الأخبار
التربية تحتضن انتخابات اتحاد المعلمين لفرع الوزارةالعاهل الأردني يحضر تدريبا عسكرياً مشتركاً بين بلاده والإماراتسلطة المياه: مصدر المياه في مردا نظيف وآمن(ريتس) تنضم إلى مؤشر فوتسي إبرا/ ناريت العقاري العالمياليمن: اللجنة الاقتصادية تحصر استيراد المشتقات النفطية على شركة مصافي عدنسلطات الاحتلال تستجيب لمطالب أسيرات سجن الدامونماكرون: باريس وواشنطن تريدان التفاوض على اتفاق جديد أكثر صرامة بالنسبة لإيرانسياسي فلسطيني: الخطة الأمريكية تهدف إلى مصادرة حقوق الشعب الفلسطينيبسبب منظومة إس-400.. أردوغان: لا مؤشر من ترامب على فرض عقوباتالتربية تُحدد مواعيد التعاقد مع معلمين للعمل في الكويتدونالد ترامب: أي صراع مع إيران لن يستغرق وقتاً طويلامحاضرة حول قضايا اللغة العربية في العصر الحديث بمركز سلطان بن زايدمجدداً.. برلين تخرج وتطلق صرخة في وجه ورشة البحرين وصفقة القرنبقيمة 85.5 مليون دولار.. بريطانيا تزيد من دعمها لـ (أونروا)وزير المالية السعودي: المملكة ستؤيد أي خطة اقتصادية تُحقق الازدهار للفلسطينيين
2019/6/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

جرائر الأشرار و أعاجيبهم بقلم : صلاح بوزيّان

تاريخ النشر : 2019-03-20
جرائر الأشرار و أعاجيبهم بقلم : صلاح بوزيّان
 جرائر الأشرار و أعاجيبهم

قصّة قصير بقلم الكاتب : صلاح بوزيّان 

هذا ما أتذكّره من كلام رفيعة . لُحيظات وأنا واقف أمام مسجد أبي لقاطة أبحث في الهاتف الجوّال . بين الملفّات والصُّور أفتّشُ عن كلام آخر في أبهى صورة . الكلام لا يُنسَى . أتطلّع إلى الزّقاق الممتدّ .وأنا متّشح بشجن شفيف و أردّد كلمتها : لا تتأخّر .

لم أتأخّر . أغلقتُ الهاتف الجوّال و اتّجهت إلى البنك . لعلّ المرتّب قد نُزّل في حسابي . لقد أنفقتُ بقيّة النقود في ملاحقة قنينة حليب و علبة قهوة و رغيف خبز وقبضة من الملح وحُفنات من التّمر . تحسّستُ جيبي . دسست يدي ، آه دينار . كنتُ أمشي و أشدّ الدّينار في كفّي أخشى عليه السقوط من جيبي من أثر الرّكض . سمعتُ صوتا هاتفًا لا أعلم من أين صدَر:{صبّوا الشهريات توّا يا خديجة صبّوا } خديجة من تكون خديجة ؟ أنا أعرفُ رفيعة . ازداد الرّكضُ ، وبدأت الأحلام تراودني . شيئًا فشيئًا تهلّلت أساريري . وانقشع الانقباض . دفعت الباب بكتفي ، دخلتُ البنك ، كالعادة طابوران ، طابور أصحاب المقاهي و المطاعم و الدكاكين و متوسطي رجال الأعمال يحملون أكياس الفلوس ، تلوح منها الأوراق المالية والقطع النقدية ، واقفون منشرحون و طابورنا طابور الموظفين والعملة و الأساتذة و الأطباء و الممرضون و ضباط وأعوان  الجيش و الأمن . غرقت في الأحلام رأيتُ نفسي أملك مطعما فاخرا وأنا أقبض الأموال و المحلّ يعجُّ بالزبائن ، الأطعمة لذيذة ، يشتغل معي طبّاخون ماهرون من تونس والجزائر و فلسطين و سوريا و الهند و سويسرا و إيطاليا والنمسا و النّيجر، أبيع اللحم المشوي والدجاج و الأجبان اللّذيذة و مرقُ الضأن و السباقيتي و الكسكسي و كلّ المأكولات العالمية و العصائر و المشروبات و المثلجات و الشاي ، ورأيتُ كأنّ لي شاحنة تويوتا رباعية الدّفع أمام المطعم ، فجأة وكزتني عجوز بعصاها فأفقتُ وتقدّمتُ أمام موظّف البنك أومأ برأسه وابتسم ، انبسطتُ ، وتيقّنتُ خلاص فاتورة الكهرباء ، لا أعلمُ كيف أمضيتُ الشّيك و أخذتُ الخمسمائة دينار، وخرجتُ مسرعًا . حدثت أشياء غريبة بداخلي ، سرور و شكّ ، خوف و أمان ، ولكن الآن أفرحُ وأترك الأمر لأرحم الراحمين . كانت الساعة تشيرُ إلى منتصف النّهار. دخلتُ مقهى الحاج مختار طقطق قبالة باب الجلاّدين وسط مدينة القيروان ، ألتذُّ القهوة القيروانية وأنشرحُ حينما آوي إلى الفِرناق ، في قاع الفرناق محرّك غازي يحمي المياه في قصعة كبيرة ، تُصرف إلى زبائن الحمّام ، ينبعث الدفء إلى مدخل الفرناق ، بعض الكراسي و طاولات ، آوي إلى هذا المكان العتيق ، أبرّد نار الفقد بطعم القهوة ، وأرسلُ نظراتي تخترق الجدران ، و أسـأل الزّمن ، أتذكّر الأيّام الخوالي ، كلّ شيء مضى بسرعة ، ولا يُغنيني لا سفيان ولا طارق عن عمّي مختار طقطق ، تغيّر كلّ شيء يا عمّي مختار ، وخسر كلّ شيء معناه وقيمته ، يا للأسف صرتُ وحيدًا في هذا الفرناق بين الكراسي ، غريبًا ، من سأكلّم ؟ من سأحدّث ؟ غمرتني أشواق دفينة وعجيبة لأحباب أتشمّم شذاهم وأخبارهم في كلّ ركن من أركان القيروان . جلستُ أعالج بعض الأوراق من قصّة ألف ليلة وليلة ، لم أطق صبرا ، غادرت الفرناق ، ومشيتُ في السّوق بين الدكاكين ، كان الطّقس بداية ربيع ، السّماء صافية ، دفء ، هدوء ، و جلبة بطيئة ، درّاجات هوائية و عربات محمّلة بالزّرابي ونسوة يلاحقن الحمّالين ، وأخرى مملوءة بصناديق الموز و التّفاح ، رائحة الكفتاجي تملأ الرّْبَعْ ، الرّْبَعْ  سوق مسقّفة دكاكين متلاصقة يمينا وشمالا ، باعة الأحذية و النّعال و العطور و البرانيس و الجبائب و الشاشية و السّروج و كسوات الفرسان ، وحذوه  سوق الحدّادين فيه دكاكين على شكل دائرة يتوسّطها فضاء ممتدّ يتنقّل فيه الزبائن بين المحلاّت بيُسر يبتاعون حاجاتهم ، حوانيت باعة الخضر والغلال والبقول و الجزّارين و بائع الدّجاج و سمّاكة تخشى الله تبيعُ الأسماك الجديدة ، وترضى بالربح اليسير . أسفل درج سوق الحدّادين  يوجد دكّان جلال بائع كسكروت الكفتاجي ، بجانب دكّان الجزّار محمّد بن النّاصر البرّاق بجانب باب مَرشي الحدّادين ، ها هو جلالٌ كعادته لا يغتاظ من تنقير الزّبائن عليه ، يملأ الخبز بالكفتاجي و البطاطا المقليّة ، ويلبّي طلبات زبائه  هاشًّا باشًّا . رغم قسوة ناس ، فهؤلاء النّاس هنا تراهم يبتسمون و يفذلكون ويسألون عن أحوال بعضهم البعض ، قلوب تفيض بالرّحمة و الانشراح . الكفتاجي نصف خبزة محشو بالهريسة الخضراء مخلوطة بالبيض المقلي وأحيانا مع  قليل من الهريسة الحمراء إن رغب الزّبون في ذلك ، ويضيف جلال البطاطا المقلية فوق نصف الخبزة ، أتغدّى الكفتاجي مع جدّي رأسا لرأس وهي نعمة كبرى ، نتغدّى  الكفتاجي و نتعشّى لبلابي الحمص ولكن ما أكثر العيون التي  تلهفها عيون .أحيانا أشكّ أنّ الفلوس مسحورة ، يضعها الواحد منّا في كفّه فتطير من شدّة هول غلاء المعيشة ، بائع متجوّل أو صاحب دكّان أو سمسار أو مهرّب هارب ، أو لصّ أنيق ، الكلّ يحكمُ بأحكامه و يزيد في التسعيرة كما يحلو له ، أحاديث كثيرة وشكاوى في المحطّات و الأسواق و المقاهي و المطاعم الشعبية و الدّكاكين و في مراكز البريد و الحافلات و داخل عربات القطار و في المساجد و في الأحراش ،  المهمّ قررت الذّهاب إلى الرّحبة ،أسمع الفأل { يفرّجها ربّي  خلّيها على الله ، ما يدوم حال }  الدكاكين مفتوحة أحذية وملابس و برانيس وعطور ، الحسابات تطوّقني وددتُ لو كنتُ أستطيع شراء برنسًا أو حذاء ، منذ انتفاضة 14 جانفي صرت غير قادر على شراء قطعة قماش لأخيط سروالا بل ألبس الملابس المستعملة المجلوبة وأكره الملابس الفرنسية و أنتقي الهندية و الإيطالية والأحذية الألمانية ، وأنا أمشي على يمين باب تونس ، قرب مقام سيدي عبيد الغرياني لمحتُ بغلاً يترحرحُ ، امتعضتُ و خالجني أسف وأعقبه أسى ، لم يكن الباعة مكترثين بالبغل ولا برائحة البول ولا بالزِبلِ ، أسرعتُ بمحاذاة سور الرّحبة ، كانت لي نوبة في إطعام الطّير ، إذا حضرتْ أخرجُ ، و أنفرد ، أمشي قرب باب تونس ، ولا أغلط في عدّ الطّيور ، كانت تأتي على حين غفلة من النّاس وتحطّ على الأرض قُربي  بسرعة ، في المرّة الأولى تفاجأتُ ، ولكن اعتدتُ ، وأذكر صقرا أكل و شرب ثمّ لاحقني ، مكث أيّاما طويلة يطوف بالمدينة ويغيب وراء السحب ثمّ يعود و يلحق بي فوق سطح بيتي ، فأختلي به ، أتأمّله تاركا مسافة فاصلة بيني وبينه ، الصّقر جميل و مهيب و ضخم . ها هو يظهر إنّه يلاحقني ارتبكتُ أخشى أن يراه النّاس ، ابتعدتُ عن الرّحبة ،  جريتُ  وهو يتبعني ، يقترب منّي كثيرا ثمّ يصعد ليبتعد عن السّيارات ، دقّقت النّظر ، إنّه يحمل رسالة ، لا لا إنّه مخطوط ، لا لا  رسالة ، لا لا ورقة ، لا لا منديل ، كنتُ أجري ، يسبقني الصقرو ألاحقه ، وأسبقه ويلاحقني ، أجهدني الجري ، اقتربتُ من فسقية الأغالبة ، هدأت الحركة ، خفّفتُ الجري ، توقفت ، حطّ الصقر أمامي وضع الرسالة أمامه ، يا بنيّ لا تخف ، اضطربتُ خامرتني مخاوف تجلّت قُدّامي ، صقر يتكلّم بصوت حسن ؟ استلب إعجابي به فأردف : اهدأ يا بنيّ ، نعم أتكلّم ، ثمّ تحوّل إلى صورة شيخ وقور تلحّف ببرنس ، و على رأسه تاج ملكي ، نور على نور لم أر مثله من قبل ، هَلِعت بادئ الأمر ولكنّني أحسستُ  بطمئنينة ، تكلّم الشيخ : يا بنيّ إنّما هي تشكّلات نتّقي بها شرّ آدميي هذا الزّمان ، بعد الشدّة يأتي الفرج وهذا العربون ، هممتُ بمساءلته فردّ : قال الله تعالى { فَإنَّ مَعَ اُلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ اُلْعُسْرِ يُسْرًا } ترك الرسالة وحلّق عاليًا على هيئته الآدمية ، اندهشتُ وسارعت إلى الرّسالة فتحتُها ، انطلقت رائحة العنبر ، بعد البسملة { ألاَ إنَّ نَصْرَ اللَهِ قَرِيبٌ } . خيّمت السكينة على المكان ، ركبني النّوم فتوسّدت مرفقي قرب فسقية الأغالبة ، ورأيتُ قوافل كثيرة تأتي من كلّ صوب تحطّ قرب الفسقية ، أخرى تتّجه تلقاء المدينة وأخرى تذهب إلى مقام أبي زمعة البلوي ، وجوه يتلألأ نورها كأنّها أقمار ، و إبل و مواشي و عسكر وجحافل الخدم ، كلّهم يكنسون المكان ، والموالي يغرسون النّخيل ، و مواكب و ذبائح و طبول تنقر و مزامير وزغاريد ، نُصبت الخيام  وفجأة أفقت على صوت المؤذن يرفع آذان صلاة العصر ، فأسرعت إلى إدارة الكهرباء والغاز لأسدّد ثمن الفاتورة . 
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف