الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

تقدير موقف- الاصطفاف الحزبي لانتخابات الكنيست الإسرائيلي ومستقبل نتنياهو

تاريخ النشر : 2019-03-05
تقدير موقف صادر عن المركز العربي

الاصطفاف الحزبي لانتخابات الكنيست الإسرائيلي ومستقبل نتنياهو

في خضم الاستعداد لانتخابات الكنيست المقبلة، شهدت الخريطة الحزبية الإسرائيلية تغييرات مهمة. فظهرت عشية هذه الانتخابات أحزاب واصطفافات لم تشهدها الساحة الحزبية، منذ نحو 14 عامًا عندما تأسس حزب كاديما، بقيادة رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت في سنة 2005. 

حزب "أزرق أبيض"

في ضوء ضعف أحزاب المعارضة وعدم قدرتها على تقديم بديل من حكم بنيامين نتنياهو، طرح بعض القادة الإسرائيليين، وفي مقدمتهم إيهود براك، أن يؤسس رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقين حزبًا جديدًا لتنظيم المعارضة في إسرائيل وقيادتها، والعمل على إسقاط نتنياهو، والوصول إلى الحكم في انتخابات الكنيست المقبلة. 

وبعد يوم واحد من قرار الكنيست حل نفسه، أسس رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس حزب "مناعة لإسرائيل"، ودخل في مفاوضات مع عدد من الأحزاب والفعاليات السياسية، كان من بينها حزب "تيلم" الذي أسسه موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، والذي كان يشغل منصب وزير الأمن في حكومة نتنياهو قبل أن يستقيل من الحكومة ومن حزب الليكود من جراء خلافه مع نتنياهو. كما أجرى غانتس مفاوضات مع رئيس الهستدروت آفي نيسانكورن الذي كان ينتمي إلى حزب العمل. 

وقد توصل غانتس، في 29 كانون الثاني/ يناير 2019 مع إطلاق حملته الانتخابية، إلى اتفاق مع موشيه يعلون لخوض انتخابات الكنيست في قائمة واحدة. كما اتفق غانتس مع نيسانكورن، ومنحه مكانًا متقدمًا في قائمته. وفي اليوم الأخير قبل تقديم القوائم الانتخابية لخوض انتخابات الكنيست، اتفق غانتس ويعلون مع رئيس حزب "يوجد مستقبل" بقيادة يائير لبيد على إنشاء قائمة مشتركة تجمع أحزابهم الثلاثة، وتضم أيضًا رئيس أركان الجيش الأسبق غابي أشكنازي الذي أدى دورًا مهمًا خفيًّا في تأسيس هذه القائمة. وقد أطلق على هذه القائمة الانتخابية "أزرق أبيض"، تيمّنًا بعلم إسرائيل الذي يقتصر على هذين اللونين. وتم الاتفاق على أن يرأس غانتس هذه القائمة ويليه لبيد ثم يعلون ثم أشكنازي ثم نيسانكورن، وأن يجري التناوب على رئاسة الحكومة، في حالة الفوز، بين غانتس ولبيد، على أن يرأس كل منهما الحكومة لمدة سنتين ونصف بدءًا بغانتس. وشكّل قادة هذه القائمة لجنة لصياغة برنامجها الانتخابي في القريب العاجل. 

برنامج غانتس الانتخابي

يشدد غانتس على أهمية الأمن بالنسبة إلى إسرائيل، ويطرح نفسه بديلًا من نتنياهو، بيد أنه لا يميز نفسه منه ومن حزب الليكود سياسيًّا، وذلك فيما يخص القضية الفلسطينية ومصير الجولان المحتل والصراع العربي - الإسرائيلي. فقد أكد غانتس أن أمن إسرائيل يحتل الأولوية العليا بالنسبة إليه، وأنه سيحققه بقوة إسرائيل العسكرية وبالعمل على التوصل إلى اتفاقيات سلام، تحافظ إسرائيل بموجبها على القدس والكتل الاستيطانية وغور الأردن مع تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والجولان السوري المحتل.

وتضم قائمة "أزرق أبيض" الانتخابية التي يقودها غانتس عددًا من غلاة المتطرفين. فإلى جانب موشيه يعلون المعروف بمواقفه المتطرفة تجاه الفلسطينيين ومعارضته لإقامة دولة فلسطينية، شملت القائمة اثنين من اليمين المتطرف وهما يوعز هندل وتسفي هاوزر، وكانا مقربين من نتنياهو وشغلا مناصب مهمة في حكومته. ويشغل هندل منذ 2012 منصب رئيس "المعهد لاستراتيجية صهيونية"، وهو المعهد اليميني المتطرف الذي صاغ قانون القومية، واضطلع بدور مهمّ في وضع السياسة اليمينية المتطرفة لحكومة نتنياهو. وتستلهم الحكومة من أوراقه وأبحاثه العديد من مواقفها، بما فيها تلك التي تدعو إلى الحد من صلاحيات المحكمة العليا وضبط استقلالية الجهاز القضائي والتشديد على الولاء للدولة، وضرورة أن تقيد مؤسساتُ الدولة الأخرى الحكومةَ بحد أدنى من التوازنات والكوابح. 

انهيار اليسار الصهيوني

شهد حزب العمل مزيدًا من تدهور شعبيته في الأشهر والأسابيع الأخيرة، ولا سيما بعد الإعلان عن تشكيل قائمة "أزرق أبيض" الانتخابية بقيادة غانتس. ففي حين حصل حزب العمل بالتحالف مع حزب "الحركة" بقيادة تسيبي ليفني في انتخابات الكنيست الأخيرة عام 2015 على 24 مقعدًا، بات يحصل في استطلاعات الرأي العام في الأسابيع الأخيرة على 6-10 مقاعد. وعرف حزب العمل في السنوات الأخيرة صراعات داخلية شديدة في سياق المنافسة على قيادته. وفي تموز/ يوليو 2017، فاز في الانتخابات لرئاسة حزب العمل آفي غباي. وكان غباي اليهودي المغربي عضوًا قياديًّا في حزب "كولانو" اليميني بقيادة موشيه كحلون، ووزيرًا عن هذا الحزب في حكومة نتنياهو في سنتي 2015 و2016. وقد أنهى غباي التحالف بين حزب العمل وحزب الحركة بقيادة تسيبي ليفني في بداية كانون الثاني/ يناير 2019، ولم يتمكن من إيجاد حليف آخر لخوض انتخابات الكنيست المقبلة. أما تسيبي ليفني، فقد أعلنت اعتزالها الحياة السياسية، بعد عجزها عن خوض الانتخابات في قائمة تحالفية، وعدم قدرة حزبها بمفرده على اجتياز عتبة الحسم.

أما حزب ميرتس الذي انتخب تمار زاندبرغ رئيسة له في آذار/ مارس 2018، خلفًا لزهافا غال – أون، فتتوقع استطلاعات الرأي العام أن يحصل على 4-6 مقاعد في انتخابات الكنيست المقبلة. بيد أن ثمة إمكانية ألا يعبر هذا الحزب عتبة الحسم، في ضوء حصول استقطاب شديد بين معسكري غانتس ونتنياهو، وأن يصوت جزء من قاعدته الانتخابية لغانتس بهدف إسقاط نتنياهو.

أما الأحزاب العربية، فتخوض انتخابات الكنيست بقائمتين انتخابيتين؛ هما قائمة تحالف الحركة الإسلامية مع التجمع الوطني الديمقراطي، وقائمة تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (التي يقودها الحزب الشيوعي الإسرائيلي) مع الحركة العربية للتغيير. ويعود عدم خوض هذه الأحزاب الانتخابات في قائمة واحدة - كما خاضتها في الانتخابات السابقة، وحققت انجازًا مهمًّا برفعها نسبة المشاركة في الانتخابات بين العرب بحصولها على نحو 90 في المئة من أصواتهم وعلى 13 مقعدًا في الكنيست - إلى رفض الحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي استمرار القائمة المشتركة وانسحابها رسميًّا منها، بدعم علني وواضح من المؤسسة الإسرائيلية ووسائل إعلامها، وذلك بهدف ضرب العمل العربي المشترك. ومن المتوقع أن تجتاز القائمتان عتبة الحسم، وسيتوقف عدد المقاعد التي ستحصلان عليها في الكنيست على نسبة مشاركة العرب في الانتخابات. 

"زحمة" أحزاب في المعسكر اليميني

في مقابل اضمحلال اليسار الصهيوني وتقلص أحزابه، حافظ المعسكر اليميني، والذي يطلق عليه اسم "المعسكر القومي"، على قوّته الانتخابية. ويشمل هذا المعسكر إلى جانب حزب الليكود، الذي حافظ على قوته الانتخابية، الأحزاب التالية: حزب "اليمين الجديد"، الذي أسسه نفتالي بنيت وأيليت شاكيد في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2018، عند انشقاقهما عن حزب "البيت اليهودي"، وحزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب "كلنا" بقيادة موشيه كحلون، وحزب البيت اليهودي بقيادة رافي بيرتس، وحزب "الاتحاد الوطني" بقيادة بتسلئيل سموتريتش، وحزب أتباع كهانا الذي يطلق عليه "القوة اليهودية" بقيادة ميخائيل بن آري وإيتمار بن غفير. 

وقد دفعت خشية نتنياهو وقادة أحزاب اليمين الفاشي من إمكانية عدم عبور بعض هذه الأحزاب اليمينية عتبة الحسم إلى تشجيعها لتشكيل قائمة انتخابية واحدة أطلق عليها اسم البيت اليهودي، وشملت حزب البيت اليهودي وحزب الاتحاد الوطني وحزب القوة اليهودية؛ ما يعني منح دخول جماعة كهانا إلى الكنيست غطاءً واضحًا. ولتحقيق هدفه، تعهد نتنياهو خلال اتصالاته لتشكيل هذه القائمة بمنحها وزارتين مهمتين في الحكومة التي يشكلها بعد الانتخابات في حال فوزه فيها، وكذلك منح عضو قيادي في حزب البيت اليهودي في قائمة الليكود الانتخابية مقعدًا، وسينضم هذا العضو إلى البيت اليهودي فور انتخابه عضوًا في الكنيست.

في مقابل نجاحه في توحيد أحزاب اليمين الفاشي، لم يتمكن نتنياهو من تكوين قائمة انتخابية مشتركة بين الليكود وأحزاب اليمين الأخرى. فظلت إمكانية عدم عبور بعضها عتبة الحسم واردة، مثل حزب إسرائيل بيتنا بقيادة ليبرمان وحزب كولانو بقيادة كحلون أو حزب غيشر بقيادة أورلي ليفي أبو كسيس، كما يشير بعض استطلاعات الرأي العام الأخيرة؛ ما قد يؤثر في نتائج الانتخابات وميزان القوى بينها. 

لائحة اتهام ضد نتنياهو

بعد نحو عامين من التحقيق، قرر المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيحاي ماندلبليت، في 28 شباط/ فبراير 2019، توجيه لائحة اتهام ضد نتنياهو وتقديمه للمحاكمة بتهم تلقي الرشوة والاحتيال والحنث بالعهد، في ثلاثة ملفات مختلفة. وسيعقد المستشار القضائي للحكومة "جلسة استماع" لنتنياهو، كما هو متبع عندما يتم توجيه لائحة اتهام ضد كبار المسؤولين، لمنحه فرصة للدفاع عن نفسه قبل تقديم لائحة الاتهام الرسمية للمحكمة. وقرر المدعي العام ماندلبليت عدم إطلاع محامي الدفاع على ملفات التحقيق إلا في منتصف نيسان/ أبريل 2019، كي لا يتم تسريب تفاصيلها واستعمالها في الحملة الانتخابية ضد نتنياهو. وهذا يعني إعطاء فترة ثلاثة أشهر لمحامي الدفاع لدراستها وتحضير ردهم لجلسة الاستماع. ثم يقوم بعد ذلك المستشار القضائي للحكومة بدراسة ردود محامي الدفاع لاتخاذ قراره النهائي الذي يتوقع أن يفرغ منه في نهاية هذا العام.

وهذه المرة الأولى التي توجه فيها لائحة اتهام ضد رئيس حكومة إسرائيلية وهو في منصبه. ولا يوجد في القانون الإسرائيلي نص يرغم رئيس الحكومة على الاستقالة في حال توجيه لائحة اتهام ضده، سواء قبل جلسة الاستماع أو بعدها. ومن غير المعروف حتى الآن مدى تأثير توجيه لائحة الاتهام ضد نتنياهو في نتائج انتخابات الكنيست. ولكن يُلاحظ أن حزب الليكود بقيادة نتنياهو حافظ طوال الأشهر الماضية على نسبة دائمة من التأييد، راوحت بين 28 و32 عضو كنيست، وأن نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تقارب كبير بين قوة المعسكرين.

وينفى نتنياهو جميع التهم الموجهة إليه، ويدعى أنها ملفقة وأن "اليسار" ووسائل الإعلام وقيادتي الشرطة والجهاز القضائي يلاحقونه لأسباب سياسية، ويعملون على إسقاطه وإسقاط حكم اليمين المنتخب ديمقراطيًّا، وتوظيف هذه التهم للتأثير في نتائج انتخابات الكنيست. 

احتمالات تشكيل الحكومة وموقع نتنياهو

من المتوقع أن تشهد الحملة الانتخابية تنافسًا شديدًا بين معسكري غانتس ونتنياهو الذي يخوض صراعًا ليس من أجل البقاء في الحكم فحسب، وإنما أيضًا ضد تهم جنائية قد تقود إلى سجنه في حال إدانته. وبقدر تمسك نتنياهو بالحكم، يسعى المعسكر الذي يقوده غانتس إلى إسقاط نتنياهو والوصول إلى السلطة. وقد يقرر غانتس تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب الليكود، إنما من دون نتنياهو. وليس لديه بديل من ذلك. فمن الصعب أن تحصل أحزاب هذا المعسكر معًا على أكثر من 61 نائبًا.

أما في حال حصول معسكر نتنياهو المكون من أحزاب اليمين واليمين المتطرف الفاشي على أغلبية في الكنيست، فسيعمل على تشكيل الحكومة من أحزاب معسكره. ومن المرجح أن يتمكن نتنياهو في حال فوز معسكره من تشكيل ائتلافه الحكومي، بعد أن أعلنت أحزاب المعسكر اليميني أو القومي الذي يقوده حزب الليكود بأنها ستوصي رئيس الدولة بتكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة. لكن نتنياهو سيواجه مشكلة حقيقية بعد ذلك في الحفاظ على ائتلافه الحكومي، عندما توجه رسميًّا لائحة اتهام ضده إلى المحكمة بعد جلسة الاستماع، التي من المتوقع أن تعقد في نهاية هذا العام. ومن الصعب جدًّا أن يقبل بعض أحزاب ائتلافه الحكومي ببقائه رئيسًا للحكومة، بعد توجيه لائحة اتهام رسمية إلى المحكمة ضده. حتى إن تمكن نتنياهو من الحفاظ على ائتلافه الحكومي، فثمة إمكانية أن تتخذ المحكمة العليا قرارًا بإرغامه على الاستقالة، مستندة إلى سابقة إرغام الوزير أريه درعي على الاستقالة من الوزارة بعد أن وجهت رسميًّا إلى المحكمة لائحة اتهام ضده. 

وقد يبادر نتنياهو ومعسكره إلى سن قانون في الكنيست يمنع محاكمة رئيس الحكومة ما دام في منصبه. وستعتمد قدرة نتنياهو على سن مثل هذا القانون على مدى تماسك ائتلافه الحكومي، ومدى تمسك أطرافه به إلى درجة تأييد قانون كهذا. وهذا احتمال يبدو مستبعدًا. كما أن قانونًا كهذا سيواجه باعتراض المحكمة العليا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف