الأخبار
2019/2/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في حضرة الذاكرة. شتاء أيام زمان بقلم: محمد جبر الريفي

تاريخ النشر : 2019-01-10
في حضرة الذاكرة. شتاء أيام زمان بقلم: محمد جبر الريفي
#في حضرة الذاكرة ........... يعيدني فصل الشتاء دائما إلى أعوام ماضية كانت الأمطار لا تنقطع عن الهطول في غزة وفي وقت لم تكن هناك شبكة كهرباء كما هو الآن حيث لا توجد مصابيح كهربائية في الشوارع ولا لمبات إضاءة كهربائية في البيوت إلا نادرا فقط عند بعض الميسورين من الناس فغالبية البيوت طينية ومعظم الشوارع ترابية وكل افران الخبز تعمل بالحطب ..حياة طينية أن صح التعبير كانت تسود في حياتنا لكنها مليئة بالدفء. .الدفء من البرد القارص الذي يجمد المياة والزيت ويسري في عروق الأصابع والدفء في العلاقات الاجتماعية حيث المحبة والمودة بين الناس من كل الفئات الاجتماعية فلا آحقاد ولا كراهية ولا نفاق ولا غش ولا انتهازية ولا وصولية ولا تعصب عائلي وقبلي ومدني وجهوي. .شتاء غزة كان عامل وحدوي يقاسي فيه كل الناس بدون تمييز سياسي واجتماعي شراسة الطبيعة في هجمتها الجنونية القادمة عبر منخفضات جوية من الشمال والغرب والتي تستمر لأيام تمتلىء فيها الشوارع بالسيول التي تجرف أمامها كل شيء .. كل ما وجد على الأرض من أوراق دفاتر وشجر واعواد خشب وعلب سجائر فارغة وقطع زجاج صغيرة من بقايا أوعية مهشمة ..في بيتنا الطيني كنا نجلس في ليالي الشتاء الباردة حول كانون كبير من الطين كل واحد منا يمد يده للحظة فوق الفحم المتقد المتوهج ثم يسحبها ليعطي الفرصة ليد أخرى باردة وكانت يد امي رحمها الله تأخذ نصيبها الأكثر من ألدفء مما جعلني أدقق النظر في اصابعها الطويلة فارى العروق الزرقاء بارزة على قفا كفها. .أمي طويلة ونحيفة غير مكتنزة كباقي نساء الجيران اللواتي كن يجتمعن بجانب فرن التنور ومع كل واحدة منهن قرص كبير من العجين..دخان الأفران كان يتصاعد في شوارع حارتنا الترابية قرب المغرب فيشم المرء وهو يمشي رائحة الخبز من بعيد وها أنا في هذه اللحظة من استدعاء الذاكرة في فصل الشتاء حيث المطر والريح اترحم على خبز امي وقهوة امي .. في شتاء أيام زمان كان أكثر ما يضايق ابي رحمه الله هو دلف مياه المطر من سقف البيت .. قطرات متتابعة كنت اسمعها وانا تحت اللحاف الثقيل المحشو بقصاصات من ملابس قديمة بالية فتبلل ما كانت تحتها من حصير و فراش واغطية وفي بعض الأحيان تصل إلى كيس الطحين .. عندها يرفع ابي رحمه الله رأسه إلى أعلى كالنسر الذي يتهيأ للتحليق ليرى موقع تسرب المياة كنقاط بلورية مختلطة برائحة الطين .. اذكر في ليلة شتوية باردة قرب الساعة الواحدة صباحا قامت قوة إسرائيلية بمهاجمة مقر الجنود السودانيين الهجانة الواقعة قرب المحطة بحي التفاح ، صوت اطلاق الرصاص في أعماق الليل كان عنيفا مما جعلني أركض لاقف بجانب كيس الطحين في الركن المعتم الأمن من دلف مياه المطر .في صباح ذلك اليوم وكان مشمسا ذهبت انا وبعض أولاد الحارة إلى بركة قمر ..بركة قمر كانت تقع في تلك الأيام بجانب مبنى الايبسي التابع لوكالة الغوث الاونورا..هناك . على حافة البركة بجانب سكة الحديد تجمع الناس حول جمل كبير ميت . لابد أن أحد الجنود الإسرائيليين قد أطلق الرصاص عليه في تلك الغارة فبقى مرميا في مكانه ليصبح من مشاهد الفرجة كشاهد عيان على جرائم اليهود. . رحم الله الجندي السوداني ومسكين ذلك الجمل الذي لاقى كل منهما مصرعة في شتاء ذلك العام القارص ...
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف