الأخبار
2019/5/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المستشار بقلم:رائد قاسم

تاريخ النشر : 2019-01-09
المستشار
قصة مسرحية من الادب السياسي
رائد قاسم
يتجه بسرعة الى غرفة الاجتماعات ..
يدخل الغرفة بينما يؤدي له الجنود التحية...
يلتفت اليهم بحزم قائلا:
- الضوء احمر ! وهذا يعني انه حتى لو تعرضنا لهجوم بأسلحة نووية يحظر على اي شخص ان يدخل علي او يزعجني!!.
- امرك سيدي.
ما ان يدخل الغرفة حتى ينادي على مستشاره بانفعال...
يخرج اليه بسرعة ..
يجلس الرئيس على كرسيه الفخم بينما تربع بقربه مستشاره على جري عادته...
ينظر له بحنق قائلا:
- وزير الهراء ! انتهز فرصة كونه في اجازة برفقة عائلته وطلب لجوء سياسي.
- تقصد وزير الثقافة ؟!
- وزير ثقافة!! زرته مرة في منزله ولم يكن عنده حتى مكتبة!
- انت عينته!
- ليتني لم افعل!!
- فليطلب لجوء انه مجرد وزير ثقافة.
- ولكن بالامس اجرت معه احدى الصحف مقابلة وتعرض لشخصي بالنقد اللاذع
وقد اكد لي بأنه سوف يكتب فيها مقالا شهريا وبكل تأكيد سيخصصه للطعن في نظامنا.
- دعك منه.
- سيستغله الاعداء ضدي.
- الامر ابسط مما تتصور.
- كيف ذلك؟
- سينتقدكم في مقالاته وفي لقاءاته وفي كل محفل يصل اليه.
- بكل تاكيد.
- اطلب من الاستخبارات ان يحللوا لك ويلخصوا كتاباته وتصريحاته لوسائل الاعلام ، وان يضعوا انتقاداته في نقاط متسلسلة وواضحة ، ثم اعمل على اصلاح نظام الدول بناء عليها ، وبهذا ستحرق اوراقه وستفرغ نشاطه ضدك من مضمونه ، بل وستكون قد استفدت منه من دون ان يعلم! وسيكون قد قدم لك خدمات جليلة ما كان يقدر عليها عندما كان وزيرا!
يسترخي على كرسيه وقد انتشى وغمرت وجهه السعادة..
- فكرة مدهشة ايها المستشار.
- استغل معارضته لتصحيح اخطاءك بطريقة لا تنم عن ضعف بل قوة !
الحكومات الذكية هي التي تستفيد من معارضيها من دون ان يشعروا بذلك!
- فعلا! فعلا أيها المستشار!!
يخرج من غرفة الاجتماعات ليعقد لقاءا مع جهاز مخابراته ، ويأمرهم بتنفيذ فكرة مستشاره في الحال ..
الايام تمضي سريعا .. الوزير السابق لا يكتفي بكتابة المقالات بل يسارع الى انتقاد الرئيس ونظامه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. الرئيس يأمر حكومته بأن لا تحجب صفحاته وان لا تعتقل مؤيديه حتى يخرج كل ما في جعبته من مؤاخذات ضد النظام ...
توضع ملخصات انتقادات الوزير السابق امام امام الرئيس الذي يسارع الى اطلاق مبادرات تهدف الى اصلاح الدولة بناء عليها ..
تمضي اصلاحاته وكأنها دواء يسري في جسد عليل ، سرعان ما تبدا معالم الصحة والحيوية تظهر على جسد النظام المنهك بالامراض التي لم تعالج منذ اكثر من عشرين عاما مضت.
**
يدخل غرفة اجتماعاته والغضب قد تمكن منه... يستدعي مستشاره على الفور..
- الغبي وزير الاقتصاد صرح لاحدى الصحف الاجنبية بأن مشكلتنا هي الفساد وقد استغلت المعارضة في الخارج ذلك وشنت حملة ضروسا ضدنا ، والأدهى من ذلك ان فضائح بالجملة خرجت للعلن وكشفت عن حقائق مغيبة ونحن الان في موقف لا نحسد عليه.
يرد عليه مستشاره بكل برود قائلا:
- لا تقلق ، الامر اسهل مما تتصور !!
- كيف ذلك؟!
- حارب الفساد!!
- وهل تظن ان محاربته بهذه السهولة! لقد اشترى كالمرض الذي لا شفاء منه.
- الامور الكبيرة تجزء الى صغائر ، حتى نتمكن من التعامل معها كل على حده، بينما تتجه قوتنا الضاربة نحو مركز المشكلة الكبرى للقضاء عليها.
- لم افهم !
- ان اعدائك ياخذون عليك اقتصد البلاد السيء والفقر الذي تعاني منه طبقات وشرائح واسعة من الشعب، والبطالة ووو.. الخ .. وكل ذلك بسبب الفساد وسوء الادارة ، ولكن اذا ما دلكت شعبك بالمال! وحاربت الفقر! وانفقت المليارات على اصلاح اقتصاد البلاد وانتشلت الناس من الفقر والبطالة ، فستخرض كل الالسنة وستكسر كل الاقلام ، وكل من يتجرا على انتقاذك سوف يكون ككلب نابح وراء قافلة محملة بالنفائس والاموال.
- ولكن ما تقوله يكاد يكون مستحيل!
- هذا هو الحل الوحيد اذا ما اردت المحافظة على نظامك وسلطتك.
- ولكن كما تعرف فأن شركات الدولة التي خصصت اصبحت ملكا لمقربين مني ! وقد تعودت انا وعائلتي واتباعي بأن ناخذ من الميزانية ما نريد في اي وقت نشاء!
- نظام الجيب واحد الذي تتبعه يا سيادة الرئيس يجب ان ينتهي!
لديك ما يكفيك من المال!! اما الشركات التي يحتكر من خلالها اقربائك الخدمات فلا بد ان يبيعونها على مستثمرين نزهاء وانهاء الاحتكار، ولا بد من فصل ميزانيتكم الخاصة عن ميزانية الدولة!
- اها!!
- وعين وزراء تيوقراط لادارة الوزارات وضبط الميزانية، واستعن بخبراء لانشاء المشاريع الكبرى ومنح القطاع الخاص فرصة حقيقة للنمو والربح، ستكون هذه الخطوات بداية حقيقية لبناء اقتصاد مزدهر.
- ساحاول!
- بل لا بد لك من ذلك ان اردت ان تبقى على رأس الدولة ، يجب عليك ان تتغير وفقا لما تتطلبه مصلحتك ، وبناء على ذلك يجب ان تغير قاعدة : ان تستولي على كل شي ولا تترك للاخرين اي شي . الى ان : تعيش على ان يعيش غيرك ايضا. وبهذا لا ياخذ عليك احدا ماخذ.
- فعلا!
- انظر لجسدك ، فيه ملايين البكتيريا والفيروسات ولكنك رغم ذلك تتمتع بصحة جيدة والسبب انها لم تطغى على جهاز مناعتك بل ان هذه الكائنات تساهم في منح جسدك الصحة الدائمة .
- زدني يا مستشاري العزيز!
- انظر الى الغابة اوليس ياكل القوي الصعيف؟ ولكن هل فني الضعيف وبقي القوي؟
- لا!
- لو اكلت الحيوانات القوية جميع الحيونات الضعيفة لانتهت الحياة في الغابة! ولو بقوا جميعا لفنيت ايضا!! انه التوازن، انت تعيش وتدع غيرك يعيش ايضا.
الازهار الذابلة تعود للحياة من جديد..الاعشاب الجافة تعود للاخضرار ..الانهار تعود اليها المياه لتغمرها بالحياة .. تدور عجلة الامل ليتنفس البشر الصعداء وعبير الامل ... بينما ينظر العديد منهم الى عنان السماء باحثين عن افق جديد..
**
- الويل لهم !!
- ماذا يا سيدي؟
- انظر ماذ كتب هؤلاء ؟
- ماذا ؟
- يريدون احداث تغيير في ادارة الدولة، يطالبون بفصل رئاسة الجمهورية عن رئاسة الحكومة.
- امر يسير!
- وبرلمان منتخب دو صلاحيات!
- لم يطلبوا شيئا!
- ويريدون اصلاحا كبيرا في سلطة القضاء يضمن استقلالها.
- فقط!
- ويريدون انشاء نقابات واتحادات ومنح الصحافة حريات اكبر.
- ولا اسهل من ذلك؟ باختصار يريدون دولة عصرية حديثة !!
ينظر له بحنق قائلا:
- ونحن ماذا اذن؟
- ( بتلعثم) طبعا دولة مدنية ولكن بحاجة الى تجديد ديكور!!
- وماذا افعل حتى اسكتهم؟
- بكل بساطة اعلن عن بدء اصلاحات، اعلن عن اصلاحات دستورية ، واجراء انتخابات برلمانية ، واعلن عن استقلال القضاء، وبعد ذلك انشى لهم عدد من النقابات والجمعيات تفرحهم بها!
- ولكني اخشى من العواقب.
- لا تخف، كل ذلك مجرد تغيير جلد لا اكثر، سيقى كل شي بيدك.
تنتشر صناديق الانتخابات في كل المدن ، ينظر اليها الناس باستغراب .. يحسبها البعض صناديق تبرعات لمشاريع تنفذها الدولة!!
**
يدخل الرئيس غرفة الاجتماعات...
- هذا ما كنت اخشاه.
- سيد الرئيس؟ ما بك؟
- لقد ظهروا وكانهم خرجوا من اعماق الارض!!
- هدء من روعك واجبني من هم؟
- انهم المتشددين ، اعني المتطرفين.
- لا يهمك ابدا ، الامر سهل، سهلا جدا!
- كيف؟ اخبرني!
- اصدر قانون يحظر تاسيس اي كيان قائما على اي هوية غير وطنية، اي حركة غير برامجية ، يحظرتاسيسها ، واعلن عن شروط لتاسيس الكيانات السياسية ، كأن يلتحق افرادها ببرامج تدريب ، وان يكون لها دستور داخلي ينص على ان لا يبقى قادتها في مناصبهم دون انتخاب ولمرات محددة.
- فكرة صائبة!
- هكذا سوف تتخلص منهم وتتقي شرهم.
- فعلا!
تمضي السفينة نحو مينائها التي وضعته لها الاقدار ...
الشمس تشرق عليها بعد سنوات طويلة ، ليلها الذي كان بلا قمر ولا نجوم منذ سنوات طويلة بزغ فيه القمر وزينته النجوم فغذا ليلا...
**
العمارات شاهقة.. ناطحات السحاب تعانق السماء. المال يملأ الجيوب ... الابتسامات تعلو الشفاه...الا ان بعض الشعوب كالنار لا تشبع ابدا..
- ماذا يريدون؟
- المزيد من الحريات المدنية يا سيدي! انهم يشتكون من تدخل كبير للدولة في شوؤنهم. انهم يشتكون من حظر الكثير من مواقع الانترنت من دون سند قانوني. ومن شحة صلاحيات البرلمان، ويطالبون بدمج كافة المجالس في المحافظات في مجلس واحد وتحويلها لسلطة حكم محلي دو صلاحيات واسعة.
- رغم كل ما فعلته من اجل اصلاح هذه البلاد فأن هذا الشعب لا يرتوي ابدا!
- سيدي الرئيس هل لي ان اقترح عليك اقتراحا.
- ما هو؟
- فلننفذ لهم ما يريدون بمقدار لا يؤثر على قوة نظامنا وقدرتنا على ادارة دفة الدولة.
وزيراخر - إن فعلنا ذلك فسوف يطالبون بالمزيد ، انا اعرف هؤلاء الدهماء انهم نهمون لا يشعرون بالتخمة على الاطلاق!
ينظر اليهم الرئيس بوجه شاحب عبوس قائلا:
- حسنا فلنلبي مطالبهم بمقدارلا يجعلهم اقوياء ولا يجعلنا ضعفاء!! في بعض الاحيان علينا ان ننحني حتى للعواصف الصغيرة.

**
الشمس تشرق في يوم جديد .. اشعتها القوية تشتت الضباب.. الرياح الدائرة في ارجاء الوطن تطرد السحاب ليسود ضوء الشمس كافة الانحاء وكأن الشعب لا يريد سوى ضوء الشمس يسطع في ارضه لانه الحقيقة والحياة والمجد ...
- سيدي ان المشاغبين يتظاهرون بالقرب من رئاسة مجلس الوزراء.
ينظر له بوجه متجهم سائلا:
- وماذا يريدون؟.
- انهم ..
- قل بسرعة!
- يريدون ان ينزلوا صور سيادتكم وتماثيلكم من الميادين والساحات في كافة المدن بما فيها العاصمة ، ومظاهرات اخرى تطالب بعدم تعليق صوركم حتى في الوزارات والمدارس واستبدالها بصور لمعالم البلاد.
- ويل لهم! اهذا جزائي منهم بعد كل الذي فعلته لهم؟.
يذهب مسرعا الى غرفة الاجتماعات.. يغلق الباب ويضغط على زر اللون الاحمر ويأمر بعدم ازعاجه مهما حدث...
يخرج مسدسه من جبيه..
- ساقتلك ايها المستشار اللعين!!
يخرج اليه وهو في خوف شديد..
- سيدي ما الذي حدث؟
يمسك به بكلا يديه بعد ان يضع المسدس على مكتبه ثم يطرحه ارضا ويجلس على صدره ..
- الا تعرف ما الذي حدث؟
- ( في ذهول) لا يا سيدي!
- انهم يطالبون بازلة صوري وتماثيلي من كافة مدن البلاد!
كأنهم يقولون لي ان ساعة رحيلك قادمة وهذه البداية !
- قم عني سيادة الرئيس يكاد نفسي ينقطع!
ينهض عنه .. يقوم ويصلح من هندامه ويلتقط انفاسه بعمق...
يامره الرئيس بأن يجلس على الاريكة ويجد حلا لما يواجهه..
- حسنا سيدي الرئيس الامر اسهل مما تتصور!
- ان ازالة صورك وتماثيلك في صالحك انت لا هم.
- ويحلك ما تقول!!
- ستنال اعجاب جماهير عريضة من الامة، لا سيما الطبقات المثقفة ، وستحظى باحترام الكثير من دول العالم التي ستظهر لها على انك رئيس شرعي ودستوري، وبذلك ستتحول الى زعيم وطني وليس فقط رئيس للدولة ، وفي المستقبل سيطالب الشعب بوضع صورك وتماثيلك لانك لست فقط رئيس البلاد بل زعيم للامة..
تنفرج اساريه وتغمره الفرحة..
- حقا؟!
يدنوا منه ويحدثه بمكر قائلا:
- سيدي هل شهدت يوما صور رئيس امريكا او رئيس فرنسا في شوارع واشطن
وباريس؟
- لا!
- ورغم ذلك فهما رئيسان شرعيان.
وكذلك ملكة بريطانيا! من النادر ان ترى صور لها في شوارع لندن ، اليس كذلك؟
- كلامك صحيح !
- لا نشاهد صور وتماثيل الرؤساء وعبارات المدح والولاء الطنانة لهم سوى في البلدان التي تحكمها الانظمة الديكتاتورية ، وبقاء صورك وتماثيلك يمنح اعداك فرصة ذهبية للدخول في اوساط الشعب لخلق راي عام يقول بأنك واحد من هؤلاء الحكام الديكتاتوريين وانك مهوس بذاتك وتعاني من النرجسية وان نظامك ليس سوى نظاما شوفينيا حديديا.
- حسنا! ساعمل بما تقول والويل لك ان خرجوا بمطالب جديدة!
**
المارد خرج من قمقمه ولن يعود اليه ابدا.. ذلك هو القانون الازلي .. من يتذوق العسل لا يستسيغ طعام المر ابدا.. ومن يرتدي جلباب العزة لا يقبل ثوب المذلة
ومن يعش بين القصور لا يقبل الا ان يخرج منها الا الى القبور..
التظاهرات تعج بها المدن وتغوص بها الميادين والطرقات... الهتافات تسبح في الفضاء وتتناقلها الالسن وتشدوا بها الافواه .. الالاف يخرجون مطالبين بالمزيد من الحقوق ... لقد اشتعلت نار الحرية فمن ذا الذي يستطيع ان يخمدها؟!
تجتمع الحكومة في مكان سري بعيدا عن هتافات الشبان المتحمسين ..
يجتمع الرئيس بوزراءه في قاعة مغلقة يسودها الهدوء المطبق.. يكادون من فرط سكونها يسمعون نبضات قلوبهم وجريان الدم في عروقهم..
- ماذا يريد هؤلاء مرة اخرى؟ كل يوم يخرجون علينا بمطالب جديدة.
يصمت الجميع.
يلتفت الرئيس الى رئيس استخباراته..
- انت اجب!
- انا سيدي؟
- نعم انت!
- امرك سيدي!
يتصبب العرق من جبينه .. يخرج منديل ليمسح به عرقه..
ينظر للحضور بقلق واضطراب ثم يوجه نظره للرئيس الذي يكاد يتفجر منه الغضب ثم يقول:
- الحقيقة يا سيدي ان عيوننا دخلوا معهم في جدل وحوار ليعرفوا منهم ماذا يريدون فجاهروا بآرائهم دون خوف وبكل وضوح.
- فماذا يريدون؟
- سيدي انهم ..
- قل!
- اولي الامان؟!
- ( بغضب ) او تراني هتلر او موسوليني؟!
- حاشا وكلا سيادة الرئيس!
- قل اذن.
- يقولون سيدي بانكم تشغلون هذا المنصب منذ عشرين عاما وكأن الدولة ملكا لك!!
- ويلك!
- هم يقولون!
- اكمل ثكلتك الثاكلات!
- واي انجاز قمت به هو اداء لواجبك سيدي وليس منة على الشعب وليس لك ان تستغله لكي تبقى على راس الدولة.
- ويحك!
- هذا كلامهم سيدي!
- اكمل لا اكملت!
- وان منصبكم هذا منصب وظيفي ، فانتم موظف كغيركم من موظفي الدولة فانت تتقاضى راتبا شهريا كغيرك!
- يا للهول!!
- وليست الدولة ملكا لك او لغيرك ومن حق اي مواطن الوصول الى هذا المنصب ، لذلك يجب ان تجرى عليه انتخابات وان لا يبقى حكرا لاحد قط.
- وماذا ايضا؟
- ان يسن قانون بعدم شغل هذا المنصب لاكثر من فترتين رئاسيتين.
- ويلهم! لما يريدون ذلك؟ على ماذ يستندون؟ فليفهمني احد!.
ينبري له وزير العدل ...
- اذا سمحت لي استطيع ان اشرح لكم الموضوع.
ينظر له بتعجب واستغراب قائلا:ا
- من انت؟!!
- ( بخوف) انا وزير العدل سيدي!
- ( باستنكار) وزير العدل!!
او لسنا عملنا على جعل القضاء سلطة مستقلة ؟
- نعم سيدي ولكني وزير العدل!!
فلماذا اذن يكون في الحكومة وزارة للعدل!!
- سيدي!
- نعم!
- انا وزير العدل!
- ويلك!!سلطة قضائية ووزارة عدل ! ما العلاقة بينهما؟!
- سيدي!ّ
- اعرف !ّ انت وزير العدل!! افهمنا الموضوع لا فهمت!
- امرك سيدي
-الدولة ليست سوى جهاز مهمته ادارة شئون الوطن، والوطن ليس له معنى او قيمة الا بوجود الشعب، فالشعب على الحقيقة هو من يمتلك الوطن ويمتلك بالتالي الدولة ، والدولة انشات من اجله وله ولا معنى لوجودها من دونه.
- ثم ماذا؟
- فالملك او الرئيس يفقد صفته او منصبه بعدم وجود شعب يمارسه عليه
- اوضح!
- هل يمكن ان يدعي احدا انه ملك دون ان يكون لديه شعب؟
- كلا !
- وهل يمكن ان يكون هناك ملكا من دون سلطة!
- كلا !
- هذا ما يرمون اليه ، فانتم رئيسا على البلاد لان هناك شعبا تمارس عليه سلطتك كرئيس من خلال الدولة ، التي يمتلكها الشعب على الحقيقة والواقع.
المدرسة الحكومية سيدي هل يمتلكها وزير التعليم؟
- ( بانفعال) لا!
- هل يمكن القول بانكم من تمتلكونها بصفتكم الشخصية؟
- كلا انها ملكية عامة!
- اي للشعب !
- نعم ويلك!
- وانتم تتقاضون راتبا شهريا نظير عملكم كرئيس دولة ، وحتى في الدول الديكتاتورية فأن الرؤساء يحصلون على راتب وامتيازات بحكم مناصبهم لانهم وبغض النظر عن سلطاتهم الديكتاتورية فانهم على الحقيقة يعملون في وظيفة من وظائف الدولة.
- اكمل لا اكملت!
- وبما انكم كذلك فلا يحق لكم ان تظلو في منصبكم هذا الى الابد ، يجب عليكم ان تتيحوا الفرصة لاشخاص اخرين لشغل هذا الوظيفة ، فالدولة ملكا للجميع. يصود الصمت ارجاء القاعة ...
تم يستاذن وزير النقل الصحة بالكلام قائلا:
- سيديل الرئيس فلنقل بأن ما يقوله هؤلاء الشبان المتحمسين الغير مدركين لعواقب الامور نظريا ومن حيث المبدا بأنه صحيح ، ما المانع ان تترشحون للرئاسة ؟ أن فوزكم مضمون بنسبة 100% ، ففي عهدكم الزاهر تحققت انجازات لا يمكن لاحد انكارها.
يلتفت الرئيس الى اعضاء المجلس قائلا:
- ما رايكم يا رفاقْ؟.
يعم السكوت ارجاء القاعة..
- جاهروا بارائكم
ينبري له وزير حقوق الانسان!
- أاقول لك سيدي ولي الامان!
- ( باستهجان) من انت؟
- انا وزير حقوق الانسان سيدي!
- حقوق انسان! لم اسمع بهذه الوزارة قبلا!
- سيدي!
- نعم!
- انا وزير حقوق الانسان!
- ويلك قل! لم يوصل الاوضاع الى هذا السوء الا انتم ! كل شخص منك يريد منصب بأي ثمن! تستحدثون مسميات لوزارات ومناصب لا اصل ولا معنى لها!
- سيدي !
- نعم!
- انا وزير حقوق الانسان!
- ويلك قل لا قلت!
- امرك سيدي!
اتعرفون سيادتكم تشرشل؟!
- طبعا اعرفه انه رئيس وزراء اسبانيا!
- لا سيدي! انه رئيس وزراء بريطانيا!
- نعم لقد ذكرته ، انه احد قادة الحرب العالمية الاولى!
- لا الثانية سيدي!
- يا لهذا النهار! اكمل!
- في الحرب العالمية الثانية قاد تشرشل وطنه بريطانيا بجدارة وتمكن من تحقيق انتصارات كبرى وجنبها مخاطر كبيرة جدا ورغم ذلك..
- ماذا؟
- عند انتهاء الحرب اجريت الانتخابات العامة ولكنه لم يفز رغم مكانته وانجازاته وشهرته وقوة شخصية !
- يا للهول!
- سالوا بعض الناخبين لماذا لم تنتخبوا تشرشل فقالوا تشرشل رجلا عظيم وشخصية لامعة ورجل حرب ولكننا قدرنا بانه لا يصلح لكي يقود بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب!
- يا لهذه الشعوب الناكرة للجميل!
- تذكرون سيدي جورج بوش الاب الرئيس ... للولايات المتحدة ؟!
- اعرفه ذلك الذي اطاح بنظام صدام حسين!
- لا سيدي! هو الي قاد حرب تحرير عاصفة الصحراء!
- نعم! نعم ! تذكرت ما شأنه؟
- بالرغم من تاريخه السياسي الكبير وانتصاره الساحق في الحرب الا انه هزم في الانتخابات الرئاسية امام منافسه بيل كلينتون.
- يا للهول!!
يقف عدد من الورزاء هاتفين للرئيس ومعترضين على ما قاله وزير حقوق الانسان ..
فجاة يسمع الجميع هتافات المتظاهرين المطالبين باجراء انتخابات رئاسية..
يتساءل احد الوزراء عن كيفية سماع الاصوات بالخارج رغم انهم موجودين في غرفة الاجتماعات المغلقة ، الا ان الصمت يخيم على الجميع..
ينظرالرئيس لوزراءه قائلا:
- يبدوا بأن كل شي قد انتهى!
يرد عليه وزير العدل:
- عصر الديكتاتوريات والحكومات الفردية انتهي سيدي.
وزير حقوق الانسان:
- عصر دولة الاجهزة انتهى ايضا ، لقد دخلنا عصر المؤسسات.
وزير العدل: - لقد ولى عهد الزعماء وبطولاتهم وبدا عصر الرؤساء المنتخبين والبطولات الجماعية .
يقف الرئيس فيقف له الجميع احتراما ثم يخرج من القاعة متجها نحو غرفة الاجتماعات..
يدخل الغرفة ويغلق بابها على نفسه ويامر الحرس بأن لا يزعجه احد قط
ينادي على مستشاره الذي ياتيه على عجل ..
- سيدي الرئيس منذ زمن لم تاتي لزيارتي!!
يخرج مسدسه ويصوبه نحوه!!
- جئت لاصفي حسابي معك.
- سيدي الرئيس لا تفعل ارجوك ، اقول ذلك من اجلك.
- انت من اشرت علي بكل هذا! و ها انا دا ادفع الثمن . انت السبب!!
يلود مستشاره بالصمت..
- كنت متشبتا بالسلطة وممسكا بالدولة كما الروح ممسكة بالجسد ومتحكمة به
، كنت اتحكم بالدولة كما اتحكم الان بهذا المسدس الذي سوف افرغ رصاصاته في دماغك الذي خرجت منه هذه الافكار الطاغية.
- ( بحزم وقوة) لقد انتهى زمن الزعماء الفوارس يا سيدي ، لا يمكن لك ان تعود بالزمن الى الوراء ابدا!
- ويلك!
يدير ... مسدسه المحشو بالرصاص..
- صدقني يا سيادة الرئيس، اذا ما اتجهت بلادكم نحو شاطى السلام فلن يكون اي شخص بحاجة لان يكون في السلطة حتى يحظى بحقوقه وحريته في وطنه.
يوجه المسدس نحوه تماما...
- مثلما نحن من تراب والى التراب نعود ، كذلك السلطة ، نخرج منها والى الشعب نعود.
يضغط على زناد مسدسه ليفرع رصاصتين في دماغه..
يسمع كل من في القصر ازير الرصاص.. يحاول الحرس دخول الغرفة الا انها كانت مغلقة...
يسود في ارجا الخوف والاضطراب وتعلن حالة الطوارى وينتشر الجنود في كل مكان ..
يتوجه جمعا من الوزراء نحو غرفة الاجتماعات... يامرون الجنود بأن يقتحموا الغرفة ، فيطلقون على الباب وابلا من الرصاص ليفتح على الفور..
يدخلون الغرفة فيرون الرئيس ملقا على الارض والدماء تنزف من راسه ..
تغيب الشمس ليسدل الليل بظلامه الدامس على انحاء البلاد التي تنتظر ميلاد شمس جديدة طال انتظارها.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف