الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

محمد وردى و الكلمة الحلوة بقلم:وجيه ندى

تاريخ النشر : 2019-03-25
محمد وردى و الكلمة الحلوة بقلم:وجيه ندى
محمد وردى والكلمه الحلوه
وجيــه نــدى بحار كل الفنون و الحياه الفنيه للفنان والمطرب السوداني محمد وردي أحد أعلام الغناء العربي - يتمتع محمد وردي بمكانة خاصة بين الأصوات الغنائية السودانية تعود إلى صفات صوته ومواصفات غنائه واللون الذي اشتهر به في تقديم هذا الغناء.
والمكانة الخاصة التي يشغلها غناء محمد وردي تعود لتعدد لهجات تعبيره عن فئة فهو يغني بالعربية الفصحي مثلما يغني بالعامية السودانية وكما يغني باللهجة النوبية ممتدة الانتشار من جنوب مصر إلى شمال السودان، وهو في كل هذه اللهجات يقدم وحدة التعبير الذي يتميز به غناؤه وحيث يبدو الطابع الذي يعطي هذا الغناء ملامحه من دون أدني تعارض بين الطابع العام لغناء محمد وردي واعتبارات التلوين والتنويع التي تسمح بالتجدد والعطاء في هذا الغناء.
والمطرب محمد وردي يغني منذ منتصف الخمسينيات وتعود شهرته إلى بداياته من إذاعة ركن السودان التي كانت تبث برامجها من مصر وهي التي تغير اسمها إلى إذاعة وادي النيل، وبجانب انطلاقه من إذاعة ركن السودان ينطلق صوته أيضا من إذاعة أم درمان في السودان بل ومن أكثر من إذاعة أخري في شرق أفريقيا كإذاعات مقديشيو وهرجيا وجيبوتي وأسمره حيث اللسان العربي والوجدان العربي في الصومال وجيبوتي وإرتيريا الأمر الذي جعل للألحان التي يقدمها والأغاني التي يؤديها مردود الانتشار والصدي ليس في السودان وحدها ولكن أيضا في جنوب ليبيا وفي تشاد والنيجر ومثلها في الصومال وأثيوبيا وإريتريا بل وحتى أوغندا في جنوب السودان وعند منابع نهر النيل.
ويقوم غناء محمد وردي في صورته العامة على الأغاني التي تعتمد في عزفها وأدائها على السلم الأفريقي الخماسي الذي يختلف عن السلم السباعي المعروف في الموسيقى العربية والشرقية وحيث حروف السلم الموسيقى سبعة تتصاعد حرفا بعد حرف بينما أنغام الموسيقى السودانية والنوبية تقوم على الأنغام المنتظمة التي تغيب فيها انتقالات التلوين ويبدو فيها الاستعراض والمط والتطويل اللحني حتى وإن بدت أنغام هذه الموسيقى وهي في حالات القفز من مقام إلى آخر عبر الإيقاع الأفريقي الذي يقوم على خماسي الصوت وحيث اعتاد الناس في هذه البقاع العربية من منطقة الجوار العربي الأفريقي ومن خلال خط التماس بين الأجناس العربية والأفريقية على تبني هذا اللون من الغناء الذي صحب نشأة الموسيقى وفنون الغناء في تلك البقاع من الأرض العربية والذى ارتبط قيام الموسيقى والغناء فيها مع التعبير عن المناسبات والأعياد التقليدية حيث الميلاد والزواج والحصاد والزراعة والرعي والقنص والهجرة وكان هذا الغناء يجري بصحبته بعض الآلات الموسيقية وثيقة الصلة بالبيئة وكانت في البداية آلات النفخ والدفوف والطبول ثم دخلت عليها الآلات الوترية القريبة من العود والربابة.
ولقد انتشر الغناء السوداني في وسط وشرق قارة أفريقيا بسبب طبيعة الهجرات العربية السودانية إلى وسط وشرق وغرب القارة وحيث عرفت بلاد مالي باسم السودان الفرنسي تفرقة له عن السودان العربي الذي كان يعرف في القرن الماضي باسم السودان المصري الإنجليزي، وفي خلال تلك الحقبة انتشرت الأغاني السودانية مع رحيل القبائل وجماعات الرعي والزراعة وحيث كان من أشهر هذه الألوان الشعبية في الغناء السوداني غناء الفلاتة والذى عبرت عنه في السنوات الأخيرة المطربة السودانية عائشة الفلاتية التي تعد من جيل محمد وردي غير أن تعبيرها الغنائي يعد من النوع الشعبي التلقائي والارتجالي بينما يعرف غناء محمد وردي اهتمامات واتجاهات أخري فيها من خطوط وظلال الغناء العربي قيام هاذ الغناء على التلقين وحفظ الأعمال التراثية واستخدام الطاقات الصوتية بالفطرة ثم بالتدريب والاجتهاد الشخصي.
لقد عبر محمد وردي في أغانيه عن طموحات شعبه التي خذلتها بعض الأنظمة التي عبرت السودان ولم تستقر ولم تحقق هذه الطموحات التي طرحت عبر وعودو وشعارات وأهداف لم يتحقق لها القدرة على التنفيذ وبسبب هذه القناعات تعرض الفنان محمد وردي للصعود والارتقاء وللعقاب والاختفاء مع بتدل الظروف وحيث تعرض هذا الفنان للاعتقال أكثر من مرة ومن خلال أكثر من عهد من العهود التي تمكنت من السلطة في بلاده.
وعندما بدأنا في قراءة هذه السطور في صوت المطرب محمد وردي وجدنا العديد من تسجيلاته والذى يدور مضمونها حول مناسبات وأحداث عبرتها أمته ولم يعد من الإمكان النظر إليها إلا في ضوء أنها أعمال لمناسبات مضت ولم تعد مؤثرة في وجدان المستمع ومثلما الحال في غنائيات أخري منسوبة له وتتجاوز حاجز الغناء للمناسبات والأشخاص ولتتصل بمشاعر الناس وهمومهم وطموحاتهم وأفراحهم ورغبتهم في الخلاص.
وأغلب تسجيلات المطرب محمد وردي المتاحة للاقتناء في سوق الصوتيات ومبيعات الكاسيت لا نجد عليها أسماء المؤلفين والملحنين وحيث يكتفى فقط باسم المطرب وليبدو الأمر وكأن العمل الغنائي بمفرداته المختلفة منسوب إلى المغني ومن المعروف أن المطرب محمد وردي يغني الألحان التي يضعها بنفسه لأغانيه والتى تنتشر أيضا عبر غيره من الأصوات التي تعجب بألحانه وتستأذنه في غنائها ومثلما فعل المطرب محمد منير وهو من أشهر الأصوات من الجيل التالي لجيل محمد وردي أي جيل عبد الحليم حافظ عندما قدم المطرب محمد منير أغنية محمد وردي "وسط الدايرة" من خلال عزف وأداء وتوزيع موسيقى جديد.
والاستماع إلى غنائيات محمد وردي في مراحله الغنائية المختلفة تؤدي بالمستمع إلى التعرف على اختلافات الأداء وتمكن الصوت وقدرته على تصوير الألحان والانتقال بها من طبقة إلى أخري عبر المراحل التي مر بها هذا الصوت من الخمسينيات وحتى التسعينيات وحيث التغيير الذي يطرأ على الصوت وهو أمر طبيعى مرجعه فعل الزمن والتجربة والقدرات المكتسبة وحيث الحرص على الصوت وتنمية حدود نطاقه.
وفي غنائيات محمد وردي التي يحرص في عدد كبير منها على الدخول الشبيه بالغناء الحر القريب من الموال المتفق عليه والذى يصاحبه الإيقاع الذي يعطي للصوت فرصته في التمديد من ناحية الدرجة والمقدار وحيث تبدو تمديدات الصوت بمثابة طبقات نغم متتالية مختلفة الكمية وتدل عليها مقادير تلك النغم وحدودها في المتواليات الصوتية.
ومع حرص محمد وردي على استعراض مهاراته الصوتية يبدو أيضا حرصه الغنائي على أداء الألحان المقرونة بالقول الدال على المعني، وتلك واحدة من قيم الأجناس الموزونة بالإيقاع.
يتضح أيضا في غنائيات محمد وردي حرصه علي مستوى الكلمة التي يلحنها ويغنيها وعلى نحو نلحظه في الأغنية التي يقول فيها:
"عطشتي قلبي وكل يوم تتجملي ما تخجلي يا سمحة قومي استعجلي".
وهو أمر بين وصريح في غالبية أغنياته عندما يبدو الصوت في أحلي حالات صفائه وعذوبته وقوته وبعيدا عن إرهاق الظروف والبعد عن الصيانة الصوتية وهو أمر وارد بالنسبة لأغلب من يتصدون للغناء في زمن تغيب فيه المقاييس السليمة ولا يعتدل فيه صحو المناخ العام.
يبدع محمد وردي عندما يغني في حالات الصفو وهو يقدم أغانيه العاطفية التي تميل إلى الأغاني الرومانسية ومثلما الحال في أغنيته "أحلي غرام" وأغنية "لا ما أنساك" "صبرت نفسي" وأغنية "الكلمة الحلوة" ثم في أغنيته التي يقول فيها هذه المعاني الرقيقة.
يحرسك من عين الناس. الله - يا روعة سحر الأسطورة. - توعدنا تفضل في الصورة.
وصوت محمد وردي يحمل مقومات وعناصر تكوينه الصوتي وحيث تأثر محمد وردي بالغناء الشعبي وغناء القبائل الرحل في وطنه السودان، كما تأثر بألحان الأجيال العربية التي سبقت احترافه وفي الصدارة منها أسماء مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطراش ومحمد فوزي ومحمد الشريف وغيرهم وحيث تعرف على التصوير اللحني ووضع المقدمات الموسيقية للأعمال الغنائية التي تصدي لتلحينها وبعد تعرفه على أصول الغناء الشعبي وحيث كان الغناء القبائلي يعتمد على الأصوات البشرية وعلى صحبة بعض الآلات لهذا الغناء وهذه الآلات لم تكن تزيد عن مكونات الطبول والدفوف والعود في بعض الأحيان وبعض آلات النفخ وهي من فصيلة الناي وبعض الصاجات ثم الآلة التي تشبه الطبلة ويتم الضرب عليها من الجانبين، وقد تجاوز غناء محمد وردي هذه الأشكال الشعبية عندما بدأ في تقديم غنائياته في منتصف الخمسينيات من خلال إذاعة ركن السودان ومن خلال أساليب التسجيل الحديثة ولاأداء الموسيقى الجديد الذي أعانه على طرق مجالات الجديد ليس فقط في الصحبة الموسيقية ولكن أيضاً في صياغته للألحان التي يؤديها والتى تضم مقدمة موسيقية وتصويرات لحنية عرف من خلالها قدرته التي استمدها من خبرته بأساليب الغناء وبراعته في التأثر برواد وأساتذة النغم والتلحين في عالم الموسيقى العربية وحيث غلبة الطابع اللحني ذي الإيقاع وحيث يعد الإيقاع العنصر الأساسي في طابع اللحن المختلف في نسب الأبعاد النغمية وحيث الملائم من النغم والأصوات في هذا التناول اللحني الذي لم يهتم بالنغم المركب وليظل حال الأغنية السودانية هو حال الأغنية العربية نفسه في كل مكان على خريطة الأرض العربية. مع خالص التحيات الفنيه بحار كل الفنون وجيــه نـــدى 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف