الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

من حادثة "شارلي إبدو" إلى حادثة "مسجد النور" بقلم:محمد شعيب

تاريخ النشر : 2019-03-18
من حادثة "شارلي إبدو" إلى حادثة "مسجد النور"
محمد شعيب
رئيس تحرير مجلة الحراء الشهرية
عندما تعرضت صحيفة "شارلي إبدو" الفرنسية الساخرة في باريس في نحو الساعة الحادية عشرة صباحًا بتوقيت وسط أوربا: في 7/يناير2015م لهجوم إرهابي، حيث اقتحم ملثمان مقر الصحيفة، وبدؤوا إطلاق النار من أسلحة كلاشنكوف وأدى هذا الهجوم إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 11 آخرين بمن فيهم رئيس تحرير الصحيفة، وذلك انتقاما من نشر هذه الصحيفة الأسبوعية الساخرة رسوما كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قامت الصحيفة بنشر رسوم كاريكاتورية سَيِّئَة ومثيرة للغاية مسيئة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في عددها الذي صدر يوم الأربعاء 19/ 9/2012م، وصَوَّرَتِ فيها النبيّ – على زعم الرسّام – عارياً إيغالاً في الاستهزاء فإن قادة العالم كله نفروا خماصاً وبطاناً، وزحفوا على بطونهم إلى باريس، للمشاركة في مظاهرة "كلنا شارلي إيبدو"، وكان في طليعة المتظاهرين، قادة العالم الإسلامي، يسبقهم التأثر، محمود عباس "أبو مازن" الذي أخذ الرئيس الفرنسي بالأحضان؛ يوشك أن يهجش بالبكاء، وكأن "ضحايا الحادث" معروفون له بشكل شخصي!
وقد كانت هذه الصحيفة قد نشرت رسوما مماثلة في عام 2011م أيضا؛ ولكن الصحيفة بعد الهجوم بدل أن تعتذر عن نشر هذه الرسوم المشينة التي أفسدت العلاقةَ بينها وبين العالم الإسلامي، ازدادت إيغالاً في انتقاد الإسلام وإثارة المسلمين بنشر نفس الرسوم مُجَدَّدًا في عددها الذي صدر بعد الهجوم بحجة أنّ ذلك هو حرية الرأي التي يتمسّك بها الغرب كمبدء ثابت من مبادئه الدستوريّة الحكوميّة، وكَثَّفَت الصحيفة الإساءةَ إلى الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم عَبْرَ توزيع أعدادها المحتوية على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصَرَّحت أن غرضها الوحيد من وراء نشرها هو انتقاد الإسلام، فاحتجّ المسلمون في فرنسا وفي البلاد المجاورة ضدّ موقف الصحيفة الاستفزازي غير الحضاري احتجاجاً صارخاً كاسحاً، حتى اضْطُّرَتْ البلاد إلى اتخاذ تدابير أمنية إضافية حول مراكز حكومية وثقافية مهمة، والجديرُ بالذكر أنّ فرنسا هي الدولة الوحيدة بين دول الاتحاد الأوربي الذي يكثر فيه السكان المسلمون الذين يُشَكِّلون نسبة 10٪ بين مجموع السكّان.
وما إن عَمَّ الخبرُ عَبْرَ الصحف و وسائل الإعلام حتى اشتدّت وتكاثرت واتصلت المظاهراتُ والاحتجاجاتُ والاستنكارات والتنديدات والاعتصامات في شتى أنحاء العالم، ولاسيّما في البلاد الإسلامية عموماً وفي باكستان خصوصاً، وتَسَلْسَلَ ذلك لأيام، وأَشَدُّ الاحتجاجات في هذا الصدد شَهِدْتها دولة نيجر، التي قام فيها المسلمون بمظاهرات احتجاجية عنيفة، وقد أُطْلِقَ الرصاصُ على المحتجين فيها مما أدّى إلى مقتل كثيرين وإصابة كثيرين، وفي عدد من البلاد تعرضت البضائع الفرنسية لسخط المحتجين؛ حيث إن عددًا منها أعلن مقاطعةَ البضائع الفرنسية.
وعندما حدث هجوم المسجدين في نيوزيلندا، والذي راح ضحيته حوالي 100 بين قتيل وجريح، فله يمكن لنا أن ننتظر معاملة بالمثل؟ الجواب بكل تأكيد لا، لايمكن لنا أن نجد مثل معاملة "شارلي إبدو" لا من قبل القادة العرب والمسلمين الذين كانوا في حالة تأثر بالغ في ذلك الحين كأن الضحايا أقربائهم ومعرفون لهم، ولا من قبل القادة الغربيين الذين شاركوا في تشييع جنازة ضحايا حادث "شارلي إيبدو" في مظاهرة "كلنا شارلي إيبدو"! وفي حين أنهم يقتلون المسلمين في سائر العالم باسم مكافحة الإرهاب!
ولكن السؤال لماذا لانستطيع أن لانرجو مثل المعاملة في جريمة نيوزيلندا الإرهابية التي هزت العالم؟ والجواب فلأن الجناة في الحادث الأول اثنان من المسلمين، ولأن الضحايا من "السلالة النقية"، فقد كانت مناسبة عظيمة لاستغلال الحادث ضد الإسلام والمسلمين، وكانت فرصة عظيمة لقادة المسلمين مثل السيسي أن يستخدموا الحادث ضد الإسلام والمسلمين، والحقيقة أنهم لم يتركوا الفرصة؛ بل استغلوها لتحقيق هدفهم، وإن هؤلاء القادة يكونون دائما محاولين في مواصلة مقتوعتهم الموسيقية عن الإرهاب الذين يلصقونه بالإسلام، لدرجة اتهامهم عموم المسلمين بالإرهاب، حيث قال السيسي في خطاب له، "ليس معقولا أن 1.6 مليار مسلم يقتلون العالم كله من أجل أن يعيشوا هم!"
رغم أن المسلمين هم المسحوقون في مشارق الأرض ومغاربها إلا أنهم يوصمون بالإرهاب وبالتهديد الوجودي! ورغم سجل الغرب الهائل في الإجرام والدموية ومنتجاتهم المجنونة وغير المسبوقة في آلات التعذيب وأسلحة الدمار الشامل والحروب ذات عشرات الملايين من الضحايا، وقرون استعباد الشعوب وتصفية وامتصاص مواردها. إلا أنهم يُنسبون إلى الحرية والحضارة والرقي والتقدم! لا تتعجب من طبائع الأمور في هذه الدنيا أن القوة تجعل جرائم صاحبها حسنات، والضعف يجعل حسنات صاحبه سيئات.
تُحاسب تركيا على مذبحة للأرمن، هي لو صدقت فلن تبلغ شيئا في مذابح الغرب في تركيا أو بلادهم، ومع هذا لا تُنصب لهم المحاكم. كما تُحاسب داعش على مشاهد القتل والذبح التي لا تبلغ شيئا مطلقا أمام مذابح نظام عربي واحد. ويُحاسب مرسي على شاب قُتِل بالخطأ في عهده ويُصرخ في وجهه "طول ما الدم المصري رخيص يسقط يسقط أي رئيس" بينما صاحب الهتاف نفسه يصفق لمذابح السيسي ويختلق لها المبررات. كثير من مواقف هؤلاء نفاق وكذب ومراوغة، لكن كثيرا أيضا منها ليست كذلك وإنما هي موازين قوة وضعف.
سفاح نيوزيلندا قتل المسلمين لأنه يعتبرهم تهديدا وجوديا. وينحاز للبيض! مع أن البيض أنفسهم احتلوا هذه البلاد بعد إبادة أهلها، ومع أن المسلمين لم يأتوا إلى هذه البلاد إلا وفق القوانين التي وضعها البيض أنفسهم للاستعانة بهؤلاء الملونين في بناء بلادهم! لم يفكر السفاح الأبيض في أنه احتل هذه البلاد وأفنى أهلها، ولم يفكر في أن المسلمين لم يأتوا هذه البلاد محتلين، ولم يفكر في أنهم لم يكونوا تهديدا لأحد في نيوزيلندا ولا أوروبا؛ بل ولم يفكر في أن مواجهة الزيادة الإسلامية مقابل النقص الأبيض يمكن حله ببساطة بقوانين تصدر من البرلمان الذي يهيمن عليه البيض أصلا، لتمنع المهاجرين وتضيق عليهم في الإقامة والتنقل وحقوق العمل ونحوه. كل عوامل القوة التي يحياها الرجل الأبيض لم تكفه ليكون راقيا متحضرا يتعامل بالقانون ضد ما يراه تهديدا. ولا كل عوامل الضعف التي يحياها المسلمون ولا حتى حياتهم المسالمة الطويلة في تلك البلاد دفعته لكي يراجع نفسه وأفكاره ويتساءل: هل هؤلاء فعلا إرهابيون ويمثلون تهديدا؟! أبدا.. المسألة في النهاية راجعة لموازين القوة والضعف، نحن الأقوى وإذن فنحن الأرقى، وإذن فلنا الحق في مواجهة التهديد الذي يمثله المتخلفون المتوحشون القادمون من العوالم الأخرى!
فإني وإن كنت أدين هذا الحادث المؤلم العنيف، وفي الوقت نفسه وبنفس القوة أدين جريمة "شارلي إبدو"، أيضا التي تمثل تجاوزاً لحرية الإبداع والتعبير، إلى إهانة معتقدات الغير، وتكشف عن عنصرية مبتذلة، لكني في الوقت ذاته لست معنياً بالاعتذار، فالجاني يعاقب أو يعتذر، ولا يجوز أن يمتد أمر الاعتذار لكل مسلم، إلى حد القول "كلنا شارلي إبدو"، ففي الحقيقة ليس كلنا "شارلي إبدو"، ولا ينبغي لنا أن نكون! ولكن القادة المسلمين في العالم الإسلامي كله الذين وجدوا أنفسهم مطالبة بالاعتذار، فاعتذروا وظنوا أنهم لا بد من أن يعتذروا فنفروا إلى باريس محلقين ومقصّرين، تسيطر عليهم "النحنحة"، وصار العالم الإسلامي كله في خجل لأنه سبب في تهديد أمن العالم، كأننا نحن الجناة. ولكن الآن هل العالم يعزونا في قتلانا، وهل الغرب يجد نفسه مضطراً للاعتذار لنا، وهل المؤسسات الدينية المسيحية تر نفسها في وضع الخجول مما حدث، وهل يجد العالم نفسه مضطراً لأن يجعل من شعاره كلنا "مسجد النور"! فهل يستطيع القادة العرب أن يرفعوا هم الشعار كما رفعوا من قبل شعار "كلنا شارلي إبدو"؟! المؤكد أنهم لن يستطيعوا؛ لأن تخصصهم إدانة للإسلام والمسلمين فقط.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف