الأخبار
2019/5/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الإنسان السائل بقلم: د. محمد عبدالله القواسمة

تاريخ النشر : 2019-04-20
الإنسان السائل
د. محمد عبدالله القواسمة
لا شك في أن العصر الذي نعيش فيه لم تشهد البشرية مثله منذ وجودها؛ فقد تميز بانفجار المعلومات، والتقدم الهائل في التكنولوجيا ووسائل الاتصالات؛ ونتج عن ذلك تقليص الزمان وتقريب المكان، وسرعة التغير في مشاعر الناس وعواطفهم وأفكارهم، لقد انتقل الإنسان من عصر الصلابة، عصر اليقين والثبات الذي ساد في المئة عام الماضية إلى عصر اللايقين والتغير، أو ما يسميه عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان(1925-2017) عصر الحداثة السائلة.
من المعروف أن الإنسان ابن بيئته ولا يمكن أن ينجو من تأثيراتها مهما كان مشدودًا إلى الماضي، وقد بدأ تأثير التكنولوجيا الرقمية قويًا وملحًا في بيئتنا العربية، وسرى التغير في مقومات العيش الإنساني، وبدأ يسود منطق الاستهلاك لكل شيء حتى القيم والعلاقات الاجتماعية. ولم تنجح المحاولات الفردية في إيجاد حلول للمشكلات التي نجمت عن هذا الوضع. هكذا ظهر ما يمكن أن أسميه الإنسان السائل تماشيًا مع أطروحات باومان في مؤلفاته التي تناولت مظاهر السيولة في الحياة، والحب، والأخلاق، والأزمنة، والخوف، والمراقبة، والشر.
ويتميز هذا النوع الإنساني بالخوف، وعدم القدرة على تطوير الذات، واضمحلال علاقته بالآخرين، واقتصار تواصله معهم على التكنولوجيا. لقد غدا بلا حواجز بينه وبين غيره؛ فتكشفت أحواله الشخصية، وظهر عاريًا من خلال وسائل التكنولوجيا؛ إذ يستطيع الناس أن يشاهدوا ــ إذا ما شاءوا ــ ما يقوم به، وما يأكله، وما يلبسه، ويتنصتوا إلى ما يقوله، وقد يعرفون ما يدور في عقله. لقد أصبح كأنه ابن قرية صغيرة يعرف سكانها بعضهم بعضًا. وإذا كان أهل القرى يحس بعضهم بآلام بعض فإن الإنسان السائل لا يعبأ بهموم غيره، ويسير في الحياة وحده كما النهر لا يبالي بمن حوله، ويمضي إلى هدفه حتى يظفر به. إنه يندفع في الحياة دون أن يفكر في غيره إلا بمقدار ما يشبع أطماعه ورغباته. فتتجمع الثروة في يده، دون أن يهتم بالفقراء، ويبني المراكز التجارية دون أن يهتم بأصحاب الحوانيت الصغيرة، ويقيم الشركات الضخمة ليقضي على الشركات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما أن هذا الإنسان لا يعبأ باللغة القومية أو الوطنية؛ إذ يكتفي من لغة العصر بما يمكنه من استخدام التكنولوجيا الرقمية. ولا عجب أن يظهر في وسائل التواصل الاجتماعي مدعيًا أنه من أصحاب الأدب الرفيع، وأصحاب الخبرة والمعرفة، فنراه يبدي رأيه في كل شأن.
إن الإنسان السائل يفتقد الهدوء الروحي، بعد أن أصبحت الحياة سائلة أو غير مستقرة بسبب المعلومات سريعة التغير، والخيارات اللامتناهية، ولاستغراق في الاستهلاك، وغياب المصداقية، والاهتمام بكل جديد، وتفكيك المنظومات الثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها.
لقد حث باومان بعد أن درس الحياة المعاصرة في كتبه السائلة، وبخاصة كتابه" الحداثة السائلة" على ضرورة إنقاذ الإنسان من حالة السيولة هذه بتوجيهه نحو الجماعة، وتقوية مهارات التفاعل مع الآخرين، حتى يعوض ــ كما قال ــ" الخذلان الفردي الكبير الذي ينتج عن الإطاحة بالماضي، وتكريس اللحظة الراهنة".
وإلى مثل هذا ذهب أمبرتو إيكو الروائي والمفكر الإيطالي، فدعا الإنسان أن يعيد النظر في هذه السيولة التي وقع فيها، ويحاول أن يستخدم وسائل هذا العصر فيما يجعله إنسانًا يحس بالآخرين، كما دعاه إلى أن يعود إلى الشرائع والقوانين التي تحمي خصوصيته، وتقدره إنسانًا له كرامته وحياته الخاصة؛ حتى يعيش دون أن تصيبه أمراض هذا العصر من كآبة، وإحباط، وغربة.
وخلاصة القول إن الإنسان السائل هو إفراز لهذه المرحلة الرأسمالية المتوحشة التي طوعت التكنولوجية لمصالحها الخاصة، وتركت الإنسان يعيش منعزلًا عن غيره، وفريسة للتغيرات المتسارعة في كل شيء، تلك التغييرات التي نقلته من مرحلة العقل واليقين إلى مرحلة السيولة والمرونة، وأبعدته عن ماضيه وتراثه، وجعلته يغرق في اليأس والكآبة، ويكون عبدًا لهذا العصر، ولا أمل له في الخروج مما تردى فيه إلا بالعودة إلى القيم الإنسانية والروحية التي فقدها.
[email protected]
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف