الأخبار
2019/7/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قراءة فنيّة:رؤيْتى.. فى مُتأمّل الغرباوى( اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى! )

تاريخ النشر : 2019-03-06
قراءة فنيّة:رؤيْتى.. فى مُتأمّل الغرباوى( اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى! )
قراءة فنيّة:
رؤيْتى.. فى مُتأمّل الغرباوى
( اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى! )
بقلم: تغريد شتا

(أحمد الغرباوى) مُبْدَع مصري يثير الجَدْلَ بأشجانه المتناهيْة الحَدّ بأقْصَى ضفاف حُزْنٍ..
وتأمّلاته تنضحُ مِنْ بِيْارٍ؛ تكادُ تكون جافّة أو ملّوثة السَقَىّ.. ولاتُحْىّ عطشى على مشارف حافة مَوْت..
بل تطيلُ فترة احتضار مَنْ يكتبُ عليه الرحيل..
وفي قراءة لمجموعته (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى) يتهادى بنا إلى جَداول تنضبُ.. ووديْان تَعْوى خواء عشب وسراب مَىّ.. وشواطىء تموجُ شيْباً وعَظماً..
ويلقىى بنا.. أقصد بالقارئ.. على قارعة يباب طُرِق.. وأزقّة خانقة.. ولا
لا أمل فى حُريّة مِنْ أسْر قَيْد مُدْنِ بؤسٍ.. أو تنجو من ضربات سِيْاط بأسٍ..
وتحاولُ الفِرار مِنْ بَيْن سطورٍ مُكَثّفة؛ ومُحَمّلة بثقل عِبء تفسيرٍ دون جَدْوى..
 وعِنْوَة؛ تدفعُ (القارئ) لكىّ يُشَارك (الكاتب) تأمّلاته الفكريّة بأشْوَاكها الحِسّية.. ومَرْار مَذاق لُغَتها الشّعِريّة.. والتى تَغْمُرِك؛ معانيها المُعْلِنة والخَفِيّة..  فتغرقُ أوْتار المشاعر دون طوق نجاة.. أو التقاط أنفاس على ضفاف نَسْمِ عَذْبٍ..
حتى هذا الرّوْاح النّفسي؛ ربّما يحرمك منه قسوة تأثير لوحات، تشدّ بعضها بعضاً.. وكأنك أمام قصيدة طويلة.. تنتهى مَعْ آخر حَرْفٍ (للمجموعة الأدبية).. أو تقف بمواجهة لوحة فنيّة واحدة معقّدة.. وتنتهى رحلة جولتك الفنية بها.. وتتلاشى لذّة (الخلق الفنى) و(نشوة الإبداع) المُغْرِق في خَدْرِها.. أىّ متحف فنىّ؛ كُلّ مقتنياته لوحة واحدة..
وفي طواف (إبْدَاع مُتأمّل) الغرباوى؛ للمجموعة الأدبيّة؛ تلفّك جُدْران غُرفٌ مُنْقبضة.. وتهرولُ للبحث عَنْ نافذة أمل؛ تهربُ مِنْ مُلاحقة هسّها لك؛ وعّسّها بندوبات روحك، ولاتجد.. و
ولاتحظى بِغَيْر يقظة تساؤلات أبديّة، وأرقْ فنّى لمُبْدِعٍ؛ يَشْفَعُ له إخلاص حَرْف.. وصِدْق إحْساس.. وعدم غَوْص إنْحِرَافاً أو تطرّفاً أو تماسّاً للمناطق المُحَرّمة مِنْ الأفكار..
 ومِنْ خلال سطور تجليّاته الأدبيّة.. ولَوْحاته الفنيّة.. فى إصداره (اللهمّ.. اللهمّ لَست أدْرى؟).. تشعرُ  بنزعة فنيّة عارمة؛ تعصفُ ببوح شجنه.. ولاتشكّ بأنّه يسطر مِنْ مَحْبرة وَجْع تجارب حَيْاتيّة.. ومَحْبَرته الذاتيّة؛ التى لايعرف أسْرَاها إلا هو وربّه..
 وأنْتّ على شطّ رمله وزَبَد إبْداعاته؛ يتأكّد لك؛ إلى أىّ مدى ينشدُ ريحاً تدفعُ بساط (الأمل).. ويحلم بـ (طاقة نور) من خلال سواد قضبان؛ تطّردُ ضيقاً وحديّة..
 وإذا ما وقعت في أسْر ذاكَ العَرْضْ الفَنّى؛ الذى يتّسِم بالخَيْال المُجَنّح.. وعمداً يثير الفكر برجرجات عنيفة.. وتأرجحات خطرة.. يطلّ عليْنا صَوت الشيْخ الطيْب المذكور فى كُلّ الأشعار والأوْراد والأسفار.. والذى يُلازم (المتأمّل)؛ أقصد المؤلف (الغرباوى) أيْنما كان ويكون.. يصرخ:
ـ إلا نافذة المَوْت..!
إلا نافذة المَوْت..!
وهو يقفُ خلف مُكَابدة تمزّقات أسْتاره.. عتمة لَيْل.. وغَشْيان حُزْنٍ يتقبّل رصاصة رَحْمة.. مِنْ وجهة نظر الكاتب المُغرق قلمه بغور جروح..
إبْداع المُتأمّل.. لـ (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى!) بدون مُصْباح (ديوجين) نور فكرٍ.. يلتمسُ الطريق إلى الله حقيقة..
ولا ينقب عَنْ طريق الخلاص بسَحَرِ لَيْل.. يرجو بَصْيص نور شمعة.. 
ولايأخذ بيْد القارئ إلى حَيْث خُضرة ويَنْع مروج.. وحَيْاء ورود.. ورقص سنابل قَمْح.. وتمايْل أريج أعْوَاد ياسمين..
وعندما دعانا (الغرباوى) مِنْ خلال صفحات تجليّاته الأدبيّة المتميّزة (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى؟) إلى واديه..
تسأله:
ـ ما الجَدْوى..؟
يتهادى بترهّل جَسَده.. وبدمع الحاجّة يَهمس:
ـ لست أدرى..؟
فالتعامل وهذه الرحلة الفنيّة.. لكى تريح وتستريح.. أترك أفكارك خارج الوادى.. وتدثّر..
فقط التحف بـ (الخَلْق الفَنّى).. وبَيْن جَنْبَيْك وِسْادة (نشوة إبْدَاع).. دفء حُضْن.. وتدثّر رَوْعَات فَنّ.. يجاهد فى بثّه ما بَيْن دلالات ومعانى كلماته وجُمَله.. وأحْياناً ملتصقٌ بروح فِكْره.. بعيداً عَنْ الوقوع فى شرك جَمْاِل لَفظى.. أو ضعف إغْرَاء صورة.. وسطوة خَيْالات ورموز؛ تلتحفُ بتيه أضواء أزقّة بلا ملامح..
رُبّما تكتشفُ فى الجُمْلة الواحدة أكثر مِنْ مَعْنى.. وفى اللوحة الواحدة تراها بأكثر مِنْ زاويّة.. وتتعدّد الألوان فى تشكيل فِكرى.. يلتمسُ المِعْرفة والحِكْمة بإحساس طفل بريء.. يداعبُ بكارة جدائل فرحة بتول بأوّلِ حُبّ.. ويفرّق بأصابعه خُصْلات الإحساس بوشوشات جَمْال.. ولكن دون جَدْوى..
دون جَدْوى حيْث (العِشْق) يموتُ هرِماً؛ بقرار الزّمن.. و(الفِكر) يتبعثرُ فُتاتاً.. ومعانى تتطايْر هنا وهناك..
فــ (المتأمّل) يعودُ بنا إلى قصّة ثلاثى الكَهْف.. وعلى كُلّ منّا يبحُث عن طريق خاص به للنّجاة من المَوْتِ.. ويستدعى مِنْ داخله أفعاله البَيْضاء؛ التى رُبّما تزيحُ صَخْرة الباب؛ فراراً للحَيْاة..إنّه..
إنّه الطريق إلى الله..
الطريق إلى الله.. ودَوْام مُناجاته.. مُنْاشدة رحمته إن شردت أفكاره..؟
فليطّهر كلماته.. ويَلفّها فى ثوب أبيْض قرباناً للخلاص..
وليحمل كُلّ مِنّا مِخْلاته وأوراقه.. أقصد أفكاره.. ويهرب بها من وادى المتأمّل (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى؟)..
يفرّ إلى الله..
إنّه الطريق الأكثر إبْدَاعاً.. الألذّ فنّاً.. الأمْتَع أمناً..
إنّه الوادى الأغنى؛ والأكثر فِكْراً وإبْدَاعاً.. والأدوم أريج دَوْح جَنّة سَمْوات ربّ..
ففيه يثمرُ دَوْام الإبْدَاع حقيقة وخلود فَنّ..
مُتعة نَثر إبْداع.. نبت جَنان ورقة خضراء ورقّة وأنوثة.. جمالاً دائماً أبَداً..
وما دون (الطريق إلى الله).. لا..
لاجَدْوى..
لاجَدْوى كما يقول الكاتب فى  متأمّله الإبْدَاعى.. وسَرْده الأدبى المتميّز..
وفى تجليّات (الغرباوى) الأدبيّة تسبحُ فى خيْال المُبْدع بدرايْة ووعىّ.. دون أنْ تغرق؛ أو حتى تنجرفُ بدوّامات سَكرة فَنّ.. وكثيراً ماتغشى أحرفه مُنْتهى إحْساس.. تحملُ على أعتاقها تشكيل معارف وإثارة (فكر)؛ مِنْ خلال جُمْلة تحمل ملامح وسمات الكاتب وَحْده.. دون غيْره..
وتضيء الجُمْلَة المُنتقاة كلماتها؛ وتنير مناطق مَجْهولة.. وتشير إلى حَيْوات صِدْق.. وقبض وَعْىّ.. دون هروب بَيْن شتات المَعْانى.. 
فهى لَوْحات ثريّة الفكر.. فيّاضة المَعْنى.. وتجمع بين خَيْال وهَيْام شاعر.. وتساؤلات وشطحات مُفْكّر..
فيرتدى (الكاتب) ثوبَ الحَدّاء؛ خلال بَحثه عن (الحقيقة).. التى يسيل مِنْها أرق دينى فى فلسفته الحَيْاتيّة (فما الحَيْاة غَيْر صَوْت مؤذن وقُدّاس أحد!)..
 ويلهثُ المؤلف وراء مَغْزى الحَيْاة فى نهاية معزوفته الفلسفية (حِكْمة).. لايجيء مِنْ عارٍ غير بحثه عن كِسْوة/ ليه ما يَحِبّش شعبى اللقمة ويّا الحِكْمة/ وليه لمّا يلاقوا اللقمة بيجروا للتّخمة..!
 ويرجفنا رَعْشة فى (الخوف).. وأخاف مِنْ نفسى فى الحلم/ أخاف ألا أقتنع بالحَيْاة ديناً بغير زُهد/ وألا أقتنع بها دنيا بغير حُبّ..
وتهتزُّ الذات رُعْبا فى (حَصْوة).. التى تغتال (العِشْق) بفعلِ (الصّمْت)..
وما الإنسان لديه إلا (عابر سبيل).. يتساءل دَوْماً.. عن ماهية (السّعادة).. ثم يتجه إلى الله فى صوفيّه خالصة.. ويأخذنا مَعه فى رِحلة داخل النّفس البشريّة بجدليته (وجود).. 
وغَيْرها مِنْ اللوحات غَيْر الارتجاليّة.. ذات عناوين الكلمة الواحدة.. وتحملُ بَيْن طيّاتها مَعْانى ومشاعر عميقة.. جامحة وجانحة.. و
وتدقّ رأسك قبيّل الدّخول إلى عالمها.. فتثيرك أرقاً.. وتأبى أنْ تتركك، إلا وقد أثارت فِكْرَك.. وبعثرت رَوْحَك..
حتى يَنْهى كُلّ لَوْحاته؛ وقد وقعت بأسر شَرَك صَيْده الإبْدَاعى.. (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى؟)
ويأتى هذا العَمْل الفَنّى؛ وكأنه بمثابة دَعْوة للجميع بإعْمَال (الفِكْرِ).. ولكن برقّة لغة شاعر..
وشفافية سموّ روحه ورقّة حروفه؛ الغارقة تضفّراً بمثاليّة.. ومتمسّحة بروحانيّات صوفيّة.. تدفعه رغبته نحو الكمال؛ إلى أنْ يرجو غُفْرَان الربّ فى مستهلّ وافتتاحية إبْداعه.. حيث يناجى الله:
ـ اللهمّ.. اللهمّ إغفر لى الأفكار؛ التى لابدّ أنْ أفكّر فيها..؟
وأغْرِق كلماتى..
 إنْ جانبت أشرعتها ريح صِدْق..؟
أو شردت دفّتها؛ بعيداً عن مرافىء وجودك..؟
 اللهمّ ربّى تقبّل ذنبى..؟ 
وإرحم سَوْاد كَلمى..؟
 وأغفر لى.. 
فإغفر..؟ 
آمين يارب.. 
......
قراءة فنيّة: تغريد شتا
شكرى وتقديرى على الرؤية الإبداعية نقداً.. مما دفعنى لنشرها داخل الإصدار..
أحمد الغرباوى
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف