الأخبار
2019/7/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المذهب السريالي بقلم: حسين علي الهنداوي

تاريخ النشر : 2019-01-15
المذهب السريالي بقلم: حسين علي الهنداوي
6الباب الثالث
الفصل السلدس
-المذهب السريالي :
أولاً- ماهية السريالية :
السريالية: فما جاء في المادة المخصصة لها في الموسوعة العربية العالمية، هي: مذهب في الفن والأدب أسسه في باريس عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين الشاعر الفرنسي "أندريه برتون" وتحاول السريالية أن تكشف عن واقع جديد يتجاوز الواقع الفعلي، وهذا واضح من مدلول المصطلح ذاته؛ إذ هو كلمة تعني ما فوق الواقعية. ويدعي السرياليون أنهم يصنعون أشكالًا وصورًا دون وعي ودون تفكير، لكن بإحساس فطري خالص، وعن طريق المصادفة وباستخدام هذا المنهج نراهم يزعمون أن بإمكانهم صنع عالم في مجال الفن والأدب، أكثر جمالًا من العالم الحقيقي، وبهذه الطريقة يحاول السرياليون مفاجأة المشاهد أو القارئ، وعرض ما يعتقدون أنه هو العالم العميق والحقيقي للطبيعة البشرية. ومن قيادات الحركة السريالية في مجال الرسم: "أندريه ماسو" و"رينيه مارجريت" و"سلفادور دالي" و"ماكس آرمس" وتمثل أعمال "ماسو" الرسم العابث بضربات الفرشاة أما "مارجريت" و"دالي" فإنهما يرسمان باهتمام أشكالًا حقيقية لصنع صورٍ تشبه الحلم، أما "آرمس" فكان يجمع بين الأسلوبين؛ حيث تبدو في رسومه مخلوقات غريبة تظهر بين أشكال ملونة متناثرة عشوائيًّا على اللوحة. وهناك نكتة مشهورة في هذا المجال: هي أن أحد العابثين أراد أن يسخر من الرسامين السرياليين؛ فأتى بحمار وغمس ذيله في دلو به ألوان مختلطة، ثم أدار ظهره إلى لوحة علقها على جدار ونخسه؛ فما كان منه إلا أن طوح بذيله يمينًا ويسارًا، ناثرًا الألوان في كل اتجاه كيفما اتفق، وسقط بعضها على اللوحة، ثم أخذ اللوحة وعرضها على بعض كبار النقاد التشكيليين، الذين لم يتمالكوا أنفسهم من إبداء بإعجاب بالرسام العبقري الذي أبدع تلك اللوحة السريالية الرائعة، وكانت فضيحة "بجلاجل" حين أخبرهم بحقيقة ما صنع. ويقول الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تضافرت الفلسفة "الفرودية" مع المحنة الإنسانية العاتية التي أصابت البشر بويلات الحرب؛ فتصدعت القيم الإنسانية، وهانت الحياة على الإنسان بعد أن رأى الفساد يتربص به في كل مكان، ونشأت رغبة جارفة للتحلل من الأخلاق، وانتهاب اللذات قبل أن تفنى الحياة وتخر في العدم، وبالتالي تحركت الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية لإشباعها إشباع حر طليقًا لا يخضع لأي قيد، ولا تردعه أية مواضعة من مواضعات المجتمع. ولم تقتصر هذه النزعة على الحياة؛ بل امتدت إلى الفن والأدب اللذين يصدران عن هذا النوع من الحياة، مما أدى إلى ظهور المبدأ المعروف بالسريالية، أي: مذهب ما فوق الواقعية، وهو المذهب الذي يريد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، والذي يزعم أن فوق هذا الواقع أو خلفه واقعًا آخر، أقوى فاعلية وأعظم اتساعًا، وواقع لا وعي، واقع مكبوت في داخل النفس البشرية. وعلى تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته، وتسجيله في الأدب والفن، أراد السرياليون توفير جهودهم، وإن كان من الحق أن نقول: إن هذا الواقع الدفين كثيرًا ما ينتهي إلى ما يشبه هذيان الحواس، وبخاصة عندما يلجأ السرياليون إلى الطرق المصطنعة؛ كالأفيون وغيره بإطلاق المكبوت في النفس، ثم عندما يحاولون تسجيل هذا المكبوت في لوحات أو قصص أو مسرحيات غامضة مضطربة، أو هاذية محمومة، ربما لا يدركون هم أنفسهم لها معنى أو يحددون لها هدفًا وهي بالرموز والأحاجي أشبه منها بالأدب والفن، مهما أن يجعلوا من هذه الحمى مذهبًا أدبيًّا أو فنيًّا. ومهما حاولوا تسويغ بعض اتجاهاته، مثل تركهم مسرحياتهم أو قصصهم أحيانًا بدون خاتمة، بدعوى أنهم لا يقصدون غير الإثارة والإيحاء؛ تاركين للقارئ أو المشاهد مهمة تصور الخاتمة التي يريدونها، والتي ترسمها قواهم النفسية المثارة والمطلقة من كبتها. والسريالية "أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع" هي مذهب أدبي فني فكري، أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ويجب تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وهي تسعى إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو المنام، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية. وهكذا تعتبر السريالية اتجاهاً يهدف إلى أبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف . ويعتبر مسرح العبث الابن الشرعي للسريالية . فالسريالية مدرسة حديثة تهتم أكثر بالشعر والرسم تبتدئ من الخط الذي تبتدئ منه الوجودية ولكنها تفترق عنها في الإيغال في اللامعقول والإعراض عن الخوض في حقائق التاريخ والمشادات الفكرية والبحث المنطقى فيما يفوق الإدراك إلى الخوض في أعماق المجهول بلا موضوعية. والأصل في هذه الحركة هو نظرية فرويد عن العقل الباطن فالسريالية تريد " أن تجعل من العقل الباطن الحقيقة النفسية بالذات وتحول الفن إلى كتابة آلية لإيضاحه ". " ولم يكن مطمعها الأول أن تؤسس نزعة إنسانية جديدة، أي أن تعطي العالم تلاحماً، إتجاهاً، لقد كانت على العكس تعارض كل تلاحم بحالة سخط لتغيير الحياة وبلوغ ما فوق الواقع الذي يلغي التناقضات التى مزقت الإنسان: واع ولا واع، أنا وعالم، طبيعى وما فوق الطبيعى " "كذا " أشهر شعرائها بريتون وأراغوان وقد حدد بريتون الطريق الوحيد للبحث عن المطلق بأنه " إملاء الفكرة في غياب كل رقابة يمارسها العقل " كما ورد في كتاب ( العلمانية لسفر الحوالي ص 488، 489)
ثانيا- التأسيس وأبرز الشخصيات:
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أصابت الإنسان الأوروبي صدمة هزت النفوس وبلبلت الأفهام، نتيجة للدمار الكامل وإزهاق الأرواح بلا حساب، فنشأت نزعة جارفة للتحلل من القيم الأخلاقية، وتحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وامتدت هذه النزعة إلى الفن والأدب مما أدى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية في فرنسا سنة 1924م التي بدأت بالسريالية النفسية، ثم دخلت السريالية مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن، ومن أبرز الشخصيات السريالية:
1- أندريه بريتون 1896 - 1966م وهو عالم نفس وشاعر فرنسي يعده النقاد مؤسس السريالية.
2- ثورنتون وأيلور وهو كاتب مسرحي، ألف مسرحية جلد الإنسان بين الأسنان سنة 1942م، وهي مسرحية تجنح إلى الخيال والعنف الناتج عن اللاشعور عند شخصيات المسرحية.
3- سلفادور دالي ولد سنة 1904م وهو رسام أسباني، ويعد من أبرز دعاة السريالية، وقد أضاف إليها إضافات كثيرة أبرزها أسلوبه الذي تميز به الذي دعاه "النقد المبني على الهلوسة" وكان يؤكد دائماً أنه أقرب إلى الجنون منه إلى الماشي نوماً، والمعرفة عنده تقوم على التداعي والتأويل.
ثالثا- الأفكار والمعتقدات:
يمكن إجمال أفكار ومعتقدات السريالية فيما يلي:
1- الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية: مثل الأحلام والأخيلة.
2- الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة.
3- إهمال المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع.
4- التركيز على الجانب السياسي والبحث عن برنامج وضعي (مادي ومحسوس) يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك تودد السرياليون للحزب الشيوعي، وبذلوا جهوداً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق المادية الجدلية الماركسية.
5- الثورة لتغيير حياة الناس، وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وشملت الثورة ثورة على اللغة التقليدية، وإحداث لغة جديدة.
6- تزيت السريالية بأزياء مختلفة، فتارة تظهر كمجموعة من السحرة، وتارة تبدو كعصابة من قطاع الطرق، وتظهر تارة أخرى كأعضاء في خلية ثورية فهي حركة سرية هدفها تقويض الوضع الراهن.
7- ويعد الغموض في التعبير الأدبي أو الفني في مجال الرسم، هدفاً ثابتاً للسرياليين.
رابعا- الجذور الفكرية والعقائدية :
تأثرت السريالية بآراء فرويد عالم النفس اليهودي في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام، والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدَّعي. وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحلل الأخلاقي في المجتمع البشري.
وكذلك تأثرت السريالية بالفكر الماركسي الشيوعي ودعوته إلى الثورة لتغيير المجتمع، واستخدام العنف في سبيل ذلك .. وبظهور المزاج الثوري حلت الفوضى السياسية والصراع الكامل محل النظام والانسجام. وقد تأثرت السريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى –الدادية- التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م. وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتدعو إلى العودة إلى البداية. ورائد هذه الحركة هو ترستان تزارا الذي يصفه كاتب أوروبي بأنه "المروِّج للفوضوية الفنية والاجتماعية".
ولذا عد النقاد أن السريالية وريثة هذه الحركة الدادية في أفكارها وتوجهاتها وأسلوبها.
خامسا- بداية السريالية ونهايتها:
1- بدأت السريالية بمجال النفس البشرية، ثم دخلت مجالات الأدب والفكر والسياسة والاجتماع والفن، ثم اقتحمت بشذوذها الثوري مجال العقيدة الدينية والتقاليد الاجتماعية واللغة، وأثارت جدالاً عنيفاً بين أقصى الكاثوليكية في الغرب وأقصى الشيوعية في الشرق.
2- وأخذت السريالية في الانكماش والتقوقع بعد ربع قرن من نشوئها، وشعر دعاتها بعجزهم عن تحقيق أي هدف، وبعقم ثورتهم ضد القيم والمعتقدات الدينية، وإخفاقهم في إيجاد مسيحية جديدة، تخلص الإنسان من عذابه وضياعه - حسب زعمهم - وتحول عددٌ منهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشيوعية والإلحاد، وجُنَّ بعضهم وأدخل المصحات العقلية والنفسية، وتحول البعض الآخر إلى العبثية في الأدب المعبر عن انعدام المعنى العام وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر.
3- أما أفكارها ومبادئها فقد تبناها مذهب الحداثة الأدبي الفكري حيث صبت جميع جداول السريالية في مستنقعه الكبير. وهكذا انتهت السريالية، المعبرة عن فقدان الإنسان الغربي العقيدة الصحيحة، واعتماده على ضلالات فرويد النفسية في اللاشعور والأحلام. هذه الضلالات التي أدت إلى التحلل الأخلاقي وإطلاق الغرائز من عقالها، مما أودى بها بعد ربع قرن من نشوئها. إن السريالية مذهب أدبي فني فكري غير ملتزم بالأديان، يهدف إلى التحلل من واقع الحياة الواعية، والرنو إلى واقع آخر هو واقع اللاوعي أو اللاشعور المكبوت في النفس البشرية، بحيث يتم تسجيل هذا الواقع في الأدب والفن، من خلال الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية والكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، وإهمال الأديان والمعتقدات والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، والتركيز على الجانب السياسي وإذكاء الثورة لتغيير حياة الناس وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وتقويض الوضع القائم في المجتمع. وكل تلك الخصائص والغايات تبرر مدى خطورة مثل هذا المذهب الأدبي على القيم الدينية.
سادساً- الاتجاه السريالي في العالم العربي:
تأثر كثير من الحداثيين والشعراء العرب بالاتجاه السريالي وعلى رأس المتأثرين به أحد منظري الحداثة في العالم العربي وهو أدونيس ويظهر ذلك جليا في دواوينه: (أغاني مهيار الدمشقي) و (المسرح والمرايا) و (كتاب التحولات) (1). وغيرها. هذه الدواوين الثلاثة يقول عنها جبرا إبراهيم جبرا بأنها يظهر فيها " نزعة إلى خلق الصور بحرية تلقائية تقارب السريالية في أغلب الأحيان هي حرية الموقف الصوفي الذي يتخطى العقل والمنطق ليمنحنا ما هو ربما أعمق وأروع ، كما ورد في كتاب ( الحداثة في العالم العربي دراسة عقدية لمحمد بن عبد العزيز العلي- 2/ 607)
سابعاً-رأي نقدي بالسريالية :
ويرى الدُّكتور مندور أن مِثل هذا المذهب لا يَسْهُل إدراجه بين عداد المذاهب الأدبية والفنية؛ لأنه في الواقع لم يضع أصولًا وقواعد أدبية أو فنية، إذ كان كل همه هو إطلاق المكبوتات النفسية ومحاولة تسجيلها في الأدب والفن، دون تقيد بأصل أو قاعدة. ثم يمضي قائلًا: إنه حتى لو استطعنا التسليم بأن السريالية من حيث المضمون، لا تخلو من بعض الصدق على أساس أن النفس الإنسانية لا يمكن أن تخلو من مكبوتات، بحكم أن الفرد يعيش في المجتمع، وأن هذا المجتمع لا بد أن يفرض قيودًا وأوضاعًا تكبت غرائز الأفراد ورغباتهم، فإننا لا نستطيع التسليم إلا بأن السريالية تستحق أن نعدها مذهبًا أدبيًّا أو فنيًّا؛ إذ هي لم توفق إلى خلق صورة أدبية أو فنية خاصة بها، أو خلق أسلوب تتميز به.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف