الأخبار
2019/7/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المذهب الواقعي بقلم: حسين علي الهنداوي

تاريخ النشر : 2019-01-13
المذهب الواقعي  بقلم: حسين علي الهنداوي
المذهب الواقعي


أنها تأثرت كثيرا بالفلسفات الوضعية والتجريبية, والمادية الجدلية.
ومن أهم الاتجاهات الواقعية ما يلي:
1- الواقعي الانتقادي: يركز هذا الاتجاه على الاهتمام بقضايا المجتمع ومشكلاته لا سيما ما يرى أنه شر وفساد فهو ينتقده بإظهار تناقضاته وعيوبه وعرضها على الناس كما أن هذا الاتجاه يتميز بالتشاؤم إذ يرى أن الشر عنصر أصيل في الحياة فلا بد من إبرازه في العمل الأدبي للكشف عن حقيقة الطبيعة البشرية فقط . أما تغيير الواقع أو إصلاحه فليس من اختصاص هذا الاتجاه لأنه يرى أن الفنان "ليس مصلحا اجتماعيا يبحث عن إجابات وحلول لمشاكل المجتمع ولكنه يكتفي بإلقاء الأسئلة التي تكشف الواقع وتعريه مهما كانت الحقيقة قاسية ومؤلمة وهو لا يستمد مضامينه من حياة طبقة اجتماعية معينة فمثلا نجد بلزاك يتناول كل الطبقات والبيئات والمستويات الاجتماعية والثقافية لأن الواقعية النقدية تنظر إلى المجتمع ككل" .
2-الواقعي الطبيعي: الواقعية الطبيعية اتجاه أدبي فلسفي تأثر كثيرا بالنظريات العلمية التجريبية ودعا إلى تطبيقها وإظهارها في الأعمال الأدبية ويرى هذا الاتجاه أن الإنسان حيوان تسيره الغرائز والحاجات العضوية "لذلك فإن سلوكه وفكره مشاعره هي نتائج حتمية لبنيته العضوية ولما تقوله قوانين الوراثة وأما حياته العشورية والعقلية فظاهرة طفيلية تتسلق على حقيقة العضوية وكل شيء في الإنسان يمكن تحليله ورده إلى حالته الجسمية وإفرازات غدده وبهذا التصور تفهم الواقعية الطبيعية الإنسان والحياة وتعرضهما في الأدب" .
3-الواقعي الاشتراكي: يجسد هذا الاتجاه الرؤية الماركسية ويحمل مبادئ الفلسفة المادية الجدلية التي تقوم عليها الشيوعية ويرى أنصار هذا الاتجاه أن المعرفة الفكرية مبنية على النشاط الاقتصادي في نشأتها ونموها وتطورها لذلك ينبغي توظيف الفنون الأدبية والفكرية في خدمة المجتمع وفق المفهومات الماركسية التي تقضي بالاهتمام بالطبقات الدنيا ولا سيما طبقات العمال والفلاحين وتصوير الصراع الطبقي بينهم وبين الرأسماليين والطبقة الوسطى (البرجوازيين) وتجعل الرأسمالية والبرجوازية مصدر الشرور في الحياة لذلك تسعى إلى فضحها وكشف عيوبهما والانتصار للفلاحين والعمال والتبشير بغلبتهم عليهما" . كما ورد في كتاب ( الحداثة في العالم العربي دراسة عقدية لمحمد بن عبد العزيز العلي 2/ 607)
ثالثا- التأسيس وأبرز الشخصيات:
أ-التأسيس : ارتبطت نشأة المذهب الواقعي بالفلسفات الوضعية والتجريبية والمادية الجدلية التي ظهرت في النصف الأول من القرن التاسع عشر وما بعده، وسارت الواقعية في ثلاثة اتجاهات:
1-الواقعية النقدية
2- والواقعية الطبيعية
3-والواقعية الاشتراكية.
ب-وللواقعية أعلام في شتى فروعها:
-أعلام الواقعية النقدية:
1- القصّاص الفرنسي أنوريه دي بلزاك 1799 - 1850م ومن قصصه روايته المشهورة الملهاة الإنسانية في 94 جزءً، صور فيها الحياة الفرنسية بين عام 1829 - 1948م.
2- الكاتب الإنكليزي شارل ديكنز 1812 - 1850م وله الرواية المشهورة قصة مدينتين.
3- الأديب الروسي تولستوي 1828 - 1910م وله القصة المشهورة الحرب والسلام.
4- الأديب الروسي دستوفسكي مؤلف الجريمة والعقاب.
5- والأديب الأمريكي أرنست همنجواي 1899 - 1961م وله القصة المشهورة العجوز والبحر وقد مات منتحراً.
· أعلام الواقعية الطبيعية:
1- إميل زولا الأديب الفرنسي 1840 - 1920م مؤلف قصة الحيوان البشري وفيها يطبق نظريات دارون في التطور، ونظريات مندل في الوراثة، وكلود برنار في الطب.
2- جوستاف فلوبير 1821 - 1880م الأديب الفرنسي ومؤلف القصة المشهورة مدام بوفاري.
· أعلام الواقعية الاشتراكية:
1- مكسيم جوركي 1868 - 1936م كاتب روسي، عاصر الثورة الروسية الشيوعية، ومؤلف قصة الأم.
2- ماياكو فسكي 1892 - 1930م وهو شاعر الثورة الروسية الشيوعية، وقد مات منتحراً.
3- لوركا 1898 - 1936م وهو شاعر أسباني.
4- بابللو نيرودا 1904 - 1973م وهو شاعر تشيلي.
5- جورج لوكاش - وهو كاتب فرنسي حديث.
6- كما كان من أعلامها: روجيه جارودي - وهو مفكر فرنسي اهتدى إلى الإسلام وسمى نفسه رجاء جارودي وإن كان مازال يتأرجح بين ماضيه وحاضره.
رابعا- الأهداف الأولى للحركة الواقعية :
شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التي انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسي بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع، وهذا ليس انحرافاً - بالطبع - بل هو أمر مطلوب، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذي اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية - هذا إذا سلمنا أن هدفهم هو تصوير المشكلة وعرضها وليس شيئا في أنفسهم يريدون تقديمه من خلال ذلك التصوير وتركز أهدافهم في قضيتين متقاربتين:
الأولى - الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية: وذلك قد لا يعدو في الحقيقة أن يكون جزءا من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً .من وجهة نظرهم ....... ،
الثانية - الهجوم المباشر على حقائق الدين: منذ بدء حركة النهضة نجد روح الكراهية للدين من قبل الأدباء والفنانين واضحة في إنتاجهم الشعري والفني، إلا أن هذه الروح كانت تعبر عن نفسها من خلال الهجوم على رجال الدين وفى القليل تجرأت على الهجوم المباشر على حقائقه، من ذلك ما رأينا في كوميديا دانتي وما سبق من قول رابليه، وكذلك هناك مسرحيتا موليير "المتزمت" و "طرطوف" والأخيرة تصور نفاق رجل الدين وجشعه ومثلها قصة "صاحب الطاحون" لشوسر، يقول مؤلف "قصة الفكر الغربى": " يرد كثيراً في الأدب الشعبي الوسيط ذكر القسيس الجشع والقسيس الفاسق والقسيس المغرور الذي تشغله أمور الدنيا، وكذلك لا يعطينا شوسر صورة طيبة عن رجال الدين .. ومع ذلك فلم يكن في كل هذا إلا قليل من المرارة وإنما كان يرمي إلى إنزال القسيس إلى المستوى البشرى العام ولم يقصد إلى تحدى بناء المسيحية الفلسفي والديني أي نظرتها الشاملة إلى الكون كما قصد إلى تحديها في أيام فولتير وتوم بين " كما ورد في كتاب ( العلمانية لسفر الحوالي ص468 – 471)
خامسا- الأفكار والمعتقدات:
تشعب المذهب الواقعي، كما تقدم، إلى ثلاثة اتجاهات.
أ- الواقعية النقدية ومن أفكارها:
1 - الاهتمام بنقد المجتمع ومشكلاته.
2 - التركيز على جوانب الشر والجريمة.
3 - الميل إلى التشاؤم واعتبار الشر عنصراً أصيلاً في الحياة.
4 - المهمة الرئيسية للواقعية النقدية الكشف عن حقيقة الطبيعة.
5 - اختيار القصة وسيلة لبث الأفكار التي يريدونها.
ب- الواقعية الطبيعية:
تتفق مع الواقعية في جميع آرائها وأفكارها وتزيد عليها:
1 - التأثر بالنظريات العلمية والدعوة إلى تطبيقها في مجال العمل الأدبي.
2 - الإنسان في نظرها حيوان تسيره غرائزه، وكل شيء فيه يمكن تحليله، فحياته الشعورية والفكرية والجسمية ترجع إلى إفرازات غددية.
سادساً- رؤى نقدية للواقعية في الأدب :
يقول الدكتور مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): نشأ هذا المذهب في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، تَحت تأثير الحركة العلمية والفلسفية؛ ورد فعل على الإفراط العاطفي التي اتسمت به الرومانسية، فقد ازدهرا معًا وتجاورا، وقد عمد الواقعيين إلى تشخيص الآفات الاجتماعية، وتصوير معاناة الطبقة الدنيا وبدؤوا بذلك حتى اتسم أدبهم بطابع تشاؤمي، ومسحة سوداء. ويعد "بلزاك" الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر الرائد الأول للواقعية في فرنسا، وقد خَلّف أكبر موسوعة في الأدب الواقعي، وهي تشمل نحو مائة وخمسين قصة أطلق عليها اسم "الكوميديا البشرية" وتُمَثِّلُ قِطَاعَاتٍ مُختلفة من الحياة؛ كما نَجِدُ عدة أدباء آخرين من فرنسا في مجال الواقعية مثل: "جوستاف لوبير" وهو صاحب الأعمال الأدبية المتميزة مثل "مدام بوفريه" و"سلمبو" وغيرهما من الأعمال الأدبية القيمة. ويقول الدكتور مندور أيضًا: إنّ الواقعية كمذهب أدبي ليست هي الأخذ عن واقع الحياة، وتصويره بخيره وشره؛ كالآلة الفوتوغرافية، كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة لحلها، أو ضد أدب الخيال أو الأبراج العاجية؛ بل هي فلسفة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما. أو هي وجهة نظر خاصة ترى الحياة من خلال منظار أسود، وتؤمن بأننا لو نقبنا عن حقيقة الشجاعة والاستهانة بالموت مثلًا؛ لوجدناها يأسًا من الحياة أو ضرورة لا مفر منها، مثلما أن الكَرَم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة، والمجد والخلود تكالب على الحياة وإيهام النفس بدوامها واستمرارها. وهكذا الأمر في كافة القيم المثالية التي نسميها قيمًا خيرة، فهي ليست واقع الحياة الحقيقة، بل الواقع والأثرة ما ينبعث عنها من شرور وقسوة وحشية. وتُمَثّل الواقعية الجانب الواقعي من المجتمع والحياة؛ فهي ترى أنّ الحياة كلها شر ووبال، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش إذا كان ماكرًا ومخادعًا، لكن هناك في ذات الوقت لونًا آخر من الواقعية؛ كانت تعرفه الآداب الاشتراكية أيام أن كانت هناك اشتراكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، والدول التابعة له، وثورة الشعوب هناك على أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا اللون من الواقعية يركز على ما في الحياة من أوضاع تدعو إلى التفاؤل، وتؤدي إلى نتائج إيجابية بدلًا من هذه النظرة المتشائمة السوداوية التي تسبق الواقعية الغربية. ذلك أن الاشتراكيين -كما ذكر الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه) - يؤكدون أنّ الأدب اختيار، وأنّ الأدباء الذين يختارون الشخصيات الشريرة المؤذية أو السلبية المتخاذلة، إنما ينمون عن ضعف وشيخوخة في أوقات من الحياة، ولو كانت رؤيتهم لتلك الحياة رؤية متفائلة؛ لما ركزوا على هذا الجانب الأسود منها، ذلك الجانب الذي من شأنه أن يثبط الهمم، ويدعو لليأس وينشر روح العزيمة والانهيار أمام عوائق الحياة، بخلاف ما لو اجتهدوا في إبراز الطاقات البشرية المدفونة القادرة على صنع الأعاجيب؛ فعندئذ تسود مشاعر التفاؤل بين أفراد الشعب، ويبذلون غاية جهدهم، ويستطيعون التغلب على عقبات الحياة ويحققون نتائج مذهلة. والواقعُ أنه لا هذه النظرة، ولا تلك النظرة الصحيحة للوجود؛ ففي الوجود ما يدعو إلى التشاؤم، وفيه في ذات الوقت ما يدفع إلى الابتهاج، والتفتح للحياة والتفاؤل بالمستقبل، بيد أن الظروف تختلف من شخص لآخر، ومن فترة تاريخية إلى أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع إلى غيره وهكذا.على أنه ينبغي ألا يستسلم الأدباء لمعوقات الحياة والمجتمع في الفترات التي تنتشر فيها العيوب والسلبيات، بل عليهم إلى جانب تصوير تلك المعايب والشرور ألا يغفلوا عما في الحياة من جوانب الخير والأمل، حتى لا يكونوا بدورهم عبأ على المجتمع والقوى الناهضة المكافحة، ولكن بشرط ألا يزيفوا الواقع، ويقدموا صورة براقة، لا تساعد الوقائع اليومية على تصديقها وابتلاعها كما كان يحدث في أحيان غير قليلة في الأدب الاشتراكي، على أيام الاتحاد السوفيتي؛ حينما كان الناقد "سيمنوف" مثلًا يُعلن أن أدبهم يهدف إلى تغليب عوامل الخير والثقة في الإنسان وقدرته، وأن واقعيتهم واقعية متفائلة، تؤمن بإيجابية الإنسان وقدرته على الإتيان بالخير، والتضحية في سبيله بكل شيء في غير يأس ولا تشاؤم ولا نبرات مسرفة كما يقول الدكتور مندور السالف الذكر، وكانت الأعمال القصصية تبالغ في تصوير النفوس الخيرة مبالغة لا يستطاع هضمها. إن الواقعية مذهبٌ في الفن والأدب، يُشير إلى محاولة الأديب أو الفنان تصوير الحياة كما هي في الواقع، وتكمن المهمة الرئيسية للفنان في نظر الفنان الواقعي؛ في وصف كل ما يلاحظه بحواسه بدقة وصدق شديدين، بغير إهمال لما هو قبيح أو مؤلم، ومن غير اقتراح للرمزية. ولقد كانت الواقعية ثورة على كل من التقليدية الكلاسيكية والعاطفية الرومانسية، وهُما حركتان فنيتان عالجت أعمالهما أمور الحياة بأساليب مثالية، حيث تظهر أعمال التقليدين الكلاسيكيين الحياة على أنها أكثر منطقية، وترتيبًا من ما هي في الواقع، أما أعمال العاطفيين الرومانسيين؛ فتظهر الحياة على أنها أكثر إثارة من الناحية العاطفية، وأكثر بعثًا على الشعور بالطمأنينة مما هي في الواقع الحياة أصلًا. ويَبْذُل الواقعيين قصارى جهدهم؛ لكي يكونوا موضوعيين لأقصى درجة ممكنة، غيرَ أنّهم في محاولتهم انتقاء موضوعاتهم، وتقديمها لا يتمكنون من تجنب التأثير بما يشعر به أو يفكرون؛ ولذا فإن أعمق أنماط الواقعية لديهم يأتي نتيجة المراقبة والحكم الشخصي. وبالنسبة للقصة الواقعية: فقد جاء الفن القصصي الواقعي ثورة على عاطفية المثالية الرومانسية؛ فشخصيات الفن القصصي الواقعي أكثر تعقيدًا من شخصيات القصص العاطفية الرومانسية، ومسرح الأحداث يتسع بالهدوء وعدم التركيز على الحبكة، وغموض الموضوعات، ويُعالج الفن القصصي الواقعي في معظمه حوادث عادية ممكنة الوقوع، كما أنه يَرْسُم شخصية قابلة للتصديق. وتقدم معظم القصص الواقعية موضوعات متشائمة، لا تدعو إلى البهجة وقد تثير الاشمئزاز، وهذه سمة قاتمة تنطبق بشكل أساسي على الطبيعية، وهي حركة تطورت على الواقعية، ويعزى ازدياد منهج الواقعية باعتبارها أسلوبًا لا إلى كونها مجرد رد فعل على المعالم الجميلة في الفن القصصي العاطفي فقط، بل يعود إلى تطور العلم الحديث، بتأكيده على كتابة التقارير العلمية المفصلة. والرغبة الجامحة لدى الكتاب والقراء لفهم المشاكل الاجتماعية من منظور أكثر واقعية. لقد حظيت الواقعية في الأدب الإنجليزي بالاهتمام لأول مرة في القرن الثامن عشر، وعلى وجه الخصوص في أعمال "دانيال ديفو" أما القرن التاسع عشر؛ فقد أصبحت الواقعية في أكثر أهمية، وبدا ذلك واضحًا من خلال أعمال كل من "جين أوستن" و"جورج إليوت" و"توماس هاردي" و"جورج مور" و"ويليام ماكبثكري" و"أنطوني ترولوب" ومن كتاب الواقعية الأوربيين البارزين في القرن التاسع عشر "أونريه ديبلزاك" و"جوستاف لوبير" و"ستدندال" في فرنسا و"ليو تلوسي" و"إيفان ترجنيف" في روسيا. وكان "هنري جيمس" و"وليام بن هاولز" وإلى حد ما "ماركة وين" من أوائل الكتاب الواقعيين المتعرف بهم في الأدب الأمريكي، أما "ستيفن كرين" و"فرانك نورس" و"تيودور درايدزر" فكانوا أوائل الكتاب الطبيعيين الأمريكيين. وبفضل الكتابة القصصية لهؤلاء الكتاب، وكتابات لكتاب آخرين أتوا بعدهم، مثل "سنكلير لويس" و"إف سكوت فيثجارت" و"إلنس هيمجويه" و"جون شتايمك" أصبحت الكتابة الواقعية سائدة ومقبولة، بحيث أصبحت القصص العاطفية الرومانسية أعمالًا لا تساير روح العصر. وكانت الواقعية المسرحية، كما كان الفن القصصي محاولة لتصوير الواقع بجماله وقبحه، وقد تطورت المسرحية الواقعية في أوربا أولًا كرد فعل للـ"مليودراما" والمذاهب العاطفية التي كانت سائدة في أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر، كما أخذت أشكالًا عديدة تتدرج من الواقعية الخفيفة في ملاهة السلوك المتكلف والمبالغ فيه؛ إلى المأساة العميقة في الأسلوب الطبيعي، وأصبحت للمسرحية الواقعية أهمية لأول مرة بعد ظهور المسرحيات "هنريك ألسون" في النرويج، وقد تفحص "ألسون" القضايا الاجتماعية التي كانت سائدة في عصره في أعماله المسرحية مثل "أعمدة المجتمع" و"بيت الدميا". أما "أنطون تشيكوف" فقد وصف "أرستقراطية" روسيا المتلاشية في مسرحيته "بستان الكرس" وفيما يتعلق بالمسرح الإنجليزي فقد كان تقبله للواقعية بطيئًا، إلا أن "جورج بيرناردشو" ما لبث أن بعث الحياة في الحركة الواقعية، في سلسلة مسرحيات طويلة ذكية، تُعالج القضايا الاجتماعية، بدأ من مسرحية "بيوت الأرامل" وفي "إيرلندا" مزج "جون ميلنج تون سينج" الواقعية بالشعر في مسرحيته "ركاب البحر" وتناول "جون أكويسي" قضايا نضال "إيرلندا" من أجل استقلالها عن إنجلترا في مسرحيته "جونو وألبيكوك" ومسرحيات أخرى. أما الأثر الدائم الذي أحدثته الواقعية في المسرح: فقد جاء بتقديم مسرحية ما وراء الأفق لـ"يجوين أونيل" في عام 1920. ورغم أن مصطلح الأدب الواقعي يعني ما قلناه آنفًا؛ فليس معنى ذلك أنه لم يكن هناك قط أدب واقعي قبل الفترة التي ازدهرت فيها الواقعية بالمعنى السابق، إذ هناك فرق بين الواقعية بهذا المفهوم المحدد، وبين الواقعية بالمعنى الواسع الذي لا يرتبط بفترة تاريخية ولا بظروف اجتماعية وسياسية معينة، والذي يقوم على ملاحظة الواقع وتسجيله، لا على صورة خيال وتهاويله؛ فيكون بذلك معرض للرومانسية أو الذي يستقي مادته من حياة عامة الشعب ومشاكله؛ فيكون بذلك معرضًا لما يسمى أدب البرج العاجي، أي أدب أرستقراطي الفكر والخيال الذي يناقش القضايا الميتافيزيقية أو الموضوعات التاريخية، المأخوذة من بطون الكتب لا من قلب الواقع، أو الذي يقوم على الموضوعية لا على مشاكل النفس الفردية
سابعاً-الواقعية في الأدب العربي :
يوضح الدكتور محمد مندور في الفصل الذي خصصه للواقعية من كتابه (الأدب ومذاهبه) قائلاً : لا يخلو أدبنا القديم من نصوص ذات عناصر واقعية، وإن لم يكن وراءها تنظير نقدي كالذي واكب ظهور الواقعية في أوربا على مر بيانه، ومن ذلك قصيدة البوصيري في شكواه الفقر لممدوحه؛ حيث يورد وصفًا واقعيًّا لما يدور بينه وبين زوجته من مشادات بسبب الحاجة، أو لما يقع من أولاده من تصرفات بسبب ما يقلص بطونهم من جوع:
يا أيها المولى الوزير الذي ... أيامه طائعة أمره
ومن له منزلة في العلى ... تكل عن أوصافها الفكرة
إليك نشكو حالنا ... إننا حاشك من قوم أولي عسره
في قلة نحن ولكن لنا ... عائلة في غاية الكثره
وكذلك الحكاية المأخوذة في ألف ليلة وليلة، والتي تُقَدّم لنا بعض المشاهد الواقعية من المجتمع البغدادي في العصور القديمة، حكاية أحمد الدنف وحسن شومان، مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة ، والأدب الواقعي أدب جماعي لا شخصي يشير لمشاكل الحياة بدقة وموضوعية تقترن بالحتمية والجبرية التي تنفي حرية الإرادة والاختيار ، وقد كتب الشعراء فيه الكثير، وتقمصه أصحاب الرواية ويندرج في الرواية الواقعية التيار الاجتماعي والتيار الريفي ولم تتأثر المسرحية بالواقعية وقد نشأت هذه المدرسة الواقعية على أعقاب انتشار الآلة واستبداد أصحاب المصانع بالعمال ورأت أن مهمة هذا الأدب هي خلق الواقع بصورة ممكنة التحقق بحيث يكون الأديب مؤثراً في عصره ، لا مراقبا ثورياً في تفكيره وقد اهتمت هذه المدرسة بالجماهير الفاعلة . وبنت رؤيتها على الاشتراكية وقد أسهمت عوامل أربعة في نشأتها
أ - الثورة على الإبداعية
2 - التقدم العلمي
3 - إخفاق ثورات الديمقراطية
4 - انتشار الأفكار الاشتراكية
وقد تأثر بها أدباؤنا كالبياتي والسياب وسميح القاسم ومحمود درويش وسليمان العيسى بمكسيم غوركي مؤسس هذه المدرسة الاشتراكية .
يقول وصفي القرنفلي في وصف ثورة الجماهير:
(فقراؤنا قد حطموا حكم القناعة واستفاقوا
الجوع ليس من السماء فمن إذاً؟
وهنا أفاقوا......ومضوا فمن متسوّلين
على الرصيف ، لثائرين
الجوع.....صنع الناهبين الشعب، صنع الأثرياء.......)
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف