الأخبار
2019/6/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

هل يحق لنا أن نحتفل بعيد الاستقلال الموهوم؟ بقلم:محمّد علي القايدي

تاريخ النشر : 2019-03-25
هل يحق لنا أن نحتفل بعيد الاستقلال الموهوم؟ بقلم:محمّد علي القايدي
يعجبني الإبحار في قواميس اللغة والمعاجم بغية شرح معاني الكلمات وتفكيك المفردات وتفسير مدلولاتها ومعرفة تأويلاتها ومضامينها وتحديد مفاهيمها ، علما وان الكثير منها يتغير مفهومها حسب مكانها في الجملة أو النصّ . وارتأت نفسي هذه المرّة بمناسبة 20 مارس 1956 تفسير وتوضيح معنى الاستقلال لكل المهتمين بالموضوع ، لكن استقلال ماذا عن ماذا ؟؟؟؟ كل القواميس متّفقة على أن كلمة الاستقلال جاءت من فعل استقلّ وهو فعل سداسي يفيد الطلب ، نقول استقلّ البلد أي استكمل سيادته وانفرد بإدارة شؤونه الداخليّة والخارجية ولا يخضع في ذلك لرقابة دولة أخرى . واستقلّت البلاد وأعني تونس منذ 63 سنة يعني لغويّا تحرّرت من براثن المستعمر وسياسيّا معناها نالت سيادتها واستكملتها وصارت تدير جميع شؤونها بنفسها وتتحكّم في خيراتها فوق الأرض وتحت الأرض على امتداد كامل التراب التونسي.وسؤالنا الذي طالما ردّدناه هل نحن مستقلّون حقّا ؟؟؟ و هو سؤال بديهي قد يختلف بعضنا في الإجابة عليه ، إلاّ أنّ كثيرا من السّاسة والمؤرّخين الثقات كانوا قد شكّكوا في كوننا مستقلّون عن فرنسا ، حتّى جاءنا الخبر اليقين والصادم عن طريق "هيئة الحقيقة والكرامة " التي ترأسها السيدة "سهام بن سدرين "وهي مشكورة على ذلك لكونها رفعت كلّ التباس وكشفت لنا الكثير من الحقائق المخفيّة والممنوع الحديث أو البحث فيها سابقا ولاحقا . هذه السيدة استطاعت بعد عناء شديد الوصول إلى أرشيفنا الوطني الموجود بحوزة كلّ من فرنسا وألمانيا وأمريكا وتمكنت من استعادة جزء قليل منه وتبيّن لها أن عديد الوثائق قد اختفت ربّما لأهميتها أو لما تحتويه من أسرار وتنازلات خطيرة لا يعلم بمضمونها إلاّ الله ومن صاغوها بطبيعة الحال ، تدين الجانب التونسي المفاوض الذي قبل بها إمّا كرها أو عن طواعية . وما كشفت عنه المرأة الحديديّة السيدة "سهام بن سدرين "من وثائق صادمة ومزلزلة تطيح نهائيّا بكذبة " المجاهد الأكبر" و" الزعيم الأوحد " لم يكذبها رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي باعتباره محاميا عايش الوقائع ومتابع للأحداث التي حفّت باتفاقيات الاستقلال الداخلي والتام . فلولاها لما ظهرت كثير من الحقائق التي تعمّدت حكومة الاستقلال بزعامة "بورقيبة " إخفائها عمدا لما فيها من تنازلات للجانب الفرنسي مقابل جلوسه على عرش تونس ومكاسب لم يستطع المستعمر الفرنسي تحقيقها طيلة 75 سنة من الإستعمار السياسي والعسكري المباشر ، وكان هذا جوهر وسبب الخلاف بين الرجلين صالح بن يوسف وبورقيبة . قبل الاستقلال بسنة أي عام 1955 وقّعت تونس على وثيقة الاستقلال الداخلي والتي تعلّقت بتنظيم كل المجالات الأمنية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية وغيرها ، لكنّها لم تضمن الحقوق الدنيا لحماية مصلحة الدولة التونسية ، بل أعطت امتيازات مجحفة للمستعمر الفرنسي واليد الطولى في استغلال الأراضي التونسية واستنزاف خيراتها الباطنية وخاصة المواد الطاقية ، دون أن يكون لتونس نصيب ممّا يستخرج من أراضيها ولا الحق في تغيير العقود أو مراجعتها.وهو مشكل عويص يتطلّب حلاّ جذريا وعاجلا .
وفي ظل ضعف القدرة التفاوضية للدولة التونسية وعدم جدّيتها مع شركات النفط الفرنسية الناهبة ، واصلت فرنسا بعد 20 مارس 1956 استنزافها المجحف لثرواتنا الطبيعية ، مما كبّدنا خسائر مالية طائلة لو وجّهت نحو البناء والتشييد لكان حالنا أفضل مليون مرّة ممّا نحن عليه اليوم وهذا نتيجة خنوع وضعف الوفد المفاوض التونسي وقبوله بشروط المستعمر المذلّة أي اننا لازلنا نعاني من تداعيات تلك الفترة المظلمة والتركة الثقيلة . في تلك الفترة كانت الاجواء الدولية لصالح تونس وسانحة لتحسين شروط التفاوض لأن فرنسا في حالة تقهقر . إذ في غرة نوفمبر 54 اندلعت شرارة الكفاح المسلّح في كامل تراب الجزائر بقيادة جبهة التحرير الوطنية والتي زلزلت أركان فرنسا وأربكتها إلى جانب هزيمتها المدوّية في معركة "دان بيان فو" في الفياتنام عن طرق" الفياتكونغ " بقيادة "الجنرال جياب "وانسحابها مكسورة الجناح من منطقة شرق آسيا . بقي الشعب التونسي وإلى أيّامنا هذه لا يعلم بالوثاق السرّية التي أمضاها الوفد المفاوض التونسي بقيادة الطاهر بن عمّار بإيعاز وتشجيع من" بورقيبة " مع سلطات الاحتلال ولم يطلع على بنودها إلا عدد قليل من السياسيين , من الوثائق التي تم الحصول عليها تلك المتعلقة باتفاقيات ابرمت سنة 55 تتعلق باستغلال فرنسا لكل "خبايا الأرض " من نفط وملح وماء وفسفاط وغيرها من الاتفاقيات دون إلغاء أيّ منها والتي مازالت سارية المفعول إلى يومنا هذا . فهل من مشكّك بعد كل هذه الحقائق الفاضحة والتي تؤكّد دون شكّ أنّ استقلالنا غير تام وأنّه لا سيادة لنا على ثرواتنا النفطية والمنجمية المنهوبة من قبل الشركات الاستعمارية الفرنسية منذ الاستقلال الموهوم وحتى يومنا هذا . بعد هذه الحقائق الصادمة والتفاصيل المؤلمة ليس من حق أي وطنيّ غيور وحرّ واستقلال بلده منقوص أن يحتفل بما يسمّى عيد الاستقلال . من منّا يقبل باستمرار سرقة خيرات بلاده ونهب ثرواته ؟ أليس من حقنا المطالبة بوضع حد لمثل هذه المهازل وإعادة النظر في كل الاتفاقيات المجحفة والمهينة ؟ أليس من حقّنا استرداد بعض من كرامتنا المسلوبة و مطالبة الحكومة الفرنسية بدفع تعويضات لنا عن تلك الاضرار الجسيمة التي لحقتنا من 56 إلى يومنا هذا ؟؟ والاعتراف بنهب ثرواتنا و الاعتذار للشعب التونسي على الحقبة الاستعمارية المظلمة وما تلاها من تدخلات سافرة في شؤوننا ؟ الأستاذ : محمد علي القايدي. باجة في 24 مارس 2019 باجة . تونس
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف