الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

فخ التاريخ المذوَّت:(عزالدين المناصرة ولحظة مواجهة التاريخ)

تاريخ النشر : 2019-02-26
فخ التاريخ المذوَّت:(عزالدين المناصرة ولحظة مواجهة التاريخ)
فخ التاريخ المذوَّت:

(عزالدين المناصرة ولحظة مواجهة التاريخ)

·     الدكتور بسَّام قَطُّوس

"حين تكون الجملة مخفية

بدهاليز الفتنة أو في قلب الريحْ

وتكون الجملة ضوءاً يجهل زيت القنديلْ

لا تشرح أسرار المنديلْ

بل يكفي أن تترك شيئاً للقال وللقيلْ

يكفي أن تترك فسحة صمت بيضاءْ

من أجل التأويلْ - (عزالدين المناصرة)

كتابة الذات، أم الكتابة بالذات*

قارئ (المناصرة) مطالب بالحفر على القاع التاريخي والأسطوري والحكائي، آية ذلك أن المناصرة يمثل وجهاً آخر للمبدع الشامل الذي يغوص على التاريخ فيعيده مندمجاً أو مندغماً بتاريخه الشخصي، إنه بمعنى ما (يذوّته) ليغدو نصه مفخخاً بتاريخين: التاريخ العام، وتاريخ الذات الكاتبة أو المبدعة، لينتج من الجدل بين هذين التاريخين ما أسماه المناصرة نفسه (التاريخ الحي)، التاريخ المتواصل الممتد للإنسان، ذلك الكائن المتحرك الذي يصارع ليبقى على صلة بنقطة البدء. ولعل هذا الجدل بين تاريخ الذات والتاريخ العام هو الذي فجّر كتابة الذات أو الكتابة بالذات، إن شئت، لدى (المناصرة)، وأغنى مدونته الشعرية بعمق الوجدان التاريخي، وبعمق الأسطورة، والحكاية، مما جعله يبدع فيما يمكن أن أسميه (تذويت التاريخ)، أي إعادة إبداع رؤيته للتاريخ مذوتاً، دفاعاً عن ذاته، وحماية لها من أن تتلاشى أو "تطنش" على وفق تعبير المناصرة في قصيدته: "هكذا طنّشتني"، باعتباره الشاعر الكنعاني الملتحم بتاريخ أرضه. وقد ظهر ذلك في جل مجموعاته، وأولها ظهوراً مجموعته "الخروج من البحر الميت"، الذي يحيل منذ عتبته العنوانية "الخروج من البحر الميت"، إلى مأزق الذات، من خلال ثنائية الانفتاح والانغلاق، فالبحر أصلاً رمز للانفتاح وللاتساع، مثلما هو رمز للضياع، تلاطم أمواجه وهديره رمز للثورة، وصفاؤه ونقاؤه رمز للحلم. والبحر دافع للتأمل بل محرض عليه: طوى قبلنا أمماً ومضى وقضى بوجوده وديمومته إخوة وآباء وأحبة وهو ما يزال هو البحر. وفي عنوان البحر الميت تبرز الثنائية على أشدها فهو بحر ولكنه ميت لا أثر للحياة فيه، فلا تعيش فيه الأسماك ولا الحيوانات البحرية لشدة ملوحته، وهو مغلق على نفسه لا ينقل مسافرين ولا بحارة، ولا يقل سفناً. لكن الشاعر حاول فتحه باتجاه فضاءات الحياة الأخرى من خلال كلمة (الخروج) ودلالاتها المشبعة بالمعاني والدلالات، ليكسر محدوديته ويجعله مصدراً لا متناهياً للحياة. فالخروج من البحر الميت يعني الحياة وينفي الموت الذي انتقل بكلمة الخروج إلى (فضاءات الثورة) التي بعثت الحياة في البحر الميت، فقد استحضر (الميت) مرادفة أو نقيضة الغائب "الحي" بفعل ثنائيتي الحضور والغياب، هكذا "تغييب الحاضر / البحر الميت، وإحضار الغائب / البحر الحي". من هنا فإن سبر سيمياء العنوان ضروري للوصول إلى "كفاءة التأويل" من حيث كونه يختزل "الشوق والحنين والتيه الفلسطيني ثم الخروج الكبير من قاع البحر الميت، من المدن النائمة الغارقة – إلى الثورة الفلسطينية"([1]). وهو هو المناصرة مذوّت التاريخ يستعيد الماضي الجغرافي والتاريخي للإنسان الفلسطيني رامزاً له بـ(كنعان)، والمكان الفلسطيني (أرض كنعان) في مجموعته "كنعانياذا" (1983) قابساً (حتى لا أقول محاكياً) شحنة أسطورية من إلياذة هوميروس، ومستعيداً إلياذة التائه الفلسطيني وأسطورته في مملكة كنعان القديمة، ومؤكداً للمرة الألف على التصاقه بروح التاريخ الكنعاني الذي، يكذب مزاعم المحتل، ويؤكد عكس ما تقوله دعايته، على وفق تعبير أحد دارسيه. "مملكة كنعان القديمة (الإنسان والتاريخ والمكان) مهرت الأرض بانتمائها فسحرتها، وحولتها إلى شاهد حقيقي حي على الحضور والوجود غير القابل للتزييف والاستبدال"([2]). ولعل ظاهرة (الكنعنة) التي أشار إليها بعض دارسيه، لم تبدأ من "كنعانياذا"، وإنما هي ضاربة الجذور في شعر المناصرة منذ مجموعاته الأولى "يا عنب الخليل" و"الخروج من البحر الميت" و"قمر جرش كان حزيناً"، وسواها مما تلاها من مثل: "رعويات كنعانية". لهذا ليس غريباً أن يكتظ معجم المناصرة بـ (الكنعنة) في جل قصائده وعنواناته كما في: (عيد الشعير الكنعاني / نشيد الرعاة الكنعاني / و"نشيد الكنعانيات"، و"كنعان يتوهج"، و"كنعان في حجر نافر سيطل قريباً" و"يجيئك كنعان" و"أغنيات كنعانية" و"على رأسي ينهمر المطر الكنعاني" من القصيدة نفسها. هنا يصبح رأس الجبل المستحضر في قصيدة المناصرة يساوي تماماً رأس جده كنعان! (شاهدت رأس الجبل / كأنه في الليل / رأس جدي / في مملكته القديمة)، مثلما يساوي "كنعان" لديه "فلسطين"، وهكذا نفهم معنى "تذويت التاريخ"، و"أسطرة الذات"، بمعنى (إعادة إبداع التاريخ من وجهة نظر الذات المبدعة، وإعادة أسطرة الذات في مواجهة من يريد طمسها أو إلغاءها من الوجود).

          ومثلما سعى (المناصرة) إلى "تذويت التاريخ"، فقد اشتغل أيضاً على (أسطرة الحكايات الشعبية)، كما عمل بوعي تام على (امتصاص عصارة الأسطورة الكنعانية)، وأسطرة بعض رموز الشعر الشعبي أو الغناء الفلكلوري، مثل "جفرا"، بوصفها حكاية ونمطاً غنائياً شعبياً. ولعل هذا يؤشر على أن المناصرة لم يذهب لدراسة الأساطير والتاريخ الكنعاني دراسة الباحث الذي يطلب المعرفة لذاتها، وإنما لما فيها من طاقة على منح تجريته الشعرية زخماً جديداً، ونضجاً، وسعياً للتجديد، ومخالفة للسائد من الاتجاه العام نحو الأساطير اليونانية، وسواها. وهذا ما دفع بعض النقاد للقول إن المناصرة مبدع أساطير، يقول علي عشري زايد: "السياب، ناظم أساطير، أما المناصرة، فمبدع أساطير"([3]). ويؤكد ذلك المناصرة بقوله: "لقد التقطت عصارة الأسطورة، وتوجهت إلى (الأساطير الكنعانية) و(الأساطير العربية)، بديلاً من (الأساطير اليونانية)، لكن إضافتي، تتمثل في أسطرة اليومي والشعبي والتاريخي"([4]). وهذا أسهم في انفتاح قصيدته على مختلف أنواع التراث الشعبي (القصة، والحكاية، والموال، والعتابا والميجانا والمثل)، جاعلاً من اللغة الشعبية، والتلاعب بمفرداتها، وتوظيفها في سياقات رمزية، أفقاً للإبدال والمغايرة، أثرى أسلوبه ومدونته الشعرية، وأغنى منجزه الشعري، ووسع من إمكانات "الرؤيا والعبارة"([5]). يقول المناصرة: "نعم، جفرا هي أسطورتي الخاصة، لأن جفرا في الموروث الشعبي الفلسطيني، مجرد نمط غنائي شعبي محدود، يشبه الدلعونا، وظريف الطول وغيرها. وبقي هذا النمط، محدود الانتشار، خارج فلسطين. وفي عام 1975 نشرت قصيدتي (جفرا) في بيروت، فأحبها وحفظها الناس، خصوصاً بعد أن غناها مارسيل خليفة في أول أسطوانة له في حياته الفنية".

الذاكرة وأركيولوجيا المكان

يعد النبش في أركيولوجيا المكان الفلسطيني سمة مميزة لشعرية (المناصرة) يرد به على النبش الصهيوني المزيف على أركيولوجيا المكان، قصد البحث عن جذور مزعومة وموهومة وغير موجودة إلا في مزاعم مدعاة. ولعل رغبة المناصرة في تفنيد مزاعم الصهيونية العالمية وحقها المزعوم في فلسطين هو الذي جعله يتوسع في مفهوم التراث العربي بكل تاريخه وأساطيره وشخصياته، ليتوج جهوده بالحفر في عمق التاريخ القديم لمنطقة بلاد الشام، وصولاً إلى مملكة كنعان أو دولة (كنعانيا) التي تشمل في منظوره: (فلسطين، والأردن، وسوريا، ولبنان). وذلك يفسر سبب انشغالاته بالكنعانية وإحيائها عبر إبداع رموزها وسماتها في قصيدته، حتى لقد أسس ما وسم بـ"القصيدة الحضارية الكنعانية"([6])، أو (شعرية الكنعنة).

ولكن كيف صهر المناصرة رموزه التاريخية: كنعان، جالوت، والدينية: مريم والخضر عليهما السلام، والطبيعة المأخوذة من الطبيعة: الشمس والبحر، والشجر، والنوارس، والنرجس، والغيم، والثلج، واليمام، والحمام... ليشكل منها معمارة الفني وقصيدته الموصولة بجذر تراثي إنساني رحيب عالمي، يغرف من أنساغ القاع الفلسطيني الشعبي، ومن حكايا الجدات والأمهات الكنعانيات، ليشكل (إضافة نوعية للقصيدة العربية، وصولاً إلى "العالمية").

- وربما كان مفتاح الإجابة في ذلك المقطع الذي توجنا به فصلنا عن (المناصرة) وهو مقطع من قصيدته الموسومة بـ "نصائح"، بوصفه عتبة أو نصاً موازياً يسهم في كشف طرائق المناصرة في إبداع قصيدته، وتفعيل أبعاد الرمز والغموض فيها، حتى يترك مساحة لتأويل رؤاه المكتنزة، التي نجد صداها في معظم قصائده. ولكننا لضرورات منهجية سنكتفي بالاشتغال على قصيدته "يتوهج كنعان"، بحثاً عن طرائق تفخيخها، وآليات اشتغالها، على وفق ما قدمناه من مفاهيم ورؤى، ربما يكثفها، ويلخصها النص الموازي في مقبوسنا السابق. وهو نص ذو دلالة مهمة في اشتغال قصيدة المناصرة. فكأنه يستحضر ثنائية (العمى والبصيرة لدى بول دومان)، حيث ترد بشكل جمالي لافت في قصيدة المناصرة، فأسرار المنديل الذي يمكن أن يهديه محب لمحبوبته هي المعادل الموضوعي لمفهوم العمى بإزاء البصيرة، وهي التي تغري المتلقي بتتبع دلالات القصيدة المتكتمة على نفسها، ومحاولة كشف ما تحجب أو لاذ بزوايا العتمة منها، ولم ينكشف للضوء. يقول في عنوانه (نصائح) الذي يبدو، لأول وهلة، مباشراً، ثم ما يلبث أن يكسر أفق التلقي بشفافية طرحه، وإذا بالنصائح حديث في عمق المجاز، وانحراف عن ظاهرة مباشرة القول، فيدخلنا في عتمة المجاز ليرفض المباشرة ويطيح بأحلام الضوء (الوضوح) بحثاً عن مساحة صمت بيضاء تفتح أفق التلقي على مصراعيه، كما تفتح فضاءات التأويل، آية ذلك، أن الضوء يغدو بمثابة وضوح قاتل لجمال الشعرية، المشع أصلاً من العمى، حيث تكون الجملة الشعرية مخفية / مفخخة بمعنى ما، كما يشير نصه الموازي / المقبوس آنفاً، والذي يحسن التذكير به، في هذا المقام، هكذا:

"حين تكون الجملة مخفية

بدهاليز الفتنة أو في قلب الريحْ

وتكون الجملة ضوءاً يجهل زيت القنديلْ

لا تشرح أسرار المنديلْ

بل يكفي أن تترك شيئاً للقال وللقيلْ

يكفي أن تترك فسحة صمت بيضاءْ

من أجل التأويلْ"([7]).

كأنه أراد دهاليز العتمة، فأبدل (فالعتمة ألصق بالدهاليز من الفتنة في الواقع الحياتي)، ولكن لاوعيه جاد بالفتنة بدل العتمة، قاصداً الفتنة الجمالية في عتمة الفن والإبداع، وليس في الوضوح والمباشرة / الضوء، فالقيل والقال عند المناصرة يقابل رؤى النقاد أو المؤولين، أما الفسحة المتروكة فسحة الصمت في الجملة المخفية فهي بمثابة رهانه على التأويل، وهو رهان يتوخى منه أن يثمر تأويل الرؤى، بل وتأويل التأويل.

حفريات القراءة: "فتح النص على أفخاخه"

          قصائد المناصرة بالعموم، تحفر في العمق، تحرث أولاً في أرض الميثيولوجيا العربية بدءاً بـ "زرقاء اليمامة"، قبل أمل دنقل، ومروراً بـ"الميثيولوجيا المصرية القديمة" وانتهاء وربما ليس انتهاء بـ"الموروث الحكائي الفلسطيني أو الكنعاني" لا فرق في التسمية لديه. من هنا يحتاج قارئه إلى أن يتسلح بمفاتيح التاريخ والأسطورة والحكايا الشعبية الفلسطينية قصد فك شفرة أفخاخه المنصوبة على نحو رمزي مركب: أسطوري تاريخي، بالمعنى الذي قدمناه آنفاً. هنا لابد من أن يدرك القارئ الفطن أن كل تلك الرموز المركبة تنصهر في مفهوم "الكينونة الفلسطينية" الذي هو متحقق فعلاً لا قولاً، بل ومتجذر في الحكاية والأغنية والموال، وسيمياؤه المعبرة "جفرا الفلسطينية"، مثلما هو متحقق في "الخروج من البحر الميت" / البحر الميت / الحي في مستويات الذاكرة، أو المحيل إلى (ذاكرة المكان والزمان) وسيمياؤها الدالة (ذاكرة كنعان)، مثلما هو متحقق في الرؤيا والأمل وفق أحمد دحبور([8]).

وقد تحدث بعض الدارسين عن تجليات الموروث الأسطوري الكنعاني في شعر المناصرة، وذكروا اهتمامه بازدواجية التوظيف الأسطوري، ورأى بعضهم أن هذا الاتكاء على الموروث الديني الأسطوري التاريخي يعطي قصيدته خصوصية التعامل المبكر مع موروثاتنا الحضارية، بهدف تحقيق فعل التواصل مع جذورنا وأرضنا وتاريخنا... وصولاً إلى "كنعان" المجد والتاريخ، المحمل بالرمز والدلالة([9]).

إن استعادة التاريخ الكنعاني بإزاء (الموروث اليوناني) يشكل منحى فكرياً في شعرية المناصرة أو في منجزه الشعري، مع أنه استخدم بنسبة قليلة جداً بعض الأساطير اليونانية مثل "ايكار"، ونحت من اسم الإلياذة مجموعته "كنعانياذا" (1983)، قبل الشاعرة السورية (غالية خوجة) صاحبة "محواذا" (2009)([10]). كما أنه استخدم الأساطير المصرية القديمة مثل (حوريس)، وسواها من الأساطير. هذا الحفر الذي قام به المناصرة في التاريخ والحكاية والأسطورة يجب أن يواجهه القارئ بحفريات قرائية موازية في المخيال الشعري المكتنز بالذاكرة الدينية والتاريخية والأسطورية للمناصرة، ليس لفك مغاليق قصيدته وحسب، بل للتمركز في قصيدته بغية نقض تمركزها، وترويض عنادها، وإبطال أفخاخها.

 

قصيدة "يتوهج كنعان": تاريخ الذات، أم تدويت التاريخ؟

تنبني قصيدة "يتوهج كنعان"، بدءاً على ذلك الجدل بين تاريخين. تاريخ الذات الكاتبة المبدعة والتاريخ العام، مثلما تنبني هذه القراءة لذينك التاريخين على حوار بين ذاتين أيضاً: الذات الكاتبة نفسها وهي تمتلئ بالتاريخين، وتعيدهما مبدعاً واحداً من خلال ما أسميناه بـ "تذويت التاريخ" بالمفهوم الإبداعي الذي شرحناه، وبين الذات القارئة أو المؤولة، التي تتوخى أن تكون مبدعة بفتحها المقروء على تخوم جديدة، وديدنها وحافزها الدائم إضاءة المعتم، مما لم يشأ أن تضيئه القصيدة صراحة. وكلا الذاتين الكاتبة والقارئة تدرك عقم الواقع، وألم التاريخ، وتتوخى الانتصار للشعر على المعنى الجاهز، أي الانتصار للقيمة الجمالية في القصيدة، دون إهمال القيمة المضمونية لها. وكل ذلك يتم باللغة ملاذ كليهما وأداتهما الجمالية: لغة الشاعر الماهرة والماكرة في نصب الأفخاخ (بتعبيرنا)، أو ترك فسحة صمت بيضاء (بتعبير المناصرة)، والثانية: لغة القارئ / الناقد / المؤول / الساعي إلى فك شفرة تلك الأفخاخ، أو إضاءة المعتم منها على وفق بول دومان، في "العمى والبصيرة". بنية القصيدة تتراوح في الخطاب الشعري بين ثلاثة أزمنة، يشير كل فعل إلى زمن ما ويشكل كل زمن فراغاً / فخاً يتطلب من القارئ ملأه أو فكه:

1.      فعل أمر، ومفتاحه الجملة الشعرية المحورية: "جهز جوادك للرعي في مرج ذاكرة الغيم قبل المساء" (عوضاً عن مرج بن عامر) يتكرر فعل الأمر سبع مرات بنفس الصيغة، دون تغيير، هكذا:

2.      المضارع / المستقبل، ومفتاحه: "أحاول أن أمسك البحر من خصره القرمزي" ودلالته (الاستحالة / كل النوافذ مغلقة) بدليل تردد اللازمة اثنتي عشرة مرة، ولكن بصيغ تعبيرية مختلفة، وهي محاولات ترتد إلى ذاتها دون أن تحقق شيئاً.

3.      الزمن الثابت: يفجؤنا الشاعر بقطع رتوبة الزمن بجملة اسمية عناصرها الخبر المقدم على المبتدأ، وذلك لأهمية الخبر ومنحه مركز الصدارة، لضرورات دلالية وسيميائية، وإقرار حقيقة الثبات التي تعيشها الذات الشاعرة، هكذا:

                    "بطيءٌ بريدك يا وطني، والرسائل لا تصل العاشقين".

          وهي لازمة محورية للتأكيد على ظلمة الواقع ومرارته (وتتردد، بالصيغة نفسها خمس مرات): (أحاول أن أمسك البحر من خصره القرمزي). وتأتي أحياناً على شكل خاتمة لكل مقطع من مقاطع القصيدة يفيض فيها الكلام، فالذات الشاعرة ديدنها الفضفضة واسترجاع الماضي بزمنيه: الجمالي والمؤلم، عقب كل محاولة لا تأتي بنتيجة، ولكنه يقترح لكل زمن آفاقه في الحكي:

"أحاول أن أمسك البحر من خصره القرمزي

أراه كذلك

لكنه يشتهي أن يكون ربيعاً

لكي يعجب الآخرين"

فالبحر جامع المتناقضات، وهو رمز للاتساع، مثلما هو رمز للضياع، تلاطم أمواجه وهديره رمز للثورة، وصفاؤه ونقاؤه رمز للحلم. والبحر دافع للتأمل بل محرض عليه: طوى قبلنا أمماً ومضى وقضى بوجوده وديمومته إخوة وآباء وأحبة وهو ما يزال هو البحر.

علاقة الشاعر بالبحر أنه بحره، ولكنه محروم منه، وممنوع عليه. لا يمتلكه لذلك هو يحاول أن يمسك البحر من خصره القرمزي، وتلك استحالة أولى تجعل بحره من حصة الآخرين. ينتقل يقفز إن شئت إلى الحرمان حتى من بطء رسائل البريد التي لا تصل عبر البر والبحر حالياً (من هنا جعلها لازمة تتكرر على امتداد جسد القصيدة)، ولكنه في ظل انسداد الأفق، يستعيد زمناً ماضياً كانت فيه النوارس: "تحوم النوارس، تملؤه غبطة... بين ماض جميل وحاضر مؤلم تتشكل صورته زمن كنعان الأول وزمن كنعان الحاضر المؤلم حتى إنه لا يستطيع الوصول ليمسك بالتلة القرمزية بدلاً من الإمساك بـ "خصر البحر القرمزي" في عملية إبدال ومغايرة.

- تمحور الذات الشاعرة حول نفسها ليس تمحوراً شخصياً، فالشاعر لا يسعى لإبراز الأنا بقدر ما يجسد تلك الذات الجماعية المتمثلة بالكنعانيين، أصلاً وجذراً وامتداداً، في الزمان والمكان، ليس في فلسطين وحدها وإن كانت هي صاحبة الفعل (الغرم والغنم)، وإنما فيما تصوره الشاعر من امتداد الكنعانية إلى كل بلاد الشام، ومن ثم إلى الأمة العربية كاملة. المفارقة التاريخية/الفعل المضارع: "أحاول أن أمسك البحر"، يعد كل فعل أمر موجه لصاحب المحاولة، هكذا:

جهز جوادك  للرعي في مرج ذاكرة الغيم قبل المساء

(والأصل أن يجهز الجواد للرعي في مرج ابن عامر موطن كنعان)، ولكن المناصرة يأبى إلا أن ينصب أفخاخه بين كل جملة وجملة، وبين كل كلمة وأختها، فيلحقها بفخ آخر:

حيث يقيمون أندلساً في الكلام([11]).

سخرية حد المفارقة بعد سبعة قرون ونيف من سقوط الأندلس، وكأن المحاولة (كلما حاولت أن تثمر تجد من ينهيها ويقضي عليها بالضربة القاضية) (الأفخاخ مركبة في كل كلمة مناصرية). وجدل الأزمنة عنوان حاضر: (كنعان – جالوت) الجد/الجذر، مشيراً إلى النصر بعد خيبات، وحجر كنعان المعاصر: نصر بعد خيبات، وإشارة أخرى إلى استمرار النضال بأشكاله المختلفة، والنتيجة توهج كنعان، حيث:

"يجيئك كنعان ملتحياً بالثلوج

يطير اليمام على كتفيه

على فرسٍ أشهب، ليلة الاجتياح

وسبحته صدف تلحمي... وجبته من حرير"([12]).

ثم التحام الواقع بالأسطورة، أو "أسطرة الواقع" إن شئت، من خلال تعدد الرموز وتركيب الأفخاخ واركبها: الرمز الديني: مريم، والتاريخي: جالوت وكنعان، ورموز الطبيعة والبحر، والغيم... إلخ، ومن خلال تبدل الضمائر: أنا / أحاول، هو: الفتى، صوت الراوي (وقال لنا أحد الأصدقاء)، وتعدد الأصوات: صوت الحجر، صوت المطر، صوت الطبيعة، صوت كنعان... إلخ. قصيدة مشتبكة، مركبة، مفخخة، تشتبك مع "حركة الوجود ذاته" حيث "تتقاطع من خلاله قوى النبذ والجذب، التمدد والاستدارة، لحاجة الكيان إلى الحركة والالتفاف معاً حول نواة الذات"([13]).

تحاول الذات الشاعرة، في سياق ثنائيتي الانسداد والانغلاق، فتح كوة على ماض كان، وهي إطلالة على ماض كان جميلاً، وكانت فيه النوارس تحوم:

"وكانت تحوم النوارسُ

تملؤني غبطةً والنجومْ

مسافرةٌ قرب شمس الأصيلْ

أحاول يا فرساً حجرياً على التلة القرمزيةِ

كالبحر، مريم إفريقيا في الفضاءِ

تمد ذراعاً لوهرانَ،

ثمَّ وراءك يختبئون لكي لا يروا ما وراء الطُلولْ

ومريم إفريقيا لم تطابق بهاء الأصول"([14]).

هذا الجدل بين الأزمنة يجسد حقيقة إحساس الشاعر باليأس من الواقع، قبل أن يطل فارس يتوهج. لذلك نراه يمزج بين اللوازم ويوزعها توزيعاً مناسباً للحالة الشعرية، فقد ردد وأكثر من فعل المستقبل "أحاول"، بمستويات تعبيرية مختلفة، وإيقاعات متعددة، ثم يعود بعدها للماضي:

(كانت تحوم النوارس / كان المدى شجراً)

ثم عودة الصوت المتكرر الآمر:

"جهِّز جوادك للرعي في مرج ذاكرة الغيمِ،

حيث يقيمون أندلساً في الكلام"([15]).

إذن الطرق كلها مسدودة، والنوافذ مغلقة ومغلقة، وسيماؤها إقامة أندلس أخرى في الكلام فقط، بعد سبعة قرون ونيف على ضياعها. النوارس، مرة أخرى تعود للمشهد، ولكن بعد أن تتحول من مشهد الحوم (الدال على الحركة) إلى مشهد الزعيق (دالاً على الصوت المزعج)، مع الفارق الدلالي بين ما يرمز إليه كل من الحوم والزعيق:

"النوارس تزعق مثل رضيعٍ

سيعلن رغبته في حليب الصباحْ

تقاسمنا زاد رحلتنا بالصراخ ولم تستطعْ

الدخانُ يقيم جبالاً من الحلم يرحل غرباً

فيطرده البحر"([16]).

وصف للواقع المرير مع استحالة تحقيق الحلم / فالدخان يقيم جبالاً من الحلم أو الحلم (أصبح جبالاً من الدخان لا فرق).. المهم أنه يرحل غرباً. والنوارس، بما هي زمن الرحيل، ربما "تجسد أقصى لحظات التراجيديا لكل من يتعرض للسلب والطرد والاقتلاع من المكان"([17])، تزيد مشهد الإنسداد وضوحاً. هنا يتسلل وميض من الأمل، عبر شيء من الوطن، يتحول دخان الطوابين إلى عطر يزكم أنف الحالم، ليعيدنا إلى ذاكرة المكان، المكان الذي طالما راود الذات الشاعرة في أحلامها، حتى لقد غدا هاجساً:

"عطر الطوابين بين شقوق السؤال"([18]).

وتتكرر المحاولة للمرة الرابعة، لكن بمستوى آخر، بعد أن أخذت المحاولات السابقة صفة الاستحالة، وتأكد عجزها، هكذا:

أحاول أن أمسك البحر / أحاول يا فرساً حجرياً... / أحاول. تتلوها نقطة ولا يأتي "مفعولها"، للدلالة على غلق المحاولة، ولا جدواها، وعبثيتها.

ثم رابعاً:

"أحاول أن أرسم البحر لكنه

كنساء الينابيع يبدو صديقاً

ويهرب من بين كفي

مثل حقول القطار"([19]).

لعلها صورة منتزعة من ذاكرة أيام الصبا والشباب في فلسطين الينابيع

(ربما في الخليل أو في بني نعيم مثلاً) حيث الصبايا / النساء يتجمعن على النبع فيظن الحالم الشاب الرومانسي أنه عقد صحبة مع إحداهن، ولكنه سرعان ما يتبين خلبية إحساسه / فهؤلاء (نساء الينابيع فقط). ثم تتلوها المحاولات اثنتي عشرة مرة دون جدوى، حتى ليعلن موت البحر، بسبب إحساسه بخيبات الأمل، وهو الذي سبق له وأن أحيا البحر الميت، على وقع إحساسه الماضي بقوة الثورة، في "الخروج من البحر الميت". لكنه هنا يستعيد لحظات أخرى للبحر، حاثاً إياه على النهوض من سباته، قائلاً:

"أحاول أن أوقظ البحر من موته السمدي

أقول له في المساء:

دم البحر أزهر ورد الشقائق من نجمة الحقل،

كنعان يخرج فجراً

كنرجسة في حجر"([20]).

بعد هذه الصورة الممعنة في وصف ثبات الواقع وسوداويته، تبزغ بعض تباشير الفرج، بفعل الحركة / الركض:

"وأركض: أنظر حجاجاً من الصخر

يأوي الحمام إليه من البحر

من البحر والتينة المقدسيةِ:

بلور سيقانها يصل المتوسط،

أما الشروش فأعصاب جدي

ويهرب مني الكلام

إذا ما اصدمت بتينة قلبي

عليها السلام"([21]).

إذن ابتدأ الفعل وغاب الكلام الفارغ الذي / أقام أندلساً في الكلام. وهكذا بدأ الربط بين البحر وتينته المتصلة بأعصاب جده كنعان / الحقيقة والتاريخ والزمان والمكان، من خلال الحفر على الجذور: الجد والتينة المقدسية...، وأزفت من ثم ساعة الحق والحقيقة، مشاراً إليها بـ (هنالك) تقديراً وتقديساً للمكان ورفعته:

"هنالك أيضاً ستبقى الحجارة شاهدة،

أنها أصبحت مطعماً للبلاغة:

مقهى على الأبيض المتوسط دون نساء (ربما قصد نساء الينابيع الخليليات)

ودون سماء ودون ارتجاف،

ودون نراجيل أو زنجبيل"([22]).

وقبل أن يبتدئ فعل كنعان المتوهج، تحاول الذات الشاعرة اختراع بحرها المتخيل بسبب عجزها عن الوصول إلى بحرها الحقيقي، فنراها تركب صورة متخيلة للبحر الذي يتصوره في أرض كنعان كلها، منطلقاً من بلاد الشام كلها، سوريا الطبيعية: سوريا، ولبنان، والأردن وفلسطين، كما في قوله:

"سنخترع البحر ثم نرش البهار عليه

ونجلب من جبل الشام أقمار غوطتها،

ومن القدس صخرتها،

من ضلوعك بيروت روشتك القرمزية

ثم نشوي على الفحم

فوق التلال المحيطة

قلبك يا بحر

أحجارك المرمرية، ننشرها فوق حبل النهار.

وداعاً نقول لعكا ويضطرب القلب

في قلعة البحر..." ([23]).

وهكذا تستمر الذات الشاعرة في الفضفضة: أي تقول وتقول فائضاً من الكلام، ربما يراه قارئ ما نوعاً من التزيد أو الشطح، وربما يراه آخرون شطحاً قريباً من وظيفة الشطح الصوفي، وله ما يبرره نفسياً ودلالياً. وسواء أكان فائض الكلام في القصيدة جاء مقصوداً لتكريس الرؤيا من خلال الفكرة الشعرية لجدل الأزمنة، مستجيباً لآفاق كل زمن وما يتطلبه من حكي وفضفضة، أم جاء للتعبير عن تعدد الحالات الشعرية التي أخذت شكل امتدادات وتداعيات في وعي الشاعر ولاوعيه، فإنه وسم لغته بمستويين: الأولى، اللغة الشفيفة المطاوعة "التوالدية"، إذا شئت، كما في عديد المشاهد الشعرية، بله هذا المشهد مثلاً، الذي ترق فيه لغته وتسلس:

"منذ ثلاثين، كان فتى ويغني على مهلٍ في الشعابِ

وعاد إلينا سليلَ الجراح كسير الجناحِ

يغازل ورد الصباح، ويغرف من ماء هذي البطاحِ

وبغرس أشعاره في السهول البراح

ويشعل رمانة في المتاح من الوقت،

قال المغني: تكسر وهج سلاحي

قفزت على الحائط المستقيمِ

ففر الجنود وصاحوا

ولكنهم قد أرادوا سماع صياحي.

أفقت من النوم حيث وجدت المسافة صارت

دماً وفراقاً، أفق وأفقت وهيأت روحي

لهوج الرمال وعسف الرياحِ

وأغرقت أشجار زينتنا بالرذاذ الذي في حواشي المتون.

أحاول – هل أستطيع مساكنة الحلم في الدار،

ثم رأيت القرنفل في عوسج الدار،

منذ ثلاثين عاماً يحاصرني الحلم: دار وحاكورة،

وضجيج، عتابا تعاتبني الدار،

والميجنا سأصيح: أيا من جنى

ثم ظريف تمر بقامتها السرمدية،

حيث ضفائرها كانسكاب الشعاع على الماء

عاصفة في الصباح، صباح كروم اليقينْ

بطيءٌ بريدك يا وطني والرسائل لا تصل العاشقين"([24]).

ولكن النقلة الفنية تتم عبر الذاكرة الجمعية، ومن خلال استحضار الرمز التاريخي "جالوت" ممهداً به للفارس القادم بقوة "كنعان"، ليتم الربط بين الرمزين: جالوت، بوصفه مدمام هذي الحداثة، على وفق المناصرة، وكنعان الوريث الحقيقي لجالوت، معلناً بدء الفعل الكنعاني الماثل في ثورة الحجارة، والممتد تاريخياً من فعل جالوت، هكذا:

لا صخر دون رماة ولا ضوء دون قناديلها المشعلة.

الحداثة هذي العظام التي كسروها فصارت

قساوتها مضرب الأمثلة.

لا تقل كلما أثخنته الجراح انتهى

إن جالوت مدماك هذي الحداثة

في الحيط والسلسلة"([25]).

وهنالك إذن يبتدئ الفعل، إنه فعل كنعان المتوهج، هذا الفارس القادم بقوة وجسارة، يتجدد بفعله التاريخ. كنعان، هنا الرمز والإنسان، الرمز الذي يتقمص التاريخي والأسطوري، بل والملحمي، ومع ذلك فإن الشاعر يؤنسنه مؤكداً على فرادته ومفجراً كل طاقاته في تصحيح مسار التاريخ، التاريخ بمعنى الذاكرة النابضة القابلة للتفجير.. "لكن الصورة تستمد وجهها من عمق الفعل التاريخي في ثورة الحجارة، فينهض الحجر في قامة (جالوت)... وجالوت جبار لا يبغي غير خبز... وحرية... وشعر"([26]). وهنا تفتح الذات الشاعرة كوة أخرى على ماضي كنعان، مستحضرة ما كان له من حضارة وتجارة عبر سواحل كنعان، كما في هذه المقاطع المستدعاة من الذاكرة الجمعية:

"توهج كنعان بين القرى:

غوطة في الخليل: الفراش على الورد

والورد فيها فصائل مثل الجيوش

أحاول أن أتثلج حين أرى نهرها وينابيعها

باردات كغربتنا الباردة.

غوطة في الخليل: يمام على غصن ليمونةٍ

وحمام وجوز ولوز وحور وصفصافة فارعة.

حيث تكون الينابيع والعشب حيث

تكون الحضارات – بير السباع ورقص

الفراشات فوق الملاءات في الحقل

هذي قوافلهم تجمع القش تحت القدور... الخ"([27]).

ثم يتكرر بروز كنعان، وينغرس في المشهد الشعري، ويتكرس حضوره، منتصراً، بوصفه وريثاً لجالوت، بلغة شعرية شفيفة وقريبة من القلب، وفيها تصل الشعرية أرقى درجات الإبداع اللغوي والفني، يتفوق فيها الشاعر على نفسه، ويتخلص من كثير من فائض المعنى، الذي وسم بعض أجزاء من قصيدته، هكذا:

- كنعان يخرج فجراً كنرجسة في حجر.

- وكنعان نخلٌ وحورٌ وسنطٌ إذن..

- وكنعان في جبل سيد سيطل قريباً على العالمين،

ويكثر عنه الكلام.

- توهج كنعان بين القرى...:

- توهج كنعان بين القرى، والرماة على السطح

قد جففوا الطين والماء والقش

طوباً فلا ينكسرْ.

- توهج كنعان بين حقول الشعير

- توهج كنعان ورداً وخوفاً وخبزاً وشاياً،

على تلة قرب برقوقة المنحدر.

-       يجيئك كنعان ملتحياً بالثلوج

يطير اليمام على كتفيه

على فرس أشهب، ليلة الاجتياح

وسبحته صدف تلحمي... وجبته من حرير

-       يجيئك كنعان

كشرته من زجاج وعيناه غاضبتان

وسرواله عتب وابتسامته من قتام

-       يجيئك كنعان فابتهجي يا بلاد الندى وقلاع الغمام

عليك السلام، عليك السلام، عليك السلام([28]).

ثم يأتي المقطع الختامي المبشر بعودة كنعان، ولكن هذه المرة مباشرة بعد اللازمة التي كانت تبدو وكأنها حلم عصي على التحقيق، ولكنها وبعد أن أصبحت واقعاً، وبات كنعان أقرب إلى تحقيقه من حبل الوريد، فقد غدا الغائب حاضراً، وأصبح بمكنة الذات الشاعرة، أن تبتهج، على هذا النحو:

"- جهز جوادك للرعي في مرج ذاكرة الغيم قبل المساء

- تراني بعيداً، أنا حاضرٌ غائبٌ

غائبٌ حاضرٌ،

ثم أقرب من سرعة البرق حين يحوم الخطر.

وأقربُ من صيحة للسهول

وأقربُ من رفة للشجر

وأقرب من خفقة النرجسة

وأقرب من شجر التوت في المدرسة"([29]).

جمالية هذه المقاطع تنبع من نفس شعري منثال متدفق ذاق حلاوة تحقيق الحلم، بعد مرارة الانتظار وخيباته، حيث رقت لغتها ودقت، معبرة خير تعبير عن ثنائية الحضور والغياب وفلسفتها في واقع المناضلين. وهذه هي اللغة الشعرية التي تمثل روح المناصرة المتأملة المشحونة حد النجوى. إن إصرار الشاعر على أكثر من لازمة وعلى المزج بينها، وتوزيعها على النحو التالي: - جهز جوادك للرعي في مرج ذاكرة الغيم (بوصفه صاحب المشهد الرعوي / رعويات كنعانية)، واللازمة الثانية: "أحاول.. بمستويات تعبيرية مختلفة (رغبة في تحقيق الحلم بالنصر المنشود). أو: -بطيءٌ بريدك يا وطني... (مشيراً إلى زمن الخيبات المتكرر)، له ما يبرره على المستويين الرمزي والموضوعي. فالجدل بين هذه الأزمنة، بالإضافة إلى تعدد أصواتها، وما يجري من حوار بين أصواتها، هو الذي حرك قصيدته ودفعها قدماً إلى الأمام (ربما في زمن أشبه بالزمن الدائري، أو في الامتداد الزمني للذاكرة، بمفهومها الإبداعي لا الاسترجاعي)، وهو جدل احتفى بالتاريخ الكنعاني الحضاري في مواجهة الإقتلاع الصهيوني، وادعاءاته المزيفة. ولكن تلك الخيبات ما تلبث أن يبزغ فجرها (راء الحجر)، ولكن هنا بمستوى جمالي وتعبيري مختلف / مفارق، فالمطر يأتي بعد جدب ليحيي الأرض بعد جدبها / موتها، كذلك الحجر (حجر كنعان) جاء بعد الجدب، ليحيي الثورة بعد موتها، وكلاهما يبعث الأمل بعد يأس:

"سلاماً إلى الراء كانت مطر

"سلاماً إلى الراء صارت حجر"([30]).

وهذه هي رمزية راء المطر وراء الحجر.. وهذا هو بعض رهان المناصرة على أهمية ترك فسحة للتأويل، أو لـ "القال والقيل"، لا فرق!


المراجع


-      أحمد دحبور، الناي الكنعاني المتدفق، من كتاب (غابة الألوان والأصوات في شعر عزالدين المناصرة)". 

-      حفناوي بعلي، "ذاكرة المستقبل: الأصوات الملحمية والأسطورية في شعر عزالدين المناصرة، من كتاب غابة الألوان والأصوات. 

-      سعيد هادف، جفرا وحيزية وعي الذات.. وعي التاريخ، من كتاب "امرؤ القيس الكنعاني" إعداد وتحرير عبد الله رضوان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999.

-      عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط5. 

-      عزالدين المناصرة، غابة الألوان والأصوات، إعداد وتقديم زياد أبو لبن، عمان، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2006. 

-      علي عشري زايد، امرؤ القيس الكنعاني: (أقنعة الملك الضلييل في ديوان "يا عنب الخليل")، في كتاب "امرؤ القيس الكنعاني: قراءات في شعر عزالدين المناصرة،.  

-      غالية خوجة، مَحْواذَا، مؤسسة الناطق للإعلام، كندا، مونتريال، ط1، 2009.   

-      محمد صابر عبيد، إشكالية التعبير الشعري كفاءة التأويل، ط1، دمشق، بدعم من وزراة الثقافة الأردنية، 2007. 

-      محمد عبيدالله، عزالدين المناصرة: مفاتيح وإشارات، جريدة العرب اليوم، عمّان، 15/5/2005، نقلاً عن (غابة الألوان والأصوات). 

-      مصطفى الكيلاني، تلهي الذات الشاعرة بالغناء في مواجهة الكارثة، جريدة القدس، 15/7/2011.  

-      هيثم سرحان، رموز الطير في شعر عزالدين المناصرة فضاء النص وحدود التأويل، في كتاب (غابة الألوان والأصوات).

*  فصل من كتابه: (أفخاخ النص: الرحلة إلى المعنى)، دار فضاءات، عمّان، 2013.

([1] ) انظر: محمد صابر عبيد، (إشكالية التعبير الشعري: كفاءة التأويل)، ط1، دمشق، بدعم من وزراة الثقافة الأردنية، 2007، ص17. 

([2] ) محمد صابر عبيد، إشكالية التعبير الشعري كفاءة التأويل، ص65.   

([3] ) انظر: علي عشري زايد، امرؤ القيس الكنعاني: أقنعة الملك الضلييل في ديوان "يا عنب الخليل"، قضية الموروث في كتاب "امرؤ القيس الكنعاني: قراءات في شعر عزالدين المناصرة، إعداد وتحرير عبدالله رضوان، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999، ص 41-71.  

([4] ) نفسه، ص425. 

([5] ) (غابة الألوان والأصوات في شعر عزالدين المناصرة)، إعداد وتقديم زياد أبو لبن، عمان، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2006، ص388. 

([6] ) انظر: محمد عبيدالله، (عزالدين المناصرة: مفاتيح وإشارات)، جريدة العرب اليوم، عمّان، 15/5/2005، نقلاً عن عزالدين المناصرة، غابة الألوان والأصوات، إعداد وتقديم زياد أبو لبن، ص13. 

([7] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط5، ص665. 

([8] ) انظر: أحمد دحبور: (المناصرة: الناي الكنعاني المتدفق)، في كتاب "غابة الألوان والأصوات في شعر عزالدين المناصرة"، ص247. 

([9] ) انظر: حفناوي بعلي، "ذاكرة المستقبل: الأصوات الملحمية والأسطورية في شعر عزالدين المناصرة، من كتاب غابة الألوان والأصوات، ص88-89. 

([10] ) غالية خوجة، مَحْواذَا، مؤسسة الناطق للإعلام، كندا، مونتريال، ط1، 2009.   

([11] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص549.  

([12] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص565.  

([13] ) انظر: مصطفى الكيلاني، تلهي الذات الشاعرة بالغناء في مواجهة الكارثة، جريدة القدس، 15/7/2011.  

([14] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص548.

([15] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص549.

([16] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص459.

([17] ) انظر: هيثم سرحان، رموز الطير في شعر عزالدين المناصرة فضاء النص وحدود التأويل، من كتاب غابة الألوان والأصوات، السابق، ص192.

([18] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص549.  

([19] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص549.  

([20] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص535.  

([21] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص550.  

([22] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص550.  

([23] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص551.  

([24] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص555.

([25] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص560.  

([26] ) انظر: سعيد هادف، جفرا وحيزية وعي الذات.. وعي التاريخ، من كتاب "امرؤ القيس الكنعاني" إعداد وتحرير عبد الله رضوان، ص 289 - 290.

([27] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص562.

([28] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص565.

([29] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص564.

([30] ) عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص577.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف