الأخبار
نائب المندوب الروسي: نحن على بعد خطوة واحدة من سباق تسلح جديدقرار فرض رسوم على "التجارة الإلكترونية" يشعل غضبا في الأردنبعد رفض استقبال وفد الدوحة... أمير قطر يبعث برسالة إلى البرهانكتائب (حزب الله) العراقي توجه إنذاراً للأمريكيين:سنرد ردا قاصما على أي استهدافالمجلس السيادي يبحث مجمل الأوضاع في السودانالشرطة تقبض على شخصين من تجار المخدرات شرق نابلسشيما الشمري في القاهرة خلال أيام للتعاقد على مسلسل رمضانيفيديو: قوات "الأمن الوطني" تجبر جيش الاحتلال على الإنسحاب من شارع "القدس"‎نتنياهو: "إسرائيل" تعمل ضد ‎إيران على الأراضي العراقية والسوريةروان عليّان: لهذا السبب واجهت أفيخاي أدرعي... وسنقاوم حتى بالفناقامة مخيم الشهيد المقدسي نسيم مكافح ابو رومي "الصيفي" في منطقة الاغواراليمن: تفاصيل خاصة عن مقتل حمزة بن لادن في أحداث عدن الأخيرةالضمير تنظم ورشة عمل متخصصة بعنوان (الأخطاء الطبية التأصيل القانوني والحماية الواجبة)فيديو: القسام يعرض مشاهد وتفاصيل جديدة حول توأمُ الجهاد"العطار وأبو شمالة"الشرطة تحقق في ملابسات وفاة فتاة في ظروف غامضة
2019/8/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

جلجامش يتيه في أور بقلم:د.حسين رحيِّم الحربي

تاريخ النشر : 2019-02-24
جلجامش يتيه في أور بقلم:د.حسين رحيِّم الحربي
جلجامش يتيه في أور

(قصة قصيرة)

حسين رحيّم الحربي – كاتب وناقد

مُهداة إلى الملكة "شَبْعَاد"

فجأة وجدتُ نفسي وميسون وإبراهيم وسط أجمة خضراء جميلة تتكون من عدة مسطحات تتباعد قليلاً أحياناً، وتتقارب في معظم الأحيان لتتلامس، مثل أوراق اللوتس العائمة فوق سطح الماء. كان المنظر رائعاً، زاده شروق الشمس جمالاً، فبدتْ صفائح الماء تلمع صفراء كالذهب، أو متلألئة كصندوق من الجواهر فُتح لتوّه، تنتصب أعواد القصب المتراصّة والبردي مُشكلة جداراً أخضر لايمكن الولوج من خلاله، إلا لأسماك عرفت المكان، أو أفاعي الماء، أو طيور الخضيري، أو دجاج الماء، التي تبحث عن رزقها. تتخلل هذه الخضرة طرق مرسومة بعناية، لكنها غير مرصوفة، ممرات مائية، تسير فيها "الأبلام" و "المشاحيف" بسرعة كبيرة على الرغم من أنها ليست آلية، مُدببة الرؤوس، وكأنها أنصال سكاكين حادّة، ربما لتستطيع اختراق هذه المستنقعات، أو تستطيع العبور إلى الضفة الأخرى من الحلم بالنسبة للنسوة اللواتي تمتطي كل منهن "صهوة بَلم" محمل بالقصب والبردي والزلّ، والذي يستخدمنه في بناء أكواخهن أو بيوتهن العائمة، أو "الحشيش" لتغذية الماشية من جواميس ومعز وغيرها. تقف كل واحدة منهن في مؤخرة "البلم" أو "المشحوف" وتمسك بعصا طويلة رفيعة، كأنها رمح، لدفع القارب الصغير للأمام، والذي يتقدم بسرعة كالحياة ذاتها؛ تعترضه بعض النباتات، ويحتك أسفله بالطين والطمي وأشياء أخرى. كل امرأة ترتدي السواد كاملاً، وكأنها صَنَعتْ من الليل لباساً، تتلثم فلا يظهر سوى عينيها، وقليل من الوجنتين، ربما اتقاءً لوهج الشمس، أو ربما لغاية أخرى لانعرفها. للأهوار رائحة غريبة، هي مزيج من عدة روائح مُحببة، تحسها، لكنك لاتستطيع وصفها، تماماً كرائحة الطفل الصغير، لاتستطيع التعبير عنها أو وصفها بالكلمات مهما حاولت.

في غمرة الاندهاش والتأمل في المشهد عدتُ إلى واقعي فجأة؛ إذْ لا مأوى لنا، وكيف سنعيش في هذا المكان، الذي لانعرفه ولايعرفنا..! التفتُ إلى ميسون، وقبل أن أبادرها بالسؤال قالت لي -وكأنها تعرف مايجول في خاطري-: ألستَ أنت القائل في ملحمتك " أهدم بيتك وشيّد زورقاً..!"، تعجبتُ من كلامها، كيف لها أن تعرف ماضيي بهذه الدقة. ثم أَرْدَفَتْ: لاتستغرب ياجلجامش، فعُمر علاقتنا كعُمر هذه الأهوار سبعة آلاف سنة، ربما تتغير بعض الأمور البسيطة لكن الجوهر يبقى نفسه؛ كطريقة شيّ "السمك المَسَكُوف" ههنا والتي امتدت من أيام السومريين إلى يومنا هذا، وربما يرث أحفاد إبراهيم الطريقة نفسها. كطريقة عمل الجُزر هنا لتشييد البيوت عليها لاحقاً، ليكون لكل واحد من هؤلاء مملكة خاصة به، يرفع لها علماً بلون يميزه، يرفرف مشدوداً إلى عصا طويلة. تأتي كل أسرة إلى مكان تختاره وسط هذا المستنقع المنبسط  وتغرز الزوجة الزلّ والبردي الذي يمثل حدود مملكتهم، ومن ثم يبدأون بوضع حِزم القصب والبردي، ووضع طبقة من الطين فوقها، ومن ثم حِزم القصب والبردي ثانية، وهكذا تتناوب الطبقات حتى تتكون جزيرة صغيرة عائمة، يُبنى فوقها كوخ من القصب بكامل ديكوراته وأعمدته، وأثاثه.  

لم أقاطعها، ومضت قائلة: هنا أولى الحضارات، هنا الأبجدية، من هنا كان الحرف الأول، والحرث الأول، والبذرة الأولى للحضارة. هنا نور الشمس النقي، وهنا الهواء بدون شوائب، هنا رائحة الخبز الحُرَّة التي لاتخالطها أي رائحة أخرى. هنا المحراث الأول الذي تتلذذ به الأرض، تتنفس التربة، وتبدأ الحياة، هنا القانون الأول والتشريعات الأولى، هنا قال جدّي "يجب أن يعطي الرجل طليقته مَنَّاً من الفضَّة" إن كان هو من طلقها، هنا المرأة إن لم تكن ملكة فهي أمٌّ للملك.

- الآن عرفتك، لستِ ميسون الفتاة البغدادية التي أدخلتني المتحف في شارع "الَعَلاوي"، وحين أخطأتُ أنا بلمس اللوحة المسمارية اختفينا، وقادنا بساط الريح والضباب إلى هنا، لم يكن هذا مصادفة ياميسون، لم يكن هذا بخطأ منّي، بل هو شيء مخطط له، أنتِ الملكة "شَبْعَاد" ياميسون، أنتِ  ملكة "أور"، أنتِ ملكة هذا المكان، وإلا كيف يأتمر بأمرك آلاف من الناس ليشيدوا لنا هذا القصر العظيم بأسواره الممتدة، وارتفاعه الشاهق..؟ لقد فتحتُ الغرفة المغلقة ياميسون لأنك نسيت المفتاح في غرفة نومنا، ووجدتُ كل مجوهراتك، وأختامك، وقيثارتك. دعيني أقف إجلالاً لك أيتها الملكة.

- سعيد، مابك..! لماذا تتكلم هكذا..؟ أخبرني..! فَكّر كيف سنعيش في هذا المكان، ومن أين سنأكل؟

- لستُ سعيداً يا "شبعاد"، لكنني الآن أصبحتُ سعيداً بكِ وبوجودك. لكن ما أخشاه أنك ستأمرين بدفني أنا وإبراهيم معك يوماً، كما يفعل أسلافك؛ فيُدْفَن معهم كل من يحيط بهم من حاشية..!

- لا، لا يا سعيد، الذين يدفنون هم الحاشية، أما المقربون فسيحكمون هذه المملكة.

- إذاً تعترفين بأنك "شبعاد"، ولست ميسون..!

- اصمت يا أبا إبراهيم، سواء كنتُ "شَبْعَاد" أوميسون، فأنا أحبك، ولا أطيق فراقك، صحيح أنك أعطيتني صولجان الحكم، لكنني لن أخذلك يوماً، ولن أفكر في نفسي قبل تفكيري فيك أنت وإبراهيم.  

- لكن، اعلمي يا "شَبْعَاد" أنني عرفتك، منذ أن أمسكتِ بيدي وولجنا باب المتحف في بغداد، تفكرتُ؛ لو لم تكن لها علاقة بهذا المكان، ما الذي أتى بها إلى هنا؟ وكيف تعرف خفايا هذا المكان. ظهر كل شيء جلياً يا "شَبْعَاد"، لبسك ومظهرك؛ خوذتك الزرقاء الفاخرة والتي تزين أسفلها حلقات الذهب المتجاورة، وأسفل منها صفائح الذهب الأصفر تتدلى على شكل وريقات تلامس حاجبيك، أقراطك الذهبية البيضوية تشبه شكل قصر أور، عقدك الفخم من العقيق الأحمر وأحجار الفيروز الزرقاء، تتداخل الألوان على شكل مثلثات متناوبة، يزيد جمالها بياض رقبتك الصقيلة الناعمة، وكأنها صنعت من المرمر الأبيض، عقد أوسع من خرزات العقيق والفيروز يتدلى حتى يبلغ صدرك. كل هذا يدلل على تمتعك بحس فني راقٍ وامتلاكك ذائقة فنية رفيعة ونادرة، من خلال اختيارك الدقيق لما ترتدين. 

فم كأنه جمرة منحوتة يا "شَبْعَاد"، فيه ألف حكاية من لهب، وألف قُبلة من لؤلؤ وذهب، ينتظر معركة ربما تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة. عينان بنيتان، تجوسان الأرض والفضاء الممتد من أور حتى بغداد، فيهما نهران وألف رافد، فيهما حكاية عشق لم تنضج بعد.  لماذا لم تخبريني بكل هذا؟

- انهض ياسعيد، واستفق من احلامك، دعنا نتدبر أمرنا، لقد جُففت الأهوار، وماتت الزروع والجواميس والأبقار، ومابقي من الأسماك اختلط بطين الأهوار، وكأن الحزن والدموع صفة لازمة للهور منذ نشأته الأولى.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف