الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مدينة الأحلام بقلم:د.ميسون حنا

تاريخ النشر : 2019-03-19
مدينة الأحلام بقلم:د.ميسون حنا
مدينة الأحلام

تكلم ايها القلم، قل شيئا، أنا اكتبك، بل اسيل حبرا على اديم صفحتك  البيضاء، هي بيضاء لا تزال، ولكنك ستخط عليها تاريخا اسود، أو برتقاليا سيان ، فالبرتقالة المخضبة التي تسمى دم الزغلول هي البرتقالة التي اعنيها ، والدم الذي يسكنها

ليس دم الزغلول كما يعتقد ، بل هو دم  ابناء مدينتي المشردين .تحدث ايها القلم ، تحدث عني ، كن نائبي بالتعبير عن نفسي وعن ناسي ، تجدث عن مدينتي ، مدينة الأحلام ، منذ غادرتها قسرا اصبحت مدينة الأحلام، نعم فقد كانت مدينة الواقع عندما كنت أسكنها، أما عندما سكنتني في المنفى أصبحت حلمي وواقعي المدفون في حجرات قلبي الكليم ، ولكنه الحلم الذي يخفف حدة الألم  . هل خف ألمنا أم أصبحنا مدمنين ؟ لاتسيء فهمي أيها القلم ، أنا لا أعني الإدمان بدلالته الشائعة ، بل هو إدمان من نوع خاص، إدمان تحمل ألم فراق مدينتي الحلم ..... والحلم كما تعلم وقود الخيال ، والخيال يجمِل عالمنا ، ويذكي فؤادنا فتعزف القلوب أنغامها متماهية معه ، .... بل مع الألم ، فيرقلنا الخيال ، ويحملنا إلى دهاليزه الواسعة ، ونلوذ به محتمين من القسوة حولنا إلى عالم متخيل يبعدنا عن واقع نبغضه ، مع أننا أقحمنا عليه وعشناه رغم أنوفنا بتفاصيله الموغلة في الإجرام ، لذا ترانا نختبيء في زاوية لائذة لنبتعد قدر المستطاع عن قسوة الحقيقة التي نبغضها . نبغض ذكرى مرت بنا في غابر الزمان قبل مئات من السنوات ، وهي في الحقيقة ليست بعيدة كل هذا البعد ، بل هي قريبة منا قرب العين من المحجر. نعم فإن مددنا أبصارنا تكون النتيجة أننا نحتوي المدى أمامنا ..... هذه العين الصغيرة تتسع لمدى واسع تتحدى سعته المجرة بأسرها ، ومع ذلك يعجز بصرنا أن يرى تفاصيل ما يدور حولنا ، بل هو يراها ، لكن عقله الباطن يرفضها ، وينكرها

، وأمام هذا الرفض نصاب بالشلل .

مرت الذكرى قبل مئات السنين ، ذكرى ابتعادنا عن مدينة الحلم . كيف ستصف أيها القلم طريق الآلام التي تألم على جنباتها المسيح ؟ 

ماذا ستقول عن مدينتي الخضراء ملاذ النبيين والقديسين والرسل ؟ تلك مدينة الواقع ، المدينة الملطخة بدنس أوغاد استباحوها 

لا أريد أن أحدثك عن هذا الإجتياح ، فأنت ملم به ، والحديث عنه قد يخفف وطأته ، قد يخفف قسوة واقعه العريق بالإجرام والغولنة

تخونني الكلمات ، فيعجز لساني عن النطق ، قبت لك أننا نعيش حالة من الشلل ، والخرس أيضا / فمهما كانت كلماتك مستشرة 

أيها القلم ، أنا على يقين أنك لن تعطي وصفا حقيقيا للبشاعة التي .... لا علينا ....إعترف أيها القلم ، إعترف أن عليك أن تبتكر لغة

جديدة ، وتلبسها ألف دثار من لاهب العبارات ،ومع ذلك لن توفق ، ستبقى مقصرا ، عاجزا ، مرتبكا ، ولك عذرك لأن الله جل جلاله

لم يخلق لغة ملائمة لذلك ، الله قدير من غير شك ، ولكنه ربما رأفة بحالنا لم يفعل ذلك ، لئلاتصبح لغتنا سامة فنفتك ببعضنا وننسى

الغرض الذي من أجله أردنا أن نشحذ ألسنتنا وأقلامنا ... قد يكون هذا تبرير لك أيها القلم ، تبرير لفشلك بفهم لغة الإله القادرة على 

كل وصف متخيل ، فما بالك برسم واقع حقيقي ، ولكنه خيالنا المقصر ، خيالنا الذي يفشل في استيعاب الواقع . الخيال كما يقال ويعتقد 

أوسع وأكبر من الحقيقة ، ولكنه يصاب بالتقزم أمام طقوس انتهاكات لا إنسانية تمارس على أرض مدينتي الحلم ، أول مرة أدرك أن 

الحقيقة أوسع من الخيال ، بل إن الخيال عاجز أمامها تماما .

نحن في المنفى نشعر بالتبلد حيث أننا ننظر إلى مدينتنا التي تسكننا ونسترخي ، نتخدر ، ونتأمل جمالها الوحشي والملائكي في

آن ، نتأمله بعيون قلوبنا ونبكي ، نبكي ذكرياتنا ، ويأخذنا الحنين إلى جرعة ماء من نبعها ...نحنّ إلى دفئها وشمسها ، الشمس

لا تغيب عنها ، فالشمس كما تعلم صديقة البشر ، عقدت صداقتها معنا منذ الأزل ، فهي النجم المنير الذي يغدق بنوره علينا ، ويضيء

قلوبنا لنرى الحقيقة ، ولكنها شحنة زائدة من النور انقلبت نارا تحرقنا ، هذه النار تأكلنا هناك عندما نسكن مدينتنا ، وتنقلب إلى نور عندما 

تسكننا هي في المنفى .... لا تسيء فهمي أيها القلم ، أنا لا أعني أنني أفضل المنفى لا ، بل أنا على يقين أن لكل بداية نهاية ، ونهاية المنفى 

العودة ، وعندما نعود لأ الذكريات ، ذكريات الطفولة قبل الإجتياح ، بل سينتهي الإجتياح ، وسننتصر على الظلم .... لا تهزأ

أيها القلم . دعني أحلم ، دعني أبني عالما من الأوهام ، فالحلم يولد الأمل ، والأمل يصنع المعجزات . نعم هي معجزة ستتحقق 

وسنرى أنفسنا عائدين إلى الديار ، وما بين نفي وعودة يمر القطار ، طريقه ممدود ممدود ، ومحفوف بالمصاعب والأخطار ، وفي

غفلة منا يمر الفتى ويقتحم الأسوار ، يدلف إلى الداخل ، يدخل المدينة تائها أو زائرا ، يقصد أبوابها ، ويمر على عتباتها ، يسأل

عن الناس في الجوار .... أين الناس ؟ هجروها أو هجِّروا عنها فلم يبق منهم إلاّ قلة قليلة مبعثرة بين جنباتها ، وفي أزقتها التي كانت 

تحتشد بهم عندما كان الأمان يخيم فوقهم وعليهم ، عندما كان القمر بدرا ، والشمس ساطعة ، وفي عصر الدمار الذي المّ بهم ،

فتك بالأرواح من الشجر والبشر دون الحجر ، تاركا آثاره في ضمير الأمة المحتضر ، تلفت الفتى يبحث عن الباعة والصور ، فالبضاعة ليست بضاعتنا ، والصور غريبة عنا ، شعر الفتى بالغربة ، غريب في دياره ، تائه ولم يخطيء العنوان ، ولكنه تاه في الزمان دون 

المكان ، وغصة تقف في حنجرته تمنعه من البكاء والصراخ ، كتم غيظه ، ومشى يبحث لعله يجد ضالته ، وادرك أنه غريق 

يتعلق بقشة ضائعة ، ولكنها موجودة في مكان ما ، أحب أن يعتقد أنها موجودة في سرداب أو دهليز في مدينته المهجورة ، ولكي 

يجدها عليه أن يقطع البحار ويجوب الأمصار ، ويهتف ويصرخ ، ويدرك أنه لا يملك غير صوته دون سوطه ، فهو أعزل 

مبتور الساعدين ،أخذ يتغنى بجناحيه المقصوصين ، سيجمع الريش لهما ، ويرممهما ، ومتى يستطيع أن يستعيدهما متينين سيعود ، 

سيحلق من جديد فوق أزقة المدينة وسورها العتيد ، متى هو لا يعلم ، ولكن سيكون يوم تتحدث فيه الجدات عن زمان غابر اجتاح 

مدينة في الجوار ، وهجّر سكانها ، لكنهم عادوا وعمروها ، وتمر ذكرى الإجتياح عابرة كالخيال ، لن نكترث لها ، سننشغل

بواقعنا الجميل ، متى سيحدث هذا متى ....ويغمض الفتى عينيه ، العتمة تدهمنا اليوم وغدا يأتي نها......ر ....نها....
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف