الأخبار
2019/2/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

فوضى الشتاء!!بقلم:محمود حسونة

تاريخ النشر : 2019-01-18
فوضى الشتاء!!بقلم:محمود حسونة
1- إنّي أراكَ فهل تراني؟؟!!!
ثمّة ظِلٌّ فوق رأسي يظللني!!! ظِلٌّ مسحور هلاميّ رخوٌ يختفي لوهلة ثمّ يعود مرة أخرى ليقترب أكثر!!!!
-أنا هنا على مسافة همسة أو لمسة منك، أتتبّعك خطوة بخطوة كاسمك، ولحظة بلحظة، أعدُّ أنفاسك، أتتبع كلّ ما يخصك!!! عليك ان تعلم ذلك!!!
-ألم يحن الوقت أن تُقنع نفسك بأني الوحيدة، وتقنعني أنا أيضا؟؟!!!!!
-أريد ان أعرفكَ بكل حواسي بقلبي وعيني، بروحي بجنوني، فهل تمنحني ذلك؟؟!!!
الوقت يمضي، أيام تروح وأيام تأتي وأنتَ بعيد!!! سأهرب إليك لتأخذ بيدي لنعبر إلى حلمنا الكبير إلى فضاء فسيح وناعم!!!
لا تقل لي القدر والأقدار، أنا غارقة في متاهات الجنون، متاهات لا أستطيع أن أصفها لك!!!
أطفأت النور، أغمضت عينيّ، لعل هذا الظلُّ يذوب ويتلاشى، وأن أتحررمن خوفي ووحشتي!!!
هبط الظلُّ على قلبي الصغير، وأخذ يضغط عليه ويضغط!!! لا يمنحني فرصة لألتقط أنفاسي، أكاد أن أختنق!!! منْ يمنحني فرصة للنجاة من هذا ؟؟!!
أشعلت الضوء، الظلُّ ما زال فوق رأسي يراودني بإلحاح!!!
ألا تسمع الأنين القلق وهو ينبعث من روحي وقلبي باستمرار!!!
-أرى الحيرة في عينيكَ!!! كائك أصبحت لا تعرفني؟
لماذا في كل مرة أدق عليكَ أبوابك، فتبقى مغلقة؟؟! لماذا لا تطفئ الجمرة الملتهبة التي تكويني؟؟!!
تنتابني الغيرة، إنها تنخر روحي وقلبي، أنا لا أنام بسهولة، أنت تحتل دماغي، وبيتي ووقتي كدكتاتورعسكري!!!
-ماذا عساني ان أفعل؟؟!!!
-أقنعني بأني الوحيدة في حياتك، وأقنع نفسك أولا!!!
- كيف يمكن ذلك؟؟!! أنا لا املك سوى كلماتي ولغتي!!!
- اكتبني قصيدة مجنونة تشبه جبال الثلج البيضاء التي تعيش فيها الذئاب الذكية، أو كعاصفة هوجاء تملأ الكون وتقتلع الأكواخ والأشجار، اكتبني غيمة من حليب تمطر نورا وعطورا، ثم تشعل الحرائق في كل المدن والكواكب، أكتبني بجنون حر بلا قيود، اكتبني كيفما شئت أثبت لي أني الوحيدة في قلبك!!! فسّر لي سطوتك الغامضة على قلبي!!! أشبع غروري وهيامي...
اكتبني ككذبة كبرى مرّت مصادفة في حياتك، اكتبني نجمة مضيئة بعيدة على حافة السماء تغازل قمرا خجولا، ارسمني بكلماتك، بملايين الألوان بكل تلالي واوديتي وتعرجاتي وانحناءاتي التي تشبه خطوط التجارة القديمة وقوافلها التي تحمل البخور والحرير!!
أفرغ كل جنونك ، أريد أن أراني بلغتك بكلماتك بارتعاش أصابعك وهي تخط الكلمات، إنّي أراك أمتلأ بك فهل تراني؟؟!!
أجمع كل عدتي وعتادي ، أوراقي وأقلامي، كتبت برأس الصفحة أولى كلماتي، حبيبتي الغالية، تراءت لي على وجه الصفحة وهي تقول: أنا هنا، لا تنسى، ألا تراني؟؟!!!
أخذت الكلمات تتسارع و تقطر من قلبي وتتجمع في أطراف أصابعي، فشعرت بأصابعي تشتعل، أصابعي تحترق!!! خشيت أن أحرقها بأطراف أصابعي؛ فتوقفت عن الكتابة، وابتعدت قليلا، امتدت النار لتلتهمني، فانتفضت وأنا أحاول أن أطفأ اشتعالي!!!
حينها استيقظت من نومي!!! يا إلهي كان حلما غريبا!!!! إني رأيتها حلمًا فهل تراني!!!
٢- ليلة مجنونة!!!
رغبت بأن أنسى أو أتنسى هذا القلق المقيم في داخلي كحرب صامتة!!! وأن أعيش خارج خوفي وقلقي ودماغي!!!
فضّلت أن أمارس هوايتي بالتسكع تحت المطر في هذا الليل الغامض الطويل!!!
غُصت في عمق المطر، كأني أبحث عن شيء مجهول في داخله!!! لقد أخذ يغسلني بدفء شامل، استسلمت له ولصوته الذي ملأ قلبي بموسيقا، موسيقا المطر المسحورة القادمة مع السحاب من السماء!!! صارت شفتاي تتحركان، تهمسان بأغنية للمطر و للحب وللدفء!!!
بقيت أمشي في حبات المطر البطيء الهامس، لا شيء يهمني!!! لم أعد أشعر بأي شيء يحيط بي، لا ليل ولاخوف ولا برد!!! لا أشعر سوى بالمطر!!! ستكون ليلة مجنونة!!! ولن يقدر أحد في هذه الدنيا أن يوقف هذا الهيام الأبله ….
تمنيت رؤيتها، سأرها في هذه الليلة المجنونة، أناعلى يقين بأني سأراها قادمة وهي واضحة الملامح ومبتسمة وعيناها ترفان من الفرح، تمشي وحيدة وتغنّي تحت المطر، تغني للحياة وللمطر!!!
وعندما تشاهدني ستركض نحوي بلهفة وتعانقني؛ فتزيد دفئي وتملأ حضوري، ثمَّ تضع يدها في يدي، ونحلق معا كعصفورين مغردين في حديقة المدينة حتى دخول الصباح!!!
حبات المطر مازالت تنساقط بطيئة، تتلون بألوان المصابيح ثم تنساب كنهر ملون!!!
عندي رغبة ملحة في الركض في هذا النهر كطفل صغير يطارد سمكة، يتعثر ويسقط وهو يضحك، ثم ينهض أكثر فرحا!!!
لقد تأخرتْ كثيرا!!! لم أرها منذ فترة!!! هل كانت بحاجة لمن يذكرها بالمطر؟؟!!! قالت لي في المرة الأخيرة إن هذه المدينة صارت موحشة، كأنّ لعنة أصابتها، إنها تمزق الأحلام وتهزأ بنا وبمشاعرنا!!!!
وقفت على الرصيف أنتظرها، أتأمل وأتلهى مستمتعًا بمنظر المدينة، شعرت بألفة كبيرة مع هذه المدينة، لقد تلونت بالمطر والأضواء والليل!!! صارت كلوحة مليئة بالجمال والدهشة وعطر الدفء و المطر!!!
فجأة دوى القصف، بدأت حفلة القصف بإيقاعات عالية كأصوات طبول الحرب الأفريقية!!!
قالوا: إنّ طبول الحرب كانت تقرع حتى لا تُسمع نداءات الضمير واستغاثات الضحية!!!
كان وهج القصف يتناثر كأضواء ملتهبة، كأضواء ليلة عيد الميلاد، كان قريبًا من مكاني!!!
أخذت أبحث عنها، أناديها بأعلى صوتي، فيرتد الصدى: هذه مدينة موحشة، مدينة أصابتها لعنة!!!
أخذت أضحك وأضحك ضحكات عالية كثملٍ فقد صوابه… عندي رغبة قوية في أن أستمر في الضحك لأطرد التوتر والأسى الذي اجتاحني كالوباء!!!
شعرت بالعالم كله يحوم في رأسي ويهزأ بي، شعرت بالعالم ينام في رأسي، شعرت بالعالم يموت في رأسي كما ماتت حبيبتي!!!
3- سيدتي الجميلة!!!
لقد نهضت واندفعت تجري نحو الغرفة المشتعلة كطفلة صغيرة، واندست في نار الغرفة!!!
- كيف حدث هذا؟؟!! لماذا لم تمنعيها؟؟!!!
فكرت أن ألحق بها ولكنّي فقدت شجاعتي، لم أتجرأ، كانت النيران كثيفة تلتهم كل شيء!!!
تجمعت كل نيران العالم واتقدت في داخلي وأخذت تلتهمني كاني ورق ممزق ناشف!!! لا يوجد مخلوق في هذا الكون يمكن أم يتفهم النار التي تشتعل في داخلي…
- ثمّ خرجت من الغرفة وقد لفَّتها النار… لكنها كانت تحتضن شيئا بين ذراعيها وتزمّ عليه بقوة...
دخلتُ في إغفاءة غامضة تشبه إغفاءة الموت … صرت أسمع صوتها يأتيني من بعيد من قاع بئر مهجور، صوت متماوج متحشرج كصوت شبح!!!
- بعدها عثرنا على صورة ابنها زياد وقد احترق إطارها الخشبي وبعض أطرفها فقط!!!
لقد دخلت الغرفة المشتعلة لتنقذ صورة ابنها المعلقة على جدار الغرفة!!!
زممت عينيّ، عصرتهما كأني أريد أن أبقى في ظلمة عميقة فلا أرى شيئا!!! يا إلهي!!! أمّ تضحي بنفسها لتنقذ صورة ابنها، أليس هذا جنون الأمومة؟؟!! لكن أين كنتَ أنا حين حدث هذا؟؟!!
ألملم فتاتي أهزّه من كتفه أصفعه مرة ومرة أوبخه!!! أين كنت؟؟!! أين كنت حين التهمت النيران أمك؟؟!!! لماذا لم تدخل أنت وتنتزع صورة أخيك عن جدار الغرفة المشتعلة؟؟!!
أكتم صرخة في داخلي، هي أصدق صرخة يمكن أن يسمعها إنسان!!!
لقد كان البرد قارسا والحاجز مزدحم بالناس، فأراد الاستدارة بسيارته ليبحث عن مسار آخر لبيته!!!! ادّعوا أنهم نادوا عليه ولم يتوقف!!! لم يسمع كان زجاج السيارة مغلقا بالكامل، لقد أصابوا زياد بصلية كاملة مباشرة مزقته هو وسيارته !!!
تداخلت الذكريات والأيام والعواصف والرعشات و صورة زياد وطعنات الغدر البائنة في ظهره، وصورة أمي والنيران وهي تلتهمها، صورمرّت أمامي كحلم طويل لزج ومريع يفترشني!!!
صرت أبحث عن شيء أستند عليه، فقد التهمت النار رأسي، لم أجد سوى الفراغ، تلاشى كل شيء وضاع من أمامي بسرعة غريبة، صرت أسبح في فراغ، لأوّل مرة خفت على نفسي من نفسي!!!
كانت تقف كثيرا أمام صورة زياد المعلقة على الجدار وتبكي بصراخ مكتوم، وعندما أنتبه لها تدير وجهها وتخفيه حتى لا أراها وهي تبكي!!! كنت أسمع صوت دموعها؛ فأهبُّ إليها أكفف دموعها اللاهبة، أضع رأسها على كتفي وأدعها تبكي، تبكي بحرقة تبكي وتبكي وأبكي!!!
ضربتان قاسيتان قاضيتان يا ولدي، ضربة شقّت قلبي على عدنان الذي ابتلعه البحر ولا أعرف عنه شيئا، وضربة زياد القاصمة التي كسرت ظهري!!!
ماذا بقي لي في هذه الدنيا؟؟!! لم يبق لي سوى ألم يتكدس في بدني، حمل ثقيل لم أعد قادرا عليه، لقد حطمني الحزن!!! كل شيء صار تافها بلا معنى، لقد مات المعنى!!!
-هذا عالم صعب علينا يا أمي، أشفقِ على قلبك!!!
في تلك الليلة لم أعرف النوم شيء غريب كالغصّة، عنيد يغوص في داخلي ثم يطفو يكاد يخنقني، ذهبت إلى فراشها ، كان فارغا، لا شيء أمامي سوى فراش أمي الفارغ ، وليل بهيم يلفني بعتمةٍ موحشة قاسية!!!
تمددت فيه، كانت رائحتها تملأ الفراش، تملؤني فأشعر بنشوة بنسمة فرح ضئيلة من بين ركام الحزن!!!
صورة زياد معلقة أمامي وقد احترقت أطرافها، عندما رفعت رأسي لأعلى رأيت سقف الدار قد تخلّع و طار!!! وانكشفت أمامي السماء، فرأيت أمي بوضوح وقد لفتها غلالة بيضاء ناصعة فبدت كغيمة مضيئة تهبط بطيئة، اقتربت أكثر فأكثر وهي مبتسمة، نظرت لصورة زياد المعلقة للحظات، ثم ابتعدت مسرعة وهي ترسم في الفضاء أشكالا ملونة ، بعدها تناثرت في السماء كنجوم بعيدة!!!
أمي، ابسطي كفك الهابطة من السماء؛ لأقبلها ما شئت!!! ثمّ خذي برأسي المثقل بالهموم وضعيه في حِجرك، لأنظر في عينيك الجميلتين اللتين تنوسان كأقمار بعيدة!!! ودعيني أشتم رائحة عرقك المجبول بالحناء وفوحان البخور، ومسدي براحتك الحنونة على وجنتيّ لتزول عنّي قشعريرة الخوف، فأغفوا هانئا في ليلي العميق، في دنيا بعيدة، وفي عزِّ الليل تفقدي غطائي، وتمتمي بالتعاويذ والأدعية التي تحميني من الأرواح المسحورة، و قبل ذلك كلّه قصِّي عليّ حكاية الغولة الشريرة التي غدرت بالأمير الجميل!!!!
4- فوضى الليل!!!
هناك عاشقان يلتقيان يستظلان بالليل!!! كانا حذرين لئلا يفضحهما النور، فأعتما معا في ليل يشع على جسديهما!!! لكن رنّة الضحكة أزاحت الستارة عن فوضى حبهما؛ فضحكا أكثر، وأكملا أغنيتهما الساخنة، حتى تعطر الهواء وفاض المكان بهما!!!
بقلم:محمود حسونة(أبو فيصل)
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف