث) الأعراف: آية ١٧٥
وفي مَوضِعٍ ثالث شَرَع في تِعدادِ هذهِ الخبائثَ فقال:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) المائدة: آية ٣
صحيحٌ أنّ ذاكَ التعدادَ لا على سبيلِ الحصر؛ فمثلاً: حُرّمَ التَبْغُ، رُغمَ أنّه لم يُذكر في الآيةِ، لكنّه لمّا كان داخلٌ في جنسِ الخبيثِ مِن الأشياء، توجَّبَ تحريمه.
وهُنا ينبغي التنبيهُ إلى أنّ المَولى لمّا أحلّ الطّيبات، ولم يشرع في تعدادها، وحرّمَ الخبائث، وشَرَعَ في تعداده؛دلّ ذلك عل أنّ الطّيبَ غيرَ محصور، أمّا الخبيثَ فيمكن حصره.
وهذا من فضلِهِ علينا .. يعلمُ ضَعفَ نفوسَنا؛ فأحلّ الكثيرَ، ومَنَع القليل؛ ليُساعدنا على إتّباعِ أوامرِهِ، وإجتنابِ نواهيه، ويساعدنا على إتّباع الصراط القويم.
..
ومع ذلك؛ يختارُ البعضُ التضييقَ على أنفسِهم، ويُغيّرون سُنن الله في خلقِه، فيقولون بتحريمِ كثير مِن المُباحات مِن بابِ الإحتياط وزيادة التعبُّد،
(وَرَهْبَانِيّةً إبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم) الحديد: آية ٢٧
الحلالُ بَيّنٌ، والحَرَامُ بَيّنٌ، ولا يُعبَدُ الخالِقُ إلّا بما شَرَعَ.
..

أُبيحَ لنا الكثير .. حُرّمَ القليل
أُحِبُّ كلَّ الألوان .. أكرهُ بعضَها

أنا حقاً أحبّ كلّ الألوان؛ لن يفهمَ أحدٌ لم يتناول فُرشاةً أمامَ لَوحةٍ بيضاء ما أقصدُ!
نقِفُ أمامَ اللوحةِ فإذا بها تُناجينا لنُخرجَ ما في أضغاثنا، لنُعبّرَ عن ما بأعماقِنا، لنبوحَ بتلكَ الأحاديث التي لم نكن لنخبرَها لكائنٍ مَن كان.
..
باليتَةُ ألوانٍ، وفُرشاة..
كلُّ لونٍ يُضفي معنىً مُعيّن لتلكَ اللوحةِ الفارغة،
وكلّ لَونٍ بإستطاعتهِ مَنحكَ ضجّةً غيرَ مفهومةٍ مِن المشاعر..
لذلكَ أحياناً لا نستطيعُ فهمَ ما تعنيه لَوحةً ما؛ فنلجأُ لمُكوّنِها حتى يُفهِمَنا ما تعنيهِ لَوحته.
ومُحالٌ مُحال أن نرى فناناً حقيقياً يشرحُ لوحتَه بألفاظٍ سطحية، كقوله مثلاً: "رسمتُها لتُعبّرَ عن حُزني/ سعادتي"
لا، هو سيمسِكُ اللوحةَ وكأنّها مُقسّمةٌ إلى أجزاء، ويبدأُ بشرحِها جُزءاً جزءاً..
أنْ يشرحَها بشكلٍ سطحي = أنّ الفنان مُستَخفٌّ بالسّائل، وربما كان غيرَ متأكدٍ من مشاعره في الأصل

أنْ يشرحَ بصورةٍ مُفصّلة = لقد إختار أن يكونَ صادقاً في التعبيرِ عن ذاته، بعد أن كان صادقاً مع لوحتِه من الخَطوةِ الأولة
..
لقد إنتبهتُ الآن!
ربّما الألوانُ بالفعل هي التي أكسبتني تلكَ القُدرة الهائلة على التعبيرِ عن ذاتي بكلّ طَلاقةٍ، وحُبٍّ، وصِدق في أغلبِ الأحيان.
ورُبّما هي أيضاً مَن أكسبتني القُدرةَ على إكتشافِ ألوانِ بعضِ البشر الوَهمية، الباهتة، المُهترئة..
...
البعضُ يسألني أحياناً: (ويش لونك؟) = (كيف حالك؟) إستهزاءاً على الطريقِ الخليجيّ
أجيبُ: "أسود"، فيضحكُ السائل إعتقاداً منهُ أنّي تماشيتُ مع مزحته.
حسناً، أنا آسفة، أنا لمْ أكنْ أمزحْ أبداً، فقد مررتُ بيومٍ عَصيبٍ للغاية، ولَوني الآن هو الأسود، وأخشى أن يزداد قتامةً لو إستمرّ حديثي معكَ.
...
لَوني وأنا أكتبُ حالياً هو (الأبيض)
ليس لأنّ الحياةَ تحسّنت، وأصبَحت أقلّ صَرَامةٍ معي، أنا مَن قرّرَت إختيارَ اللونِ الأبيض تحتَ أيّ ظرف،
أن أكونَ بيضاء، قلبٌ أبيض، روحٌ بيضاء، نيّةٌ بيضاء، ظنٌ أبيض، أفكارٌ بيضاء..
أنتَ كقارئ إيّاكَ أنْ تجعلَ عينيكَ بيضاوتان؛ ويجبُ أنْ تحتفظَ بلونِ عينيكَ التي خُلِقتْ به، إن عَسَليٌّ فعَسَليّ، وإن أخضرٌ فأخضر..
العينُ البيضاء هي الشيء الوحيد غير المَرجو في هذا السّياق..
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور: آية ٣
..
وكما أفهمُ أنا، غضُّ البصرِ غيرَ محصورٍ في منعِ إطلاقِهِ عن الجنس الآخر فقط،
نغضّ أبصرانا عن عيوبِ الآخرين، فيُغلقُ بابُ النّميمة
ونغضُّها عن محاسِنِهم، وأنعُمِ اللهِ عليهم، فيُغلقُ بابُ الحسد
ونغضّها عن أموالِهم، فيُغلقُ بابُ السّرقة
ونغضّها عن قلوبِهم، فيُغلقُ بابُ الإفتتانِ المُحرّم
ربطتُ القلوبَ بالإفتتانِ؛ فقد تيقنتُ حديثاً أنّ الإفتتانَ الصادقَ الخالدَ إنّما يكونُ بالقلوبِ وحدها..
فكلّ ما سوى القلوب زائلُ..
والسّلام!
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف