الأخبار
2019/4/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

اليسار يقود ثورة فعلية

تاريخ النشر : 2019-04-15
اليسار يقود ثورة فعلية
اليسار السوداني يقود ثورة فعلية
د. سامي محمد الأخرس

قبل انتهاء الحلقة الأولى من أحداث المنطقة العربية، انطلقت الحلقة الثانية وعلى وجه التحديد في السودان الذي خرجت جماهيره رافعة شعار ثورة الخبز، والتي كانت الشرارة التي سرعان ما تلقفتها القوى اليسارية السودانية لإعلان العصيان على حكم امتد لمدة ثلاثة عقود شهدت خلاله البلاد حكمًا تحت راية الإخوان المسلمين التي اختلفت فيما بينها، وانقسمت على نفسها بين مرشدها وزعيمها الترابي وبين رئيس النظام البشير، حقبة لم يشهد بها السودان أي مظاهر للنمو سواء المجتمعي أو السياسي أو الاقتصادي، بل تدهورت أحوال وأوضاع البلاد سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا بما أن الجنوب السوداني تم منحه استقلالًا رغم ثرواته النفطية والاقتصادية الكبيرة، وغابت مظاهر العدالة المجتمعية بل وانهار الاقتصاد السوداني، وتحولت السودان لدولة الحزب والرئيس.
ماذا حدث بالسودان:
الأحداث السودانية لم تكن وليدة ارتفاع أسعار الخبز بل هي تراكمات شهد السودان العديد من مؤشراتها، ففي عام 2013 خرج الشعب السوداني مطالبًا بحقوقه ومطالبيه المجتمعية إلا أن النظام السوداني استطاع التعامل مع هذه الحركة أمنيًا وقمعها بشكل قاسي، وزج بعناصر وقيادات المعارضة(اليسار) في المعتقلات والسجون، وخاصة قواعد الحزب الشيوعي السوداني، والنقابات المهنية، ورغم هذا الحرّاك لم تغير الحكومة السياسية من سياساتها ولم تستشف أن الشعوب بدأت بالتململ واستمرت في سياساتها وتصدير أزماتها الاقتصادية للمواطن السوداني عبر رفع الضرائب، ورفع الأسعار، والتغول على حقوق المواطن لصالح فئة وحزب واحد، مما أدى لإنهيار اقتصادي عام بالرغم من دعم دول الخليج وتخفيف الولايات المتحدة لحصارها على السودان، وتدخل تركيا أيضًا إلا أن الأوضاع الداخلية السودانية استمرت بالانهيار والتردي ومرت البلاد بأزمات الوقود وارتفاع الأسعار، وتراجع وانهيار الجنية السوداني، وركود بالاقتصاد السوداني، وتحولت الاستثمارات الأجنبية لسيف على رقاب الشعب السوداني، والفئات محدودة الدخل، وعم الفساد كل مكونات المؤسسات السودانية دون أي خطوات اصلاحية فعلية من النظام والحكومة، ومع ارتفاع أسعار الخبز في أواخر العام الماضي خرج الشعب السوادني في معقل الحزب الشيوعي السوداني في عطبرة في التاسع عشر من ديسمبر 2019لتتحرك جماهير الشعب السوادني بكل ولايات السودان، لتعبر عن غضبها على أحوال البلاد وتغول النظام على مقدرات الشعب السوداني، وواجهت الحكومة السودانية هذه التظاهرات باتجاهين (العصا والجزرة)، العصا وهي المعالجة الأمنية والتصدي بعنف وقسوة للمتظاهرين وللقيادات اليسارية والنقابية، واعتقلت الألاف من أبناء اليسار والشعب السوداني، وملاحقة الشباب السوداني الذي سقط منه عشرات القتلى، أما الجزرة فقد خرج البشير وحزب المؤتمر ببعض القرارات أهمها عدم نية الرئيس التنحي إلا بعد إنتهاء ولايته، مع الإعلان بعدم ترشحه لولاية جديدة، وإقالة الحكومة وولاة الولايات، والعودة على رفع أسعار الخبز ...إلخ من القرارات التي تبدو مستهلكة للحركة الوطنية السودانية والشعب السوداني الذي رفض إلا الإستمرار في ثورته، وهنا يتضح أن الحزب الشيوعي والقوى اليمقراطية السودانية إنها استفادت من تجارب الشعوب العربية، ومن تجربتها السابقة عكس النظام وحزب المؤتمر الذي يبدو أنه قد استوعب مما يدور في دول الجوار العربي، وعليه فقد طورت المعارضة السودانية بخطوة ذكية وحاسمة تصعيد ثورتها بدفع الجماهير للإعتصام أمام مقر قيادة الجيش العامة في الخرطوم وهي بتلك الخطوة وضعت الجيش أمام خيارين هما: الأول: أن يخرج للشعب السوداني بمؤسسة وطنية وجيش وطني يحمي ويدافع عن الشعب السوداني، وبذلك مهاجمة النظام بمؤسسة الجيش الركيزة الأساسية للبشير ومؤسسته التي تخرج منها وصعد للحكم عبرها، وتجريده من قوته الرئيسية، الثاني: أن ينحاز الجيش للنظام ويعبر عن نفسه كأحد أدوات النظام وبذلك فقدان الثقة به من الشعب السوداني ومواجهة المعتصمين وانزلاق البلد في فوضى عارمة، ومع اليوم الثاني من الاعتصام بدى الجيش السوداني أششبه بحالة انقسام حيث اصدر بيانات متباينة منها من يدعو للاستجابة لمطالب المعتصمين والشعب السوداني، ومنها من يؤكد على ضرورة الحلول السلمية ولا نية لعزل الرئيس، وتحرك جزء من الجيش لحماية المعتصمين من هجمات قوى الأمن مما تطلب تحرك سريع قبل أن تتدهور حالة الإنقسام في الجيش فجاء السيناريو الذي ظهر وكأنه توافق بين الرئيس وقيادة الجيش على عملية التسليم والتسلم، ومباغتة القوى التي تقود الثورة سياسيًا، حيث أعلن الجيش عن تشكيل مجلس عسكري بقيادة وزير الدفاع ونائب الرئيس بن عوف لفترة انتقالية لمدة عامين، والتحفظ على الرئيس البشير في مكان آمن، وعدم نية الجيش لعزل حزب المؤتمر الوطني في المستقبل أو اقصائه، والتي بدى الجيش بحالة مرتبكة غير واضحه حتى أنه لم يسمي أعضاء المجلس العسكري، وهو تأكيد على الخلافات الكبيرة في هذه المؤسسة، كما أن قوى المعارضة وخاصة اليسار والنقابات المهنية، أدركت ما يدور رافضة البيان، ورافضة تشكيل المجلس برموز النظام، ووصفت ما يحدث بأنه عملية تسليم وتسلم للسلطة، فلم تحتفل قوى المعارضة ورفضت فض الاعتصام وأكدت على مواصلة نضالها حتى تحقيق مطالب الشعب بعزل النظام واسقاطه برموزه ومؤسساته، مما دفع رئيس المجلس ونائبه للتنحي في اليوم الثاني عن رئاسة المجلس.
السودان ثورة يسارية فعلية:
من خلال التجارب السابقة في المنطقة العربية والتي كانت جماعة الأخوان المسلمين تتصدر المشهد الشعبي، ورأس الحربة في حراكات الشارع العربي والتي من خلالها قادت هذه الحراكات لأهدافها وغاياتها الحزبية الضيقة التي تستهدف الوصول للسلطة سواء في مصر أو اليمن أو تونس أو ليبيا أو سوريا لم تنجح أي ثورة من هذه الدول من تحقيق شعاراتها الكبيرة بالعدالة المجتمعية لأن من قفز على ظهرها جماعة كانت لا تستهدف أكثر من الوصول إلى السلطة والحكم، وتمكين الجماعة التي تناضل منذ عقود للوصول لهذه الغاية، لذلك كانت تعم الاحتفالات والمهرجانات مجرد تنحي الرئيس في أي دولة، ويتم فض التجمعات والاعتصامات ويبدو الأمر وأن الهدف تحقق والنصر تحقق، لأن الأهداف كانت تحدد بدوائر ضيقة ومخططة لمراحل قادمة عبر الوصول إلى الحكم، لذلك انتهت كل الحراكات العربية إلى فوضى وصدام عنيف، وأزمات عميقة كما حدث في مصر وتونس على وجه التحديد والتي تواجه فوضى مسلحة من بقايا هذه الجماعة وجماعات مسلحة أخرى، تحاول ضرب البنى الأساسية للدولة ومؤسساتها، أما في السودان فمجرد اعلان الجيش الاستجابة لمطالب الشعب لم تحتفي أو تعلن الانتصار قوى اليسار الديمقراطي والنقابات بل عبرت عن رفضها لما جاء بالبيان وأكدت إنها ستواصل ثورتها وثورة الشعب حتى تحقق مطالبه العادلة، مما يؤكد إنها قوى ثورية تنطلق من مبادئ وايديولوجيا ثورية تنحاز للطبقات المهمشة كما حدث في حراك الشباب الفلسطيني في غزة قبل عدة أيام (بدنا نعيش) والتي انحاز لها اليسار الفلسطيني غير طامعًا بسلطة أو بحكم وإنما من منطق النصير للمستضعفين من فئات المجتمع المهمشة كما هو الحال في القوى السودانية اليسارية التي لا زالت متمسكة بمطالب الجماهير والفئات المهمشة رافضة الاحتفال بالنصر أو محاولة استغلال الحدث ومساومة الجيش على مكتسبات مستقبلية في السلطة والحكم، بل تمسك بمبادئ العدالة المجتمعية، وأكد على عدم المساومة على تلك الحقوق إلا بضمان حقوق الثورة والشعب السوداني. من هنا فإن ما تحقق هو ثورة فعلية تستهدف حقوق المواطن ومطالبه وليس مجرد ثورة لأهداف حزبية ضيقة.
مخارج الأزمة السودانية:
مع تسارع وتيرة الأحداث خلال الأيام الثلاثة السابقة فإن كل المؤشرات تؤكد أن اليسار السوداني وقوى الثورة الديمقراطية السودانية يدركوا الخريطة السياسية السودانية، ويدركوا ضرورة الاستمرار بالثورة حتى تحقق كل مطالبها دون الرجوع للخلف، هذا الإدراك هو نتاج حقائق على الأرض بأن حزب المؤتمر وجماعة الأخوان المسلمين مسيطرون على المكونات السودانية عامة خلال العقود الثلاثة السابقة، كذلك استدراك تجارب الشعوب العربية التي شهدت ثورات شعبية وما آلت إليه أحوالهم، وإدراك لخصوصية الساحة السودانية وطبيعتها وتركيبتها، وكذلك الإدراك الواعي لما حدث من الوهلة الأولى ومن خلال البيان الأول للجيش السوداني، فكان الرد حاسم جازم، وتفويت الفرصة للمناورات التي حاول الجيش وقيادته أن يسوقها للشارع السوداني، فبيان الجيش غير واضح وغير معلوم الخطوط بل ترك الباب مشرعًا لعودة سيطرة حزب المؤتمر على مقدرات الشعب السوداني، وعليه فمحاولات الجيش السوداني لراب الصدع في مؤسسته ووأد أي محاولة انقسام من خلال اللجوء لحلول وسطية تلبي رغبات الحزب الحاكم وبعض مفاصل الجيش والشعب إلا أن المعارضة وقوى الثورة اليسارية أفشلت هذه المناورات من خلال التأكيد على مطالب الجماهير العادلة، وحقها بحلول جذرية وليس معالجات مؤقته، وهي تدرك أيضًا أن السودان يمر بمفترق سياسي خطير وأي مغامرة تؤدي لإنزلاق البلاد في فوضى عارمة، وصدامات مسلحة عنيفة بما أن حزب المؤتمر يمتلك العديد من التشكيلات المسلحة، والتركيبة القبلية للمجتمع السوداني، والعديد من المليشيات المسلحة التي كانت تواجه النظام عبر العقود السابقة، وعليه فهناك العديد من السيناريوهات التي يمكن أن يشهدها السودان في أزمته الحالية:
أولًا: أن يتم تشكيل حكومة انتقالية مدنية تشكلها الأحزاب السودانية، والقوى الديمقراطية السودانية، والجيش السوداني، والأجهزة الأمنية لفترة انتقالية لا تتجاوز العام يتم خلالها تهيئة السودان لانتخابات عامة لكل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والولايات.
ثانيًا: أن يقود السودان مجلس عسكري من الجيش السوداني لفترة انتقالية ثلاثة إلى ستة أشهر يتم من خلالها تعديل الدستور، وتعديل نظام الانتخابات والإعلان خلال عن موعد الانتخابات العامة شريطة أن لا يرشح لها أي عضو من مؤسسة الجيش الحالية.
ثالثًا: أن تُصر قوات الجيش على خطواتها من خلال اعلان الطوارئ، وفض الاعتصامات بالقوة واللجوء للحلول الأمنية والعسكرية وهو سيناريو بكل حالاته سيؤدي لحالة صدام عنيفة بين قوى الشعب السوداني وجيشه الوطني ربما تؤدي لانقسامات عنيفة في مكونات الجيش وصدامات عسكرية تنزلق بالسودان لحالة احتراب شاملة تستغلها العديد من القوى المتربصة بالسودان.
رابعًا: أن يتم التوافق بين القوى السودانية والجيش على ترشيح شخصية مدنية سودانية مستقلة تشكل مجلس طوارئ يقود السودان مدنيًا لفترة انتقالية لمدة عام يتم خلالها تهيئة السودان لانتخابات عامة، ووضع أسس واستراتيجيات للتخفيف عن كاهل المواطن السوداني مؤقتًا، وصياغة دستور مدني يكفل للجميع الحقوق.
وعليه فإن المستقبل يحدده ملامح الأيام القادمة والتي من المؤكد أن جميع الأطراف وخاصة قوى الثورة واليسار لن تنحو بالسودان إلى الإنزلاق في أتون فوضة وفلتان وصدامات، كما إنها لن تسمح باستمرار النظام بمؤسساته ورموزه لأنها قوى ثورية تستهدف العدالة المجتمعية للمواطن السوداني، وعليه فإنها ستكون أكثر توافقًا مع أييولوجيتها الثورية المبدئية القائمة على وحدة السودان وسلامته.
الثالث عشر من إبريل(نيسان) 2019
[email protected]
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف